لقاءات الرب مع خليقته

بمناسبة ظهور السيد المسيح لتلاميذه بعد القيامة، نود أن نتحدث عن ظهورات الرب الكثيرة وأسبابها المتعددة، ولقاءاته مع الناس.
لقاءات الرب مع خليقته1
لقد ظهر الرب لكثيرين، وكلمهم فمًا لأذن… منذ آدم…
لا شك أنه تواضع من الرب أن يتنازل ويظهر للناس، ويتحدث معهم، ويصغي إلى حديثهم، وينزل بنفسه إليهم…
لقد نزل الله لآدم في الجنة، وتكلم معه، وتكلم مع حواء أيضًا. بل تكلم مع الحية، مع الشيطان (تك3).
تواضع عجيب من الله أن يتحدث مع الشيطان، وأن يسمح للشيطان بأن يجادله، كما في سفر أيوب (أي1، 2) … إنه لون آخر من إخلاء الذات. سبق التجسد…!
الله كلم كثيرين من البشر في مناسبات متعددة، نود هنا أن نستعرض بعضها، فنجد أن البعض كلمهم لأجل الدعوة.
+ لقاءات سببها الدعوة الإلهية:
دعوة للخدمة، وللعشرة الإلهية، وللشركة مع الرب… ولهذا السبب كان لقاء الرب مع إبراهيم ونوح وموسى وشاول الطرسوسي، وغيرهم…
ظهر الله لإبراهيم لكي يدعوه إلى صداقته، والمعيشة معه، بعيدًا عن مساكن الأشرار. فقال له: “أترك أهلك وعشيرتك وبيت أبيك، واذهب إلى الجبل الذي أريك إياه. فأباركك وأجعلك بركة. وأبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه” (تك 12) … لقاء مع اتفاقية وعهد… وهكذا كان لقاؤه مع نوح أيضًا.
إننا لا نعرف متى يقابلنا الرب، أو أين. لكننا نعرف أن للرب موعدًا معنا… كيف؟ ومتى؟ وأين؟ لسنا ندري.
الله دعي موسى من العليقة المحترقة في البرية، بطريقة غير متوقعة… وتناقش معه، وأعطاه نعمة وقوة، وأدخله في خدمته، وعالج له أسباب امتناعه…
شخص آخر دعاه الرب لخدمته، بلون من العتاب الصريح…
ذلك هو شاول الطرسوسي. قابله الرب في الطريق “وقال له “شاول شاول، لماذا تضطهدني؟”. يضطهدك من ذا الذي يستطيع أن يضطهدك يا رب؟! إنك تستطيع أن تجعل الأرض تبتلعه، أو تنزل نار من السماء وتحرقه…! نعم، أنا أستطيع ذلك، ولكني أريد أن أكسبه بالحب، بالحوار الودي.
صعب عليك يا شاول أن ترفس مناخس. إن حبي لك، أقوى من عداوتك لي. والبركة التي أريد أن أعطيك إياها، أقوى من الاضطهاد الذي تفعله بي وبكنيستي. لذلك ستنتصر محبتي على اضطهادك…
وقد كان. ورأينا شاول الطرسوسي عجينة لينة في يد الرب عندما ظهر له. وبسرعة عجيبة تحول من مضطهد للكنيسة إلى كاروز ومبشر يبذل نفسه لأجلها… محبة الرب أذابت كل قساوة في قلبه. فصار إناءً مختارًا، وبادل الرب حبًا بحب. وقال “خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية، لكي أربح المسيح” “مع المسيح صُلبت، لكي أحيا لا أنا، بل المسيح الذي يحيا فيّ”…
هناك أشخاص- مثل شاول- لاقاهم الرب، ليدعوهم إليه. وهناك آخرون التقي بهم في ضيقاتهم، ليخفف عنهم…
لقاء في الضيقات:
كثيرون في ضيقاتهم قابلهم السيد المسيح الحنون الذي يقول:
“تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم…”.
من أجمل هذه اللقاءات وأعجبها وأقواها، لقاء الرب بالثلاثة فتية في أتون النار. مشى معهم في الأتون، فلم يحترقوا، ولم تدخل رائحة النار إلى ثيابهم. لم يختلف مشيه معهم عن مشيه مع آدم في جنة عدن.
