كلمات ذهبية – الجزء الثاني

| الكتاب | كلمات ذهبية – الجزء الثاني |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الثانية، يناير 2026م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 25327 / 2014م |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا روحيًا وأدبيًا وكنسيًا ربما لم تشهده أجيالٌ كثيرة قبلاً. وفي نفس الوقت هذا التُراث لم نحصره تمامًا حتى الآن.
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم موسوعة كلمات ذهبية:
الجزء الثاني – كلمات ذهبية
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
تقديم الكتاب
تقديم الكتاب
نشكر الله الذي سمح لنا أن نعيش في عصر قداسة البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث، سواء في فترة أسقفيته كأسقف للكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية والتربية الكنسية (1962-1971م)، أو في فترة رئاسته للكهنوت كبابا للإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية (1971 – 2012م).
فهو البابا الراعي الأمين والأب الحنون والمعلم الحكيم واللاهوتي العظيم وباعث النهضة في الكنيسة المعاصرة في مصر وخارجها.
لقد صار بحق معلم المسكونة "معلم الشعب"؛ لقد علمنا من خلال عظاته وكتاباته وأحاديثه ولقاءاته، كما علمنا من خلال صمته ومن ملامحه ومن كل أنفاسه.
بدأت فكرة هذا الكتاب: بعد نياحة قداسته، وكم كنا - جميعًا - متأثرين وحزانى ويتامى.. وكان من أهم مصادر التعزية أن نقرأ كتب ومقالات قداسته؛ وهي أكثر من 150 كتابًا ونبذة.. وآلاف المقالات والعظات المسجلة، الصوتية والمرئية.
فبدأت أقرأ وأسمع، من أجل أن أتعزى، ثم ألقيت بعض العظات في كنيسة مار مرقس - بكليڤلاند، بولاية أوهايو؛ كلًا منها مكون من 10 أقوال مأثورة لقداسته. وتطورت الفكرة حتى وصلت إلى هذا الكتاب الذي بين يديك، أيها القارئ العزيز، وهو عبارة عن 10 أقوال لقداسته لكل يوم من السنة فيصل كامل عددها إلى 3650 قولًا مأثورًا ذهبيًا، كلها مأخوذة من كتب قداسته ومقالاته ورسائله البابوية، وسوف تكون على أربعة أجزاء، كلٌ منها سيغطي ثلاث شهور؛ وهذا ليس بديلًا لاقتناء وقراءة كتب قداسته، وإنما هي مجرد باقات من كتابات قداسته، لكي تتشوق - أيها القارئ العزيز - لأن تقرأها جميعًا وتعيش في كل معانيها.
إن كتب قداسته وعظاته ومقالاته ورسائله، هي تعبير عن فكر قداسته وعن حياته وصفاته؛ وأعظم ما يمكن أن أكتبه - في المقدمة - للدلالة على ذلك، هو ما قاله قداسته:
"إن اهتمامنا بالإيمان والعقيدة، لا ينسينا الحياة الروحية والسلوك المسيحي، والاهتمام بالفضيلة لا ينسينا الإيمان.. افعلوا هذه ولا تتركوا تلك.. التطرف في أحد الطريقين، له أخطاءه وأخطاره. إن الدين ليس مجموعة من الفضائل، ولكن الدين أولًا هو عقيدة وإيمان، ومن هذا الإيمان تنبع الفضائل ويكون لها وضع روحي غير وضع الفضائل عند غير المؤمنين؛ وفيما ندرس الإيمان لا نكون عقلانيين، وإنما روحيين أيضًا".
إن هذا الكتاب، هو لمسة حب ووفاء وعرفان بالجميل لقداسة البابا المعظم مثلث الرحمات الأنبا شنوده الثالث، الذي قَدَّمَ لنا كل محتوياته من خلال كتُبه ومقالاته وعظاته ورسائله الباباوية. وأقول لك يا سيدنا: "وحشتنا جدًا، ولكن نعلم أنك شفيع أمين وتصلي من أجلنا أمام عرش النعمة، وإلى أن نلقاك في الأبدية، ستظل دائمًا في قلوبنا".
كما نشكر الله الذي عزانا وافتقدنا بمراحمه، باختيار قداسة البابا المعظم: الأنبا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ118. إن هذا الاختيار الإلهي، طمأننا أن الكنيسة في يد الله، وهو الذي يرعاها، طالبين من رب المجد يسوع المسيح أن يعطي قداسته نصيب اثنين من روح البابا شنوده الثالث..
كما أقدم الشكر لكل من ساهم في إخراج هذا الكتاب إليكَ أيها القارئ العزيز، سواء في كتابته أو طباعته.. وترجمته؛ إذ سوف يصدر قريبًا، أيضًا باللغة الإنجليزية، الرب يعوض الجميع بالأجر السماوي.
بركة القديسة العذراء مريم ورئيس الملائكة ميخائيل والقديس العظيم مارمرقس، وبركة الشهيد العظيم مار مينا، والقديس العظيم الأنبا أثناسيوس والقديس العظيم كيرلس عمود الدين، وصلوات مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث، وبركة وصلوات قداسة البابا المُعَظَّمْ الأنبا تواضروس الثاني تكون معكم، آمين.
القمص ميخائيل إدوارد ميخائيل
كاهن كنيسة مار مرقس بكليڤلاند - أوهايو.
وأحد تلاميذ قداسة البابا المُعَظَّمْ الأنبا شنوده الثالث
نيح الله نفسه
هذا الكتاب
هذا الكتاب
قام القمص ميخائيل إدوارد ميخائيل، كاهن كنيسة مار مرقس بكليفلاند بأوهايو بالولايات المتحدة، بإعداد كتب كلمات ذهبية للبابا شنوده الثالث صدر منها جزئين وسوف يصدر جزئين آخرين وهذه الكتب نافعة وقيّمة، لأنه يقدم للقارئ الكريم كلمات ذهبية من كلمات البابا شنوده كل يوم، كما قام بتصنيفها وتبويبها إلى موضوعات، وهذا العمل القيّم يُثرى الكنيسة بكلمات قداسة البابا شنوده الثالث معلم الأجيال.
ولأجل ازدياد الفائدة ولتعم الفائدة لأكبر عدد من النفوس، قام القمص ميخائيل إدوارد بإهداء كتابه بجزئيه إلى «مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث»، ليقوم بطبعه وتوزيعه في مصر وباقي بلاد المهجر. إيمانًا منه بأهمية انتشار الكلمة وعدم اقتصار الفائدة على كنيسة أو ولاية واحدة.
ولا تفوتنا الفرصة إلا ويقوم مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث بشكر القمص ميخائيل إدوارد لإيمانه وثقته بدور المركز وتدعيم رسالته. ونرحب بالإسهام في طبع ونشر أي كتب أو تسجيلات صوتية أو Videos تخصّ تراث البابا شنوده الثالث لمؤتمرات أو زيارات أو تدشين مذابح والقيام بتحويلها إلىDVDs مع التنويه إلى من قام بجمعها والتعب في تبويبها.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث قداسة البابا شنوده الثالث
94- عيد البشارة
94- عيد البشارة
1- يأتي عيد البشارة كل عام يوم 29 برمهات، بينه وبين عيد الميلاد الذي يأتي في 29 كيهك، تسعة أشهر هي فترة الحبل المقدس بالسيد المسيح وبهذا يكون عيد البشارة هو أول الأعياد السيدية.
2- في عيد البشارة، نذكر بشارة الملاك جبرائيل للسيدة العذراء قائلاً لها: "فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُمتلئة نعمة! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ... فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابنا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابن الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ" (لو1: 28-33).
3- البشارة فرح؛ فدائمًا البشارة تحمل خبرًا مفرحًا. لذلك فإن الإنجيل أيضًا يسمّى بشارة. فتقول: بشارة متّى، بشارة مرقس، ذلك لأن الإنجيل يحمل أخبارًا مفرحة Good News.
4- وعيد البشارة يحمل بشارة الخلاص. وهذا واضح من قول الملاك: "وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (متى 1: 21). إن كلمة (يسوع) معناها مخلّص. ولذلك أيضًا قال الملاك للرعاة: "أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 11).
5- كانت البشارة بميلاد المسيح هي بدء الصلح بين السماء والأرض فطريق الخلاص قد بدأ بالبشارة.. ورآه سمعان الشيخ في ميلاد المسيح. فقال للرب: "لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ.." (لو2: 30)، أي أبصرتا موكب الخلاص، وموكب الرحلة من الميلاد إلى الجلجثة، رآه بروح النبوة.
6- البشارة إلى العذراء، حملها رئيس الملائكة جبرائيل، نظرًا إلى كرامة القديسة والدة الإله. فلما استجابت العـذراء للمشيئة الإلهية بعبـارة: "لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ" (لو 1: 38)، حينئذٍ بدأ الحمل المقدس.
7- في قصة البشارة، نتذكر أمرين: الاختيار الإلهي، والاستجابة البشرية: اختيار الله للعذراء واستجابتها بقولها: "لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ".
8- بعبارة (لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ)، اتحدت مشيئة الله مع مشيئة القديسة العذراء. وهكذا حَلّ الروح القدس عليها. وقدّس مستودعها، حتى إن القدّوس الذي يولد منها لا يرث شيئًا من الخطية الأصلية.
9- وفي قصة البشارة، نرى احترام جبرائيل الملاك للقديسة العذراء، فإنه لما ظهر لها قال: "سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا اَلْمُمْتَلِئة نِعْمَة! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاء" (لو1: 28).
10- ليتكم إذًا - في محبتكم للناس - تحملون لهم بشارة مفرحة، لتكن في فم كل واحد منكم كلمة مفرحة يقولها للناس، وبشارة طيبة يحملها إليهم. احملوا كلمة طيبة لكل من هو في ضيقة، أو مشكلة: كلمة دعاء، أو كلمة نصيحة مفيدة. قولوا للكل إنه يوجد مفتاح لكل باب مغلق، بل قد توجد عدة مفاتيح وأن الله عنده حل لكل مشكلة، بل عنده حلول. قولوا إن شاء الله سوف تحل هذه المشكلة، إن شاء الله سوف تنتهي هذه الضيقة. وذكّروا الناس بقول الكتاب: "كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ" (رو8: 28).
95- النظرة البيضاء والنظرة السوداء
95- النظرة البيضاء والنظرة السوداء
1- لا يوجد أحد لا تصادفه مشاكل. كل إنسان له مشاكله. ولكن البعض ينظر إلى المشكلة بنظرة سوداء، معقدة، كما لو كانت المشكلة بلا حل ولا مخرج، ولا منفذ، كما لو كانت ألمًا دائمًا وضياعًا. والبعض الآخر ينظر نظرة بيضاء للمشكلة.. فيها يرى الإنسان أن كل مشكلة لها حل، وأن الأمر ليس خطير وليس مستحيلًا، وأن الله لا بد أن يتدخل في المشكلة ويحلها.
2- إنسان ينظر إلى الذي معه، فيرضى ويشكر. وآخر ينظر إلى الذي ينقصه، فيشكو ويتذمر وقد يكون الاثنان في نفس الظروف ونفس الأوضاع.
3- إنسان ينظر إلى المادة، كأداة يخدم بها الله. وإنسان آخر ينظر إليها، كوسيلة لخدمة شهواته. والمادة هي نفس المادةـ ولكن نوعية النظرة إليها، تحدد نوعية العلاقة بها، والتصرف معها. هل المادة تملكك؟ أم أنت تملكها؟
4- إنسان ينظر إلى الخير الذي في الناس ويمتدحهم. وإنسان آخر لا ينظر إلا إلى النقائص والعيوب؛ هذا النوع له نظرة ناقدة، لا يرى إلا الشيء الأسود.
5- النظرة السوداء تتعب من كل خطأ موجود، والنظرة البيضاء تقول إن كل خطأ يمكن تصحيحه.
6- صاحب النظرة السوداء: يرى أن كل نهار بعده ليل مظلم. أما صاحب النظرة البيضاء: فيرى أن كل ليل مظلم، بعده نهار مضيء.
7- بالنظرة البيضاء يقابل الشخص المشكلة، ليس فقط بأعصاب هادئة، وإنما بفرح، شاعرًا أنه سينال بركة المشكلة، وما فيها من خبرة روحية، وكيف أنه سوف يلمس يد الله العاملة معه.. ويرى كيف سيحلها الله.
8- بالنظرة السوداء؛ هناك أناس تسبب لهم بعض المشاكل أمراضًا صعبة مثل.. ضغط الدم، أو السكر، أو قد يصاب بعضهم بانهيار نفسي أو بتعب في أعصابه.. ويشعر أنه قد انتهي ولا خلاص.
9- أما صاحب النظرة البيضاء، فيمزج المشكلة بالإيمان والرجاء؛ بالإيمان يثق بوجود الله أثناء المشكلة، وبيد الله العاملة سواء رآها أم لم يرها.. فلا يأبه للمشكلة، ولا تعصره، ولا يسمح لها أن تضغط عليه.
10- صاحب النظرة البيضاء أكبر من المشكلة. أما صاحب النظرة السوداء، فالمشكلة أكبر منه.
96- الفضيلة
96- الفضيلة
1- ربما عبارة "إنسان فاضل" تعني أنه إنسان خيِّر، يحب الخير ويعمله. ويحب البّر.
2- الفضيلة قد تعني النقاوة، أو السير في طريق الله. وقد تعني قوة في النفس، تمكنها من الانتصار على كل نوازع الشر وإغراءاته وتمارس الحياة البارة.
3- وربما تعني الفضيلة، الارتفاع فوق مستوى الذات.. بحيث يخرج الإنسان عن دائرة ذاته ويعيش لغيره. يخرج من الاهتمام بنفسه، أو التركيز على نفسه للاهتمام بالآخرين.. من محبته لنفسه إلى محبة الله وللناس.
4- الفضيلة أيضًا هي ارتفاع فوق مستوى اللذة: لأن غالبية الخطايا قد تكون مصحوبة بلذة حسية، أو لذة نفسية. فتدور حول ملاذ الجسد أو الفكر أو النفس وتصبح لونًا من إشباع الذات، وبطريقة خاطئة.
5- الفضيلة على نوعين، نوع يولد الإنسان به، بطبع هادئ طيب.. ونوع يجاهد الإنسان لكي يصل إليه.
6- النوع الذي يولد الإنسان به، فهو كمثال يوحنا المعمدان، الذي قيل عنه أنه "وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (لو1: 15). ومثال؛ إرميا النبي الذي قال له الله: "قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوبِ" (إر1: 5).
7- من الذين جاهدوا حتى يصلوا إلى الفضيلة، القديس موسى الأسود. والذي يجاهد، ينال بلا شك أجرًا سماويًا عن جهاده، وانتصاره. وهؤلاء وضعهم السيد الرب في سفر الرؤيا تحت عنوان "مَنْ يَغْلِبُ" (رؤ2: 3).
8- الذي وُلِدَ بالفضيلة، يلزمه أن يثبت فيها، ويصمد أمام حروب العدو. وكما قال الرب لملاك كنيسة فيلادلفيا: "تَمَسَّكْ بِمَا عِنْدَكَ لِئَلاَّ يَأْخُذَ أَحَدٌ إِكْلِيلَكَ" (رؤ3: 11).
9- قال بعض الآباء: الفضيلة بطبيعتها مغروسة في النفس؛ وهكذا تكون الخطية مجرد سم غريب لهذا الغرس الإلهي.
10- الفضيلة هي شركة مع الروح القدس، هي نتيجة لقوة عمل الله. الذي يقابله تجاوب من إرادة الإنسان. لأنه إن كان الإنسان لا يريد، فلا يمكن أن تتم الفضيلة.
97- حياة الفضيلة
97- حياة الفضيلة
1- الفضيلة ليست مجرد عمل الخير، إنما هي بالأكثر محبة الخير.
2- الفضيلة هي سعيٌ نحو الكمال. فالذي يعمل الفضيلة، يود أن ينمو فيها. ويستمر في النمو حتى يصل إلى الكمال الممكن له كإنسان، أعني الكمال النسبي. وذلك كما قال الرب في العظة على الجبل: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48).
3- الفضائل تتكامل معًا، ولا تتعارض. وإن سلكت في فضيلة ما، فلابد ستقودك إلى فضائل أخرى كثيرة. وإن فقدت إحدى الفضائل، فما أسهل أن يجرك هذا السقوط إلى فقد فضائل أخرى عديدة. إنها سلسلة مترابطة. إن انفرط عقد أحدها، انفرط الباقي.
