كيف يعاقب الأسقف خاطئًا

كيف يعاقب الأسقف خاطئًا[1]
من حق الأسقف-بل من واجبه-أن يعاقب:
الكنيسة هي مجموعة من القديسين. ومن واجب الأسقف أن يكون رقيبًا على قداسة الكنيسة: ينذر الخطاة، ويعالجهم. وإن أدى الأمر يعاقبهم… “قَدْ جَعَلْتُكَ رَقِيبًا” هكذا يقول الرب “فَتَسْمَعُ الْكَلاَمَ مِنْ فَمِي وَتُحَذِّرُهُمْ مِنْ قِبَلِي”. “إِنْ لَمْ تَتَكَلَّمْ لِتُحَذِّرَ الشِّرِّيرَ مِنْ طَرِيقِهِ، فَذَلِكَ الشِّرِّيرُ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ، أَمَّا دَمُهُ فَمِنْ يَدِكَ أَطْلُبُهُ” (حز33: 7، 8).
وهكذا يقول الآباء الرسل للأساقفة في الباب الرابع من الدسقولية “يجب علينا ألا نسكت عن المذنبين، بل نوبّخهم ونعلّمهم، ونحدد لهم صومًا. لكي يكون ذلك تأديبًا للباقين وجزعًا”. وقد سبق أن قال بولس الرسول مثل هذا لتلميذه تيموثاوس أسقف أفسس “اَلَّذِينَ يُخْطِئُونَ وَبِّخْهُمْ امَامَ الْجَمِيعِ لِكَيْ يَكُونَ عِنْدَ الْبَاقِينَ خَوْفٌ” (1تي5: 20). وقد وبخ بولس الرسول أهل كورنثوس على أنهم تساهلوا مع الشاب الزاني (1كو5). ووبخ الرب عالي الكاهن وعاقبه لأنه تساهل في معاقبة أولاده المخطئين (1صم3، 4).
ولكن هل معنى هذا أن يعاقب الأسقف على كل ذنب، أو أن يعاقب كل أحد، أو أن يكون سريعًا إلى المعاقبة وعنيفًا؟
كلا، فإن القوانين الكنسية اشترطت شروطًا، حفظًا للعدل، خوفًا من أن يسيء الأسقف استخدام سلطانه، أو أن يستخدم هذا السلطان في عنف، أو في ساعة غضب، أو لأسباب شخصية، ويحكم على أحد ظلمًا…
لذلك اشترطت القوانين في الأسقف أنه لا يكون متسرعًا.
ولا يكون غضوبًا
واشترط فيه أيضًا الوداعة والحلم والصبر. وأنه لا يكون سماعًا، ولا غضوبًا، ولا حرونًا، ولا صاحب وقيعة، ولا محبًا للدينار…
وإن كان العدل والحلم والوداعة من الشروط الوقائية لضمان أحكام الأسقف، فقد اشترط فيه أيضًا محبة الناس.
محبة الأسقف للناس وموقفه منهم كطبيب معالج:
قال الآباء الرسل في الباب الرابع من الدسقولية “وهكذا الأسقف فليحب العلمانيين كأولاده، ويعظهم بأدب المحبة، كالطير الذي يحضن بيضه حتى يصير فراخًا”. وقالوا له “ارع الرعية لا بضجر ولا بهزؤ، بما لك عليهم من سلطان. بل كراع صالح تجمع الخراف إلى حضنك”.
وقالوا له أيضًا “أنت طبيب لكنيسة الرب” “ادخل بعقاقير تليق بكل أحد، تشفيهم وتستحييهم بكل مثال، وتثبتهم في الكنيسة”. “اشف الذين ضلوا في الخطية كطبيب حريص وشريك متألم”. “كن طبيبًا صالحًا باشًا بلا دغل ولا كذب”. “ولا تكن قاسيًا. ولا صارمًا، ولا بلا رحمة، ولا متعالي القلب”.
لا يجوز أن يكون الأسقف مسرعًا في حُكمة
إن الآباء الرسل طالبوا الأسقف بأن يكون طويل الأناة، غير مسرع في طرد الخطاة أو قطعهم أو حرمهم. لذلك قالوا له في الباب الرابع من الدسقولية “لا تكن مسرعًا أن تخرج أحدًا بخفة من الكنيسة، بل تثبت جيدًا”. “وليس هو حقًا أن تستعد لطرد من يخطئ… أو أن تكون سهلًا في الطرد، وتكون بلا رحمة، بل أن تشفي المريض”. وأكدوا هذا المعنى ذاته في الباب الثامن فقالوا للأسقف “لا تكن مسرعًا إلى القطع، ولا جسورًا، ولا تسارع إلى المنشار الكبير الأسنان. بل ابدأ بما ينقي وينظف، وأخرج الوسخ بلطف”. فقالوا للأسقف في الباب الرابع من الدسقولية “هذا اعلمه: أن من أخرج
الإسراع في القطع هو جريمة قتل وتبديد لشعب الله
من الكنيسة غير مذنب، أو من لم يقبل التائب، فقد قتل أخاه وأهرق دمه، مثل قايين الذي أهرق دم هابيل أخيه. ودمه صارخ إلى الله، والله طالب له”.
