ما هي الخدمة؟

ما هي الخدمة؟[1]
من محاضرات قداسة البابا شنوده الثالث في اجتماع الخدّام
الخدمة ليست مجرد تدريس أو تعليم، وإلا كانت عملًا عقليًا. والخادم ليس مجرد مدرس، وليس مجرد حامل معلومات ينقلها إلى آذان تلاميذه أو أذهانهم…
فما هي الخدمة إذن؟
1- الخدمة محبة:
إنها محبة تملأ قلب الخادم من نحو الله وملكوته، ومن نحو الناس وبخاصة الصغار منهم. هو يحب الله، ويريد أن الجميع يحبونه. وهو يحب الناس ويريد أن يوصلهم إلى الله، وتعبيره عن هذه المحبة التي في قلبه، هو الخدمة.
الخدمة إذن هي حب في القلب، فاض على هيئة الخدمة.
إنها شهوة في قلب الخادم يهتدي كل إنسان إلى الله.
وإذا خلت الخدمة من الحب، تتحول إلى مجرد تدريس ومعلومات، أو إلى مجرد نشاط علمي ..!
2- الخدمة هي غيرة مقدسة:
هي شعلة من النار داخل القلب، كما قال المرتل في المزمور: “غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي” (مز69: 9). وكما قال القديس بولس الرسول: “مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟” (2كو11: 29).
3- الخدمة هي حياة روحية تنتقل:
هي حياة تنتقل من شخص إلى آخر، أو إلى آخرين. حالة إنسان ذاق حلاوة الرب، ويذيقه لآخرين، قائلًا: “ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!” (مز34: 8). إنها حياة تسري من روح كبيرة إلى أرواح أخرى… أو هي حالة إنسان امتلأ بالله، ففاض من امتلائه على الآخرين…
لذلك يمكن أن نقول عن الخدمة:
4– إنها تسليم لا تعليم:
تسليم الحياة… تسليم الصورة الإلهية لآخرين. فالخادم هنا وسيلة إيضاح للحياة الروحية بكل فضائلها. إنه النموذج الحي أمام تلاميذه.
ولذلك فالخدمة هي المدرس، قبل أن تكون الدرس.
5 – الخدمة هي مغناطيسية:
مغناطيسية روحية شديدة الجاذبية، كل من يدخل في مجالها ينجذب إلى حياة الروح. وتكون له القدرة على جذب غيره أيضًا.
6- الخدمة هي شركة مع الروح القدس:
شركة مع روح الله في بناء الملكوت. الروح هو الذي يعمل، ونحن مجرد عاملين معه. كما قال القديس بولس عن نفسه وعن زميله أبولس: “نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ وَأَنْتُمْ فَلاَحَةُ اللهِ” (1كو3: 9). نحن نشترك في العمل مع الله، أو نصبح مجرد آلة يستخدمها الله في العمل …
7- الخدمة هي جسر بين اللّه والناس:
جسر يوصل الناس إلى الله. أو جسر تنتقل عليه عطايا الله إلى الناس. فالخادم يأخذ من اللّه ليعطي للتلاميذ. لا يعطي من ذاته. إنما يقول كما قال السيد المسيح نفسه لله الآب: “الْكلاَمَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ” (يو17: 8).
ما أشبه الخدمة بسلم يعقوب، يصعد عليه الملائكة وينزلون، يصعدون إلى الله ليسألوه ماذا يريد إعطاءه للناس، وينزلون ليقدموا للناس ما يلزمهم…
وبنفس المعنى يمكننا أن نقول عن الخدمة أيضًا:
8- إنها كلمة الله إلى الناس:
كما يقال عن العظة: “نسمع كلمة الرب على فم فلان”، لأن: “لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ” (مت10: 20). ولذلك ما أجمل ما قيل عن كل رسالة من الرسائل المقدمة إلى الكنائس السبع التي في آسيا: “مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ” (رؤ2، 3). ونحن نفرح هنا بعبارة (ما يقوله الروح). ليتك في خدمتك توصل بأمانة (ما يقوله الروح).
9- الخدمة هي عمل الملائكة والرسل:
وهكذا قال القديس بولس الرسول عن الملائكة: “أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!” (عب1: 14). وقال عن نفسه وعن سائر الرسل أن الرب: “أَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ… إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ” (2كو5: 18، 20).
10- والخدمة هي عمل الرب نفسه:
هذا الذي قال: “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مر10: 45).