4- خطورة الفضيلة الواحدة: محبتك لابنك مثلاً، ينبغي ألا تنفصل عن تربيتك لابنك. وينبغي ألا تنفصل عن الحكمة في هذه التربية. والحكمة ترتبط أيضًا بالمعرفة واهتمامك بجسد ابنك وصحته، لا يمنعك من الاهتمام بعقله، وتثقيفه. وأيضًا يجب أن تهتم بروحيات ابنك وأبديته، وهكذا في باقي الفضائل.
5- الحياة الروحية ليست مجرد فضيلة معينة. ولكنها حياة تشمل كل شيء.
6- الإنسان الروحي، تكون روحه مزينة بالفضائل.. تحدّث الرسول عن "زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ" (1بط3: 4) وما أجمل ما قيل في سفر النشـيد عن الروح المزينة بالفضائل، التي تَعَجَّبْ منها المنشد فقال: "مَنْ هذِهِ الطَّالِعَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ مُسْتَنِدَةً عَلَى حَبِيبِهَا؟" (نش8: 5). "مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ؟" (نش3: 6).
7- حياة الفضيلة تتبرهن بالاختبارات: لا بد من اختبارات يجتازها كل شخص لكي يثبت أنه فاضل بالحقيقة، إن نجح في تلك الاختبارات التي تقّيّم بها شخصيته وتتحدد بها أبديته ودرجته في تلك الأبدية.
8- حياة الفضيلة والبر، هي حياة جهاد مع النفس، وجهاد ضد المادة والعالم والشيطان والغالبون أو المنتصرون يكللون في الأبدية بأكاليل.
9- حياة الفضيلة والبر لا تسير سهلة باستمرار، إنما تصادفها عوائق في الطريق؛ حتى في سير القديسين، صادفتهم في حياتهم عوائق.
10- الإنسان الروحي المتمسك بالمبادئ والقيم، يحيا حياة الفضيلة. لأن القيم التي يؤمن بها تحصنه، فلا يستطيع أن يخطئ، مهما حورب بالخطية، يقول لك: لا أستطيع أن أفعل هذا الشيء، ولو كان السيف على رقبتي.. لا أستطيع أن أكسر مبادئي.
98- أقوال متنوعة
98- أقوال متنوعة
1- قال الكتاب: "لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ" (جا3: 1) والعمل الروحي ينبغي أن يُعمل في الحين الحسن.
2- لا تقل: حينما يأتي زمـان التوبــة، سأتــوب، حينمــا أجــد فرصة مناسـبة "سأتوب، فالآن وقت مقبول، والآن ساعة خلاص" كما يقول الرسول.
3- الحب الحقيقي حكيم وروحي، يهدف إلى خلاص النفس، محبة لا تجادل على حساب الحق، ولا تشترك في خطايا الآخرين. محبة طاهرة مخلصة كمحبة الله.
4- الإنسان الهادئ لا يضطـرب قلبه لأي سبب، ولا يفقد هـدوءه مهما ثـارت المشاكل وكما قال داود النبي: "إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ" (مز27: 3). إنه هدوء مصدره الإيمان.
5- افهم الناس، واجعلهم يفهمونك بهدوء وبروح طيبة، وهكذا عش معهم في التفاهم المتبادل والمحبة والهدوء.
6- التواضع يخفي الفضيلة عن حسد الشياطين، وإذ يخفي الفضيلة يعطى صاحبها استحياء، كما يعطيه محبة في قلوب الناس.
7- إن الله يختبرك أولًا في الشيء القليل، فإن وجدك أمينا فيه، حينئذ يأتمنك على ما هو أكثر أما إن أظهرت فشلك وعدم أمانتك في القليل، فمن الصعب أن يقيمك على الكثير.
8- الذي يهتم بأبديته، يرتفع فوق مستوى الأرض والأرضيات. ولا يستهويه شيء مما في هذا العالم. العالم كله خلفه وليس أمامه.
9- الصوم فرصة روحية، نذل فيه الجسد، لتنمو الروح: إذلال الجسد مجرد وسيلة. أما الغرض فهو سمو الروح.
10- الصوم غير الروحي مرفوض من الله: كما رفض صوم المرائين (متى 5). وصوم الفريسي (لو18: 9) – والصوم الخاطئ في سفر إشعياء (إش58: 3- 7).
سأتوب، فالآن وقت مقبول، والآن ساعة خلاص كما يقول الرسول.
99- عمل الملائكة
99- عمل الملائكة
1- للملائكة عمل من جهة الله، ومن جهة الناس. فمن جهة الله، هم ينفذون مشيئته بكل سرعة، وبدون مناقشة دون أن يستخدموا فكرهم الخاص في فحص هذه المشيئة كما يفعل البشر! بل يقول عنهم المزمور "الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ" (مز103: 20).
2- الملائكة سيصحبون الرب في مجيئه الثاني، ويقومون بعمل: كما قيل: "فَإِنَّ ابن الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (مت 16: 27). وأيضًا " وَمَتَى جَاءَ ابن الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ.. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ" (مت25: 31-32).
3- القيامة العامة ستبدأ بأبواق وأصوات الملائكة. وفي ذلك يقول الرسول: "لأنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً" (1تس4: 16). أما من جهة عملهم مع البشر، فنذكر النقاط الآتية:
4- البشارة: إنهم يحملون بشارة طيبة للبشر، حسب أمر الرب لهم. وتوجد أمثلة كثيرة عن هذا منها: أرسل الله الملاك جبرائيل إلى زكريا الكاهن ليبشره بأن زَوْجَتَهُ "أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَك ابنا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا" وَيَكونْ نَذِيرًا لِلْرَبْ.. "وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (لو1: 15،13). ونفس الملاك جبرائيل أُرْسِلَ إلى القديسة مريم، يبشرها بأن "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْك، وَسَتَحْبَلْ وَتَلِدْ ابنا وَتُسَمِّيهُ يَسُوعَ.. وأن "الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْك يُدْعَى ابن اللهِ" (لو1: 35).
5- كثيـرًا ما يرسـل الله أحـد الملائكة لتبليغ رسـالة. مثل ذلك أن مـلاك الرب ظهر ليوسف في حلم قائلًا: "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ" (مت 2: 13).
6- ما أكثر ما نسمى الملائكة، بملائكة الرحمة. ذلك لإشفاقهم على البشر، وتقديمهم لهم كل ما يحتاجونه من معونة، سواء للأفراد أو للجماعات. كما قيل عن رحمة الرب للمتضايقين: "فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ، وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ" (إش63: 9).
7- كما قيل إنهم ملائكة رحمة، كذلك قد يرسلهم الله للعقوبة وهم ينفذون مشيئته سواء للرحمة أو العقوبة.
8- الملائكة يرفعون صلواتنا إلى الله: وهكذا ورد في سفر الرؤيا أن ملاكًا "وَجَاءَ مَلاَكٌ آخَرُ وَوَقَفَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَأُعْطِيَ بَخُورًا كَثِيرًا لِكَيْ يُقَدِّمَهُ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذِي أَمَامَ الْعَرْشِ. فَصَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ مِنْ يَدِ الْمَلاَكِ أَمَامَ اللهِ" (رؤ8: 3، 4).
9- إشفاق الملائكة على من يرونه خاطئًا، طالبين له المغفرة: إن شفقة واحد من السارافيم على إشعياء ومسحه شفتيه بجمرة من على المذبح، رُمِزَ إلى بعض الملائكة الأرضيين من الرهبان الذين يسبحون الله في طقس السيرافيم، وقد تضطرهم الخدمة أحيانًا أن ينزلوا ليمسحوا شفاه بعض الناس بجمرة من على المذبح.
10- الملاك ميخائيل هو رئيس الملائكة بصفة عامة، تتشفع به الكنيسة المقدسة. في كل قدّاس. وفي ألحانها وصلواتها، وتسابيحها.
100- اشتُريتُم بثمن
100- اشتُريتُم بثمن
1- السيد المسيح اشترانا بدمه، كما ورد في الآيات الآتية: "لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ" (1كو6: 20). أي أنكم لم تعودوا مِلْكًا لأنفسكم بل للذي اشتراكم. "قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ، فَلاَ تَصِيرُوا عَبِيدًا لِلنَّاسِ" (1كو7: 23). اقرأ أيضًا (رؤ5: 9 / رؤ14: 3، 4 / 2بط2: 1/ 1بط1: 19).
2- من المُشتري؟ ومن البائع؟ وطبيعي أن المشتري هو ربنا يسوع المسيح الذي اشترانا بدمه. وهذا واضح من عبارة: "لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ" (رؤ5: 9). ومن قول القديس بطرس: "أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ... بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ" (1بط1: 18، 19).
3- وممن اشترانا المسيح؟ اشترانا من الموت أو من حكم الموت. وهذا نفس ما نقوله في القداس الباسيلي: "وَسَلَّمَ ذاته فداء عنا، إلى الموت الذي تملّك علينا، هذا الذي كنا ممسكين به، مبيعين من قبل خطايانا"، وفي هذا يقول القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية: "كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ" ويضيف "وَلكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ" (رو5: 12، 14).
4- هنا ويأتي السؤال: ومن الذي باعنا؟ حتى اُشترينا. إن الإنسان هو الذي باع نفسه للموت، بسبب خطاياه.. لأن "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِي مَوْتٌ" (رو6: 23) حسب قول الكتاب. وكما قال الرب: "اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ" (حز 18: 4). وهكذا "كُنَّا أَمْوَاتًا بالذنوب والْخَطَايَا" (أف2: 1، 5).
5- والسيد المسيح، بدمه اشترانا من حكم الموت، ومنحنا الحياة. إذ كنا أمواتًا بالذنوب والخطايا. وبعد أن اشترانا بدمه، طَهِّرُنَا بِهَذا الدَمْ مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ (1يو1: 7) وبرّرنا ومجدنا ووهبنا الحياة (رو8: 30).
6- القديس بولس استعمل كلمة اشترانا. والقديس بطرس استعمل كلمة اقتنانا فالذي يشترى شيئًا إنما يقتنيه بشرائه له. وعبارة الرسول "كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أع20: 28). لا تختلف اطلاقًا عن عبارة "اشْتَراهَا بِدَمِهِ". وتندمج معها عبارة "قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ" (1كو7: 23)، ومعها عبارة: "لا بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كما من حمل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ" (1بط 1: 18، 19).
7- تأتى بعد هذا نقطة أخرى وهي: إن كان قد اشترانا بدمه، فلمن قد دُفع الثمن؟ لقد دفع المسيح دمه لأجلنا، لأجل خلاصنا وفدائنا. لأجل تبريرنا وتقديسنا، لأجل وفاء الدين الذي علينا.
8- قد عَبَّرَ الرب عن ديوننا، في قصة المرأة التي بللت قدميه بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها. فقال للفريسي الذي أدانه في فكره: "كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا" (لو7: 41، 42) وعبارة "سَامَحَهُمَا جَمِيعًا". هنا، معناها أنه حَّول ديونهما إلى حساب الفادي المصلوب ليوفي عنهما.
9- ونحن حينما نتناول إنما نحصل على نعمة تُمْنَحْ لنا. هي منحة وليست حقًا.. وكون هذا الدم قد أُعْطِىَ لنا بلا ثمن (من جهتنا) فهذا لا يعنى أنه قد منح لنا بغير شروط!! وشرط الاستحقاق لازم كما شرحه القديس بولس في (1كو 29:11).
10- إننا باسـتمرار نتناول من الـدم الكـريم، عن احتياج، وعن عـلاج، وليس لكوننا أصحاب حق، كلا.. إن التناول يحتاج، بأقصى حد، إلى تواضع قلب، فيه يقول الأب الكاهن خادم السرِّ (في صلاة الاستعداد): "أنت يا رب تعلم أنني غير مستحق، ولا مستعد، ولا مستوجب لهذه الخدمة المقدسة التي لك. وليس لي وجه أن أقترب وأفتح فايَّ أمام مجدك المقدس. بل ككثرة رأفتك اغفر لي أنا الخاطئ، وامنحني أن أجد نعمة ورحمة في هذه الساعة"، ويقول: "أعْطِ يا رب أن تكون مقبولة أمامك ذبيحتنا عن خطاياي وجهالات شعبك".
101- يسوع المصلوب
101- يسوع المصلوب
1- المسيح تألم ليدخلنا إلى المحلّة. لقد أخذ وضعنا، لكي يعطينا وضعه؛ وضعنا كخطاة هو أن نكون خارج المحلّة فإذا به - وهو القدوس - يصير خارج المحلّة بدلًا منا، لكي ندخل نحن إلى داخل المحلّة.
2- نزل من السماء إلى الأرض، لينقلنا من الأرض إلى السماء. وصار ابنا للإنسان ليجعلنا أبناء الله، حمل آثامنا لكي نحمل نحن برّه وقداسته.
3- أخذ الذي لنا، وأعطانا الذي له. أخذ عقوبتنا، لكي يمنحنا أكاليله ومجده.
4- خرج خارج المحلّة، ليدفع الثمن الذي ندخل به نحن. قَبِلَ أن يموت، لكي يعطينا نحن الحياة.
5- أخذ ضعفنا، لكي يمنحنا قوته، وأخذ عارنا ليعطينا مجده.
6- إن السيد المسيح لم يفكر في ذاته، إنما كان تفكيره فينا نحن. لم يهتم بتخليص نفسه من الموت، إنما فكر في تخليصنا نحن بأن يفدينا بذاته. لم يستسلم للصليب عن ضعف، وإنما عن حب.
7- إن المحـبة تبلغ عمق أعماقها، أو ترتفع إلى أعـلى قممها.. حينمـا تصعـد على الصليب.
8- المحبّة تُختبر بالألم، نختبرها بالضيقة، ونختبرها بالعطاء والبذل. الذي لا يستطيع أن يبذل، هو إنسان لا يحب، أو هو إنسان محبته ناقصة، أو هو يفضل ذاته على غيره، أما إن أحبّ، فإنه يبذل.
9- كلما يزداد حبّه، يزداد بذله، حتى يبذل كل شيء.. فإن وصل إلى كمال الحب، وإلى كمال البذل، فإنه يبذل ذاته.. يصعد على الصليب، ويقدم ذاته عمن يحبهم.
10- وهكذا صارت صورة يسوع المسيح المصلوب، هي أجمل الصور أمام البشرية كلها، أنها صورة الحب الباذل، في أعماق بذله.
102- الجمعة العظيمة
102- الجمعة العظيمة
1- في يوم الجمعة العظيمة، نرى السيد المسيح في قمة حبه، وفي قمة بذله.. وأول شيء بذله الرب، هو أنه أخلى ذاته، وأخذ شكل العبد (في 2: 7)؛ بذل مجده وسماءَهُ وعظمته، حينما تجسد من أجلنا، وأخذ شكل العبد، وصار في الهيئة كإنسان.
2- ثم بذل راحته أيضًا، وطاف يجول في الأرض، يصنع خيرًا، وهو ليس له مكان يسند فيه رأسه. (مت 8: 20 - لو9: 58). وأخيرًا، بذل حياته عنا، على الصليب... وبهذا البذل، عَبَّرَ عن حبه اللانهائي لنا.
3- هذا هو الدرس الذي أخذناه يـوم الجمعـة الكبيـرة: "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابنهُ الْوَحِيدَ" (يو3: 16). لقد أظهر الله محبته للعالم بأنواع وطرق شتى: أعطى العالم نعمة الوجود، وأعطاه المعرفة، وكل أنـواع الخـيرات. بل أعطاه أيضًا المواهب الروحية، وتولى هذا العالم بعنايته ورعايته وحبه، ولكن محبته لنا، ظهرت في أسمى صورها، حينما بذل ذاته عنا، لكي تكون لنا الحياة الأبدية.
4- وهكذا صارت صورة يسوع المسيح المصلوب، هي أجمل الصور، أمام البشرية كلها. إنها صورة الحب الباذل، في أعماق بذله.. إنها صورة الحب الكامل، والعطاء الكامل. لأنه "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13). ولهذا قال القديس بولس الرسول: "حَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (غلا6: 14).
5- العظة التي نأخذها من صليب ربنا يسوع المسيح، هي أن نحب، وأن نبذل.. لا نحب ذواتنا، إنما نحب الناس، ونحب الله... لا نحب راحتنا، إنما نحب راحة الناس، مهما كانت على حساب راحتنا. إن كنت لا تحب ولا تبذل، فأنت لم تستفد من صليب المسيح درسًا، ولا استفدت من صليبه قدوة لحياتك.
6- أتريد أن تحب الله؟ ينبغي إذًا أن تحبه حتى الدم.. تقاوم الخطية حتى الدم.. تصعد على الصليب.. تصلب ذاتك. "صَلبوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ" (غلا5: 24). تصلب العالم داخل قلبك، فلا يتحرك في داخلك. وتصلب ذاتك، فلا تتحرك هذه الذات طالبة أن تظهر. هنا يبلغ الحب غايته. وهنا تفتخر عمليًا بصليب ربنا يسوع المسيح، وتقول عنه "الذي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لي وَأَنَا لِلْعَالَمِ" (غلا6: 14).