وقالوا في الباب الخامس “من يخرج البريء كأنه مذنب، فهو أكثر شرًا من قاتل الإنسان… هكذا أيضًا الذي لا يقبل من يتوب. فهو يفرّق ما للمسيح ويقاومه”.
وفي الباب العاشر من الدسقولية عاتب الآباء الرسل الأسقف الذي يسرع بقطع المؤمنين، ووبّخوه في حزم قائلين “إذا كنت هكذا مبددًا للخراف خصمًا لها، فأنت عدو الله ومهلك الخراف التي صار الرب لها راعيًا. وبفعلك هذا تكون قد بددت الذين جمعناهم نحن من أمم كثيرة وألسنة ولغات عديدة، بكد وصوم وسهر ورقاد على الأرض واضطراب وهرب وحبوس وألم دائم، حتى صنعنا مشيئة الله إذ ملأنا بيته من الجلوس المدعوين الذين هم الكنيسة الجامعة المقدسة…”.
وأيد الرسل زجرهم بقولهم “هذه هي إرادة الله بالمسيح أن يكثر الذين يخلصون، ولا تنقص الكنيسة، ولا تخرج من عددها نفس واحدة”.
وحرم الآباء الرسل الأسقف الظالم في حكم القطع:
فقالوا للأسقف في الباب الرابع من الدسقولية “وذلك الذي طرد من الكنيسة بلا وقار… إما أن يمضي ويصير مع الأمم، أو يقع ويشتبك في المذاهب، ويتغرب بالجملة عن الكنيسة وعن رجاء الله… وتكون أنت مدانًا بهلاكه“.
وقالوا للأساقفة في الباب الثامن “إن أوجبتم القضية على أحد ظلمًا، فاعلموا أن الذي يخرج من أفواهكم يكون على أنفسكم”.
الظالم في حكمه، يخرج الحكم من فيه على نفسه.
وأظهرت الدسقولية-في الباب الرابع-أن الله لا يأخذ الخاطئ بهذا الحكم الظالم، فقالت “إن البار إذا قتل بلا سبب، يكون في راحة عند الله إلى الأبد، هكذا من يخرجه الأسقف باطلًا”.
لا حُكم بغير محاكمة
لا يجوز للأسقف مهما علا سلطانه أن يقول لإنسان بدون محاكمة “اذهب، أنت محروم”، أو “اذهب أنت مقطوع”، أو “اذهب، أنت ممنوع”… أو غير ذلك من الأحكام. وإنما لا بد من محاكمة عادلة، قبل إصدار الحكم. وإلا فإن الكنيسة تكون قد انحدرت إلى درجة لم يقبل أهل العالم في عدلهم أن ينحدروا إليها!!
إن القاتل يضبط وفي يده السكين، وملابسه ملطخة بالدماء، وإلى جواره القتيل، ومع ذلك لا بد من تحقيقات طويلة قبل الحكم عليه…
وعلى الرغم من كل هذه الأدلة المادية الواضحة، لا يؤخذ القاتل إلى الإعدام… وإنما يمر في سلسلة من التحقيقات: تحقيق يجريه البوليس، ثم تحقيق آخر تجريه النيابة، ثم تحقيق ثالث تجريه المحكمة… وتعطي فرصة للمتهم أن يجيب عن نفسه، ولا بد من دفاع يترافع عنه. وإن لم يوجد من يدافع عنه، تنتدب المحكمة من قبلها محاميًا يترافع عن هذا الذي ضبط في ذات الفعل… وقد تستمر المحاكمة شهورًا حتى تُصدر المحكمة حكمها… وقد ينتهي الأمر بحكم مخفف، لأسباب نفسية أو أسباب عقلية أو غير ذلك من الأسباب…
فهل يليق بالأسقف، وهو خليفة الرسل ووكيل الله، لأن يلقي الأحكام بدون فحص ولا تحقيق، ودون فرصة للدفاع عن النفس؟!… كل ذلك بسبب دسيسة من مغرض أو من متملق أو من عدو! لهذا اشترطت قوانين الكنيسة إنه
لا يكون الأسقف سماعًا
فذكرت الدسقولية في الباب الثامن أنهم إذا قدموا خطاة إلى الأسقف “يجب على الأسقف أن يتأمل كل قول يقال له، وينظر فيه بالحق والعدل، ولا يعجل فيه” ولا يصدق كل رجل يشهد عليهم، لأن كثيرين يقيمون سعاية كذب على إخوتهم لأجل حسد أو شر”. مثل الشيخين اللذين شهدا على سوسنة بالباطل في بابل، ومثل الشيوخ الكذابين الذين شهدوا على نابوت اليزرعيلي في السامرة (1مل21: 8- 13).
