ماذا لو لم تكن هناك قيامة؟!

ماذا لو لم تكن هناك قيامة؟![1]
أهنئكم يا أخوتي وأحبائي بعيد القيامة المجيد راجيًا لكم فيه كل خير، ومصليًا من أجل بلادنا العزيزة، ومن أجل الرئيس المحبوب محمد حسني مبارك أن يجعل الله رحلته إلى أمريكا موفقة وناجحة من أجل قضية السلام التي يتبناها ويدافع عنها بكل أمانة وصدق وبكل حكمة وشجاعة، وليعد إلينا سعيدًا بكل ما يتمكن من إنجازه وأرجو لكم جميعًا بركة في مناسبة عيد القيامة التي ستكون اليوم موضع تأملاتنا بما توحيه من أفكار.
لكي ندرك أهمية القيامة ولزومها، علينا أن نتخيل هذا السؤال ماذا كان سيحدث لو لم تكن هناك قيامة؟ ونرى نتائجه الخطيرة…!
1- لو لم تكن قيامة، لكان مصير الإنسان إلى الفناء.
ولأصبح الإنسان كالحيوان الذي يموت وينتهي تمامًا ولا يعود إلى الوجود. وحينئذ نسأل: ما هي إذن الميزة التي يتميز بها هذا الكائن البشري العاقل الناطق، الذي وهبه الله العلم وموهبة التفكير والاختراع، والقدرة على صنع مركبات الفضاء التي توصله إلى القمر والمريخ، وتدور به حول الأرض، وترجعه إليها سالمًا، وحاصلًا على صور ومعلومات… هذا الإنسان الذي قام بمخترعات أخرى مذهلة كالكومبيوتر والفاكس وال Mobile phone وغيرها…
هل يعقل أن هذا الإنسان العجيب الذي سلّطه الله على نواح عديدة من الطبيعة، يؤول جسده إلى مصير كمصير بهيمة أو حشرة أو بعض الهوام؟! إن العقل لا يصدق هذا…!
وإلا لماذا خلقه الله بهذا الوعي، ومنحه كل هذه المواهب؟! وهو الوحيد الذي ائتمنه الله على الوحي، وأرسل له الأنبياء، وصنع معه المعجزات… إن كان مصيره ينتهي إلى الفناء، وحفنة من تراب!!
وهذا لا يتفق أيضًا مع وعود الله له بالحياة الأبدية، وبالسماء…!
ولو لم تكن قيامة، لكان جسد الإنسان لا يتميز عن جميع المخلوقات الأخرى ذوات الأجساد، بينما هو يستطيع بما وهبه الله أن يسيطر عليها جميعًا، وأن يقوم لبعضها بواجب الرعاية والاهتمام إن أراد، وأن يقوم على البعض الآخر بحق السيطرة والاستخدام…
فإن لم تكن هناك قيامة، وأصبح مصير جسده كمصير باقي تلك الكائنات غير العاقلة، إذن لزالت كرامة هذا البشري السيد الذي سلطه الله على غيره من الكائنات الجسدية…!
لو لم تكن قيامة، لضاعت المسئولية الضميرية وخشية الحساب الأخير. فمن المعروف أن الإنسان حينما يقوم من الموت، يقف أمام منبر الله العادل ليعطي حسابًا عن كل ما فعله بالجسد خيرًا كان أم شرًا، يعطي حسابًا ليس فقط عن أعماله، وإنما أيضًا عن نياته وأفكاره ومشاعره الداخلية…
ومادام سيقوم، فإنه لذلك يحيا حياة التدقيق والحرص، حياة البر والفضيلة التي يقف بها أمام الله في يوم الدين بلا خوف، وأمام الناس بلا خجل. فإن لم تكن هناك قيامة ولا هناك حساب، ولا خوف ولا خجل… إذن على رأي المثل “من لا يستحي، فليفعل ما يشاء”!!
إذن لو لم تكن قيامة، لانتشر الفساد، وانتشرت الأبيقورية التي تقول: “لْنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَدًا نَمُوتُ!” (1كو15: 32) إذن لتهالك الناس على ملاذ الدنيا وعلى شهواتها، مع السعي إلى المادة بكل قوة ولهفة…!
ولو لم تكن قيامة، لسادت في العالم شريعة الغاب، وأكل الناس بعضهم بعضًا، واستبد القوي بالضعيف، وساد الظلم والقسوة…! بل لانعدمت المبادئ والقيم أو قل شأنها وتأثيرها إلى حد بعيد…!
لو لم تكن قيامة، لأصبح الموت رعبًا، وزالت الشجاعة والتضحية!!