7- نتعلم من صليب السيد المسيح، أن نحب وأن نبذل. ولا يمكن أن نحب أو نبذل إلا إذا أنكرنا ذواتنا. إن السيد المسيح، قبل أن يبذل ذاته، أولًا أخذ شكل العبد.. إذًا: إذا أحببت وأردت أن تبذل، عليك أن تُخلي ذاتك أولًا من كل محبتك لنفسك وشعور بذاتك.. أي أن تتواضع، وتأخذ شكل العبد. وحينئـذ يمكنك أن تبذل وثق أن البذل هو التعبير الحقيقي عن الحب.
8- أما الذي لا يستطيع أن يبذل القليل، فكيف يمكنه أن يبذل الكثير؟! وكيف يستطيع أن يبذل الكل؟! كان السيد المسيح يعطي باستمرار قبل إعطاء ذاته على الصليب، كانت محبته تجول وسط الناس تعطيهم حنانًا وشفقة. كانت تعطي البعض شفاء، والبعض عزاء، والبعض طعامًا. كانت تنادى للمسبيين بالعتق، والمأسورين بالإطلاق، وتعمل كل حين لأجل راحة الكل. ولكن كل هذا لم يكن يكفي.
9- كان ينتظر من المحبة أن تعطي ذاتها، أن تصعد على الصليب، وتنضح بدمها على البشرية، من قمة الفداء العالية. وسار السيد المسيح إلى الجلجثة، ليقدّم ذاته ذبيحة حب. كان يمثل المحبة بتجسده، والمحبة باذلة. وتعجب الشيطان من هذا الحب، وثار عليه بكل قوته، وجمع كل قواته ليمنع محبة الرب من أن تصل إلى قمتها على الصليب، بكل حيلة، وبكل عنف. ولكن محبة ربنا لنا، كانت أقوى من محاولات الاستفزاز.
10- وصار الصليب رمزًا للحب، وبالتالي للفداء والعطاء. فعلى الصليب أعطى السيد المسيح للعالم كله وثيقة العتق، وقدم له فداءً كاملًا، وتكفيرًا عن خطاياه.. وعلى الصليب أعطى اللص اليمين وعدًا بأن يكون معه في الفردوس. وأعطى لصالبيه - إن تابوا - غفرانًا وتنازلًا عن حقه تجاه ظلمهم، وعلى الصليب أعطى يوحنا الحبيب أُمًّا روحية هي العذراء مريم وأعطى السيدة العذراء ابنا هو يوحنا.. فليعطنا الرب بركة صليبه، وليعطنا أن نتدرب على الحب والبذل، وأن نحب العطاء أكثر من الأخذ. وليعطنا أن ننمو في هذا العطاء، ونظل ننمو حتى نعطي أرواحنا لأجله له القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين.
103- ما يشجع البكاء وما يمنعه
103- ما يشجع البكاء وما يمنعه
1- حساسية القلب ورقة الطبع: الإنسان الحساس، بسهولة يتأثر ويبكي. ولهذا تجدون النساء أسرع في البكاء من الرجال. ولكن الرجل إذا بكى، يكون بكاؤه أقوى وأعمق، وله سبب قوى استطاع أن يهز صموده.
2- والإنسان الروحي الحساس، يجد أن الخطية هي أخطر شيء يمكن أن يبكيه، لأنها تفصله عن الله.. الذين لهم قسوة في طباعهم، من الصعب أن يبكوا؛ فإن أردت أن تكتسب موهبة الدموع، فابعد عن القساوة. لأن القسوة والدموع ندّان لا يلتقيان.. ويمكن أن تتحد القسوة والدموع، إذا أمكن اتحاد الماء والنار!
3- مما يبطل الدموع أيضًا: إدانة الآخرين، ومسك سيرة الناس، وبخاصة إن كان ذلك بقسوة وعنف، وبغير رحمة.. الذي يدين الآخرين. إنما يفكر في خطاياهم، وليس في خطاياه هو! إن فكرت في خطاياك، يمكن أن تأتيك الدموع، وإن فكرت في خطايا غيرك بقصد الإدانة، تبعد عنك الدموع تلقائيًا.
4- الإنسان الروحي الذي يبكي في صلاته، هو شخص حزين يريد أن ينفرد بالله، ويسكب أمامه نفسه ودموعه، كما فعلت حنّة أم صموئيل، حينما كانت تصلي وتبكي في صمت (1صم1: 10-13).
5- وأقوى دموع، هي التي تنسكب في حزن صامت رزين. دون أن ترفع صوتها، ودون أن تعلن عن ذاتها. وربما ترتفع أحيانًا حينما يجهش الإنسان بالبكاء. على الرغم منه، مثلما فعل داود لما سمع بموت ابنه أبشالوم (2صم19: 4). ومثلما فعل يوسف الصديق لما التقى بإخوته. (تك45: 2).
6- وقد يبكي شخصٌ على خطايا غيره، إشفاقًا وحبًا: كما بكى إرميا النبي بســبب خطــايا الشــعب، وكما بكى عـزرا وأيضًا نحميا على شعب أورشـليم الخاطئ أثناء السبي.
7- أتقول ليست لي موهبة الدموع؟! أم أنت تمنع الموهبة! إنك تمنع الدموع بالقسوة والعنف والإدانة، كما تمنعها أيضًا بكثرة المناقشات والجدل، والصراخ والصياح، وبالتركيز في خطايا الغير، تركيزًا يمنعك من تذكر خطاياك.
8- ومما يمنع الدموع أيضًا الغضب، والشخص الغضوب إنسان ثائر ساخط ناري، بعيد - في ثورة غضبه - عن رقة الطبع التي تلازم الدموع. حتى لو كان إنسان له موهبة الدموع، يضيعها الغضب. فالإنسان في ثورة غضبه يفكر في خطايا غيره، ولا يفكر في خطاياه هو. ويرى نفسه مظلومًا وصاحب حق، أو يرى نفسه وقد خُدِشَتْ كرامته. كل هذه مشاعر لا تتفق مع الدموع، ولا تجلبها بل تضيّعها.
9- يُضيّع الدموع أيضًا، السير في حياة الشهوة والخطية: الذي يعيش في لذة الخطية، لا يبكي، لأن اللذة طاغية عليه. وشعوره بالسرور، لا يعطيه فرصة لأي حزن مقدّس. الابن الضال - وهو يلهو مع أصدقائه - ما كان حزين وقتذاك. ولكنه لما جلس إلى نفسه أتاه الانسحاق.
10- ومما يُضيّع الدموع أيضًا: الفخر والكبرياء ومحبة الكرامة. الذي يحزن حزنًا مقدسًا، أو يغلبه بكاء روحي، هو الشخص المنسحق وليس المنتفخ. إن المتكبّر مُحِبْ الكرامة، إنما ينشغل بذاته ورفعتها في هذه الدنيا. ولكن الذي يبكي هو الذي يفكر في أبديته، وتتضاءل كل أمجاد الدنيا في عينيه.
104- التأمل في الطبيعة
104- التأمل في الطبيعة
التأمل موجود منذ القدم، ولعله من الآيات التي تثبته، قول الكتاب عن إســحاق أب الآبــاء "وَخَرَجَ إِسْحـَاقُ لِيَتَأَمَّلَ فِي الْحَـقْلِ عِنْدَ إِقْبَـالِ الْمَسَاءِ" (تك24: 63). كذلك من جهة التأمل في الطبيعة، قال المرتل في المزمور: "بِصَنَائِعِ يَدَيْكَ أَتَأَمَّلُ" (مز143: 5). ومن أمثلـة التأمـل في المخلوقات، قول الكتاب: "اِذْهَبْ إِلَى النَّمْلَةِ أَيُّهَا الْكَسْلاَنُ. تَأَمَّلْ طُرُقَهَا وَكُنْ حَكِيمًا" (أم6: 6).
2- والتأمل على أنواع: هناك تأمل في الطبيعة، وتأمل في الكتاب المقدس، وتأمل في الصلوات وفي المزامير، وتأمل في الأحداث، وتأمل في الله وصفاته. وحينما قال الرب: "أنظروا إلى طُيُورِ السَّمَاءِ.. تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ" (مت 6: 26و28)، إنما هذا جزء من التأمل في الطبيعة بوجه عام. وما أكثر الدروس التي نأخذها من الطبيعة.
3- التأمل في الطبيعة يقودنا إلى الإيمان بالله، إنها تعطينا فكرة عن قدرة الله وعن إبداع عمل يديه. وفي ذلك يقول المزمور: "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ" (مز19: 1). الأرض أيضًا بما فيها من جبال وبحار ومحيطات، وما عليها من أشجار وأزهار، وما فيها من مناظر وتنوع الخليقة تعطي أيضًا فكرة عن قدرة الخالق.
4- التأمل في الطبيعة يعطينا أيضًا درسًا في النظام: من أمثلة النظام العجيب في الفلَك، الذي ينتج عنه تتابع الليل والنهار، وتوالى الفصول، بنظام دقيق لا يختل على مر السنين. كذلك نظام الحرارة والبرودة، والضغط والرياح. وما ينتج عن كل ذلك والفصول التي تتتابع أيضًا في دِقَّة بالغة منذ نشأة العالم حتى الآن.
5- والتأمل في الطبيعة يعطينا درسًا آخر في العمل الجماعي. الكل يعمل معًا وفي تعامل عجيب.. فمثلًا.. في عمل الأشجار: الجذر والجذع والفروع والأوراق، مع عمل المطر الذي يروى، وتربة الأرض التي تغذى، وحرارة الشمس وندى الليل والرياح التي تنقل البذور.. الكل يعمل معًا.
6- الطبيعة أيضًا تعطينا درسًا في الطاعة: إنها تنفذ مشيئة غيرها لا إرادتها الخاصة، سواء الطبيعة السمائية التي للملائكة، أو طبيعة أرضية: الكل يسير وفق نظام إلهي موضوع له، ما عدا الإنسان الذي يستخدم عقله وحريته أحيانًا في التمــرد على مشــيئة الله. لذلك نقــول للـرب في صــلواتنا: "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ" (مت6: 10).
7- الطبيعة تعطينا درسًا آخر في الحركة والنشاط فمثلاً طبيعة أجسادنا هي درس في العمل الذي لا يتوقف. القلب في عمله، وكذلك المخ والكبد والدم لو توقف أحد من هذه الأعضاء، لتعرض الإنسان للضياع، نفس الوضع في الشجر والنبات. دروس في الحركة.
8- الطبيعة تعطينا أيضًا درسًا في العطاء. الشمس تعطينا حرارة ودفئًا ونورًا. والنجوم والكواكب والقمر تعطينا ضوءًا. المطر يعطينا ريًا. والأشجار تعطينا ظلاً. الورود والأزهار تعطينا رائحة وعطرًا، وتعطينا فرصة للتمتع بألوانها وجمال منظرها.. والنباتات تعطينا طعامًا.. وكثير من الأشجار تعطينا فاكهة وثمرًا.. كل الطبيعة لا تعمل لأجل نفسها، بل لغيرها، لأجلنا نحن. الأرض لماذا تتعب لتنتج وتثمر؟ أليس لأجلنا؟ إنها درس لنا بلا شك.
9- والطبيعة تعطينا كذلك درسًا في إنكار الذات: ولعلي في هذا أعطيكم مثالًا بالجِذر الذي يحمل الشجرة كلها وهو مختف لا يظهر. إنه يمتص العصارة من الأرض، ويقدمها للشجرة فتنمو وتزهر وتثمر. ويمتدح الناس زهرها وثمرها وظلّها، ولا تنال الجذور شيئًا من هذا المدح، بل تحيا في إنكار ذات دائم.
10- الطبيعة أيضًا تعطينا درسًا في الجمال، وفكرة عن محبة الله للجمال. ما أعجــب جمــال السمــك المــلوّن، وجمــال الفراشــات. كلهــا بألــوان عجيبـة.
ومجموعات نادرة يصعب على الفنان أن يرسم بعضًا منها. وكلها بألوان تدل على قدرة الخالق في تنسيق وتنويع وترتيب تلك الألوان جميعها. وتلك الأشكال المتعددة. نراها فنؤمن أن الله هو الفنان الأول.
105- أقوال متنوعة
105- أقوال متنوعة
1- الإنسان المتضع يشعر أنه لا يستحق شيئًا.. لذلك فهو يشكر الله على كل شيء مهما كان قليلًا، ويفرح به شاعرًا في عمق أعماقه أنه لا يستحقه.
2- الإنسان المتكبر هو عكس ذلك؛ يظن في نفسه أنه يستحق أشياء كثيرة أكثر مما عنده فيتذمر على ما هو فيه.
3- ليتني يا رب أنسى الكل، وتبقى أنت وحدك تُشبع حياتي.
4- وأنت سائر في الطريق الروحي، احرص لئلا تكبر في عيني نفسك فتسقط.
5- لا تخف من الباطل أن ينتشر أو ينتصر.. إن الباطل لا بد أن يُهزم أمام صمود الحق، مهما طال به الزمن. وكل جليات له داود، ينتظره وينتصر عليه.. باسم رب الجنود.
6- لقد عرفت الله. هذا حسن جدًا. ليتك تنمو في المعرفة. وليكن كل يوم يمر عليك يقربك إلى الله أكثر.
7- الله قد يسمح لقوى الشر أن تقوم علينا. ولكنه في نفس الوقت يأمر القوات السمائية أن تقف معنا وتحمينا.
8- بينما يبحث علماء اللاهوت في هذه الأمور العويصة، يكون كثير من البسطاء قد تسللوا داخلين إلى ملكوت الله.
9- أحيانًا يكون الصـمت أبلغ من الكـلام، وأكثر فائدة ونفعًا، أو على الأقل قد يكون أقل ضررًا.
10- الصمت قد تكون فيه حكمة وقوة، وقد يكون فيه نُبل ورصانة.
106- التوازن
106- التوازن
1- ما أكثر الذين يتجهون في حياتهم الروحية إلى أقصى اليمين، أو إلى أقصى اليسار، ويتأرجحون بين نقيضين. وما أقل الذين يحفظون التوازن ويثبتون فيه.
2- مثال ذلك، أشخاص روحيون، يصومون في نسكٍ شديد جدًا خلال أسبوع الآلام. ثم بعد ذلك في فترة الخمسين يومًا، تنحل إرادتهم تمامًا، ويأكلون بلا ضابط. وما استفادوه في الصوم، يفقدونه كلية. والسبب هو عدم وجود التوازن في حياتهم.
3- ونفس الوضع يعمله البعض بالنسبة إلى الصمت والكلام، قد يسيرون في تدريب صمت كامل، لا يحدثون أحدًا، ثم إذا ما انتهي التدريب، يرجعون إلى الكلام بكل أخطائه وبلا حرص.
4- الوضع السليم أن يحفظ الإنسان الروحي توازنه في الصمت والكلام. فيعرف متى يصمت ومتى يتكلم، وإن تكلم، فما هي حدوده في كمية الكلام، وفي نوعيته أيضًا.
5- كذلك يحتاج الناس إلى توازن في التعامل مع الآخرين: فكثيرون لا يحفظون التوازن بين الوداعة والشجاعة في حياتهم. فقد يبالغون في الوداعة حتى تتحول إلى ضعف وإلى خنوع في الطبع. أو قد يبالغون في الشجاعة حتى تتحول إلى تهور واندفاع في غير حكمة.
6- الوضع السليم أن يكون الإنسان الروحي وديعًا في شجـاعته، وشجـاعًا في وداعته، يمزج الحكمة بهذه وتلك.
7- كذلك في التربية، التوازن بين التدليل والعنف. البعض يرى الحب تدليلًا، وعطاءً مستمرًا بلا حكمة وبلا ضابط، وحنانًا يشجع على الاستمرار في الأخطاء بغير مبالاة. فإن خرج عن تدليله، قد يضرب في عنف وفي كل ذلك لا يوجد توازن.
8- أما التوازن فهو في الحزم المحب، وفي الحب الحازم.. التوازن يحمل في طياته الكثير من الحكمة، إذ فيه فهم لما ينبغي أن يكون في غير مغالاة يمينية أو يسارية.
9- وقد قيل من بعض الحكماء، إن الفضيلة هي الوضع المتوسط بين نقيضين، بين إفراط وتقريط.
10- والتوازن يساعد على الثبات، لأن التطرف المبنى على اندفاع، لا يمكن أن يثبت، وما أسهل أن ينقلب إلى العكس. ابحثوا عن هذا التوازن في كل تفاصيل حياتكم الروحية.
