كيف سقط الهراطقة؟

كيف سقط الهراطقة؟[1]
كيف سقط الهراطقة، في ما نشروه من بدع؟
الهرطقة هي انحراف عن الإيمان، فكيف إذًا انحرفوا؟ هل هو جهلٌ منهم؟ هل هو عدم فهم للعقيدة؟ هل هو انسياق وراء قراءات خاطئة، أو تأثُّر بتعليمٍ خاطئ؟ أم هل هذا كله معًا؟
قد تكون كل هذه الأسباب موجودة، ولكن هناك سببٌ أخطر من كل هذا، وهو الكبرياء، وما يتبعها من إصرار وعناد..
فما هي مظاهر الكبرياء، التي تقود إلى الهرطقة؟
+ أول مظهر للكبرياء في المبتدع، هو ثقته العجيبة بنفسه، واعتداده بذاته: بحيث لا يستشير في ما يعِن له من فكر.
ذلك إذ يثق أنَّه ليس في حاجة إلى استشارة. بل إن أتته النصيحة لا يقبلها، لأنه يثق أن رأيه أفضل من النصيحة! وهكذا إذ يصير بلا مرشد، يسقط مثل أوراق الشجر، كما يقول الكتاب.
+ والمظهر الثاني للكبرياء، أنه يُحب أن يقدِّم للناس شيئًا جديدًا، مفهومًا غير مفهومِهم. فهذا الجديد يسبَّب له شهرة وعظمة.
ولعلَّ لفظ (بدعة) أتى من هذا الشيء الجديد، لأنَّ المبتدِع قد ابتدع شيئًا لم يكن موجودًا، ولم يكن مألوفًا، يُظهِر به للناس أنَّه يفهم فوق فهمهم، أو أنهم لم يصلوا بعد إلى مداركه! ولفرحه بالجديد غير المألوف، قد يقرأ للغرباء، ويقدِّم مفاهيمهم وبراهينهم التي لم يطَّلِع عليها المؤمنون. فيقنِع الناس بفكرته، ويصيِّرهم له تلاميذ وتابعين وأبناء.. ويفرح كلما كثُر عدد هؤلاء التابعين. والعجيب أنَّه يقدِّم كلَّ جديد كأنَّه عقيدةٌ راسخة، وليس كمجرد رأي قابل للنقاش أو قابل للخطأ والصواب.
+ والمظهر الثالث لكبرياء المبتدع، هو عناده وإصراره على فكره:
لو أن إنسانًا أخطأ في فكرٍ لاهوتي، ونبَّهوه إلى الصواب، فقبِل التنبيه وقبِل التصويب، ما قامت البدعة ولا انتشرت. لكنها تقوم، إذا أصرَّ على رأيِه في عناد، ورفض أن يرجع عن أفكاره الخاطئة.. إنه يعتبِر الرجوع عن أفكاره الخاطئة، لونٌ من الخضوع، ولونٌ من الاعتراف بالخطأ.. وكبرياؤه لا يسمح له بالخضوع ولا بالهزيمة ولا بالاعتراف بالخطأ، فيعاند، ويستمر على فكره، ويصير هرطوقيًا..
+ والمظهر الرابع لكبرياء المبتدع، هو محاولته أن ينتصر لفكره بأيِّ ثمنٍ، وبكلِّ وسائل الإقناع، مهما كانت خاطئة!
يدورُ باحثًا عن آيةٍ من الكتاب، ويتلاعب بمفهومِها حسب هواه، أو يبحث عن نصٍ من أقوالِ الآباء والقديسين ليثبِت به كلامه، مهما كان هذا النص لا يسنده أو قيل في مناسبةٍ أخرى بقصدٍ آخر..
بل قد يتحايل بجزءٍ من آية دون باقيها، أو بخدعةِ الآيةِ الواحدة والنصف الآية مع إخفاءِ باقي الآيات والنصوص..! المهم أن ينتصر بأي ثمن، ويثبِت أنَّ فكرَه حق، ويحاول أن يقنع الناس بأنَّه على صواب، وأنَّ إيمانه سليم، وأنَّه مضطَهد، وأنَّه مظلوم، وأنَّهم يرفضون أن يفهموه.
