ما هي مسئوليتك؟

ما هي مسئوليتك؟[1]
كل إنسان عليه مسئولية أو بضع مسئوليات، يجب أن يقوم بها. ويكفي في ذلك قول الكتاب: “مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَناً وَلاَ يَعْمَلُ، فَذَلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (يع4: 17).
مسئوليتك عن نفسك
*أول مسئولية للإنسان، هي مسئوليته تجاه نفسه.
أنت مسئول عن تثقيف نفسك، وتدريبها روحيًا، وعن ضبط نفسك أمام الشهوات. وأنت مسئول عن تنفيذ وصايا الله، وفعل مشيئته. فالسيد الرب يقول: “لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ”! (مت7: 21). وأنت مسئول بأن تسلك بالروح، وتنمو في حياة الروح.
وحذار في هذه المسئولية أن تعتذر بالضعف أو بقلة الإمكانيات، أو بالضغوط الخارجية والعثرات. فإن الله لم يقبل الأعذار من أبوينا آدم وحواء، بل عاقبهما (تك3: 11- 19).
وفي مسئوليتك عن نفسك، تذكر قول الرب: “مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟” (مت16: 26).
مسئولية الأسرة
*ثم هناك مسئولية تجاه الأسرة.
مسئولية كل من الزوجين تجاه الآخر (أف5: 22، 25).
ومسئوليتهما معًا عن تربية الأولاد في مخافة الله، تربية تجعل الابن أو الابنة يحب الله، ولا يقع في خطية. وإن وقع يقوم بسرعة.
إن الأبوين يستلمان الطفل من المعمودية نقيًا وطاهرًا، وعليهما أن يقوما نحوه بعمل الأشبين. الأم هي مدرسة الدين الأولى بالنسبة إلى طفلها. وهنا نذكر ما كتبه بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: “أتَذَكَّرُ الإِيمَانَ الْعَدِيمَ الرِّيَاءِ الَّذِي فِيكَ، الَّذِي سَكَنَ أوَّلاً فِي جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ افْنِيكِي…” (2تي1: 5).
كذلك الأب يقول له الرب أيضًا: “لتَكُنْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ التِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا اليَوْمَ عَلى قَلبِكَ. وَقُصَّهَا عَلى أَوْلادِكَ وَتَكَلمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ…” (تث6: 6، 7).
مَنْ مِنْ الآباء يقرأ في الكتاب ويقص على أولاده؟ أليست هذه مسئولية يطالب الرب كل أب في أسرة؟ ومن الذي – حسب الوصية – يتكلم بكلمة الله في بيته؟
المشكلة أن الأسرة تتخلى عن مسئوليتها اعتمادًا على الكنيسة!
وما دام الأبناء يذهبون إلى مدارس الأحد واجتماعات الشباب، يشعر الأب والأم أن مسئوليتهما قد انتهت!! دون مراقبة منهما أو مراجعة للأبناء على ما قد أخذوه واستوعبوه!
كثيرًا ما أسأل أطفال وفتيان مدارس الأحد عن الدرس الذي أخذوه في الأسبوع الماضي، فيجيب غالبيتهم بعبارة “لا أعرف”، أو “لا أتذكر”. فكنت أقول للأمهات: لو شعر الطفل أن أمه سوف تسأله – بعد عودته من مدارس الأحد- عن الدرس الذي أخذه، لكان ينتبه بالأكثر، ويتذكر، حتى لا يخجل من عبارة “لا أعرف”.
إذًا واجب الأسرة أن تساهم في التعليم، وأن تراقب وتراجع.
ولا يظن الوالدان أن مسئوليتهما تنحصر في تربية الأولاد جسديًا، والاهتمام بصحتهم وتعليمهم، واحتياجاتهم المادية والاجتماعية، وإعدادهم للتوظف والتزوج. وهنا تنتهي المسئولية! دون الالتفات إلى التربية الروحية، وهي في قمة الأهمية!…
لا ننسى أيضًا مسئولية باقي أفراد الأسرة، كالأخوة والأخوات. وهنا نذكر ما قامت به القديسة ماكرينا في رعاية أخوتها روحيًا حتى صاروا أساقفة… ولا ننسى أيضًا مسئولية الأجداد والجدات…
مسئولية الكنيسة
وهي مسئولية تتسع وتتطور. فإلى جوار المسئولية الروحية والتعليمية، توجد مسئوليات مادية واجتماعية كثيرة. وكل ذلك يقع على عاتق الآباء الكهنة، وعلى مساعديهم من الشمامسة والخدام، ولجان الكنيسة المتعددة.