107- الحق
107- الحق
1- الذي يحب الحق، ويدافع باستمرار عن الحق.. ينبغي قبل أن يأخذ حق الله من الناس، أن يأخذ حق الله أولًا وقبل كل شيء، من نفسه هو.
2- الذي يحب الحق، لا يجامل نفسه أبدًا، ولا يجامل أحدًا من أحبائه، على حساب الحق. لأنه يحب الحق من كل قلبه أكثر مما يحب أحدًا من الناس.
3- وحب الحق، له ميزان واحد فقط، يزن به للكل. فلا يُصفّى عن البعوضة لأحد، ولا يبلع الجمل لآخر.
4- لا يــدين أحــدًا في شيء، بينما يبـرر غيره في نفس الشيء، بسبب عواطفه تجاه هذا وتجاه ذاك.
5- ولا مانع عنده أن يدين نفسه في عمل من الأعمال، ويرفض أن يبرر ذاته، إذ يرى أن تبرير الذات هو أمر لا يتفق مع الحق. ويضع أمامه قول الرب: "مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم17: 15).
6- والذي يحب الحق لا يظلم أحدًا، ولا يقبل أن يقع ظلم على أحد، حتى لو كان ممن يعادونه.
7- إنه يحب الحق بعيدًا عن الطائفية والتعصب، لا فرق عنده بين قريب وغريب، لا يتأرجح الحق عنده بعوامل تتصل بالدين أو الجنس أو القرابة.
8- الحق اسم من أسماء الله. فالذي يحب الحق، يحب الله، والذي يبعد عن الحق، يبعد عن الله.
9- الذي يسير في طريق الحق، يتحرر من الباطل، ومن الزيف ومن الرياء، ومن التملق والنفاق، ومن التظاهر. لأنها كلها أمور ضد الحق.
10- الحق قد يبدو أولًا منهزمًا، ثم ينتصر أخيرًا. لا بد للحق أن يحتمل، ليعبّر عن محبته لله.. الذي يقوده الحق، يفرح بقيادته، ويتغذى بالحق ويحيا.
108- القلب القوي ـــ وسلام القلب
108- القلب القوي ـــ وسلام القلب
1- القلب القوي، هو القلب الصامد ـ الذي لا تقوى عليه العوامل الخارجية، فلا يهتز بسبب من الخارج.
2- القلب القوي، لا تغيره كلمة مهما كانت قاسية. ولا تزعجه معاملة مهما كانت شاذة، ولا تغريه إغراءات، ولا تهزه إثارات. إنه صامد، لا تتحكم فيه سوى مبادئه التي يؤمن بها، ومثالياته التي يتمسك بها.
3- القــلب القــوي لا يحوله الكـبرياء ولا المال أو الجاه أو المنصب أو رفعة مادية أو روحية. كما لا يسقطه في صِغَرْ النفس ما هو عكس هذا.
4- القلب القوي، لا ينتصر عليه القلق ولا اليأس، ولا الاضطراب ولا الخوف، بل يسمع قول الرسول: "كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ..." (1كو15: 58).
5- ولقوة القلب أسباب، بعضها طبيعي، وبعضها من النعمة. هناك إنسان قوي القلب بطبعه، كالأسد فيه جسارة، وله خشية، ولا يخاف. ولكنه قد يكون روحيًا، وقد لا يكون. وقد يُظْهِرْ قوة في مجالات معينة، ثم يضعف أمام دمعة أو رجاء؛ إما أمٍ أو ابن. وقد يضعف أمام رغبة معينة لا يستطيع مقاومتها.
6- وإنسان آخر، سبب قوته يتركز في روحياته.. فالإنسان الزاهد في كل شيء، يكون دائمًا قويًا، لأنه لا يحرص على شيء، ولا يشتهي شيئًا، ولا توجد فيه نقطة ضعف يحاربه بها العدو.
7- وقد تكون سبب قوة الإنسان، محبته للأبدية، فأصبح الموت نفسه لا يخيفه. أو قد يكون سبب قوة قلبه، محبته للحق، والحق دائمًا قوي مهما صادمته المقاومات. وقد يكون سبب قوة القلب، هو الإيمان. الإيمان بقوة الله التي معه، والتي تحرسه وتحميه، والتي تعطيه معونة من الروح القدس.
8- هذا القلب القوي لا يضطرب من الداخل، ولا من الخارج. بل يعيش في سلام مع نفسه، ومع الناس، ومع الله، السلام هو من ثمار الروح الرئيسية، فالرسول يقول: "ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ" (غلا5: 22).
9- أحيانًا نفقد سلامنا ونتضايق، عندما لا تسير الأمور حسب هوانا. وربما نفقد سلامنا، بسبب متابعتنا لأخطاء الناس، وقد يفقدنا سلامنا، شعورنا بالظلم وبأننا في موقف المُعْتَدَى عليه، وربما نفقد سلامنا بسبب رغبات لنا لم تتحقق. وقد نفقد سلامنا بسبب الخطية.
10- إن الشخص الذي يعيش في سلام مع الله والناس، لا بد أن يتمتع بسلام داخلي، سلام القلب والفكر. أنه يعيش في راحة ضمير، وكذلك في حياة الإيمان، التي يطمئن فيها قلبه. وهكذا من الداخل. فلا يضطرب، ولا يخاف ويقلق، ولا تملكه الكآبة، ولا الحيرة ولا الشكوك. بل يحيا في سلام داخلي، مؤمنًا بعناية الله وحفظه، مهما كانت قِوَى الشر محيطة، فالله أقوى من الكل.. يقول: "لاَ تَخَفْ... وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ" (أع 18: 9-10).
109- الندم
109- الندم
1- كثيرون يتصرفون تصرفات يعودون فيندمون عليها بعد فعلها، إما بسبب النتائج السيئة لهذه التصرفات، أو بسبب تعب ضمــائرهم وثورتهــا عليهم، أو لأنهم لا يستطيعون أن يعيدوا الأمور إلى ما كانت عليه قبل أخطائهم هذه.
2- ويزداد الندم كلما يشعر المخطئ ببشاعة خطيئته وبفداحة ذنبه، مثلما فعل يهوذا، ومثلما قال قايين: "ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ" (تك4: 13).
3- ويزداد الندم أيضًا إن شعر الإنسان أنه لا فائدة. مثل كلمة قالها ولا يستطيع أن يسترجعها، أو أن ينزعها من آذان السامعين ومن أذهانهم، مهما اعتذر.
4- التصرفات الخاطئة التي يندم عليها الإنسان، قد يكون سببها السرعة والاندفاع وعدم التروي، وقد يكون سببها عدم الاسترشاد بأحد قبل التصرف. وقد يكون التصرف البشع الخاطئ بسبب الغضب واشتعال الثورة الداخلية، وعدم ضبط النفس، وعدم حسبان النتائج أو عدم التفكير فيها على الإطلاق.
5- وكما يندم الإنسان لأنه تصرف باندفاع وبسرعة وبغير مشورة، قد يندم أيضًا لأنه انقاد إلى شهواته أو رغباته، ولم يضع الله أمامه ولم يضع أمامه كرامته كصورة الله.
6- وقد يندم الإنسان لأنه لم يحسب حساب المستقبل، حينما تصرف بلا مبالاة، أو بتراخ وتهاون وكسل.
7- على أن الندم له فائدة إن كان يقود إلى التوبة وإلى تصحيح مسار الحياة. وله فائدة أيضًا إن أوصل الإنسان إلى حياة الاتضاع والانسحاق.
8- كما حدث مع داود النبي الذي كان في كل ليلةٍ يُبلل فراشه بدموعه. وكما حدث مع بولس الرسول الذي قال: "لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا لأَنْ أُدْعَى رَسُولًا، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ" (1كو15: 9).
9- الندم قد ينفع هنا، ولكنه في الأبدية يتحول إلى عذاب، حيث لا توبة، ولا حلّ، إذ قد انتهي زمان التوبة "وَأُغْلِقَ الْبَابُ" (مت 25: 10) كما قيل في مثل العذارى الجاهلات، اللائي سمعن من الرب عبارة: "إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ!" (مت 25: 12)، فتحول الندم إلى "الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ" (مت25: 30).
10- فاجتهد الآن على الأرض، قبل الوقت الذي لا ينفع فيه الندم فهذا نصيب الذين لا يعملون الآن، كما قال الشاعر:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا |
| ندمت على التفريط في زمن البذر |
110- أقوال متنوعة
110- أقوال متنوعة
1- العمل ليس عملي أنا، وإنما عملك أنت يا رب. تعال وأُملك. انزع بنفسك القلب الحجري وازرع القلب الجديد. وأعطني أن أستسلم لعملك فيَّ، كما يستسلم المريض لمشرط الطبيب. وهو بلا إرادة ولا وعي تحت مشرطه. فلأكن يا رب هكذا معك. وأعطني قلبًا جديدًا.
2- التجارب للكل: لا تخلو حياة إنسان – أيًا كان – من التجارب والضيقات فهي للكل، حتى للأنبياء والقديسين، وحتى للسيد المسيح نفسه، الذي كان مجربًا في كل شيء مثلنا بلا خطية.
3- ثق أنك لست وحدك. أنت محاط بمعونة إلهية وقوات سمائية تحيط بك، وقديسون يشفعون فيك.
4- الإنسان البار يشتهي الموت مثلما تُشتهي الحياة.
5- الخادم الروحي هو إنجيل متجسد أو كنيسة متحركة.
6- إن الصلاة هي رعب للشياطين وأقوى سلاح ضدهم.
7- في حياة التسليم، أترك الوقت لله ولا تحدد له مواعيد فهو أدرى بعمله وأكثر معرفة منك بالوقت الصالح.
8- ليكن الخير طبعًا فيك، وليكن شيئًا تلقائيًا لا يحتاج إلى جهد، مثله مثل النَفَسْ عندك.
9- إن مواعيد الرب صادقة وأمينة. ونحن نثق بمواعيد الرب ومهما كانت العوائق التي تحارب إيماننا، فإننا لا نَشُّكْ.
10- إذا كنت في حفظ الله، فلن تستطيع قوة في العالم كله أن تؤذيك.
111- العمق
111- العمق
1- صدقوني، إن عملًا واحدًا يعمله الإنسان بعمق، ربما توزن به حياته كلها ويبقي هذا العمل، ويسجل في التاريخ، من أجل عمقه.
2- العمق في الصلاة: لقد تأثرت جدًا من المزمور الذي تضرع فيه داود النبي (مز130) ولِذا نبدأ به صلاة النوم، ونقول في أوله: "مِنَ الأَعْمَاقِ صَــرَخْتُ إِلَيْــكَ يَـا رَبُّ. يَـا رَبُّ، اسْمَــعْ صَـوْتِي" (مز 130: 1و2)؛ مِــنَ الأَعْمَاقِ صَرَخْتُ: من عمق القلب والعاطفة. من عمق الاستغاثة، مثلما تقول في المزمور الكبير: "من كل قلبي طلبتك بِكُلِّ قَلْبِي طَلَبْتُكَ" (مز119: 10).
3- صلاة يونان كانت صلاة عميقة وهو في بطن الحوت، نعم من الأعماق صرخت إليك، لأنه لا يوجد غيرك مخلص ومنقذ.. صلاة عميقة كصلاة الشعب قبل نقل الجبل المقطم.. صلاة يتوقف عليها مستقبل الكنيسة كلها.
4- عمق العطاء.. خذوا العمق الذي أخذ به إبراهيم ابنه، ليقدمه محرقة، كان في تقدمته، في عمق المحبة لله.. كان يحب الله أكثر بكثير من ابنه، وحيده الذي تحبه نفسه، ابن المواعيد، الذي ناله بعد صبر سنوات طويلة، وفي تقدمته أيضًا كان في عمق الطاعة لله، وفي عمق التسليم للإرادة الإلهية. بل أيضًا كان في عمق الإيمان، لأنه كان يؤمن أنه على الرغم من تقدمته، لا بد سيأتيه منه نسل مثل رمل البحر.
5- لعله من أمثلة عمق العطاء أيضًا، ما قدمته أرملة صرفة صيدا لإيليا النبي. كل ما قدمته هو "مِلْءُ كَفّ مِنَ الدَّقِيقِ فِي الْكُوَّارِ، وَقَلِيلٌ مِنَ الزَّيْتِ فِي الْكُوزِ" (1مل 17: 12)، ولكن عمق هذه التقدمة، كان في أنها قدمت كل ما كانت تملكه في وقت المجاعة. لتأكله هي وابنها، ثم تموت.. ولكنها فضّلت النبي على نفسها وعلى ابنها.
6- العمق في العبادة: كثيرون يهمهم المقياس الطولي في الصوم مثلًا، وفي الصلاة وعدد المزامير، وفي المطانيات، دون أن يهتموا بالعمق في العبادة. وقد يصوم الإنسان أربعين يومًا أو خمسة وخمسين، وربما يشتد على نفسه من جهة. ولكن بغير عمق في العمل الروحي، في الانتصار على النفس، وفي ضبط الإرادة والحواس، والفكر أثناء الصوم. وكأن الصوم مظهر خــارجي، وفي الداخـل، في الأعمــاق، لا شيء على الإطــلاق. ويخـرج مـن الصوم بنفس الطباع والأخطاء.
7- أما الذي يصوم بعمق روحي، وتصوم نفسه مع جسده، ويصحب صومه بانسحاق القلب. والتوبة والخشوع والتداريب الروحية، فهذا يأتي بثمر كثير. كذلك المطانيات، في عمقها لا في عددها. إنسان تلتصق بالتراب نفسه، وليس مجرد إنحناء رأسه، دون أن تنحني كبرياءُهُ من الداخل.
8- عمق التوبة: كثيرون تابوا، ورجعوا كما كانوا، لأن توبتهم لم تكن بعمق أما الذين تابوا بعمقٍ، فلم يعودوا إلى الخطية مرة أخرى، كانت التوبة نقطة تحول مصيرية في حياتهم، تدرجوا منها إلى النمو في حياة البر، حتى وصلوا إلى درجات عالية في الكمال المسيحي، مثل داود النبي في انسحاقه ودموعه.
9- عمق الإيمان: الإيمان العادي يَدَّعِيه الكل، ولكن ليس كل مؤمن عميق في إيمانه. بطرس الرسول آمن إلى حين ومشى مع المسيح على الماء، ثم ضعف إيمانه فسقط ونجاه الربُ قائلًا: "يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟" (مت 14: 31). الإيمان العميق لا يشك ولا يخاف، بل يمكن أن ينقل الجبال (مت17: 20).
10- عمق الشخصية: هناك أشخاص يتميزون بالعمق، وآخرون بالسطحية. فالشخصية العميقة لها عمق في التفكير والتدبير، عمق في الذكاء والفهم. الشخص منهم له ذكاء شمولي؛ يشمل كل شيء: إذا بحث موضوعًا، يفكر فيه من جميع الزوايا ويعمل حسابًا لكل النتائج وردود الفعل.
112- هل الله اختار؟
112- هل الله اختار؟
مقدمة
ما معني (الاختيار) عند المعتقدين به؟ هل معناه أن الله اختار أُناسًا ليكونوا أبرارًا لهم النعـيم! وما فضلهم في ذلك؟! واختار أُناسـًا ليكونوا أشرارًا ولـهم الجحيم! وما ذنبهم في ذلك؟! أو ليس من حقنا أن نقول لماذا؟؟
1- الاختيار بهذا المعنى، يعني محاباة للأبرار وظلمًا للأشرار. وحاشا لله أن يكون هكذا. فالله ليس عنده محاباة (أف6: 9)، بل في كل أُمة: "الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ" (أع 10: 35). وعن هذا المعنى قيل: "كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ" (رو10: 13). وهناك قاعدة وضعها الرسول هي:
2- الله يحب الجميع وهو: "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي2: 4). وحينما أرسل ابنه الوحيد إلى العالم أرسله لأنه "أَحَبَّ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابنهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ" (يو3: 16). وبذلك كان كفارة "لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أيضًا" (1يو2: 2). الله لا يريد أن أحد يهلك بل قيل عنه إنه "لا يشاء موت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا" (ختام صلوات الأجبية، حزقيال 18).
3- بل حتى إن كان الله قد حكم على خاطئ بالموت، ورجع هذا الخاطئ عن خطيئته وتاب، يرجع الله عن حكمه، فلا يموت الخاطئ بل يحيا. وهو نفسه يقول في ذلك: "وَإِذَا قُلْتُ لِلشِّرِّيرِ: مَوْتًا تَمُوتُ. فَإِنْ رَجَعَ عَنْ خَطِيَّتِهِ وَعَمِلَ بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ... فَإِنَّهُ حَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ" (حز 33: 14، 15).