والواقع أنَّه هو الذي لا يريد أن يفهم، ولا يريد أن يقتنع، بسبب كبريائه، مهما قيل له.. بل كل جهده يركِّزه في محاولةِ الانتصار، وليس في محاولة الفهم. رغبته في الانتصار تسدُّ أذنيه عن السماع، وتغلقُ ذهنه عن الفهم، وتقسِّي قلبه، وتجعله في وضعٍ لا يقبل فيه سوى الانتصار.. ذاته و كفى! أما الإيمان فهو قربانٌ لهذه الذات.
إنَّه يريد أن يبدو في صورة البطل أمام تابعيه! البطل الجريء المقاوِم، الذي لا يخضع، الذي على حق، الذي يمثِّل زعامة معيَّنة، وسيرى الناس كيف تنتصر!! أنَّه فكرٌ يخدعه، فيخدع به الناس..
+ والمظهر الخامس لكبرياء المبتدع، هو البحث عن شعبية تسنده.
إذا لم يسنده الفكر، يحاول أن تسنده الجماهير. يحاول أن يجمع الناس حوله بأيَّةِ طريقة: بالإقناع، أو بالخداع، أو باستدرار عطفِهم عليه، أو بتحزُّبهم له بلونٍ من التبعية، أو بمطالبَتهم بمساندته لحفظ كيانهم معه، أو بأكاذيبٍ يحيكها حول من يعارضون بدعته..
ما يهمه هو أن يصل إلى شعبية تحيطُ به لتقوِّى فكره، أو أن يصل إلى حزبية أو طائفية، سببها الكبرياء، كبرياء الذات التي تريد أن تنتصر، وكبرياء الذات التي ترفض الخضوع وترفض الاعتراف بالخطأ.
+ والمظهر السادس لكبرياء المبتدع هو مقاومتة حتى للرؤساء.
لكي يدافع عن نفسه، هو مستعدٌ أن يقاوِم الكل، مهما كانت درجاتهم ومراكزهم..! يقاوم الكهنوت، يقاوم حتى المرشد وأب الاعتراف، يقاوم كلَّ الرئاسات الدينية، بل حتى المجامع المقدسة.. ذاته تُخفي عنه كلَّ هيبة، وكلَّ رئاسة! ومن أجل ذاته يقاوم.. لا يسمع ولا يطيع ولا يخضع. تنفخه الكبرياء، ويحطِّمه الغرور، فيظنُ أنَّه لا رأي سوى رأيَه! الكلُّ مخطئون، وهو وحده على صواب..! بل قد يحاول أن يحطِّم كل ما يعترضه، من أجل أن تبقى ذاته ولو وسط الحطام..!
+ والمظهر السابع لكبرياء المبتدع، هو تخيُّله أنَّه لا بد سينتصر بمقاومته، غير واضعٍ في ذهنِه انهزامات كل الهراطقة السابقين.
كم من مبتدعين مرّوا على الكنيسة في تاريخها الطويل، وحاربوها بكلِّ قوةٍ وعنف، وما تزال الكنيسة قائمة، تستمع إلى قولِ الرب: “كلُّ آلةٍ صُوِرت ضدَّك لا تنجح” (إش 54: 17).
ولكن المبتدع يصوِّر له الغرور أنَّه يستطيع أن يقود الكنيسة في طريقه!! بل قد يصوِّر له الغرور أنَّ العالم كله سيسير وراءه، وأن الناس سيمارسون ضغوطًا من أجلِه، وأن الإيمان سيخضع للضغوط!! وقد يظن أنَّه سيصيرُ بطلاً، وأن اسمه سيصبح على كلِّ الألسنة..! مسكين!
ثم تتبخَّر كل هذه الآمال والأحلام، ويرى المبتدِع أنه قد ضيَّع نفسَه وقد ضيَّع كثيرين معه، سيطالبه الرب بدمائهم.. ويرى أنَّه بدلاً من أن ينال شهرة، قد صار عثرة!
ويرى – بعد فوات الفرصة – أنَّه كان خيرًا له أن يتضِّع، وأن يرجع عن فكره وكبريائه، فيخلِّص نفسه، والذين يتبعونه أيضًا..
من له أذنان للسمع فليسمع..
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد العشرون 19-5-1978م



