لا تعرجوا بين الفرقتين

أريد أن أتأمل معكم في هذه الليلة عبارة قالها إيليا النبي للشعب في زمانه. قال لهم: ” حتى متى تعرجون بين الفرقتين؟! إن كان الرب هو الإله فاعبدوه، وإن كان البعل هو الإله فاعبدوه” (1مل18: 21)
لا تعرجوا بين الفرقتين1
أكبر شيء يتعب حياتنا الروحية هو عدم إعطائنا القلب كله لله. وهكذا نتأرجح بين الله والعالم. نمشي مع الرب حينًا، ومع العالم حينًا آخر. والرسول يقول “حتى متى تعرجون بين الفرقتين؟!”.
من أمثلة الذين عرجوا بين الفرقتين، امرأة لوط:
امرأة لوط سلمت يدها للملاك فقادها وأخرجها من سدوم. كانت يدها في يد الملاك، وكان قلبها داخل سدوم. كانت تعرج بين الفرقتين: بين الخروج من المدينة المحترقة، ومحبة هذه المدينة التي تحترق.
ومن الذين عرجوا بين الفرقتين: حنانيا وسفيرا.
في جزء منهما يريدان أن يسلكا في طريقه أولاد الله: يأخذان أموالهما ويضعانها تحت أقدام الرسل، كالناس الزاهدين الناسكين. ولكن كان في قلبهم – في نفس الوقت – محبة هذا المال… ماذا لو أمكننا أن نجمع بين المبدأ الروحي، والاحتفاظ بالمال…
الشاب الغنى، ذهب إلى المسيح يسأل عن الطريق إلى الحياة الأبدية، وكان يحفظ الوصايا منذ حداثته، لدرجة قيل فيها إن المسيح “أحبه”. ولكنه في نفس الوقت لم يكن يستطيع الاستغناء عن المال، فمضى حزينًا. مضى حزينًا لأن المسيح وضع يده على نفس الجرح الذي يؤلمه. وهكذا قال الرب “لا يمكن أن تعبد ربين: الله والمال”.
إنها كعبارة إيليا: عدم جدوى التعريج بين الفرقتين.
بلعام، النبي الذي هلك، كان أيضًا يعرج بين الفرقتين.
كان يريد أن يطيع الله، ولا يقول إلا الكلمة التي يضعها الله على فمه، وفي نفس الوقت كان يشتهي مال بالاق. بنى سبعة مذابح، وقدم سبعة ذبائح، أكثر من مرة… ومع ذلك قدم النصيحة التي لا تتفق مع طاعة الله ومحبته. عرج بلعام بين الفرقتين. وهلك…
سليمان الحكيم عرج أيضًا بين الفرقتين. وشك الناس في خلاصه
سليمان بنى الهيكل، وصلى صلاة، وتراءى له الرب وكلمه، ومنحه المواهب، وسلك بحكمة. وفى نفس الوقت تزوج النساء الغريبات. وأراد أن يرضي الله، وأن يجامل نساءه، فسقط…
نفس الوضع، كان إلى حد ما مع شمشون الجبار.
أراد أن يجمع بين حفظه لنذره ومحبته لدليلة. ظل كما هو يطيل شعره، وأيضًا يطيل العلاقة مع دليلة. وانتهى إلى الضياع. ففقد نذره وشعره وبصره، وحريته وقوته وهيبته…
كانت مشكلة التعريج بين الفرقتين، قائمة من أيام قايين.
أراد قايين أن يجمع بين الله والخطية. فمن جهة الله قدم له القرابين. وفي نفس الوقت كانت هناك خطية رابضة، استطاعت أن تسود عليه أخيرًا…
لوط، نفس الوضع، أراد أن يجمع بين عبادة الله ومحبة الأرض المعشبة، بعكس إبراهيم الذي انفصل عن الخطاة.
الله يريد أن يكون القلب كله له. لا يتوزع: ساعة لقلبك وساعة لربك!! كما يقول المثل. أو عين في الجنة وعين في النار… وهكذا نرى الوحي الإلهي يقول في سفر التثنية (6: 5).
“تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك” عبارة (كل) هي التي تحسم الموضوع…
شعب اسرائيل فشل في هذا الأمر… خرجوا مع موسى من مصر، وساروا مع الرب في البرية. وظلت قلوبهم تشتاق إلى قدور اللحم التي كانت لهم في أرض مصر، وتشتاق إلى البطيخ والبصل والثوم…
الجسم مع موسى، والقلب في أرض العبودية. كالعبادة الشكلية التي قال فيها الرب: هذا الشعب يعبدني بشفتيه، أما قلبه فمبتعد عني بعيدًا.
هؤلاء الناس كانوا يتبعون الطقوس بتمامها، ويحتفلون بالأعياد والمواسم في مواعيدها، ويقدمون البخور والقرابين والذبائح والمحرقات ومع ذلك لم تكن هناك علاقة بينهم وبين الله. لذلك قال لهم الرب على فم إشعياء:
“لماذا لي كثرة ذبائحكم يقول الرب؟!… حينما تأتون لتظهروا أمامي، من طلب منكم أن تدرسوا دوري. لا تعودوا تأتون إليَّ بتقدمة باطلة. البخور هو مكرهة لي… لست أطيق الإثم والاعتكاف. رؤوس شهوركم وأعيادكم أبغضتها نفسي، صارت عليَ ثقلًا. مللت حملها”.
“فحين تبسطون أيديكم، استر وجهي عنكم. وإن أكثرتم الصلاة، لا أسمع. أيديكم ملآنة دمًا” (إش1: 11- 15).