حقًا إذا حل الله في أتون النار، تحول الأتون إلى فردوس. إذا مشى الله معنا في الضيقة، تحولت الضيقة إلى نعمة وبركة..
نحن يا رب نريد أن نمشي معك ونريد أن نلتقي بك، لا يهم في جنة عدن، أو في أتون النار، أو في بطن الحوت كيونان، المهم أن نلتقي بك، وكفى…
والله من جانبه يقول لنا: لا تخافوا من الضيقات والمتاعب.
أنا سوف لا أمنع عنكم النار، لكن سأسير معكم فيها.
سوف لا أمنع عنكم المتاعب والضيقات، لكن سأحملها عنكم.
لذلك سمح الله أن يُلقى دانيال في جب الأسود، ولكن أرسل ملاكه فسد أفواه الأسود. وسمح أن يُلقى بطرس في السجن، ولكن أرسل ملاكه ففك له السلاسل وفتح له الأبواب. وسمح أن يُنفى يوحنا إلى بطمس، ولكن ظهر له هناك، وأعلن له ما لم يره أحد.
الذي يسير مع الرب لا يخاف، بل يقول كداود: إن سرت في وادي ظل الموت، لا أخاف شرا، لأنك أنت معي.
أولاد الله لا يهمهم نوع الطريق الذي يسيرون فيه. كل ما يهمهم أن يسير الله معهم فيه. هم لا يختارون لأنفسهم الطريق. الرب هو الذي يختار، وهو يصحبهم فيه. يعقوب هرب من وجه أخيه عيسو. ولكن الله قال له “أنا معك، وأردّك إلى هذه الأرض”. تقابل معه في ضيقته، وعزّاه.
كل هذا يجعلنا نفهم المبدأ الخطير الذي وضعه الله:
أنا سوف لا أستأصل الشر من الأرض. سيبقي الشر، ولكني سأحميكم منه. سيبقى الزوان مع الحنطة إلى يوم الحصاد، وسينموان معًا، ولكني سأحمي الحنطة من الزوان…
هكذا نري من بدء الخليقة أن الله لم يقل “لا تكن ظلمة”، وإنما قال “ليكن نور”. فكان نور، وبقيت الظلمة، وفصل الله بين النور والظلمة… لقد هجم سلطان الظلام على السيد المسيح وحوكم المسيح ظلمًا وأهين وجلد وصلب ومات. ولكن النور انتصر أخيرًا، بالقيامة إذًا ماذا يكون موقفنا من الظلم والظلمة؟
يقول الكتاب “بصبركم تقتنون أنفسكم”. أصبروا لا تقاوموا الشر. في يوم الحصاد سيرسل الرب منجله، وينزع الزوان من الأرض.
“لا تقاوموا الشر”. “لا تنتقموا لأنفسكم”. من سخّركم ميلًا، امشوا معه اثنين… وماذا بعد؟ “الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون” لا تلجأوا إلى الحيل البشرية، ولا تعتمدوا على ذراعكم البشري… في وسط الضيقة، أنا سألتقي بكم، سأمشي معكم في الأتون كما مشيت مع الثلاثة فتية…
عندما شهد المولود أعمى للمسيح، طردوه خارج المجمع. وفيما هو خارج المجمع قابله المسيح، وكشف له ذاته، ومنحه الإيمان.
لا تحزن يا ابني إذا طردوك خارج المجمع، أنا أيضًا سيخرجونني خارج المحلة… احتمل، واحمل صليبك. أنا أيضًا سأحمل صليبًا. سأحمل جميع صلبانكم. سآخذ جميع متاعبكم، وأحرقها عند الشمس..
إيليا هرب من إيزابل، فقابله الرب في خوفه، وعزّاه وقوّاه.
قال إيليا للرب “هدموا مذابحك، وقتلوا أنبياءك، وبقيت أنا وحدي، وهم يطلبون نفسي ليهلكوها”. فعزّاه الرب: لست وحدك، فإن لي 7000 ركبة لم تنحن لبعل. وإيزابل هذه ستلحس الكلاب دمها. أما أنت فانتظر الرب.