حاليًا، لا يخاف الشجعان الموت على رجاء القيامة. ويتقدم الشهداء إلى الموت غير هابين، لأنهم يعرفون أن الموت ليس هو نهاية حياتهم، بل يرونه بابًا مفتوحًا لحياة في الأبدية لا تنتهي…
كذلك أي إنسان يموت، يكون له عزاء في الحياة الأخرى. وبهذا يمكن أن يتقبل الموت بغير جزع. أما إن لم تكن هناك قيامة وحياة بعد الموت، فإن الموت يكون مخيفًا، إذ يمثل نهاية ومأساة. وهذا ما كان يحدث للملحدين، وللطوائف التي تنكر القيامة والروح كالصدوقيين مثلًا.
إن لم تكن هناك قيامة، فإن موت أحبائنا وأصدقائنا وأقاربنا يكون سبب حزن شديد جدًا لنا لا عزاء فيه.
إن عزاءنا في موت أحبائنا هو إننا سنراهم في العالم الآخر. ونقول للرب في صلواتنا “إنه ليس موت لعبيدك بل هو انتقال”. لذلك نقيم لهؤلاء الراحلين عنا تذكارات في مناسبات عديدة. ونثق أنهم سيقومون في اليوم الأخير وسنراهم وتستمر علاقتنا بهم.
نفس الكلام نقوله عمن نعجب بهم من أصحاب المواهب ومن مشاهير الناس الذين عاشرناهم، ولهم في قلوبنا صلة تقدير… فإن لم تكن قيامة، سنحزن جدًا إذ تنقطع صلتنا بكل التاريخ الذي عاصرناه والذي سمعنا عنه، وأيضًا تنقطع صلة هذا التاريخ بنا…!
أما الإيمان بالقيامة فقد فتح للبشرية رجاء أوسع من هذا: ليس فقط في تلاقي الأحباء والأصدقاء، وإنما أيضًا في تلاقي الأجيال كلها…
حيث يلتقي الناس هناك في السماء مع أبينا آدم وأبينا نوح وأبينا إبراهيم وسائر الأنبياء، ومع جميع الأبرار في جميع العصور…
ستلتقي الأجيال كلها هناك في القيامة. وإن لم تكن قيامة، لا يكون مثل هذا اللقاء المفرح للنفوس. ولعاش الناس في جيل محدود، وفى زمن محدود لا يتعدونه… ولانقطعت صلتنا جميعًا بالأبرار وشفاعتهم.
وإن لم تكن قيامة، إذن سوف لا تكون لنا صلة بالسماء وسكانها…
ولا أقصد بالسماء، هذه التي نراها بأعيننا. إنما أقصد السماء التي يسكنها الملائكة والتي هي عرش الله… هذه التي لنا أمل فيها بالقيامة والحياة الأخرى، حيث نعيش في السماء بعد القيامة.
فإن لم تكن قيامة، سنحرم من السماء ومن الملائكة وكل الطغمات السمائية. ويكون كل حديثنا عن النعيم الأبدي، وعما لم تره عين ولم تسمع به أذن وما لم يخطر على قلب بشر… أيكون هذا أيضًا كأنه أحلام أو أوهام؟!
وإن لم تكن قيامة ولا سماء، فما معنى أن الأبرار بعمل الخير يكنزون لهم كنوزًا في السماء، تُحفظ لهم حين يصلون إليها؟!
وإن لم تكن هناك قيامة، فسُنحرم من الحياة المثالية التي في الحياة الأبدية.
نُحرم من ذلك الجو الروحي الذي هناك: حيث لا خطيئة ولا فساد ولا مؤامرات ولا انقسامات ولا شيء من الأخطاء التي في عالمنا… وأيضًا حيث لا تعب ولا ضيق ولا مرض ولا حزن ولا بكاء… بل الجو الذي يسوده السلام والألفة والحب. هذا الأمر الذي نشتهيه ونترجاه، ونحلم أن نراه في العالم الآخر… هل سنُحرم من هذا كله؟!
وهل سنُحرم من الحياة المتجانسة في العالم الآخر، التي فيها البشرية كلها معًا بكل أجناسها، بلغة واحدة، يتفاهمون تلقائيًا بغير حاجة إلى مترجم… وكلهم بفهم واحد، ومفاهيم واحدة… حيث تبطل الألسنة واللغات التي تميز مجموعة عن أخرى…! هل سنُحرم من هذا الجو، إن لم تكن قيامة؟!
لو لم تكن قيامة، لما كان هناك تعويض للذين عاشوا حياة مؤلمة أو حياة بائسة على الأرض!
نذكر من بين هؤلاء المعاقين جسديًا، كالعرج أو الكسح، والصم والبكم، وأصحاب الأمراض المستعصية التي كلها ألم، أولئك الذين كانوا يأملون في حياة ما بعد الموت، ينقذهم الرب فيها من عاهاتهم ومن آلامهم الجسدية والنفسية. أيقفد هؤلاء الأمل إن لم تكن هناك قيامة…!