4- وإن كان هناك اختيار، فلماذا إذًا الوصايا؟ ولماذا إذًا الكتب المقدسة، والأنبياء والرسل والإنذارات؟ ولماذا جعل في الكنيسة "الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ... لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ" (أف4: 11، 12) ما لزوم وما فائدة كـل هؤلاء إن كان المختارون معروفين، والمرذولون معروفين؟
5- وإن كان هناك اختيار، فلماذا إذًا يتعب الشيطان؟ لماذا يتعب في إغراء الصديق، بينما هو مختار، لن يرتد ولن يهلك، وقد خلص خلاصًا بلا رجعة. ما الجدوى إذًا من محاربته؟! ولماذا يتعب الشيطان في إسقاط الذين لم يختارهم الرب، المرذولين الذين هم هالكون؛ هالكون بدون حرب؟!
6- وما جدوى ما قاله الرسول عن الحروب الروحية (أف6). ما دام هناك مختارون ومرذولون، فما لزوم القتال إذًا، والمصير معروف؟! ألا نستطيع أن نقول في صراحة تامة: إن عقيدة الاختيار تعطي يأسًا للخطاة، وتراخيًا للأبرار.
7- ثم ما هو موقف النعمة هنا ممن يهلك؟ وما مسئوليتها؟ ما دام الاختيار محتوم، ومن جانب الله، وهذه إرادته؟ ما الذي تفعله إذًا. وهو بلا جدوى!
8- وإن كان هناك اختيار، فما معنى الثواب والعقاب؟ وما علاقة هذا بعدل الله وبمحبته وبصلاحه؟ كيف يختار الله إنسانًا للعقاب، ثم يعاقبه؟ أين العدل في هذا؟ بل أين المحبة أيضًا، إن كان الله يختار أناسًا للعذاب الأبدي؟ ويكون هو الذي اختارهم لهذا!! بل هل يتفق هذا مع صلاح الله: أن يختار أناسًا ليكونوا أشرارًا؟! حاشا.
9- ومبدأ الاختيار هذا، لا يتفق مع حرية الإرادة. لقد خلق الله الإنسان حرًا هو الذي يختار مصيره. وهكذا قال له: "اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ، وَقَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ" (تث30: 15، 19).
10- إذًا الاختيار قد جعله الله في يد الإنسان.
113- آداب الحضور إلى الكنيسة
113- آداب الحضور إلى الكنيسة
1- تأتي بحب: هوذا المرتل يقول في المزمور: "يَا رَبُّ، أَحْبَبْتُ مَحَلَّ بَيْتِكَ وَمَوْضِعَ مَسْكَنِ مَجْدِكَ" (مز 25(26): 8). وهذه هي إحدى العبارات التي يقولهــا الأسـقف أثناء تدشين مذبح جديد.. يقــول المرتــل أيضًا: "مســاكنك محبوبة ايها الرب إله القوات" (مَا أَحْلَى مَسَاكِنَكَ يَا رَبَّ الْجُنُودِ!) تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب (تَشْتَاقُ بَلْ تَتُوقُ نَفْسِي إِلَى دِيَارِ الرَّبِّ" (مز83(84): 1و2). بل إن المرتل يفرح بالمجيء إلى بيت الرب، فيقول: "فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: «إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ»" (مز121(122): 1).
2- قدسية بيت الرب: لا بد أن تشعر، وأنت في بيت الرب، بأنك في مكان مقدس، تسلك فيه كما يليق بقداسته. وهكذا يقول المزمور: "بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ إِلَى طُولِ الأَيَّامِ" (مز93: 5). يكفي أن اسمه "بيت الرب". وقد تم تدشينه بزيت الميرون، بالمسحة المقدسة، وحل فيه روح الله، وصار مقدسًا للرب، مخصصًا له.
3- الاستعداد: لهذا كله، فإن الدخول إلى بيت الرب ينبغي أن يسبقه استعداد روحي وجسدي أيضًا، فيدخله الإنسان وهو طاهر روحًا وجسدًا. من جهة الجسد، يكون مستحمًا أو مغتسلًا، وبملابس نظيفة طاهرة. ويكون أيضًا صائمًا إن كان ذاهبًا لحضور القداس الإلهي. ونستعد أيضًا لدخول بيت الله بالتوبة، بطهارة القلب ونقاوة الفكر، والبعد عن المشاكل والخصام.
4- التبكير: ليس من اللائق أن يذهب إنسان إلى الكنيسة متأخرًا، أو بعد تقديم الحمل. فإن الكتاب يقول: "الَّذِينَ يُبَكِّرُونَ إِلَيَّ يَجِدُونَنِي" (أم 8: 17)، وداود النبي يقول في المزمور: "يَا اَللهُ، إِلهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي" (مز63: 1).
5- الخشوع: ليتنا نضع نصب أعيننا قول أبينا يعقوب أبي الآباء: "مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ" (تك28: 17)، ومن مظاهر الخشوع: الوقوف والركوع والسجود وحفظ الحواس. ولذلك فإن الجلوس أثناء الصلاة، وبخاصة في لحظات مقدسـة، أمر غير لائق، ولا يتفق مع آداب الوجود في الكنيسة.
6- النظام: كل شيء ينبغي أن يسير في الكنيسة بنظام وهدوء، وقد قال القديس بولس الرسول: "لْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ" (1كو14: 40)
7- الحشمة: بيت الله تليق به الحشمة، والأدب أيضًا.. والحشمة تشمل الملابس، كما تشمل الزينة، وتشمل حفظ الحواس.
8- الصمت: الكنيسة يليق بها الصمت والإنصات.. فإن تكلم أفراد الشعب، وأحدثوا ضجيجًا، فهم يدلون على أنهم غير مهتمين بالصلوات. فلا يليق التحدث مع من يجاورك، وإن احتاج الأمر إلى تفاهم فيكون بالإشارة.
9- التواضع: دخول الكنيسة يكون باتضاع، وشعور بعدم الاستحقاق، وتُعلمنا الكنيسة أن نقول في دخولنا: "أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ. أَسْجُدُ فِي هَيْكَلِ قُدْسِكَ بِخَوْفِكَ.” (مز5: 7).
10- بروح الصلاة: ينبغي أن يقف الإنسان في الكنيسة بروح الصلاة. يقف مصليًا، مشتركًا في الصلاة، متابعًا إياها. متأملًا في معانيها.
114- أقوال متنوعة
114- أقوال متنوعة
1- إن الصدقة هي رجاءٌ عظيم عند الله العلي لجميع صانعيها.
2- عجيب أن كثيرًا من الناس يتمسكون بالوسائط وينسون الله.
3- حينما نتتبع معاملات السيد المسيح للناس، نجده حنونًا جدًا ورقيقًا جدًا على الضعفاء والمساكين، ونجده شديدًا في معاملة العنفاء. لم يقف المسيح أبدًا ضد إنسان مسكين، بل كان يجمع الضعفاء ويحتضنهم ويشفق عليهم.
4- إن كان الله بميلاده قد جاء ليصالحنا، فاذهب أنت يا أخي وصالح غيرك. لا تقل كيف أذهب أنا؟! هم الذين يأتون. كلا فإن الذي يقوم بالصـلح، هو الذي ينال بركة.
5- صدقوني إن جواز السفر الوحيد الذي تدخلون به إلى ملكوت الله هو هذه الشهادة الإلهية: أنت ابني.
6- في حياة القداسة، نطيع وصايا الله المقدسة. لأن الله قدوس، فكل كلمة منه مقدسة. وكتابه نسميه الكتاب المقدس.
7- كل ما نفعله لأجل الله القدوس يكون مقدسًا له، ولذا تكون النذور والبكور كلها مقدسة للرب. وعهودنا معه وعهده معنا، كلها مقدسة، والكتب التي نستخدمها في عبادة الله القدوس، يكون لها صفة القداسة أيضًا.
8- إن عشنا مع الله القدوس، فلنعش حياة مقدسة. حياة مقدسة بعمله فينا، ومقدسة بحبنا له. ذلك لأن الذين يعيشون بالقداسة في هذا العالم هم الذين سيعيشون مع الله في الأبدية.
9- فالحياة الأبدية سوف لا يكون فيها سوى الله القدوس ومعه القديسون من الملائكة ومن البشر القديسين.
10- الإنسان إذا بدأ يركز على نفسه، فلا يستطيع أبدًا أن يركز على الله، فمن الخير إذًا أن يجربه الرب.
115- المسيح المُعَّلِمْ
115- المسيح المُعَّلِمْ
1- كان الجميع ينادون المسيح بهذا اللقب: يا مُعَّلِمْ. بهذا اللقب خاطبه الكتبة والفريسيّون (مت12: 38)، والهيرودسيّون (مت22: 16) والصدوقيّون (مت 22: 24) كما خاطبه نيقوديموس بلقب يا مُعَّلِمْ (يو3: 2) وتلاميذه كانوا يقولون له يا مُعَّلِمْ (يو4: 31).
2-وهو نفسـه عندما غسـل أرجــل التلاميـذ قال لهم: "أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَــنًا تَقُـولُونَ، لأَنِّـي أَنَــا كَذلِكَ. فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّـيِّدُ وَالْمُعَلِّـمُ قَـد غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ، لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالًا، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أيضًا" (يو13: 13-15). وهكذا - كمعلّم – قدم القدوة الصالحة والمثال العملي.
3- إن لقب معلّم، له معنى أوسع من كلمة واعظ. فالواعظ قد يقول كلامًا مؤثرًا من جهة الفضيلة، لكن المعلم نطاقه أوسع بكثير. فلا يقتصر على الفضيلة فقط، بل يشمل أيضًا الإيمان والعقيدة وكل شيء كما أنه يشرح ويفسر ويثبت بالأدلة والآيات.
4- وكان السيد المسيح يُعلّم ويشرح بأمثال من الحياة العملية، بأمثال من حياة الزارع، والصياد، والتاجر، والوكيل، والوزنات، والمرأة التي تضع الخمير في العجين (لو13: 21) والعذارى والعرس (مت25) والعبيد الذين ينتظرون سيدهم ساهرين (مت24).
5- وكان يُعلّم في كل مكان وفي كل مناسبة. في العظة على الجبل التي أوردها إنجيل متى. كانت على الجبل (مت5- 7). وفي معجزة الخمس خبزات والسمكتين، كان يعظ في موضع خلاء. (مت14: 15). وأحيانًا كان يعلّم الناس وهو في السفينة (مت13: 1-2). كما كان يعلّم أيضًا في مجامع اليهود (مت4: 23) و(مت 9: 35). وأحيانًا وهو يسير في الحقول بين الزروع (مت12: 1). وأحيانًا وهو على شاطئ البحيرة لما ظهر لتلاميذه بعد القيامة (يو21).
6- كان المسيح شعبيًا في تعليمه، يتهافت حوله الناس ويتزاحمون ففي مناسبة معجزة الخمس خبزات والسمكتين. كان حوله خمسة آلاف من الرجال ما عدا النســاء والأطفـال (مت14: 21) أي ما يقــرب مــن خمسة عشـر ألفًا. وفي معجزة شفاء المفلوج، "... فَسُمِعَ أَنَّهُ فِي بَيْتٍ. وَلِلْوَقْتِ اجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَسَعُ وَلاَ مَا حَوْلَ الْبَابِ" (مر1:2-2).
7- كان معلّمًا محبوبًا قيل عنه: "هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!" (يو12: 19) وقيل عنه أَنَّهُ كَانَ "يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ في الشَّعْبِ" (مت 9: 35).
8- ولم يكن معلّمًا فقط، بل كوَّن له مدرسة وتلاميذ. في الأول اختار له اثني عشر تلميذا ودربهم وأرسلهم وأوصاهم بما يفعلون (مت 10). ثم اختار سبعين آخرين وأرسلهم أيضًا وصحَّح لهم الأفكار التي حاربتهم (لو10).
9- ومن أهمية التعليم. كل المؤمنين به دُعوا تلاميذ. وكانت رسالته إلى تلاميذه. أن يعلّموا ويكرزوا ويكونوا تلاميذ، فقال لهم: "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ.. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت 28: 19، 20)، وقال لهم أيضًا: "اكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15).
10- وهكذا كان معلمًا، أنشأ مدرسة للتعليم، وقد نَشَرَت تعاليمه لجميع الأمم وللخليقة كلها – وقد بُهِتَ الجميع من تعاليمه (مت 7: 28).
116- الخلاص في صلوات الأجبية
116- الخلاص في صلوات الأجبية
1- الخلاص هو موضوع أساسي في صلوات الأجبية. نطلبه باستمرار، ونشكر عليه ونحن نذكر خلاص الرب وفداءه لنا في كل ساعة في الأجبية.
في صلاة الشكر نقول: "ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح". وفي الثلاثة تقديسات نقول: "الذي صُلِبَ عنا، ارحمنا". وفي مقدمة قانون الإيمان نقول: "لأنك وَلَدْتِ لنا مخلص العالم أتى وخلص نفوسنا"، وفي قانون الإيمان (المشترك في كل صلاة) نقول: "هذا الذي من أجلنا نحن البشـر ومن أجل خلاصـنا، نزل من السماء، وتجسد من الروح القـدس ومن مريم العذراء تأنّس وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي وتألم وقٌبر وقام من بين الأموات".
3- إن خــلاص الـرب لنـا بالفــداء، ماثل أمامنا كل يوم وكل ساعة. وبتركيز أكثر في صلاة الساعة السادسة من النهار. حيث نقول له في قطع تلك الساعة: "صنعت خلاصًا في وسط الأرض كلها أيها المسيح إلهنا، عندما بسطت يديك الطاهرتين على عود الصليب. لهذا كل الأمم تصرخ قائلة: المجد لك يا رب".
4- وأيضًا في نفس الصلاة نقول للسيدة العذراء: "من قِبَلْ صليب ابنك، انهبط الجحيم وبطُل الموت. أمواتًا كنا فنهضنا واستحققنا الحياة الأبدية، ونلنا نعيم الفردوس الأول. من أجل هذا نمجد بشكرٍ غيرِ المائت، المسيح إلهنا لأنه قوي".
5- ليس الساعة السادسة فقط، وإنما نحن نذكر خلاص الرب باستمرار؛ ففي صلاة باكر. نقول له في المزمور (12 (13): 5، 6): "يَبْتَهِجُ قَلْبِي بِخَلاَصِكَ. أسبح الرب المحسن إليَّ (أُغَنِّي لِلرَّبِّ لأَنَّهُ أَحْسَنَ إليَّ)". ونقول في المزمور (69 (70): 4) "ليبتهج ويفرح بك جميع الذين يلتمسونك وليقل فيَّ كل حين محبو خلاصك: فليتعظم الرب (وَلْيَبْتَهِجْ وَيَفْرَحْ بِكَ كُلُّ طَالِبِيكَ، وَلْيَقُلْ دَائِمًا مُحِبُّو خَلاَصِكَ: «لِيَتَعَظَّمِ الرَّبُّ»)".
6- في صلاة الساعة الثالثة: يقول المصلي - عن تفاصيل هذا الخلاص - في المزمور (29 (30): 3) "يَا رَبُّ، أَصْعَدْتَ مِنَ الْجَحِيمِ نَفْسِى. وَخَلَصْتَنِي مِنْ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ". وفي قطع الساعة الثالثة، نتضرع إلى الروح القدس ونقول: "هلم تفضل وحل فينا وطهرنا من كل دنس أيها الصالح، وخلّص نفوسنا".
7- وفي صلاة الساعة التاسعة نقول للرب: "أنر علينا كما أنرت على الذين كانوا في ظلمة الجحيم. وردّنا جميعا إلى فردوس النعيم"، هكذا يتذكر كيف أن الرب بالخـلاص الذي قدمــه على الصليب، قد أنــار على الذين كــانوا في ظلمة الجحيم، وردهم إلى فردوس النعيم.
8- وفي الساعة التاسعة أيضًا، ما أجمل ما قيل فيها عن خلاص اللص اليمين.. كباكورة لخلاصنا كلنا... هذا الذي نتغنى به في صلاتنا فنقول: "يا من قبل إليه اعتــراف اللــص على الصــليب، اقبـلنا إليــك أيها الصــالح، نحــن المستوجبين حكم الموت بسبب خطايانا، نصرخ معه جميعًا: أذكرنا يا رب متى جئت إلى ملكوتك".
9- وفي صلاة الغروب: يقول المصلي في مز (117 (118): 21و24) "أَعْتَرِفْ لَكَ لأَنَّكَ اسْتَجَبْتَ لِي وَكنتَ لِي مُخَلصًا... هذَا هُوَ الْيَوْمُ الذي صَنَعُهُ الرَّبُّ، فلنَبْتَهِجُ ولْنَفْرَحُ فِيهِ"، وهكذا نصلّي - في قطع صلاة الغروب – ونقول: "أسرع لي يا مخلصي بفتح الأحضان الأبوية".