كل الذي بيننا وبين الشر هو عامل الزمن فقط، لابد أن ينهزم الشر أخيرًا. ولكن المهم متى ينهزم؟ إن هذا الزمن هو في قبضة الله وحكمه تدبيره.
سيحرق الله الزوان، وسيبيد الظلمة. وللرب حرب مع عماليق من دور إلى دور. أما نحن فلننتظر الرب. مهما تأخر، لابد سيأتي، ويقيم العدل على الأرض. إن الله يلتقي مع المتضايقين لينقذهم. ولكن له لقاء من نوع آخر مع الخطاة…
+ لقاء الرب للعقوبة:
التقي الرب مع قايين، لا ليعطيه نعمة بل ليسمعه العقوبة. والتقى مع الغني الغبي ليقول له “في هذه الليلة تؤخذ نفسك منك، فهذا الذي أعددته لمن يكون؟”… هناك لقاءات كثيرة للدنيوية، فاحذروا، واتّعظوا بقول الكتاب.
“لئلا يأتي بغتة فيجدكم نيامًا” “يأتي سيد ذلك العبد، في اليوم الذي لا يتوقعه، وفي الساعة التي لا يعرفها، فيشقه من وسطه، ويجعل نصيبه مع عديمي الإيمان”.
إنه سيأتي مرة أخرى للدينونة، ليدين الأحياء والأموات، ليعطي كل واحد حسب أعماله. يأتي في مجده على سحاب السماء، فتنوح عليه جميع قبائل الأرض. يقولون للجبال غطّينا، وللتلال أسقطي علينا. تذوب الجبال مثل الشمع من قدام وجه الرب… وحقًا كما يقول الرسول…
“مخيف هو الوقوع في يدي الله الحي” (عب10: 31).
على أنني لا أريد أن أختم المقال بلقاء الدينونة هذا، فهناك لقاءات للبركة، وأخرى للحب.
+ لقاء البركة:
مثل لقاء الرب مع سليمان. باركه، وبارك البيت الذي بناه ومجد الرب ملأ البيت، مثل حلول الرب على خيمة الاجتماع فوق التابوت. ومثل لقاء الرب الأول مع يعقوب أبي الآباء، ولقائه الأول مع جده إبراهيم، كان للدعوة وللبركة معًا.
+ لقاء للحب:
مثلما كان يدخل بيت مريم ومرثا، فيملأ البيت حبًا وسعادة، تكفي نظرة إلى وجهه لتُفرح القلب. إنه لقاء للحب، يقول فيه الرب للإنسان “هأنذا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي”. وهكذا يقف على باب النفس البشرية ويقول “افتحي لي يا أختي، يا حبيبتي. يا حمامتي، يا كاملتي”.
مثال هذا أيضا لقاؤه مع إبراهيم حينما زاره مع ملاكين…
استضافه إبراهيم، ثم منح إبراهيم نعمة أن يكون له ولد، وكصديق بحث معه موضوع سدوم… في تفاهم عجيب، كواحد من مختاريه، يناقش معه مصير أمة وشعب…!
من لقاءات الحب هذه، ما حدث حتى بعد الانتقال من هذه الأرض… إنه لقاء الرب مع موسى وإيليا على جبل التجلي…
كيف ظهر موسى وإيليا معه في هذا الوقت؟ وكيف اختفيا؟ وبأي موعد؟ هل لمجرد مشيئة في قلبه حضرا لتوهما؟ لست أدري… ولكنه لقاء بين الرب وأحبائه.. وهناك لقاء مشابه، أعني اللقاء الأبدي.
+ اللقاء الأبدي:
عن هذا اللقاء، يقول الرب لتلاميذه القديسين:
“أنا ماض لأعد لكم مكانًا. وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا، أتي أيضًا وآخذكم إليّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا”.
أنُسمّي هذا لقاءًا؟! بل هي عشرة دائمة. لقاء يبدأ ولا ينتهي. لقاء الرأس بالجسد… نكون فيه، ويكون فينا، ونثبت فيه إلى الأبد…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثالث والعشرون) 6-6-1975م