نفس الوضع كان موجودًا أيام المسيح. كانوا يعبدون في الهيكل ويستمعون إلى أقوال موسى والأنبياء. ونفس الهيكل كان كمغارة لصوص، فيه الباعة والصيارفة، وفيه أقفاص الحمام. حتى وبخهم الرب…
لابد للإنسان أن يحسم موقفه، ولا يعرج بين الفرقتين. لأنه أية شركة للنور مع الظلمة، أو للمسيح مع بليعال؟
لكي يمشى في طريق، لابد أن يترك الآخر. حسنًا قيل في أول الكتاب المقدس إن الله “فصل بين النور والظلمة”.
بيلاطس هو أيضًا عرج بين الفرقتين:
أراد بكل قوته – أو بكل ضعفه – أن يطلق المسيح، وشهد أنه لم يجد علة في ذلك البار. ولكنه في نفس الوقت أراد أن يرضي اليهود، وخاف أن يغضب قيصر. وأخيرًا سقط في ارضاء اليهود وقيصر.!
وهكذا كان الأمر- بصورة أخرى – مع الكتبة والفريسيين:
كان الله على ألسنتهم، ولم يكن في قلوبهم. كانوا يدافعون عن الله وناموسه، ولكنهم كانوا يحبون أنفسهم بالأكثر. كانوا كالقبور المبيضة من الخارج. المظهر الخارجي شيء، والقلب من الداخل شيء آخر. نظفوا خارج الكأس، ولم ينظفوا داخلها. كانوا يعرجون بين الفرقتين…
وهكذا كان الذين عاشوا في رياء…
عرجوا بين الفرقتين: بين عبادة الله، وعبادة أنفسهم. من الخارج يعبدون الله: يصلون ويصومون ويتصدقون، وفي الداخل يبحثون عن مديح الناس ومجد العالم الباطل.
إن الله يريدك أن تحسم الموقف. تحسمه داخل قلبك أولًا، ثم في تصرفاتك بعد
ذلك.
عذراء النشيد أرادت أن تحتفظ بمحبة حبيبها، وفي نفس الوقت تحتفظ براحتها، فلا توسخ قدميها، ولا تقوم لتلبس ثوبها. فماذا كانت النتيجة؟ حبيبها تحول وعبر. نفسها خرجت حينما أدبر.
لابد أن يكون للإنسان طريق واحد، وواضح ومستقيم، غير متعرج. يتجه فيه نحو هدف معلوم، لا يتزعزع بين أهداف متناقضة.
لا يستطيع الإنسان أن يرضي الله، ويرضي العالم، في نفس الوقت. ذلك لأن محبة العالم هي عداوة الله. إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الآب.. إما هذا، وإما ذلك. والكتاب يقول “لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم” كذلك لا يستطيع أن يسلك حسب الروح وحسب الجسد في نفس الوقت!!
من هؤلاء الذين يعرجون بين الفرقتين: أصحاب التوبة غير الثابتة.
يتوب اليوم، ويخطئ غدًا، يتناول اليوم، ويخطئ باكر. يعد الآن، ويخلف بعد حين. ينذر النذر، ثم يكسره. يقوم ثم يسقط. محبة الله غير ثابتة في القلب. علاقته بالله كأسلوب المراجيح حينًا فوق، وحينًا تحت.
إنها نفس مشكلة الذين يعيشون في الفتور الروحي، والذين يكررون نفس الخطايا في اعترافاتهم. إنها ثورة على الخطية بدليل الاعتراف ومحبة للخطية بدليل السقوط.
قوم يعرجون بين الفرقتين. يتأرجحون بين الظلمة والنور لا ثبتوا في سماء ولا في أرض. لا بقوا في أرض مصر، ولا دخلوا كنعان. لا ساروا مع الله كل الطريق، ولا مع الشيطان كل الطريق يبنون ويهدمون… معًا ويقول الشاعر:
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه.. إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
هكذا حياة كثير من الناس: بناء وهدم، ارتفاع وهبوط، قيام وسقوط، تقدم وتأخر، توبة وخطية، إلى غير ثبات.
ترن في آذانهم نفس عبارة إيليا النبي ” حتى متى تعرجون بين الفرقتين: إن كان الرب هو الله فاعبدوه. وإن كان الله هو البعل فاعبدوه”… هذا الوضع المتردد المتذبذب لا يمكن أن يوصل إلى نتيجة.
أما أولاد الله، فيتميزون بالخط الواحد المستقيم، الذي يوصل إلى هدف معروف، لا يتأرجح فيه الإنسان، ولا يهتز بين طرق متنوعة.
يعجبني ما قيل عن السيد المسيح في الأسبوع الأخير، أنه كان “قد ثبت وجهه نحو أورشليم”.
قيل عن دانيال أيضًا في أرض السبي إنه كان قد وضع في قلبه إنه لا يتنجس بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه. إنه اتجاه ثابت لم يتزحزح، مهما كانت العوامل الخارجية.
وهكذا كان خط بطرس في البشارة واضحًا، إنه لابد أن يتكلم “نحن لا نستطيع أن لا نتكلم” إذ ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس.
هناك اقتناع واضح بالطريق، واصرار أكيد على الثبات فيه. هنا قلب واحد وليس قلبين. وهذا القلب ثابت في الله.
فليعطنا الرب هذا القلب الواحد، الثابت، الذي لا تتنازعه طرق كثيرة.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الرابع عشر) 2-4-1976م