ومثل جميع اليهود الذين شهدوا على ربنا في أورشليم (مت60:26- 62) وعلى استفانوس (أع6: 11- 14).
وقالت الدسقولية أيضًا “فكن أنت أيها الأسقف طويل الروح في هذا الأمر… تأمل حال الذين يسعون به، وابحث ما قالوه عنه بحكمة، لتعلم ما هو وكيف هو…”.
نعم يا أبي الأسقف. إن كثيرين يأتون إليك مشتكين على إخوتهم. البعض منهم مراؤون، يتكلمون بالسوء على إنسان، وإن قابلوا هذا الإنسان يمدحونه في وجهه، ويسبونك أنت أمامه في غيبتك. ولا شك أنك لو واجهتهم بمن يشتكون عليه لرأيت عجبًا.
ألا يكون للأسقف حتى مجرد العدل الذي كان للرومانيين، كما أورده سفر أعمال الرسل في محاكمة بولس الرسول “أَنْ يَكُونَ الْمَشْكُّوُ عَلَيْهِ مُواجَهَةً مَعَ الْمُشْتَكِينَ فَيَحْصُلُ عَلَى فُرْصَةٍ لِلاِحْتِجَاجِ عَنِ الشَّكْوَى” (أع25: 16).
وتوجب الدسقولية نفس الأمر، فتقول للأسقف “لا تفصل في الحكم في حضور فريق من قبل أن يحضر الفريق الآخر”. وتنذر الأساقفة في نفس الباب “لأنكم إن سمعتم كلام الفريق الواحد وحجته… وقطعتم الحكم بسرعة، وليس الفريق الآخر حاضرًا معكم ليجيب عن نفسه ويحتج عما اتُّهم به، فإنكم تكونون مستحقين للقتل الذي حكمتم به” (الباب الثامن).
وتوجب الدسقولية وجود شهود صالحين:
وليس كل أحد يشهد، لأن هناك شهود زور كثيرين. بل يقول الآباء الرسل ويجب أن يكون الشهود بلا عيب، رؤوفين محبين طاهرين، وهم أخيار بلا شر مؤمنين صالحين” “وأما من كان طريقهم بضد هذا، فلا تقبل شهادتهم، ولو اتفقت شهادتهم كلهم”. “فالأب الذي يستعجل في إبعاد بنيه، ويقبل شهادة مثل هؤلاء، هو أبو الغضب وليس أبًا للسلامة”.
وأمرت الدسقولية أن “الذي يسعى بالكذب، يستحق العقوبة الموجبة“، وقالت “مثل هذا… لا تتركوه بدون عقوبة، لئلا يتجرأ على الكلام الباطل… أو يجسر غيره فيفعل مثل فعله”. “هذا يجب أن تدينه بإعلان من بعد أن تعرفه كذبه… وتفعل به كما أراد أن يفعل بصاحبه…”.
ماذا يفعل الأسقف بالخاطئ إن ثبت أنه مذنب؟
تقول الدسقولية “يجب على الأسقف أن يمسح الذنب بالتعليم”. عليه أن يعظه ويرشده ويعلمه حتى يتوب ويرجع. “خذه أنت وحدك، وليس معك أحد، واردعه فيما بينك وبينه لكي يتوب”.
“وإذا تاب، فاقبله بفرح”. وفي ذلك ينص القانون 36 من الكتاب الثاني لقوانين الرسل على أنه إذا لم يشته الأسقف… أن يقبل الذي يرجع عن خطيئته، فليقطع، لأنه آلم قلب الرب القائل “إِنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ” (لو15: 7).
وإذا رفض الخاطئ أن يتوب، تقول الدسقولية للأسقف “خذ معك واحدًا أو اثنين، وعرّفه توانيه، واردعه ببشاشة وتعليم… فإن ثبت على المخالفة فقولوا للكنيسة. وإن لم يطع الكنيسة فليكن عندك مثل وثني وعشار… أخرجه من الكنيسة بألم قلب وحزن…
ماذا يفعل الأسقف بالخاطئ بعد معاقبته؟
يقول الآباء الرسل في الباب الرابع من الدسقولية “والذي مال يا أسقف. أعده“. “لا تدعه خارجًا، بل اقبله… الذي ضل، اسأل عنه” بل يصل حنان الآباء الرسل إلى حد قولهم “فليحمل الأسقف على نفسه إثم ذاك الذي أخطأ، ويصيّره خاصة له. ويقول للمذنب “ارجع أنت. وأنا أقبل الموت عنك، مثل سيدي المسيح”.
[1] مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الثانية –العددان الأول والثاني – يناير وفبراير 1966



