كيف نعرف الله؟ جـ2

يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث في هذه العظة عن المعرفة الحقيقية بالله، مكمّلًا ما بدأه في الجزء الأول. ويوضح أن معرفة الله لا تكون معرفة مشوّهة أو سطحية، بل معرفة صادقة وعميقة نابعة من المحبة والإيمان والعِشرة. فكثيرون لا يعرفون الله كما ينبغي لأنهم يصوّرونه بطريقة خاطئة — كإله قاسٍ أو متسلّط أو بعيد — بينما الله في جوهره أبٌ محب وحنون وقدوس.
🔸 أولًا: لا نحمل الله أخطاءنا
من الخطأ أن ننسب لله كل مشاكلنا، وكأننا نتهرّب من مسؤوليتنا. فالسقوط في الامتحان بسبب الإهمال، أو الحادث بسبب إهمال آخرين، ليس من الله. الله مصدر الخير فقط، أما الشر فله أسبابه البشرية أو الزمنية. وإن سمح الله بتجربة، فلا بد أن فيها خيرًا سنفهمه بعد حين.
🔸 ثانيًا: لا نقدّم صورة مشوّهة عن الله
يحذر البابا من تربية الأبناء أو تعليم الناس بأسلوب الخوف فقط: “احسن ربنا يزعل منك، احسن ربنا يعاقبك…”، لأن هذا يجعل الطفل يظن أن الله غاضب دائمًا. الأصح أن نعلّم أن الله يغضب من أجلنا، لأنه يحبنا ولا يريد أن نهلك. فالله لا يريد أن يُخيفنا، بل أن يخلّصنا.
🔸 ثالثًا: الله لا يمنع الفرح بل ينقّي الرغبات
الوجوديون والملاحدة يرون الله كعدوّ للحرية والمتعة، لكن الله لا يحرم الإنسان من الفرح، بل يطهّر الرغبات لتصبح مقدسة. هو لا يمنع اللذة، بل يقدّسها في إطار الطهارة والروح. فالمتعة الحقيقية ليست في الخطيئة المؤقتة، بل في الحياة الروحية الدائمة.
🔸 رابعًا: خطأ الصورة القاسية عن الله
بعض المعلمين يصوّرون الله كديّان غاضب دائمًا، يهدّد بالنار والعقاب، فيخرج الناس من الكنيسة وهم مرتعبون بدل أن يكونوا فرحين بالنعمة. لذلك يقول البابا إن علينا أن نقرّب الناس إلى الله بالمحبة قبل الخوف. الحب يجذب القلب، أما الخوف فقد يبعده.
🔸 خامسًا: الله أبٌ محب وحنون
يقول المسيح للآب: “عرفتهم اسمك وسأعرّفهم.” وأول ما عرّفنا به هو أن الله أب سماوي. هو عادل نعم، لكنه رحيم، يتراءف على أولاده كما يتراءف الأب على بنيه. داود النبي عرف هذا حين قال: “كبعد المشرق عن المغرب أبعد عنّا معاصينا.” هذه هي الصورة التي يريد الله أن نعرفه بها — الآب المحب لا القاضي القاسي.
🔸 سادسًا: الأمثلة التي قدّمها المسيح لمعرفة الله
عرّفنا المسيح الله بأنه الكرمة ونحن الأغصان؛ نثبت فيه فنحيا بدمه ونثمر بعمله. كما هو الرأس ونحن الأعضاء، نحيا به ونتحرّك به. هذه أمثلة روحية عميقة توضّح أن العلاقة مع الله هي شركة حياة لا علاقة خوف أو حساب.
🔸 سابعًا: معرفة الله من خلال القديسين
من يريد أن يعرف الله فليتأمل في حياة قديسيه. كما قيل في نشيد الأناشيد: “إن لم تعرفي، فاخرجي على آثار الغنم.” أي اسلكي في طريق القديسين الذين ساروا مع الله. قراءة سيرهم أو معاشرتهم تعطي صورة جميلة عن الله، لأنهم صورته ومثاله.
🔸 ثامنًا: معرفة الله من خلال الطبيعة
الطبيعة تكشف مجد الله — في جمال الأزهار، وروعة السماء، ونظام الكون. لكننا كثيرًا ما نتوقف عند جمال الخليقة ولا نكمل التأمل نحو الخالق. فكما يقول البابا: “نرى الفراشة فنقول جميلة، لكننا لا نفكر في خالقها الأبرع جمالًا من كل البشر.”
🔸 تاسعًا: معرفة الله بالتأمل في صفاته
يمكن للإنسان أن يعرف الله بالتأمل في صفاته — رحمته، ووداعته، وطهارته، وكرمه. هذه ليست معلومات عقائدية فقط، بل غذاء روحي يشبع النفس. فكل صفة من صفات الله مجال تأمل وحياة.
🔸 عاشرًا: المعرفة الحقيقية تنبع من الطهارة
لا يمكن أن نعرف الله ونحن نعيش في الماديات أو الخطية، لأن الطوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله. حين يتنقّى القلب من الشهوات، يرى الله بوضوح كما في مرآة نقية.