10- وفي صلاة النوم: نقول في قطعة: "تفضل يا رب"، "ارحمني وخلّص نفسي... التجأت إليك فخلّصني"، وفي مزمور 129 (130) يقول المصلي: "الرحمة من عند الرب، وعظيم هو خلاصه"، وفي صلاة نصف الليل: نبدأ بعبارات خلاصية أيضًا، إذ نقول: "قوموا يا بني النور، لنسبح رب القوات، لكي ينعم علينا بخلاص نفوسنا".
117- الخلاص وشروط نواله
117- الخلاص وشروط نواله
مقدمة:
إن عمل المسيح في الخلاص قد تم على الصليب، ولكن هل تم ما يتعلق بنا نحن؟ هناك عمل بشَري يجب أن نقوم به نحن. لأن الله لا يفرض علينا الخلاص فرضًا، وإنما نحن نناله بكامل إرادتنا، وبوسائط وضعها الله نفسه وقننها في الكنيسة.
الإيمان: فالخلاص الذي تم على الصليب، نناله أولًا بالإيمان والسيد المسيح يقول: "إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ" (يو8: 24) وقال أيضًا: "لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16). الخلاص إذن، تم ولكن لا يناله إلا من يُؤمن. ولذلك قال بولس وسيلا لسجّان فيلبي: "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ" (أع 16: 31).
2- الخلاص تم، ولكن لا تناله إلا بالمعمودية، هذا هو تعليم الرب القائل: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16). هل يمكن لإنسان أن يفرح باطلاً ويقول الخلاص قد تم، بينما هو لم يؤمن ويعتمد.
3- الخلاص تم، ولكن إن لم نتب نهلك (لو13: 5،3)، حقًا أن الخلاص قد تم. ومع ذلك لم يخلص حنّان وقيافا. ولم يخلص إسكندر النحاس الذي: "ليُجَازِهِ الرَّبُّ حَسَبَ أَعْمَالِهِ" (2تي4: 14)، ولم يخلص سيمون الساحر (أع 8: 9-24) ولا حنانيا وسفيرة (أع 1:5-11).
4- الخلاص تم، بمعنى أن السيد المسيح فتح بابًا للخلاص للذين يؤمنون ويتوبون ويعتمدون. "السَّالُكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ" (رو8: 1) ويعيشــون في شـركة الـروح القدس (2كو13: 14)، ويكـون لهـم ثمار الروح (غلا5: 22)، لذلك يقول بولس الرسول: "فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا" (رو 13: 11).
5- هذا الخلاص الذي تمَّ، يبكتنا عليه قول الرسول: "كَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟" (عب2: 3). كيف نستحق هذا الخلاص؟ وكيف نقبله؟ وكيف نناله؟ وكيف نثبت فيه فلا نفقده إذًا لا ينبغي أن نقول الخلاص قد تم ونقف بعيدًا عنه!
6- وإن كان الخلاص قد تم وانتهي الأمر، فلماذا قال بولس الرسول لتلميذه القديس تيموثاوس: "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أيضًا" (1تى 4: 16).
7- وإن كان الخلاص قد تم وانتهي الأمر فلماذا قال اليهود للرسل في يوم الخمسين: "مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟" (أع2: 37). ولماذا قال شاول الطرسوسي للمسيح "يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟" (أع 9: 6)، إذًا هناك عمل بشري يجب أن يعمله الإنسان.
8- وإن كان الخلاص قد تم، فما معنى قول السـيد المسـيح "أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ... إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ" (يو5: 6،5).
9- وإن كان الخلاص قد تم، فلماذا يقول الكتاب: "سِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" (1بط 1: 17) "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في2: 12).
10- إن كان الخلاص قد تم، فلماذا نقول في صلواتنا: "وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أيضًا!" (مت 6: 12).
118- أحد الشعانين
118- أحد الشعانين
1- إنه يوم عيد سيّدي، نحتفل فيه بألحان الفرح، قبل أن ندخل في ألحان البصخة الحزينة. وفيه استقبل اليهود المسيح ملكًا ليملك على أورشليم، ويخلّصهم من حكم الرومان ولكنه رفض هذا المُلك الأرضي، لأن مملكته روحية.
2- المسيح رفض أن يملك على أورشليم، ولكنه يفرح أن يملك على قلبك. قلبك عند الله، هو أعظم من أورشليم. إنه هيكل للروح القدس ومسكن لله، فَكِرْ كثيرًا: هل الله يملك عليك كلك؟: قلبك وفكرك وحواسك وجسدك ووقتك.. قل له تعال يا رب وأملك. هوذا أنا لك.
3- إن كانت مملكتك يا رب ليست من هذا العالم، فتعال: عندي لك مملكة تناسبك، تسند فيها رأسك وتستريح. لعلك تجد راحة في قلبي. وإن وجدت فيه عصاة أو متمردين عليك "تَقَلَّدْ سَيْفَكَ عَلَى فَخْذِكَ أَيُّهَا الْقوى... استلّه وانجح واملُك (اقْتَحِمِ. ارْكَبْ)" (مز44(45): 3و4).
4- لا تنشغل بالسعف في هذا اليوم، بل انشغل باستقبال المسيح في قلبك ملكًا عليه، فأنت تحتاج أن يملك الرب عليك، لكي يدبر أهل بيتك حسنًا.
5- كان المسيح يريد القلب، واليهود يريدون العرش. هو يريد أن يحررهم من الخطية، أما هم فلا يشغلهم إلا التحرر من الحكم الأجنبي. وما كان يخطر لهم على بال ذلك الفهم الروحي الذي يقصده بعبارة "إِنْ حَرَّرَكُمْ الابن فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" (يو8: 36).
6- وأنْتَ: ما هي تأملاتك في يوم أحد الشعانين؟ في اليوم الذي نودي فيه بالمسيح ملكًا على أورشليم.. قل له تعال يا رب وأملك. ليأت ملكوتك في قلبي، وفي قلوب جميع الناس. ليأت ملكوتك على كل الشعوب وفي كـل البلاد "لِكَىْ يُعْرَفَ فِي الأَرْضِ طَرِيقُكَ، وَفي كُلِّ الأُمَمِ خَلاَصُكَ" (مز66(67): 2)
7- ابعد يا رب عني كل ما يعرقل ملكوتك داخلي. أبعد عني الذاتية التي منعت ملكوتك عن رؤساء كهنة اليهود. وأبعد عني الحرية التي أبعدت الفريسيين عن ملكوتك وأبعد عني الحسد والغيرة التي بسببها ابتعد الكتبة والشيوخ والرؤساء.
8- اطلب من الرب أن يملك قلبك، إنما لا تغلقه أنت. قل له: "مُسْتَعِدٌ قَلْبِي يَا الله مُسْتَعِدٌ قَلْبِي" (مز57(56):7). وافتح قلبك لكل تأثير روحي، واقبل عمل الله فيك. ولا تطفئ الروح ولا تتجاهل صوت الله في داخلك.
9- إن الابن له مُلكٌ مع الآب بحكم طبيعته الإلهية، وله مُلك آخر بالدم، حين اشترانا بدمه. لقد دفع دمه الكريم فداء عنا، واشترى حياتنا له بعد أن كنا مبيعين للموت بسبب الخطية. لقد صرنا - بهذا الدم - ملكًا له، لذلك قيل إنه مَلَكَ عَلَى خَشَبَة (مز96(95):9) (النص القبطي المأخوذ من الترجمة السبعينية).
10- أمام تطهير الهيكل، اسأل نفسك: هل أنا من الكرامين الأردياء؟ أم خدمتي مقبولة؟ هل أنا من المهملين للمسيح؟ هل الذاتية تملأني مثلهم؟ هل أنا في تعامُلي، أُحَّمِلْ الناس أحمالًا عسرة؟ هل أنا أتعاون مع المسيح في تطهير هيكلي، أم أُقاومه كما قاومه أولئك الذين نزع الملكوت منهم؟
119- أسبوع الآلام
119- أسبوع الآلام
1- أسبوع الآلام هو أقدس أيام السنة، وأكثرها روحانية. هو أسبوع مملوء بالذكريات المقدسة في أخطر مرحلة من مراحل الخلاص، وأهم فصل في قصة الفداء.
2- اختارت الكنيسة لهذا الأسبوع قراءات معينة من العهدين القديم والحديث، كلها مشاعر وأحاسيس مؤثرة للغاية توضح علاقة الله بالبشر. كما اختارت له مجموعة من الألحان العميقة، ومن التأملات والتفاسير الروحية.
3- نحن في هذا الأسبوع نذكر آلام السيد المسيح الذي قدم نفسه فصحًا لأجلنا، لكي حينما يرى الآب دم هذا الفصح يعبر عنا سيف المهلك، فلا نهلك. نتذكر أن سفك دمه كان عوضًا عنا. وأنه لا خلاص إلا بهذا الدم، كما حدث يوم الفصح الأول (خر12).
- إنه أسبوع ندخل فيه في شركة آلام المسيح ونضع أمامنا كل آلامه من أجلنا في انسحاق قلب، وفي توبة صادقة، لكي نستعد للتناول في يوم الخميس الكبير، اليوم الذي أعطى فيه الرب عهده المقدس لتلاميذه الأطهار، وأسس هذا السر العظيم.
5- التأمل في الألم، يرفع النفس إلى فوق. يرفعها فوق مستوى المادة والعالم، ويدخلها فيما هو أرقى من الأرضيات.. ولذلك فإن الإنسان في حالة الألم، تكون نفسه أقوى، وروحياته أعمق. وكثيرًا ما نرى الإنسان في ألمه متجردًا من حب العالم.
6- انظر إلى ما فعله المسيح على الصليب، وقارنه بما تفعله أنت؛ هل أنت مثله ذبيحة حب تبذل ذاتك عن غيرك؟ هل أنت ذبيحة خطية تحمل خطايا غيرك؟ هل أنت ذبيحة محرقة تُرْضِى الله الآب؟ من أنت في أسبوع الآلام؟
7- إن لم تحمل خطايــا النــاس، فاحمــل آلامهم. احمل آلام الناس كما حمـلها المسيح، الذي قال لهم: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28).
8- اشــترك مع المســيح في إراحـة النــاس. كن قلبًا كبيرًا يتألم مع المتألمين: يزور المرضى، ويعزى الحزانى، ويدخل في مشاكل الناس لكي يحلّها، أو على الأقل ليصلى لأجلهم ويعزيهم، ويربطهم بالله.
9- ما أشد آلام المسيح. ننظر إليها فنتعزى. في آلامنا نتعزى بآلامه، لأنه ما هي آلامنا إذا قيست بآلامه؟ ونتعزى أيضًا بآلامه، لأنه جاء يحمل آلامنا. يتألم هو لنستريح نحن. وهناك أمر ثالث وهو أن آلامه كانت بسبب برّه، وحبّه وبذله، أما آلامنا فهي بسبب خطايانا.
10- وفي آلامك، ثق أن المسيح صديق لكل متألم. شريك له، ورفيق له، في طريق الألم، لا يتركه وحده. وكما قال الكتاب: "فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ، وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ" (إش63: 9). بل أن آلامك يعتبرها آلامًا له هو شخصيًا.
120- كيف نستفيد روحيًا في أسبوع الآلام؟
120- كيف نستفيد روحيًا في أسبوع الآلام؟
1- السلوك خارج الكنيسة كما في داخلها: وإن كنا في أسبوع البصخة، نتبع السيد المسيح خارج المحلّة.. فلنعِش في أسبوع الآلام خارج المحلّة، وحدنا خارج الوسط العلماني المحيط بنا.
2- الاعتكاف: حاول أن تعتكف، وأدخل إلى داخل نفسك، وانفرد بالرب وأقصر لقاءاتك وأحاديثك على الأمور الضرورية فقط. ووفر وقتك للعمل الروحي اللائق بهذا الأسبوع المقدس.
3- اتبع خطوات المسيح: تتبع حياة المسيح في هذا الأسبوع خطوة خطوة، منذ أن رفض المُلْكَ الأرضي يوم أحد الشعانين، ولتكن لك تأملاتك في كل أيام البصخة بما يناسـبها – اتخذ قــراءات الكنيســة في هذا الأســبوع مجــالًا لتأملاتك.
4- أدخل في شركة آلامه: قال القديس بولس الرسول: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ" (في3: 10). إن الرسول الذي دخل في شركة آلامه، قد قال: "حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ.. نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ، إِذًا الْمَوْتُ يَعْمَلُ فِينَا" (2كو4: 10-12).
5- الشعور بلذة الألم: كل ألم تحمله لأجل الرب، أشعر بلذته وبركته وإكليله، إننا سننال أجرنا في السماء، على قدر آلامنا لأجله "كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ" (1كو3: 8).
6- النسك: إن الذي يضع آلام المسيح قدامه، لا يجد في نفسه ميلًا للأكل أو للتلذذ بالطعام.. فهو يصوم لا ضاغطًا على نفسه بل عزوفًا عن الطعام وزهدًا فيه.
7- القراءة المناسبة: كل يوم من أيام البصخة المقدسة له قراءات تناسبه. والقراءة الروحية غذاء روحي جميل، يركز الفكر ويمنعه من التشتت، ويقوده إلى المشاعر الخاصة بموضوع القراءة.
8- الألحان: لأسبوع الآلام ألحانه الخاصة المملوءة عمقًا وتأثيرًا، وليتكم تعيشون في بيوتكم في جو ألحان أسبوع الآلام التي تسمعونها في الكنيسة، ويساعدكم على هذا، إن كانت لديكم تسجيلات صوتية لهذه الألحان.
9- استخدموا تسبحة البصخة بدلًا من الأجبية: ناجوا الرب في صلواتكم: "لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين. يا عمانوئيل إلهنا وملكنا.."، وكرروها كثيرًا في تأمل روحي لكل لفظة من ألفاظها.
10- أسبوع الآلام هو فترة الحصاد للسنة كلها. تحصد فيه من الروحيات ما يكفيك العام كله. وهذا ما نريده؛ لسنا نريد في البصخة روحيات لهذا الأسبوع فقط إنما نريد رصيدًا وخزينا لأيام الخماسين أيضًا.
121- سر الإفخارستيا
121- سر الإفخارستيا
مقدمة:
سر الإفخارستيا – تقديم جسد الرب ودمه – موجود في الأناجيل الأربعة كلها، وفي الرسالة الأولى إلى كورنثوس. وبالذات في الشواهد الآتية:
(مت 26: 26- 28، مر14: 22- 24، لو22: 19- 20، يو 6: 32- 58، 1كو 10: 16- 21، 1كو 11: 23- 30).
وسنشرح هذا كله بالتفصيل إن شاء الله ونخرج من كل ذلك بحقائق لاهوتية هامة وهي:
- الرب هو الذي أسس هذا السر: هو الذي أخذ خبزًا وشكر وبارك وكسر وأعطــى التـلاميذ قائلًا: "خُـذُوا كـُلُوا. هذَا هُــوَ جَسَـدِي الْمَكْسُــورُ لأَجْلِـكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِى" (مت 26: 26، 1كو11: 24) وهو الذي اخذ الكأس، وشكر وأعطاهم قائلا هذه الكأس... "هذَا هُوَ دَمِى الذي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ" (مر14: 24).
2- والرب هو الذي أمر بممارسة هذا السر: فلم يكتف الرب بأنه أسس السر في يوم خميس العهد، إنما أمر تلاميذه قائلاً لهم: "اصنعوا هذا لذكري". وعبارة "اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي" (1كو 11: 24)، تعني استمرارية إقامة هذا السر؛ إذًا نحن نخالف وصية الرب، إن لم نمارس هذا السر.
3- نمارس هذا السر إلى يوم مجيء الرب: وهذا هو تعليم كتابي، إذ يقول الرسول: "فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ" (1كو 11: 26).
4- هذا السر ليس خبزًا عاديًا: إنما يصفه الرب بصفات عالية جدًا حسبما ورد في إنجيل القديس يوحنا (يو6: 32-58): "الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَ مِنَ السَّمَاءِ" (ع32)، "خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ" (ع33)، "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ" (ع35، ع48)، "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الذي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ" (ع41)، "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ" (ع51).
5- هذا الخبز هو جسد الرب: ليس هذا هو تعليمنا نحن، إنما هو تعليم الرب القائل بعد كل هذه الصفات التي وصف بها هذا الخبز: "وَالْخُبْزُ الذي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ" (يو6: 51).
+ "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابن الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ" (يو6: 53).
+ "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (يو6: 54).
6- هذا جسدي.. هذا دمي: هكذا قال الرب، تبارك اسمه في كل ما قال: "خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي" (مت26: 26).
+ "اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي" (مت 26: 27- 28).