المسئولية التعليمية تشمل العظات في الكنائس والمناسبات والاجتماعات، وخدمة مدارس الأحد، وفصول الشباب، والأسرات الجامعية، وما تقيمه الكنيسة من مؤتمرات وخلوات ودورات ثقافية. وما تنشره من كتب ونبذات ومجلات.
والمسئولية الروحية تشمل قيادة الشعب إلى التوبة ومحبة الله، ويدخل فيها سر الاعتراف، والافتقاد، وحل المشاكل الشخصية والعائلية.
أما المسئولية المادية والاجتماعية، فيوضحها قول الرب في (مت25): “جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيًضا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ، الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ” (مت25: 35، 36، 40).
ما أخطر الحرمان من الملكوت عن الذين لم يقوموا بهذه المسئولية.
عليك أنت أيضًا مسئولية من جهة دفع العشور والبكور وحقوق الله في مالك، وطاعة الوصية القائلة “مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ…” (مت5: 42). وأيضًا “مَنْ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَنْ صُرَاخِ الْمِسْكِينِ فَهُوَ أَيْضًا يَصْرُخُ وَلاَ يُسْتَجَابُ” (أم21: 13). وكذلك “لاَ تَمْنَعِ الْخَيْرَ عَنْ أَهْلِهِ حِينَ يَكُونُ فِي طَاقَةِ يَدِكَ أَنْ تَفْعَلَهُ” (أم3: 27).
مسئولية سياسية
عليك مسئولية تجاه وطنك، وتجاه المجتمع الذي تعيش فيه.
منها أن تقيد اسمك في سجل الانتخابات، وتكون لك بطاقة انتخاب، وتستخدمها. وتدلي بصوتك وتختار أفضل العناصر الصالحة لخدمة بلدك. لأنك إن لم تفعل ذلك ستعطي فرصة لغير الصالحين أن يتم انتخابهم.
لا تكن سلبيًا. فالمسئولية تلزمنا أن نكون إيجابيين…
إننا مسئولون أمام الوطن وأمام الكنيسة وأمام ضمائرنا عن السلبية السياسية. وعما تجره هذه السلبية من أخطار عامة وخاصة.
نوعان من المسئولية
هناك مسئولية رسمية، ومسئولية تطوعية…
*المسئولية الرسمية مثل مسئولية الأسقف، الذي تقول عنه الدسقولية: “فليهتم الأسقف بكل أحد ليخلصه”. وكذلك مسئولية الكاهن والشماس.
لقد قال بولس الرسول عن مسئوليته: “قَدِ اسْتُؤْمِنْتُ عَلَى وَكَالَةٍ” “فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ” (1كو9: 17، 16). بنفس الوضع مسئولية “الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا” (لو12: 42). والذي تقف أمامه عبارة “أَعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ” (لو16: 2).
*وخدام مدارس الأحد، لهم مسئولية رسمية، وإن كانت تطوعية.
لقد ائتمنتهم الكنيسة على خدمة أبناء لها، ربما يكونون المصدر الوحيد لتعليمهم. فإن أهملوا في خدمتهم، يكونون مسئولين عن ضياع المخدومين منهم في سن معينة. وبذلك يكونون مدانين أمام الله…
*وكذلك الآباء والأمهات عليهم مسئولية رسمية تجاه الأبناء.
ربما لو أخطأ الابن، يشترك معه في المسئولية أبواه وخادمه.
حقًا، لو أن كل أسرة ربت أولادها في خوف الله، ولو أن كل خدام مدارس الأحد والشباب قاموا بمسئولياتهم بكل أمانة، لصارت الكنيسة مجموعة من القديسين والمفروض فيها أن تكون كذلك.
*كذلك كل من هو في منصب، مسئول عن عمله.
مسئول أمام رؤسائه، وأمام المراقبين والمراجعين. ولو قام كل أولئك بمسئولياتهم في أمانة، ما كنا نسمع عن خسائر في بنوك وشركات. وما كنا نسمع عن حوادث وأحداث سببها عدم الإحساس بالمسئولية، حتى أمام الضمير وأمام الله.