11- الخدمة هي عطاء مستمر:
عطاء لكل أحد، وفي كل مكان: في البيت في محيط الأسرة، وأيضًا في محيط العمل، ومع كل من يحتاج إلى خدمة. بل إن الخدمة هي طبيعة عطاء عند الخادم: مثلما الشمس من طبيعتها أن تعطي حرارة ونورًا، ومثلما الشجرة من طبيعتها أن تعطي ظلًا أو ثمرًا. أو مثل الينبوع من طبيعته أن يعطي ماءً وريًا… هكذا الخادم من طبيعته أن يعطي… وهكذا يمكننا أيضًا أن نقول…
12- الخدمة هي خير متحرك:
مثلما قيل عن السيد الرب أنه: “الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا” (أع10: 38). هكذا الخادم: صنع الخير هو طبيعة تلقائية فيه، كل من يقابله ينال من هذا الخادم خيرًا، ينال منه بركة، أو كلمة منفعة، أو معونة…
13- الخدمة هي غذاء روحي:
غذاء يقدمه الخادم للمخدومين، حسبما قال الرب: “مَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟” (لو12: 42). يعطيهم وجبة دسمة من الكتاب والتأملات وسير القديسين، ومن التراتيل والألحان. بل ومن اللاهوت والعقيدة، أيضًا في أسلوب روحي محبب للنفس، يربطهم بالله ويجذبهم إلى صفاته الجميلة…
14- الخدمة هي أبوة وأمومة:
إنها نابعة من أبوة الله، وأمومة الكنيسة. سمح الله أن تمتد وسط أولاده. لذلك تظهر فيها كل مشاعر الحنان والعطف، وكل أساليب الرعاية والاهتمام…
15- الخدمة دَيْنٌ علينا:
دينٌ علينا نحو الكنيسة التي ربتنا وعلمتنا، وعلينا أن نخدمها كما خدمتنا، بل الخدمة دينٌ علينا نحو الله نفسه، الذي أحبنا كل الحب، ومنحنا أن نعرفه، وعلمنا طرقه. وعلينا أن نحبه بالمثل، ونظهر هذا الحب نحو أولاده، الذين تركهم وديعة في أيدينا…
ولهذا نخرج بنتيجة هامة وهي أن:
16- الخدمة واجب:
إنها واجب روحي على كل إنسان…
كل إنسان يحب الله ويحب الناس، لا بد أن يخدم…
إنه لا يستطيع أن يرى أُناسًا يهلكون أمامه، وهو صامت… فالمرأة السامرية لما عرفت المسيح، ذهبت مباشرةً لتخبر الناس وتحدثهم عنه قائلة: “هَلُمُّوا انْظُرُوا…” (يو4: 29). فتحولت ليس فقط من خاطئة إلى تائبة، بل بالأكثر إلى إنسانة تحب المسيح وتحدث الناس عنه…!
كل إنسان إذن يمكنه أن يخدم، ولكن حسب تنوع المواهب…
فإنسان يخدم في مجال التعليم، إن أذنت الكنيسة له… وآخر يخدم الفقراء. وثالث يقدم أعمال محبة لكل أحد. ورابع يخدم بالقدوة الصالحة…
فإن قَصَرت في الخدمة لا بد أن تعترف بهذا أمام أبيك الروحي، لأن تقصيرك في الخدمة، يدل على أن محبتك غير كاملة نحو الناس، ونحو الملكوت، ونحو الله وأولاده…
17- الخدمة أمانة ووزنة:
أولاد تركهم الله أمانة في أعناقنا، وسوف يسألنا عنهم واحدًا واحدًا، ماذا فعلنا في بنيانهم الروحي…
إذن الخدمة مسؤلية أمام الله والكنيسة، ومسؤلية خطيرة….
ولكي تعرفوا خطورتها، اعلموا أن الخادم منكم ربما يكون المصدر الوحيد للذين في هذه الفترة من حياة أولاده… ربما لا يجدون في البيت ولا في المدرسة ولا في المجتمع، مصدرًا آخر يغذيهم روحيًا. فإن لم يجدوا هذا الغذاء الروحي في الكنيسة على يد الخادم، قد تضيع حياتهم بسبب إهمال هذا الخادم…
18- الخدمة روح وليست رسميات:
يظن البعض أن الخدمة هي مجرد الشكل الخارجي: دفتر تحضير منظم، تتميم على الأولاد، افتقاد، شرح، تحفيظ… وينتهي الأمر عند هذا الحد! بينما هي روح… هي روح الخادم التي يمتصها أولاده. هي الروح التي يُلقى بها الدرس، والروح التي يتعامل بها الأولاد. هي قلب الخادم قبل لسانه… هي حرارته القلبية، قبل وسائله التربوية.
19- الخدمة واسطة روحية للنمو:
ليس للأولاد فقط، إنما للمدرس أيضًا، الدرس الذي لا يتأثر به الخادم شخصيًا، ويكون له فاعلية في حياته، لا يمكن لهذا الدرس أن يؤثر في المخدومين… إذن فالدرس هو واسطة روحية له هو، ينمو به روحيًا، ومعه ينمو أولاده.
والمدرس الذي يظن أن الدرس هو لتلاميذه فقط، ليس هو خادم بالحقيقة… إنما الكلام الذي يقوله لهم، ينبغي أن يلتزم به هو أيضًا. وهم يرون هذا الكلام منفذًا في حياته…
20- الخدمة هي قوة فعالة:
هي قوة الروح العاملة في الخادم وفي المخدومين، هي قوة كلمة الله التي لا ترجع فارغة (إش55: 11). كقوة الحياة التي في البذرة: تلقيها في الأرض، فلا تكف عن العمل والنمو، حتى تعطيك ثمرًا، ثلاثين وستين ومائة (مت13: 8) …
وهذه النقطة الأخيرة، نود أن تكون موضوعًا قائمًا بذاته.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “التربية الكنسية – ما هي الخدمة؟”، الكرازة 10 أغسطس 1990م.