+ "خُذُوا كُلُوا، هذَا هُوَ جَسَدِي" (مر14: 22)، "هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ" (مر14: 24).
+ "هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ" (لو22: 19)، "هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي" (لو22: 20).
7- بركات التناول: إنها بركات روحية فائقة جدًا، لا يمكن أن تكون من خبز عادي.. ومنها الحياة الأبدية، والثبات في الرب، وغفران الخطايا.
+ "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (يو6: 54).
+ "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو6: 56).
+ "هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا" (مت 26: 28).
8- عقوبات لمن يتناول بغير استحقاق: وهذه يشرحها القديس بولس الرسول في (1كو11) قائلًا:
+ "إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ، أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ، بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ" (1كو11: 27).
+ "لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ" (1كو11: 29).
9- ارتباط هذا السر بالحياة: وما دام التناول يعطي حياة، لذلك من ينفصل عنه وعن الإيمان به، لا تكون له حياة. هكذا قال المسيح: "فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابن الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (يو6: 53-54).
10- هذا السر يذكّرنا بكهنوت ملكي صادق: ملكي صادق لم يقدّم ذبيحة دموية. إنما قدم خبزًا وخمرًا (تك14: 18) أو قل قدم الذبيحة الإلهية بشكل الخبز والخمر، كما فعل السيد المسيح في يوم الخميس الكبير. وهنا كان كهنوت المسيح على مثاله، كما أنه لم يكن كهنوتًا عن طريق الوراثة كما كان هارون، بل كان في الكهنوت بلا أب بلا أم بلا نسب (عب7: 3).
122- جسد القيامة الممجد
122- جسد القيامة الممجد
1- لا شك أن جسد القيامة بصفة عامة هو جسد ممجّد. وقد شرح القديس بولس هذا المجد بقوله: "هكَذَا أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ.. يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ. يُزْرَعُ فِي ضَعْفٍ وَيُقَامُ فِي قُوَّةٍ. يُزْرَعُ جِسْمًا حَيَوَانِيًّا وَيُقَامُ جِسْمًا رُوحَانِيًّا" (1كو15: 42-44).
2- فإن كنا نحن سنقوم بجسد ممجّد.. بجسد روحاني، فكم بالأولى كانت قيامة الســيد المسـيح؛ هذه القيامة التي كانت "باكورة" (1كو15: 20، 23). ونحن كلنا على مثالها سنقوم في القيامة العامة. وأكبر دليل على أننا سنقوم بمثال مجد تلك القيامة هو قول القديس بولس الرسول في رسالته إلى فيلبي: "يَسُوعُ المسيح الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في3: 20-21).
3- والمهم في القيامة.. قيامة الجسد.. لأن الروح بطبيعتها، حية لا تموت.. والذي يموت هو الجسد بانفصاله عن الروح ويتحول إلى تراب، وتبقى الروح حية في مكان الانتظار. إذًا القيامة هي قيامة الجسد واتحاده بالروح مرة ثانية. ونحن في طقس "جحد الشيطان" - في المعمودية - نقول: "نؤمن بقيامة الجسد".
4- هذا الجسد الممجّد الروحاني، هو الذي صعد إلى السماء، وعملية الصعود قد لا تتفق مع جسد مادي، يخضع لقانون الجاذبية الأرضية، لأنه أثقل من الهواء. ولكنه صعد بجسد روحاني، يرتفع إلى فوق في مجد، وبنفس المجد يجلس عن يمين الآب.
5- ونفس الجسد الممجّد هو الذي سيأتي به في مجيئه الثاني "في مجده" (مت25: 31)، "بمجده ومجد الآب" (لو9: 26)؛ وليـس مجـد الصعــود أو المجيء الثاني مجرد معجزة بل هو وضع ثابت في طبيعته يستمر إلى الأبد.
6- هذا الجسد الممجّد هو الذي ظهر به لشاول الطرسوسي في طريق دمشق. إذ "فَبَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلَهُ نُورٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَسَمِعَ صَوْتًا قَائِلاً لَهُ: «شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟، فَقَالَ: «مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟» فَقَالَ الرَّبُّ: أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ..." (أع 9: 3-5).
7- هذا الجسد الممجد هو نفس الجسد الذي وُلِدَ به من العذراء، ولكن جسده - في ميلاده - لم يكن في مجد قيامته.. ذلك لأنه في مولده كان قد "أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ" (في2: 7)، وعملية الإخلاء هذه انتهت بمجد القيامة والصعود.
8- جسد القيامة هو نفس جسد الميلاد.. ولكن في حالة من التجلي: أعطانا عربونًا لها على جبل التجلي (مر9: 2، 3)، فالقيامة للسيد المسـيح، ولنا نحن أيضًا بنفس جسد الميلاد، ولكن بمجد أو في حالة من التجلي، يسبغ على نفس الجسد طبيعة ممجدة فاذا به جسد روحاني.
9- ومن الأدلة على مجد جسد القيامة: دخوله وخروجه من المغلقات، فقد دخل العليّة على التلاميذ أكثر من مرة والأبواب مغلقة (يو20: 19، 26). وفي قيامته خرج من القبر وهو مغلق. ومن أمثلة خروجه من المغلقات: خروجه من الأكفان والحنوط، مع بقائها على حالها.
10- في الأبدية: طبيعتنا هذه ستتغير حينما نقوم من الأموات، ونأخذ "صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في3: 21). وحينئذ سنراه. وكما يقول الرسول "ننْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ" (1كو13: 12). وأما معني عبارة "وَجْهًا لِوَجْهٍ"؟ وكيف تتم؟ يا إخوتي.. خيرٌ لي الآن أن أصمت فهذا أفضل جدًا، وأسهل جدًا.
123- القيامة فرح
123- القيامة فرح
كانت قيامة السيد المسيح فرحًا للتلاميذ ولنا أيضًا:
1- بقدر ما كان التلاميذ في حزن وفي قلق شديد من يوم الجمعة، على نفس القدر أو أكثر كانوا يوم الأحد في فرح بسبب القيامة. وتحقق قول الرب لهم من قبل: "وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أيضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 22).
2- لقد فرح التلاميذ لأنهم رأوا الرب، ورأوه حيًّا خارج القبر، وكانوا يظنون أنه لا لقاء. وفرحوا لأن السيد قد انتصر في معركته ضد الباطل، وأنه "يقُودَنا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ" (2كو2: 14). وفرحوا لأنهم تخلّصوا من شمـاتة الأعــداء بهم، كما تخلصوا من قلقهم واضطرابهم واختفائهم. وأصــبح الآن بإمكانهم أن يخرجوا ويواجهوا الموقف، ويتكلموا بكل مجاهرة وبكل قوة عن قيامة المسيح.
3- بقيامته فرحوا أن القيامة ممكنة: وذلك بالدليل المادي الذي رأوه أمامهم.. وهكذا قال عنه القديس يوحنا الرسول: "الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا" (1يو1: 1). وقال القديس بطرس الرسول: "نَحْنُ الَّذِينَ أَكَلْنَا وَشَرِبْنَا مَعَهُ بَعْدَ قِيَامَتِهِ مِنَ الأَمْوَاتِ" (أع10: 41).
4- فرح التلاميذ لأن الرب وفي بوعده لهم، وتحقيق هذا الوعد أنه قام فوثقوا أيضًا بتحقيق كل الوعود الأخرى التي قال لهم عنها مثل: "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أيضًا وَآخُذُكُمْ إِلَىَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أيضًا" (يو14: 2-3). ووثقوا أيضًا بوعده عن إرسال الروح القدس إليهم (يو16: 7). وأنهم سينالون قوه من الأعالي (أع1: 8) وأنه معهم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر (مت28: 20).
5- وفي فرح التلاميذ بالقيامة، فرحوا أيضًا بكل ألم يلاقونه في سبيل الشهادة لهذه القيامة. لقد صار لهم فكر المسيح (1كو2: 16). واضعين أمامهم هذا الشعار: "إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أيضًا مَعَهُ" (رو8: 17). وهكذا تحملوا الآلام وهم يقولون: "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ" (2كو6: 10).
6- وصارت القيامة فرحًا لجميع المؤمنين وبشرى بالقيامة العامة. فالقيامة أعطت المسيحيين رجاءً في العالم الآخر، فركزوا فيه كل رغباتهم وزهدوا هذا العالم.
7- وفي الفرح بالقيامة، فرح بالملكوت الذي يكون بعدها، وبالنعيم الأبدي وكل ما فيه واستطاع بولس أن يعبر عن ذلك بقوله: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9).
8- وتحدث عن الإكليـل المعــد فقال: "وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أيضًا" (2تي4: 8).
وبهذا أعطتنا القيامة رجاءً في العشرة الدائمة مع المسيح. فرحة القيامة ليست هي مجرد أن تقوم، إنما بالحري أن تقوم مع المسيح، لنحيا معه، حيث يكون هو.. وهكذا صارت القيامة وسيلة، وليست غاية في ذاتها.. وسيلة للحياة مع الرب والتمتع به، في فرح دائم، لا ينطق به ومجيد، ومع مصاف ملائكته وقديسيه.
9- فرحوا، لأنه بعد القيامة قد افتقدهم المسيح.. وقضى معهم فترة، كانت تضميدًا لجروحهم، وإزالة لشكوكهم، وغفرانًا لخطاياهم. بل كانت فترة إعداد للخدمة المقبلة.. أربعين يومًا قضاها الرب معهم كان يظهر لهم ويكلمهم عن الأمور المختصة بملكوت الله. (أع1: 3).
10- وفرح التلاميذ، لأنهم بعد قيامته اِسْتُؤمِنوا على رسالة: قال لهم الرب: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابن وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19-20). "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ. وَهذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنِينَ" (مر16: 15-17).
124- المحبة هي الفضيلة الأولى
124- المحبة هي الفضيلة الأولى
1- المحبة هي الفضيلة الأولى، بل هي جماع الفضائل كلها. وعندما سُئل السيد المسيح عن الوصية العظمى في الناموس، قال إنها المحبة "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ.، ومن كل قدرتك... وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ... بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ" (مت 22: 37-40 ولوقا10: 27).
2- جاء السيد المسيح إلى العالم لكي ينشر المحبة، المحـبة الباذلة المعطية، محبة الله للناس ومحبة الناس بعضهم لبعض.
3- تربطنا بالله علاقة الحب، لا علاقة الخوف. إن الخوف يربي عبيدًا، أما الحب فيربي الأبناء، وقد نبدأ علاقتنا مع الله بالمخافة، ولكنها يجب أن تسمو وتتطور حتى تصل إلى درجة الحب، وعندئذ يزول الخوف.
4- الإنسان الذي يصل إلى محبة الله، لا تقوى عليه الخطية؛ يحاربه الشياطين من الخارج، وتتحطم كل سهامهم على صخرة محبته.
5- إن الله لا تهمه أعمال الخير التي يفعلها الناس، إنما يهمه ما يوجد في تلك الأعمال من حب للخير ومن حب لله.
6- ينبغي أن نعالج كل أمر بالحب، يكون الحب دافعنا، ويكون الحب وسيلتنا، ويكــون الحــب غايتنــا. ونضـع أمامنــا قـول الكتـاب: "لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ" (1كو 16: 14).
7- ينبغي أن يدخل الاتضاع في كل فضيلة لكي يحفظها من الزهو والخيلاء والمجد الباطل.
8- ينبغي أيضًا أن يدخل الحب في كل فضيلة لكي يعطيها عمقًا ومعنى وحرارة روحية.
9- الإنسان الذي يعيش بالحب، عليه أن يحب الكل. إن القلب الضيق هو الذي يحب محبيه فقط، أما القلب الواسع فيحب الجميع حتى أعدائه.
10- وأهم ما في الحب هو البذل، وأعظم ما في البذل هو بذل الذات.. لذلك قال السيد المسيح: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13).
125- كان لا بد أن يقوم المسيح
125- كان لا بد أن يقوم المسيح
1- كان لا بد أن يقوم المسيح، لأنه فيه كانت الحياة. هكذا قال القديس يوحنا الإنجيلي: "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ" (يو1: 4). والذي فيه الحياة، لا يمكن أن يبقـى ميتًا، بل أنه قال لمرثا: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو11: 25). إنه يؤكد هذا المعنى بقوله: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6).
2- نعم، كان لا بد أن يقوم من الموت، لأنه هو نفسه قد أقام غيره من الموت بمجرد أمره. لقد أقام إيليا ميتًا، ولكن بواسطة صلوات. وأقام أليشع ميتًا بصلوات أيضًا. أما السيد المسيح، فقد أقام ابنة يايرس، وابن أرملة نايين، ولعازر، بمجرد كلمة الأمر، لأنه معطي الحياة. هذا الذي أمر الموتى فقاموا.. أكان صعبًا عليه أن يقوم؟! كلا، بل كان لا بد أن يقوم، لأنه مقيم الموتى بأمره.
3- وكان لا بد للمسيح أن يقوم لأن قيامته نبوءة لا بد أن تتحقق. يقول الكتاب - بعد شهادة بطرس للمسيح أنه ابن الله -: "مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ" (مت16: 21). اقرأ أيضًا (مت17: 22-23).
4- كان لا بد أن يقوم المسيح، لأن قيامته كانت في سلطانه هو؛ لقد مات بإرادته – هو قدم نفسه للموت، ولم يكن مضغوطًا عليه في ذلك. وقد قال موضحًا هذا الأمر في عبارته الخالدة: "لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. أيضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا..." (يو10: 17-18).
5- وكان لا بد أن يقوم المسيح، لأن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين.. حتى عندما مات، تقول القسمة السريانية: "انفصلت نفسه عن جسده.. ولاهوته لم ينفصل قط لا عن نفسه ولا عن جسده"، روحه المتحدة باللاهوت نزلت إلى أقسام الأرض السفلى، وكرزت للأرواح التي في الجحيم، وأصعدتها إلى الفردوس.. أما جسـده فبقــى في القبــر متحدًا بلاهوته أيضًا.
6- وكان لا بد للمسيح أن يقوم، لكي يعزي التلاميذ ويقويهم. ولكي يزيل النتائج المرعبة التي نتجت عن صلبه، حيث خاف التلاميذ، واختفوا في العُلِّيَة، وتشتت باقي المؤمنين به خائفين من اليهود وبطشهم.. وأنكر من أنكر، وشك من شك.
7- وكان لا بد له أن يقوم، ليثبت أنه ليس إنسانًا عاديًا يموت كباقي الناس، جميع الناس يموتون، ويستمرون هكذا منتظرين القيامة العامة، لكي يقوموا.. أما السيـد المســيح فكـان لا بد أن يقـوم مباشـرة، وإلا حسبوه إنسانًا عاديًا.. إن قيامته تثبت لاهوته، وبخاصة أنه قام بذاته دون أن يقيمه أحد.
8- وكان لا بد أن يقوم المسيح، ليكون الباكورة التي على شبهها يقوم الكل. وهكذا قال القديس بولس: "وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ.. لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ. وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُتْبَتِهِ: الْمَسِيحُ بَاكُورَةٌ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْمَسِيحِ فِي مَجِيئِهِ" (1كو15: 20-23).
9- كان لا بد أن يقوم المسيح لأن هذا هو رجاؤنا في الأبدية.. لأنه "إِنْ كَانَ لَنَا فِي هذِهِ الْحَيَاةِ فَقَطْ رَجَاءٌ فِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّنَا أَشْقَى جَمِيعِ النَّاسِ" (1كو15: 19).
10- نعم.. كان لا بد أن يقوم المسيح، لكي يؤسس المسيحية، فبعد القيامة وقبل الصعود قال لهم: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ.." (مر16: 15-16). "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابن وَالرُّوحِ الْقُدُسِ... وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت 28: 19-20).
126- القيامة وأعماقها الروحية
126- القيامة وأعماقها الروحية
القيامة لقاء عجيب:
1- إنه أولًا: لقاء صديقين متحدين: هذان الصديقان عاشا معًا العمر كله، منذ الولادة بل وقبلها أيضًا، أثناء الحمل في بطن الأم، لم يفترقا لحظة واحدة، وأعني بها الجسد والروح. كل منهما طبيعة متميزة تمامًا: الجسد طبيعة مادية، والروح طبيعة روحية، اتحدا في طبيعة واحدة هي الطبيعة البشرية، لا تستطيع أن تفصل بينهما فتقول هنا الجسد وهنا الروح، عاشا بهذه الوحدة العجيبة.. وبعد عمر وحياة انفصل الاثنـان بالموت وأخيـرًا يلتقيان في القيامة.. بعد غربة طويلة.. ويتحدان مرة أخرى.