وكذلك هل يعيش المكفوفون في عمى على الأرض، دون أي أمل في أن يرد الله لهم البصيرة في حياة أخرى، إن لم تكن هناك قيامة!
وأيضًا الذين عاشوا في فقر وعوز، أو في وظائف محتقرة، أو كانوا خدامًا أو عبيدًا لغيرهم، أو تحت معاملة قاسية ممن لهم عليهم رئاسة أو سيادة… والذين قاسوا في حياتهم الظلم والإهانة أو التشريد والسبي… وأمثال هؤلاء… هل لا يأملون إطلاقًا أن يرد الله اعتبارهم في العالم الآخر، إن لم تكن هناك قيامة وعالم آخر!!
إن عدم وجود قيامة يوجد إحباطًا ويأسًا عند كل تلك الأمثلة من الناس، وإنه إن لم يكن هناك عدل ومساواة في هذه الحياة الأرضية، فكيف لا يوجد بعد الموت لون من التعويض؟!
وإن لم تكن هناك قيامة، إذن لا تكون هناك مكافأة للأبرار الذين جاهدوا من أجل حياة الفضيلة على الأرض.
أولئك الذين عملوا الخير في الخفاء، وحرموا أنفسهم بسبب تفانيهم في فضيلة العطاء، وجاهدوا من أجل البعد عن كل إغراء…
وواظبوا بكل حرص على الصلاة والصوم. وبعضهم عاش في نسك وزهدوا، رافضين متع الجسد من أجل المتع التي يتمتعون بها بالروح في السماء. وعاشوا حياة الاحتمال والصبر، وضبط النفس، ومكافحة الشهوات…
هل كل هؤلاء لا تكون لهم مكافأة في حياة أخرى، ثوابًا من الله عن كل تعبهم وجهادهم الروحي على الأرض؟! بل يتساوون مع الأشرار الذين نهبوا الأرض نهبًا، وتهالكوا على الشهوات، وعاشوا بكل فساد في حياتهم الأرضية، دون أية عقوبة، مادام الموت قد ساوى بين الكل، ولا قيامة!!
أي عدل يكون هذا؟! وهل يقول الأبرار إذن في أنفسهم: قد خدعنا الأنبياء بحديثهم عن الجنة والنار. وعن الثواب والعقاب!! حاشا لله أن يكون هذا، ويتساوى البار والأثيم، ويضيع أجر من أحسن عملًا…!
وإن لم تكن قيامة، ألا يكون هذا ضد الإيمان!!
وأيضًا ضد وعود الله! وضد الوحي الإلهي! وضد الدعوة إلى التضحية وبذل الذات! وضد كل ما تعلمناه عن السماء والحياة الأبدية! وعن النعيم والجحيم! وضد الصلة بين سكان السماء وسكان الأرض!
إذن لابد أن تكون قيامة، ولابد أن يكون حساب، وأن يكون هناك ثواب وعقاب… فالدين يقتضي هذا، وأيضًا العقل والمنطق يلزمنا أن، نؤمن بهذا…
ومادامت القيامة عقيدة وضرورة، فينبغي أن نستعد لها…
عارفين أن حياتنا الأرضية-مهما طالت-لا تقاس شيئًا إلى جوار الحياة الأبدية التي لا نهاية لها، والتي هي المصير الحقيقي لجميعنا…
فلنستعد للأبدية بعمل الخير في كل مكان، ومع كل أحد. لأن كل خير نعمله هنا، سنلقى جزاءه هناك في السماء أضعافًا مضاعفة ولنبعد عن كل شر وشبه شر. لأن الخطيئة تبعدنا عن الله وملائكته وعن السماء وكل سكانها من أرواح الأبرار…
ولنفرح بأن الله قد أعّد لنا حياة بعد الموت، يستمر فيها وجودنا فلا يقتصر على هذه الحياة الأرضية المحدودة التي تشوبها آلام وضيقات..
ولنشكر الله الذي أعّد لنا نعيمًا أبديًا، أسمى من كل ما رأيناه في أفراح الأرض الزائلة ومتعها التافهة…
وبهذه المناسبة أرجو لكم جميعًا كل سعادة وبركة.
ولنصل من أجل مصر ورخائها، ومن أجل الشرق الأوسط والسلام في كل ربوع أراضيه وبخاصة في فلسطين والعراق. وليضع الله حدًا لتلك الحروب والشقاقات، ويعود الهدوء إلى المنطقة. وكل عام وأنتم جميعًا بخير.
[1] [1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثانية والثلاثون – العددان 13، 14 (23-4-2004م)




