لا يجعل راحته على تعب الآخرين

لا يجعل راحته على تعب الآخرين[1]
تكلمنا في العددين الماضيين عن الراحة والتعب ونضيف بأنه من الصفات التي يتميز بها الإنسان الروحي أنه:
لا يجعل راحته على تعب الآخرين
فالذي يبني راحته على تعب الآخرين يقع في خطايا عديدة:
وسنحاول في هذا المقال أن نضرب أمثلة كثيرة لذلك:
*الإنسان الذي يحب أن يرفه عن نفسه بالتندر على غيره.
فيتخذ أحد الأشخاص أضحوكة له، ويجعله مجالًا لنوادره أو لتهكمه!
وربما بهذا يجرح شعور هذا الإنسان، وبخاصة لو كان تحت سلطانه أو لو كان هو أقوى منه، أو أكثر فصاحة ولباقة وسرعة بديهة… المهم أنه يريد أن يبتهج ويضحك وينال إعجاب الآخرين بروحه المرحة، ويضحكهم ولو على حساب هذا الإنسان المسكين! وقد يدخل في مجال التندر على مجموعة من الناس أو سكان بلد معين…
*أو إنسان يريد أن يظهر عمله بتجهيل غيره.
فلكي يظهر أنه واسع الاطلاع أو عميق الفكر، يحاول أن يأتي بمفاهيم جديدة، ويقارن فكره بأفكار الغير، ليثبت أنه يفهم ما لا يفهمون، ويكتشف ما لا يعرفون وأنه على حق والكل على خطأ. كأن يتناول مثلًا بعض المسلمات التي يؤمن بها الكل، ويشرح أنها خاطئة وهو الذي اكتشف ذلك!! وإذا حدث هذا في مجال العقيدة، يقع مثل هذا الشخص في البدعة، لأن البدعة هي أن يبتدع مفكر شيئًا جديدًا ضد المعتقد السليم.
العجيب أن مثل هذا الشخص قد يظن أنه مجدد، وأنه يبني مجده بهذا التجديد، بينما يوقع الغير في بلبلة الفكر، ويتعب جماعة المؤمنين ويضيع وقت المسئولين في الرد عليه…
مثال آخر هو استخدام مكبرات الصوت.
شخص يقيم حفلة زفاف، ويذيع أغانيها وضوضاءها بمكبرات الصوت ويرن الصوت في المنطقة السكنية كلها. ويفرح هو بهذا إعلانًا لأفراحه! بينما هذا الصوت العالي قد يتعب مريضًا يحتاج إلى راحة، ويعطل طالبًا يستذكر دروسه، أو إنسانًا آخر يريد أن يقرأ أو يكتب أو يفكر أو آخر متعبًا في مسيس الحاجة إلى النوم…
ويشبهه شخص آخر في يده راديو ترانزستور يفتحه وهو راكب في ترام أو عربه عامة “أتوبيس” ولا يهمه راحة باقي الركاب، ما دام يجد مزاجه في السماع. ويشبه ذلك أيضًا ضيوف يزورون بيتًا في أيام امتحانات الطلبة ويقضون الوقت مع أهل البيت في حديث أو سمر ترتفع فيه أصواتهم. وتكون راحتهم هذه على حساب التلاميذ الذين يذاكرون ويستعدون للامتحان… فيزعجونهم ويشتتون أفكارهم.
*مثال آخر في المكالمات التليفونية:
شخص يطلبك في التليفون ولا يهمه إن كنت متفرغًا له أم لا!! وهل أنت جالس وحدك إلى جوار التليفون أم معك ضيوف!! ويظل يتكلم ويأخذ راحته في الكلام، وأنت لا تعرف كيف تنهي المكالمة معه. وقد تلمح أثناء الحديث بمشغوليتك، ولكنه لا يبالي! ويستمر حتى يفرغ من كل ما يريد أن يقوله!
أما الإنسان الروحي فلا يفعل هكذا. وإنما إذا طلبك في مكالمة تليفونية، يسألك أولًا هل عندك وقت تعطيه إياه وما مقداره. ويراعي وقتك ليس فقط في الحديث التليفوني إنما في كل حديث وكل لقاء.
*مثال آخر على حساب الآخرين، هو التدخين.