الدعوة في المسئولية
*هناك أشخاص دعاهم الله إلى مسئوليات عينهم للقيام بها، كما قال الكتاب: “الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ… فَهَؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا” (رو8: 29، 30).
على أن هناك نوعًا آخر من الدعوة، يأتي عن طريق الغيرة المقدسة، وشعور القلب، واقتناع الفكر، واقتناع الضمير.
وسنأخذ مثلًا لذلك الأرشيدياكون حبيب جرجس مدير الإكليريكية:
من الذي جعله معلم الجيل الذي عاش فيه؟ لم يطالبه أحد بذلك. ولكن شعوره القلبي وحماسه الداخلي. كما قال في كتابه عن الإكليريكية “كنت أشعر أنني مسئول”.
ليس فقط من جهة الإكليريكية. وإنما أيضًا أسس مدارس الأحد، دون أن يطالبه أحد بذلك. ووجد أن المدارس الابتدائية والثانوية تحتاج إلى كتب لتعليم الدين المسيحي، ففعل ذلك دون دعوة من أحد. ووجد أن الكنيسة تحتاج إلى تراتيل فألفها على ألحان كنسية، دون أن يطالبه أحد بذلك.
لكن ضميره كان يدفعه على القيام باحتياجات الكنيسة.
فأطاع ضميره، مدفوعًا بغيرة مقدسة. واعتبرت هذه دعوة.
*نفس الوضع نقوله بالنسبة إلى حياة التكريس عن حب لله.
كنا خمسة في القسم الليلي بالإكليريكية، تخرجنا سنة 1949. ولكن واحدًا من الخمسة، شعر في قلبه أنه لا بد أن يكرس نفسه لله واستقال من وظائفه وسار في حياة التكريس، وفتح له الله أبوابها.
وكذلك كل المكرسين والمكرسات، دفعتهم محبة الله في قلوبهم، وشعورهم بحاجة الكنيسة إلى خدمة. فكان شعورهم القلبي، وحماسهم الداخلي، واقتناع ضمائرهم، ورضى الكنيسة على تكريسهم… كل ذلك اعتبر دعوة.
*نضرب مثلًا من الكتاب المقدس هو داود النبي.
كان فتى صغيرًا، ورأي جليات الجبار يعير شعب الله ويتحدى الجيش كله. وكان شاول الملك ساكتًا، وكذلك الجيش كله. ولكن داود لم يسكت. وتقدم ليرد على تحدي جليات الجبار. أخوه أليآب وبخه. وشاول الملك قال له: “لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَذْهَبَ… لأَنَّكَ غُلاَمٌ وَهُوَ رَجُلُ حَرْبٍ مُنْذُ صِبَاهُ” (1صم17: 33). ولكن غيرة داود كانت أكبر من هذا كله. وتقدم بالمقلاع والحصاة، فحارب جليات وانتصر بما كان له من إيمان… أين الدعوة في هذه القصة؟ سوى الغيرة والإيمان.
*مثال داود أيضًا نحميا. وكان في السبي.
فلما سمع أن “سُورُ أُورُشَلِيمَ مُنْهَدِمٌ وَأَبْوَابُهَا مَحْرُوقَةٌ بِالنَّارِ”، “الَّذِينَ بَقُوا مِنَ السَّبْيِ… هُمْ فِي شَرٍّ عَظِيمٍ” (نح1: 3). حيئنذ ملكته الغيرة المقدسة. وبكى وصام وصلى، وتحدث مع الملك ارتحشــــــستا. وبدأ قصة إعادة بناء الأسوار… أين الدعوة في هذا كله، سوى الغيرة المقدسة وحماس القلب.
إن كان مجرد شعور القلب بالمسئولية، يفعل كل هذا دون أن يطالبه أحد. فكم بالأكثر من عليه مسئولية رسمية؟
هل إذا وجدت إنسانًا في خطر ويحتاج إلى إنقاذ، أتتردد في إنقاذه منتظرًا دعوة إلهية! أم يدعوك ضميرك وتدعوك الوصية؟
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “ما هي مسئوليتك؟”، مجلة الكرازة 15 سبتمبر 2000م.




