ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟

يشرح قداسة البابا شنوده الثالث في هذه العظة العميقة معنى قول السيد المسيح: “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟” مؤكدًا أن النفس هي أثمن ما يملك الإنسان، وأن خسارتها تعني فقدان الوجود الأبدي والاتحاد مع الله. فمهما كانت مكاسب العالم من مال أو مجد أو لذة، فإنها لا تساوي شيئًا إذا خسر الإنسان خلاص نفسه.
🔸 أولًا: معنى النفس في الكتاب المقدس
يُوضح البابا أن كلمة “نفس” في الكتاب المقدس تأتي بثلاث معانٍ:
-
عنصر الحياة في الجسد، كما يُقال “لفظ أنفاسه الأخيرة”.
-
بمعنى الروح أحيانًا.
-
بمعنى الإنسان كله، مثل قول الكتاب: “دخل نوح الفلك وخلصت معه ثمانِ أنفس.”
وعليه، فحين يقول المسيح “خسر نفسه” يقصد أن يخسر الإنسان ذاته كلها، أي حياته الأبدية وروحه وعلاقته بالله.
🔸 ثانيًا: النفس عطية عظيمة من الله
خلق الله النفس بعقلٍ وضميرٍ وإرادةٍ وحريةٍ وعواطفٍ وروحٍ. وهي صورة مصغرة من العالم – “الميكروكوزموس” كما سماها الفلاسفة. الله منح الإنسان حرية الاختيار بين الخير والشر، ولم يُرغمه على الصلاح. النفس إذًا أمانة في يد الإنسان، يختار خلاصها أو هلاكها.
🔸 ثالثًا: خطورة إهمال النفس
يحذّر البابا من أن كثيرين لا يهتمون بخلاص أنفسهم، بل يعيشون للملذات الزائلة. والأسوأ أن بعضهم يهلك نفسه بيده – بالخطيئة أو الشهوة أو الإدمان أو الأنانية – ظانًا أنه يتمتع، بينما هو يُهلك ذاته. لذلك قال الله في سفر التثنية: “قد جعلت أمامك الحياة والموت، فاختر الحياة لكي تحيا.”
🔸 رابعًا: من أحب نفسه يهلكها
يشرح البابا قول المسيح: “من أحب نفسه يهلكها.” أي من أحب نفسه محبة خاطئة، يسعى وراء الرفاهية والمجد واللذة، يضيعها. أما من يبغض نفسه من أجل الله، أي يضبطها ويؤدبها ويمنع عنها الشهوات، فهو في الحقيقة يحبها محبة حقيقية تحفظها للخلاص.
🔸 خامسًا: ضبط النفس طريق النجاة
النفس تحتاج إلى قيادة قوية: تضبط الفكر، والنظر، والرغبات، والكلام.
من يسيطر على نفسه هو الذي يحبها حقًا، أما الذي يتركها تنجرف في شهوات العالم فهو يدمّرها.
يقول البابا: “احكم نفسك، وبكّت نفسك، ووبّخها، حتى لا تضيع.”
فالصوم وضبط الحواس والضمير اليقظ هي وسائل لحفظ النفس نقية.
🔸 سادسًا: أمثلة من الكتاب المقدس
-
آدم اختار العصيان فخسر نفسه.
-
سليمان ظن أنه يسعد نفسه بالترف، فكاد أن يهلكها.
-
الغني الغبي قال لنفسه: “افرحي وكلي واشربي”، فسمع: “يا غبي، في هذه الليلة تؤخذ نفسك منك.”
أما موسى فاختار الذل مع شعب الله على لذة الخطية، ويوسف فضّل السجن على الخطيئة، وبولس الرسول قال: “خسرت كل الأشياء وأحسبها نفاية لكي أربح المسيح.”
🔸 سابعًا: من يضيع نفسه يضيع غيره
ينبّه البابا أن من يخسر نفسه قد يُسقط آخرين معه، مثل الشيطان الذي سقط وجذب معه كثيرين. فالإنسان الذي يضلّ يجرّ وراءه آخرين. لذلك على كل مؤمن أن يسعى لخلاص نفسه وخلاص الآخرين معًا.
🔸 ثامنًا: طريق حفظ النفس
-
راقب نفسك دائمًا كما يقول الكتاب: “لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك، لأنك إن فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضًا.”
-
اتهم نفسك بدل أن تبررها.
-
تب بتواضع ولا تبرر خطاياك.
-
أطلب من الله أن ينقذك من نفسك قبل أعدائك.
-
احرص على نقاوة النفس بالصلاة والاعتراف والتوبة الدائمة.
🔸 خلاصة البابا الروحية
النفس هي الكنز الوحيد الذي لا يُعوَّض.
العالم كله لا يساويها، لأنه زائل، أما النفس فهي خالدة.
لذلك يقول البابا:
“احفظ نفسك، فهي أثمن من العالم كله، لأنك إن خسرتها، لا شيء في الوجود يعوضك عنها.