فالذي يدخن سيجارًا، بينما الدخان يتعب الذين حواليه إنما يفكر في راحته وليس في راحة الآخرين، بل هو يتعب نفسه فيما يتعبهم. وبنفس الوضع من يقود سيارة تملأ الجو دخانًا بعادم البترول، أو من يقيم مصنعًا في حي سكني، ويعكر صفاء البيئة بما يخرجه من دخان، أو ما يحدثه من صوت.
*مثال آخر هو زيارة الأديرة أو المتوحدين:
الإنسان الروحي إذا زار ديرًا، يذهب لفائدةٍ روحيةٍ يجدها في الخلوة. وبكل جهده يحافظ على هدوء الدير، وعلى راحة الرهبان الذين تركوا ضوضاء العالم، ولا يناسبهم أن تسعى الضوضاء إليهم… وعلى عكس ذلك الذين يزورون الدير في رحلات، وترتفع أصواتهم، ويعلو ضجيجهم، وتكثر تنقلاتهم من موضع إلى آخر، مع لعب من يأتي معهم من الأطفال، الذين يجرون ويصيحون ويسود الهرج والمرج في الدير!
ويتعب الرهبان من كل هذا… وإن اعتكفوا في فترة الصوم مثلًا، ومنعوا فيها الزيارات، تبدأ الاحتجاجات والشكاوي، ومحاولة الحصول على استثناءات من هذا الاعتكاف… هؤلاء يفكرون في أنفسهم، ولا يضعون أمامهم راحة الدير والرهبان!!
تذكرني هذه النقطة بقصة للبابا ثاؤفيلوس
أراد هذا البابا القديس أن يزور القديس الأنبا أرسانيوس المتوحد ببرية شيهيت، فلما أخبروا القديس أرسانيوس قال: “لو أتاني البابا سوف أفتح له. وإن فتحت له سوف لا أستطيع أن أغلق أمام أحد وإن فتحت للكل، لا أستطيع أن أبقى في هذا الموضع”.
فلما سمع البابا ما قاله القديس أرسانيوس قال: “الأفضل أن لا نذهب إليه، وإلا فكأننا نطرده من هنا”، وطلب صلاته دون أن يزوره وهكذا فكر هذا البابا القديس في راحة هذا الأب المتوحد لا في راحة نفسه…
ماذا نقول إذن عن الذين سمعوا عن متوحد يتابعونه بالزيارات وبالأحاديث حتى يخرجوه عن وحدته، ولا يعطونه فرصة لكي تكون وحدته ذات ثمر روحي.
*نأخذ هذا الأمر عظة من جهة الزيارات عمومًا…
حتى الزيارات بين العائلات وبين العلمانيين… ما حدودها من جهة الوقت؟ وأيضًا من جهة نوعية الحديث… وهل كانت الزيارة بموعد مسبق أم لا، وكم من الوقت يمكن أن تستغرقه بحيث لا تعطل مصالح أخرى لصاحب البيت أو خصوصيات أخرى له؟ لأن هناك من لا يقيمون وزنًا لوقت الآخرين ولمشغولياتهم!! أو يتهمونهم بعدم إكرامهم إن لم يشجعوهم على وقت أطول!! هؤلاء يهمهم راحتهم، لا راحة غيرهم!
*وربما في الزيارات يفتحون موضوعات متعبة.
قد لا يروق غيرهم أن يستمعوا إليها، أو قد تضرهم روحيًا… كأن يخوضوا في سيرة الآخرين أو نزاعات لهم معهم… أو يتحدثون في سياسات وأخبار ويدلون بمعلومات ضارة أو خاطئة… أو يسألون من يزورهم عن أمور ينظرون إليها كأسرار لهم أو لغيرهم! ويستاؤون إن لم يعرفوا هذه الأسرار!! وتكون زيارتهم غير مريحة…
*وقد يحدث ما يشبه ذلك في الذهاب إلى أب الاعتراف.
بحيث أن المعترف قد يجد أمامه طابورًا طويلًا ينتظر دوره في الاعتراف ومع ذلك يطيل جلسته مع أب الاعتراف في حين كان يمكنه أن يختصر الوقت ليعطي فرصة لغيره… وكذلك في إطالة الجلسة لا يبالي أيضًا بوقت أب الاعتراف وبصحته ومدى إرهاقه!! المهم أن يريح نفسه ولو على حساب الآخرين…
*علينا أن نراعي غيرنا في كل أحاديثنا عمومًا:
الإنسان الروحي حينما يقول كلمة، يفكر في غيره لا في نفسه، وفي كيف تكون الكلمة لبناء من يسمعه، تريحه وتفيده، ولا يحاول أن يستشف خصوصيات غيره، ولا يدخل في أسراره إلا بسماح منه وبرغبة منه، لبنيانه أو نصحه أو حل مشاكله… ولا يصب في أُذنيه كلامًا لا يريد أن يسمعه… بعكس الذين يبلبلون أفكار الناس بأحاديثهم أو يدخلونهم فيما لا يعنيهم.
