كيف نعرف الله؟ جـ1
يشرح قداسة البابا شنوده الثالث في هذه العظة أن معرفة الله ليست معرفة عقلية أو فكرية فقط، بل هي معرفة اختبارية وحياتية. فالمعرفة الحقيقية بالله لا تُكتسب من الكتب أو الدراسة اللاهوتية وحدها، بل من العِشرة مع الله، والاختبار العملي لعمله في حياتنا، كما قال أيوب: “بسمع الأذن سمعت عنك، أما الآن فقد رأتك عيناي.”
🔸 أولاً: الفرق بين المعرفة النظرية والمعرفة الحقيقية
العقل يمكنه أن يصل إلى “شواطئ” معرفة الله، لكنه لا يستطيع الدخول إلى الأعماق. أما الحياة مع الله فهي التي تدخل الإنسان إلى اختبار محبته وقدرته. العقل يرشد، لكن الإيمان والخبرة والعِشرة تقود إلى العمق.
🔸 ثانيًا: معرفة الله بالعِشرة والخبرة
لا يمكن أن يعرف الإنسان الله وهو بعيد عنه. المعرفة الحقيقية تأتي من القرب، من أن يعيش الإنسان مع الله ويشترك معه في كل تفاصيل حياته. كما قال داود: “أما أنا فخير لي الالتصاق بالرب.” فالمعرفة هنا ليست كلمات، بل شركة حياة، مثلما يقال: “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب.”
🔸 ثالثًا: الله يُعرَف من خلال التجارب
يسمح الله بالتجارب حتى يتعرّف الإنسان عليه من خلال عمله.
-
دانيال عرف الله أكثر عندما نجّاه من جب الأسود.
-
الثلاثة فتية عرفوه أكثر داخل أتون النار.
-
مريم ومرثا عرفتا المسيح معرفة أعمق حين أقام لعازر من الموت.
فالتجربة تكشف قدرة الله وحنانه في آنٍ واحد.
🔸 رابعًا: الله يُعرَف من خلال الاختبار الشخصي
المعرفة ليست أن تقول “الله قوي” لأنك قرأت ذلك، بل لأنك اختبرت قوته في حياتك. البابا يدعو كل مؤمن أن يكتب “دفتر أحوال” روحيًا يسجل فيه معاملات الله معه، حتى لا ينسى إحساناته. فالله يُعرَف من خلال التاريخ الشخصي للإنسان معه.
🔸 خامسًا: معرفة الله بالكشف الإلهي
يقول الرب في إنجيل يوحنا (14:21): “الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني… وأنا أُظهِر له ذاتي.” فالله يكشف ذاته للمحبين والمتواضعين، لأن الاتضاع يفتح العين الروحية، بينما الكبرياء يحجب المعرفة. الله يُعلِن ذاته حين يجد قلبًا طاهرًا ومتواضعًا.
🔸 سادسًا: معرفة الله بالمحبة
من لا يحب لا يعرف الله، لأن الله محبة (1 يوحنا 4:8). فمن يحيا في الكراهية أو الأنانية أو القسوة لا يمكن أن يعرف الله، حتى وإن حفظ العقائد. المحبة هي جوهر العلاقة الحقيقية مع الله.
🔸 سابعًا: معرفة الله بالطاعة والنقاوة
من قال “قد عرفته” وهو لا يحفظ وصاياه فهو كاذب (1 يوحنا 2:4). الطاعة هي دليل المعرفة. والقداسة شرطها الأساسي، لأن معرفة الله لا تحل إلا في قلب نقي. لذلك قال البابا: “اخلع حذاءك، لأنك داخل إلى قدس الأقداس.”
🔸 ثامنًا: معرفة الله بالروح والإيمان
الله روح، لذلك لا يمكن أن يُعرَف بالماديات، بل بالحياة الروحية والإيمان الحي. من يعيش في الجسد لا يستطيع أن يعرف الله، أما من يحيا بالروح فيدرك أعماق الله، كما قال الرسول: “الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله.”
🔸 تاسعًا: معرفة الله من خلال القديسين
التأمل في حياة القديسين يكشف لنا طرق الله. مثل أخنوخ الذي “سار مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه.” هؤلاء عرفوا الله معرفة اتحاد وشركة، لا مجرد معرفة فكرية.
🔸 عاشرًا: التطبيق العملي
لكي تعرف الله، صلِّ باستمرار قائلًا:
“أعطني يا رب أن أعرفك، اكشف لي ذاتك، أعطني قلبًا نقيًا متواضعًا، وأبعد عني الماديات والاهتمامات الباطلة.”
ولا تجعل علاقتك بالله علاقة مناسبات، بل علاقة حياة دائمة.