والإنسان الروحي يراعي وقت محدثه ويراعي ملامح محدثه أثناء الكلام: إن كان متضايقًا أو لا يريد إكمال الحديث أو قلقًا من جهة الوقت، كذلك لا يحاول مطلقًا أن يضغط على محدثه في أن يتكلم في ما لا يحب الحديث فيه.
وكذلك إذا كان في اجتماع لا يحتكر لنفسه كل الوقت في الكلام، إنما يعطي الفرصة لغيره أن يتحدث ويعبر عن أفكاره.
*من النقاط الأساسية أيضًا: خطورة العثرات
مثال ذلك من يبحث عن راحته ولو بإعثار غيره كالبنت التي تبحث عن زينتها وأناقتها ولو بأسلوب معثر… أو تبالغ في التحلي بالمجوهرات بأسلوب تثير به حسد باقي السيدات وغيرتهن لمجرد أنها تريد أن تكون في إحدى الحفلات أفضل الحاضرات وأكثرهن غنى…!!
أما الإنسانة الروحية: فإن دعيت إلى حفلة، تراعي في زينتها شعور غيرها، فلا تكون زينتها تعبًا لغيرها وإنما في حدود المعقول…
لا تجعلي المرآة هي التي تقودك في سلوكك، وإنما نقاوة القلب ومراعاة مشاعر الغير.
مثال آخر:
من يأتي من المهجر، ويصر على الزواج في فترة الصوم المقدس، وتعتذر الكنيسة عن ذلك لأنه ضد القوانين الكنسية ولأن أيام الصوم هي أيام نسك وبعيدة عن اللحن الفرايحي ولا تريد الكنيسة أن توافق على وضع خاطئ يمكن أن يكون سابقة يطالب بأمثالها كثيرون… ولكن هذا الشخص يلح ويهدد بأن يعقد زواجه عند البروتستانت أو الكاثوليك ويريد أن يجعل “راحته” على تعب الآخرين وهي ليست راحة بالحقيقة لأنه يجب أن يبدأ حياة الزوجية، لا ببركة الكنيسة وإنما بإحراجها وبكسر قوانين الكنيسة وروحانية الصوم!!
وهناك مشاكل زوجية كثيرة سببها راحة طرف على تعب غيره.
كالزوجة التي ترهق زوجها بطلبات هي فوق قدرته المالية وتلح على مستوى اجتماعي أعلى من إمكانياته. وكذلك الطلبات التي يتقدم بها الأبناء غير مراعين ظروف والديهم. ومثال آخر هو الزوج الغيور وغيرته التي تتعب زوجته وتقيد حريتها بطريقة صعبة لكي يستريح هو نفسيًا…! وبالمثل الزوجة الغيورة والنكدية التي تحقق مع زوجها في دخوله وخروجه وفي مواعيده، وفي دعاباته وابتساماته، ويمكن أن تحول البيت إلى نكد وبكاء وشجار، لمجرد غيرة لا أساس لها…!
*ومن الأمثلة أيضًا من يعرض معلومات بقصد إحراج الغير…
ولكي يظهر أنه يعرف أكثر من غيره، قد يسأل أسئلة يعرف أن غيره لا يعرف الإجابة عليها لكي يظهر تفوقه في المعرفة، ثم يعرض الإجابة بأسلوب يظهر به أنه الوحيد الذي يعرف… أو يتعرض لأسماء مراجع واصطلاحات معينة يثبت بها جهل غيره… أو يستخدم ألفاظًا من لغات أخرى ويشرح ترجمتها ليثبت بها خطأ مفهوم الآخرين، وفي كل ذلك لا يبالي بأنه يتعب غيره لكي “يريح” نفسه بحب الظهور!!
*وبالمثل الكبار الذين لا يعطون فرصة للناشئين.
فيحتكرون الجو لأنفسهم في كل مجال سواء على مستوى بعض الأساتذة في الجامعة أو بعض رجال الصحافة أو رجال الأعمال، أو حتى على مستوى أعضاء مجالس الكنائس القدماء الذين يريدون لأنفسهم عضوية دائمة ولا يتركون فرصة لغيرهم.
وقد يقوم إنسان بعمل اختراع جديد مفيد، فيجد مقاومة، ونقدًا، وعلى الأقل عدم تشجيع، لكي يبقى القديم كما هو في انتشاره!
وقد نجد أمين صندوق جمعية أو هيئة أو كنيسة لا يسمح بصرف مال. لكي يزداد الرصيد في عهده!!
لا تهمه أنشطة الغير، ولا المشروعات التي يتقدمون بها، ولا احتياجات خدماتهم بل لا يهمه أيضًا مصير الفقراء الذين يطلبون معونة!! وفي كل ذلك يبدو الحريص على المال الأمين عليه: ويتهم غيره بالإسراف والتبذير وأنه هو الوحيد في كل أمناء الصندوق الذي أرتفع في عهده الرصيد إلى كذا وكذا وهكذا يريد أن يجعل سمعته وفكره فوق راحة الآخرين وراحة خدمتهم!
خطايا كثيرة تدخل تحت مبدأ “ضد راحة الآخرين”.
فالسرقة مثلًا، والغش في التجارة، والربا الفاحش… كل من يسلك في هذا الطريق يهمه أن يغتني مهما أضر بغيره…
وكذلك الذي يتهرب من الضرائب والجمارك وباقي استحقاقات الدولة لكي يكتسب مالًا بطريق غير مشروع. وأيضًا الذي يتهرب من العمل ويثقل على باقي زملائه في العمل، لكي يستريح هو. وبالمثل صاحب العمل الذي يبخس أجور عماله ليغتني هو! والذي يصر على أخذ رشوة لكي يسهل حصول غيره على حق من حقوقه… وقس على ذلك كل أنواع الظلم والتسخير وتعطيل حقوق الآخرين… كل من يفعل ذلك تهمه “راحته” ولو على حساب تعب غيره!! مثلهم مثل أخآب الذي لفق التهم ضد نابوت اليزرعيلي لكي يستولي على حقله (1مل 21).
تدخل في ذلك أيضًا قصص لكبش الفداء.
كمن يرتكب جرمًا ويلصقه بغيره: صاحب شركة مثلًا يعين مسئولًا يوقعه في كل المسئوليات لينجو هو. أو شخص يتهم غيره ظلمًا لينجو هو، مثل قصة امرأة فوطيفار مع يوسف الصديق (تك39).
مثال آخر من يضغط على أعصاب غيره لينفس عن نفسه!
يريد أن يستريح من تعبه الداخلي، بأن يلقي كل ثقله على غيره! في النرفزة والغضب والشتيمة والإهانة وإذا ما تخلص من طاقته الغضبية هدأ غير مبال بنفسية غيره واحتماله… ويدخل في هذا، كل من يستخدم سلطته ضد راحة الآخرين أو من يتعالى على الغير أو يتجاهله أو يحتقره أو لا يبالي بمشاعره ويدخل في ذلك أيضًا كل صراعات المنافسات…
وما يحاول به فريق أن ينتصر على غيره ويزيحه من طريقه ويعوق وصوله لكي يصل هو… وقد يتخذ في ذلك وسائل لا يرضى عنها ضمير!! أو هيئة تحطم هيئة أخرى، لتبقى هي وبأسلوب أخف، نجد ذلك في الزحام حيث كل شخص يريد أن يصل ولو بمنع غيره أو تعطيله… للأسف نجد ذلك أحيانًا حتى في التزاحم على التناول من الأسرار المقدسة ونجده في من يقف في اجتماع ولا يبالي بمنع غيره من الرؤية… المهم عنده راحته ونراه في محبة الظهور وفي تنافس المشروعات.
وفي كل ذلك ننسى قول الكتاب: “مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْكَرَامَةِ” (رو12: 10).
أما الإنسان الروحي فيفهم المعنى الحقيقي للراحة في أن يريح ضميره، وفي سبيل ذلك يبذل نفسه ويضحي بما عنده وبما يريده في سبيل راحة غيره… ويضع أمامه باستمرار راحته في الأبدية التي يصل إليها عن طريق إراحة الغير هنا على الأرض، مهما تعب في سبيل ذلك…
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “سلسلة الإنسان الروحي (7) – لا يجعل راحته على تعب الآخرين”، جريدة وطني بتاريخ: 30 مارس 2008، كما نُشرت بتاريخ: 6 أكتوبر 1991م.