2- اللقاء العجيب الثاني في القيامة، هو لقاء شعوب وأجناس التاريخ؛ إنها قيامة عامة منذ آدم، تجتمع فيه كل الشعوب والأجناس، التي عاشت خلال أجيال وقرون، بكل ملامحها ولغاتها، بكل أبطالها وقادتها.. ألعلها تتعارف وتتفاهم؟! نعم، بلا شك. لأنه ستكون للكل لغة واحدة هي لغة الروح، أو لغة الملائكة.
3- اللقاء الثالث العجيب، هو لقاء البشر والملائكة: وهم طبيعة أخرى أسمى من طبيعتنا، ولكن اللقاء بهم هو إحدى متع الأبدية.
4- وأســمى من هذا كلــه بمـا لا يقاس: لقـاؤنا مـع الله.. التقاؤنا به - تبـارك اسمه - هو النعيم الأبدي، ولا نعيم بدون الله.. هنا ويقف قلمي في صمت خاشع، لأني أمام أمر لا تستطيع الألفاظ أن تعبر عنه، لأنه فوق مستوى اللغة في التعبير وفوق مستوى العقل في التفكير.
5- القيامة هي انتقال عجيب: هي انتقال من المحدود إلى اللامحدود. انتقال من هذا العمر المحدود بأيام وسنين، إلى حياة غير محدودة، بل إلى مجال هو فوق الزمن. مقاييس الزمن ستنتهي: حيث لحظة واحدة في الأبدية، هي أطول وأعمق من حياة الأرض كلها.
6- القيامة أيضًا هي انتقال من المرئيات إلى ما لا يرى: هي دخول فيما قال عنه الكتاب: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9). إنه دخول في عالم الأرواح، والتقاء مع الملائكة - وهم أرواح لا ترى - مع أفراح لم تُعْرَفْ من قبل، في هذا العالم المادي المرئي.
7- القيامة هي انتقال من عالم الحواس إلى عالم الروح: أو هي اقتناء حواس روحية غير الحواس المادية الحالية، حواس ترى الروح والروحيات وتُبْهَرْ بها. وهنا أصمت مرة أخرى.
8- القيامة هنا هي نوع من التجلي للطبيعة البشرية؛ تدرك فيه ما لم تكن تدركه من قبل، وتكتسب خواصًا روحية لم تكن تمارسها قبلًا. وتصبح في القيامة في وضع تستطيع به أن ترى ما لا يُرَى، أو بعضًا منه، أو تتدرج في الرؤية، متنقلة من شبع روحي إلى شبع أسمى وأسمى في حياة التجلي.
9- القيامة هي انتقال من عالم الباطل إلى عالم الحقِّ. مِن عالم الفناء إلى عالم البقاء. من عالم كل ما فيه يبطل بعد حين، إلى عالم باقٍ ليس فيه بطلان، عالم كل ما فيه حق وثابت، وانتهت منه الخطية، وأصبح كـل ما فيـه بِرًا، وفيه أيضًا ينتقل الإنسان من عِشرة إلى عِشرة، أنقى وأبقى وأصفى.
10- إذًا القيامة - في أعماقها الروحية - هي لقاء عجيب وهي انتقال عجيب.
127- إنجيل مرقس (جـ1)
127- إنجيل مرقس (جـ1)
1- أقدم إنجيل: أجمع كل علماء الكتاب المقدس وكل الدارسين فيه، على أن إنجيل مار مرقس هو أقدم ما كُتب من الأناجيل. ويرى القديس يوحنا فم الذهب أن مار مرقس كتبه في مصر ومعنى هذا أنه كُتِبَ بعد سنة 55م أو حـوالي سنة 61م. والثـابت أنه كُتب باللغة اليونانية ثم تُــرجم بعــد ذلك إلى اللاتينية وإلى القبطية.
2- الاهتمام بالتدقيق والتفاصيل: وقد امتاز مار مرقس في إنجيله بالتدقيق، وذكر تفاصيل كل شيء، سواء في الأسماء، أو الوقت أو المكان، أو العدد أو اللون، وحتى الملامح والمشاعر. مما يدل على أن الكاتب كان شاهد عيان لما يسجله. فمن جهة الأسماء مثلاً يذكر أن متى العشار هو ابن حلفى "وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى لاَوِيَ بْنَ حَلْفَى" (مر2: 14) ومن أمثلة اهتمامــه بتفاصيل المكـان قوله: "إِنَّهُ دَخَلَ السَّفِينَةَ وَجَلَــسَ عَلَـى الْبَحْرِ، وَالْجَمْعُ كُلُّهُ كَانَ عِنْدَ الْبَحْرِ عَلَى الأَرْضِ" (مر4: 1). ومن أمثلة اهتمامه بالعدد، قوله في معجزة الخمس خبزات: "أن يجَعَلُوا الْجَمِيعَ يَتَّكِئُونَ رِفَاقًا رِفَاقًا عَلَى الْعُشْبِ الأَخْضَرِ... صُفُوفًا صُفُوفًا: مِئَةً مِئَةً وَخَمْسِينَ خَمْسِينَ" (مر6: 39-40) ومن اهتمام مار مرقس بالتفاصيل شرحه للمشاعر والملامح: فقد ذكر عن السيد المسيح أنه تَحَنَنْ (مر1: 41)، وأنه "شَعَرَ بِرُوحِهِ" (مر2: 8).
3- مار مرقس يكتب للأمم (للرومان): لم يكتب مار مرقس إنجيله لليهود كما فعل القديس متى، وإنما كتبه للأمم، وللرومان بوجه خاص. ومن الأدلة على كتابته للأمم:
أ- ترجمته للكلمات الآرامية التي يستخدمها: فترجم اسم (بوانرجس) بأنه يعني ابني الرعد. وإن كلمة (قربان) معناها هدية (مر7: 11).
ب- شرح عادات اليهود وأماكنهم وطوائفهم: فشرح مثلاً اليوم الأول من الفطير بأنه حين كانوا يذبحون الفصح (مر14: 12). وشرح أن الفلسين قيمتهما ربع (مر12: 42) وشرح جبل الزيتون بأنه تجاه الهيكل (مر13: 3).
ج- قلة اقتباسه من العهد القديم: يُعْتَبَرْ إنجيل متى أكثر الأناجيل اقتباسًا من العهد القديم، لأنه كُتِبَ لليهود. أما مار مرقس الذي كتب للأمم فإن اقتباسه من العهد القديم أقل بكثير من متى ومن لوقا أيضًا.
4- تقديم السيد المسيح للرومانيين (للأمم): كان مار مرقس يعرف أن الرومان أهل عمل لا فكر، فقدم لهم المسيح في عمله وقوته، واهتم بأعماله أكثر مما اهتم بتسجيل أقواله. وكان يعرف أن الرومان معتزون بقوتهم كدولة تحكم العالم، فقدم لهم المسيح القوي ابن الله صاحب السلطة على كل شيء.
5- سرعة مذهلة في العرض: كان مار مرقس يعرف أن الرومان أهل عمل، مشغولون بالتجارة والسفر والحرب وأشغالهم المتنوعة، فدخل في موضوعـه مباشرة بدون مقدمات، لم يتحدث عن أنساب المسيح ولا الحوادث السابقة لمجيئه كالبشارة مثلاً أو ولادة يوحنا المعمدان أو زيارة العذراء لأليصابات، أو ولادة المسيح وطفولته، وإنما بدأ بعمل المسيح من أول إصحاح: "بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابن اللهِ،" ولأن الطريق يُهيئ قدام الملوك، وهذا الملك الآتي هو ابن الله، لذلك يوصف من يهيئ طريقه بأنه ملاك (مر1: 2). صوته صوت أسد (صارخٍ في البرية) (مر1: 3). هذا الملك الذي سيملك على القلوب. لا بد أن يُعَّدْ طريقه بالتوبة (مر1: 4، 5).. ثم تتلاحق الحوادث بسرعة أمام هذا الملك. 6- المسيح ابن الله: هذه الحقيقة بدأ بها الأصحاح الأول.. وشهد بها قائد المائة الروماني وقت الصلب في أواخر الإنجيل، فقال: "حَقًّا كَانَ هذَا الإِنْسَانُ ابن اللهِ!" (مر15: 39)، وشهد بها الآب من السماء وقت العماد (مر1: 11). وشهد بها أيضًا وقت التجلي (مر9: 7) واعترف بها السيد المسيح وقت محاكمته (مر14: 62). بل أن الشياطين نفسها حينما نظرته: "خَرَّتْ لَهُ وَصَرَخَتْ قَائِلَةً: «إِنَّكَ أَنْتَ ابن اللهِ!»" (مر3: 11).
7- سلطته على الشياطين: ذكر مار مرقس أن الرب كَانَ بِسُلْطَانٍ يَأْمُرُ حَتَّى الأَرْوَاحَ النَّجِسَةَ فَتُطِيعُهُ! حَتَىَ انْذَهَلَ الْنَاسُ وَتَحَيَّرُوا كُلُّهُمْ مِنْ سُلْطَانِهِ، (مر1: 27)، وأَنَهُ أَخْرَجَ شَيَاطِينَ كَثِيرَةً (مر1: 34) وأن الشياطين كانت تصرخ منه قائلة: "مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا!" (مر1: 24)، وأنها كانت تسجد له (مر3: 11، 5: 6). وأخرج الروح من الأخرس الأصم (مر9: 17-27).
8- سلطته على الأمراض: سجل مار مرقس شفاء الرب للعاهات المستديمة والأمراض المستعصية: كشفاء العميان (مر8: 22-26)، (مر10: 46-52)، وشفاء الأصـم الأعقـد (مر7: 32-37)، وشفاء الأبـرص (مر1: 40-42)، والمفلـوج (مر2: 11)، وصاحب اليد اليابسة (مر3: 5)، ونازفة الدم التي أنفقت كل ما عندها على الأطباء (مر5: 25-34). وذكر تأثير كل هذا على الناس، إذ "بُهِتَ الْجَمِيعُ وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ: «مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هذَا قَطُّ!»" (مر2: 12).
9- سلطته على الطبيعة والموت: سجل أنه والبحر هائج "فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ: «اسْكُتْ! اِبْكَمْ!». فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ" (مر4: 39) وقال التلاميذ بعضهم لبعض: "مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أيضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!" (مر4: 41)، ومرة أُخرى والبحر هائج جاء إلى تلاميذه ماشــيًا على البــحر.. "وَلَمَّا صَعِـدَ إِلَيْهِمْ إِلَى السَّفِينَةِ فَسَكَنَتِ الرِّيحُ، فَبُهِتُوا وَتَعَجَّبُوا فِي أَنْفُسِهِمْ جِدًّا إِلَى الْغَايَةِ" (مر6: 48-51). وذكر مار مرقس سلطة المسيح على الموت. إذ أقام ابنة يايرس. أمسك بيدها وهي ميتة وقال لها: "قومي، فقامت.." (مر5: 22-43). وذكر قيامة الرب نفسه من بين الأموات (مر16: 6).
10- بعض نواحي قوته الأخرى: شرح مار مرقس كيف كان المسيح يقرأ الأفكار (مر2: 8) وكيف كان يخبر بالمستقبل فتنبأ عن خراب الهيكل وعن خراب أورشليم وعن نهاية العالم (ص 13) وتنبأ أيضًا عن موته وقيامته ومجيئه الثاني (8: 31، 38).
وشرح كيف بعملية خلق، أشبع خمسة آلاف من خمس خبزات وسمكتين، فشبعوا وفضل عنهم 12 قفة مملوءة (مر6: 38-44). وكيف صنع نفس المعجزة مرة أخرى (مر8: 1-9). وذكر كيف دخل الهيكل بقوة، وبسلطان وطهره من الفوضى والفساد، وكيف عجز رؤساء الكهنة عن مقاومة سلطانه (مر11: 28-33). وذكر مارمرقس أيضًا كيف أن السيد المسيح قال عن نفسه أنه رب السبت (مر2: 28) وأنه الرب (مر11: 3). وأن له سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا حيث غفر للمفلوج (مر2: 10).
128- إنجيل مرقس جـ2
128- إنجيل مرقس جـ2
1- التفاف الشعب حوله: إلى جوار هذه القوة الخارقة التي سجلها مار مرقس للمسيح، سجل أيضًا شُهرته العجيبة والتفاف الشعب حوله. فمن الإصحاح الأول يقول: "فَخَرَجَ خَبَرُهُ لِلْوَقْتِ فِي كُلِّ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالْجَلِيلِ.. وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى الْبَابِ" (مر1: 28، 33). "وَكَانُوا يَأْتُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ" (مر1: 45) ومرة "سُمِعَ أَنَّهُ فِي بَيْتٍ. وَلِلْوَقْتِ اجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَسَعُ وَلاَ مَا حَوْلَ الْبَابِ" (مر2: 1، 2).
2- حتى عندما مضى مع تلاميذه إلى موضع خلاء منفردين "فَرَآهُمُ الْجُمُوعُ مُنْطَلِقِينَ، وَعَرَفَهُ كَثِيرُونَ. فَتَرَاكَضُوا إِلَى هُنَاكَ مِنْ جَمِيعِ الْمُدُنِ مُشَاةً، وَسَبَقُوهُمْ وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ. فَلَمَّا خَرَجَ يَسُوعُ رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا، فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا كَخِرَافٍ لاَ رَاعِىَ لَهَا" (مر6: 33-34).
3- المسيح المُعلّم: ذكر مار مرقس أنه كلما كان الناس يجتمعون حول المسيح وَكَعَادَتِهِ كَانَ أيضًا يُعَلِّمُهُمْ (مر10: 1)، ومع أن إنجيل مرقس لم يورد الكثير من تعاليم المسيح مهتمًا بأعماله، إلا أنه سجل عظمته كمعلّم له تأثير عجيب على الناس. ذكر أنه كان "يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ اَلْمَلَكُوتِ" (مر1: 14)، وأنه كان يعلم الناس في المجامع "فَبُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ" (مر1: 22). وفي مرة أخرى، إذ علّمَهم "بُهِتُوا قَائِلِينَ: «مِنْ أَيْنَ لِهذَا هذِهِ؟ وَمَا هذِهِ الْحِكْمَةُ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَهُ" (مر6: 2). وَكَانَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ يَسْمَعُهُ بِسُرُور"ٍ (مر12: 37). وكان الجميع يدعونه "المعلّم" وقد دُعِيَّ بهذا اللقب 12 مرة في إنجيل مرقس، ليس فقط من تلاميذه، بل أيضًا من أعدائه الفريسيين والهيرودسيين والصدوقيين والكتبة. وهو نفسه لقب نفسه هكذا (مر14: 14).
4- المسيح الملك: قدّمه مار مرقس كملك، وكان صاحب مملكة روحية، يكرز ببشارة ملكوت الله وظهر في إنجيله الفرق الكبير بين هيرودس الملك، الذي يجمع حوله العظماء والقواد في لهو ورقص، والمسيح الملك الذي يجمع حوله الشعب، يعلّمهم طريق الله ويشفي مرضاهم ويشبع جوعهم (مر6: 1-23)
5- صراع بين الحق والباطل: بعد كل هذه المقدّمات، سجّل مار مرقس كيف أن خدمة المسيح أثارت عليه حسد قادة اليهود، فحاربوه ولما لم يقدروا عليه في قوة إقناعه وفي إخجالهم أمام الناس، قتلوه أخيرًا.. إنه لم يبدأ بالاحتكاك، بل كان يعمل عمله في هدوء بعيدًا عنهم، ولكنهم بدأوا بالعدوان، واحتكوا به في حادثة المفلوج فكّر الكتبة في قلوبهم: لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا هكَذَا بِتَجَادِيفَ؟ ورد الرب على ما في قلوبهم فسكتوا (مر2: 7، 8). ثم تدرجوا من التفكير القلبي إلى مخاطبة تلاميذه عنه: "ما باله يأكل ويشرب مع العشارين والخطاة؟!"، فأفحمهم بقوله: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى" (مر2: 17).
6- ثم تدرج اليهود فتجرأوا أن يكلّموه هو، فاشتكوا له تلاميذه: "لماذا لا يصومون؟ "فرد عليهم بالمنطق فسكتوا.. ثم راقبوه وهو يشفي صاحب اليد اليابسة في السبت فناقشهم وأفحمهم، فسكتوا "فَنَظَرَ حَوْلَهُ إِلَيْهِمْ بِغَضَبٍ، حَزِينًا عَلَى غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ.. وشفى الرجل "فَخَرَجَ الْفَرِّيسِيُّونَ لِلْوَقْتِ مَعَ الْهِيرُودُسِيِّينَ وَتَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ" (مر3: 5-6). وهكذا من أول الأصحاح الثالث شرح مار مرقس بنفس وضوحه وبنفس سرعته، تطور العلاقة بين المسيح ورؤساء اليهود: من كلام الشك داخل القلب إلى التشاور على إهلاكه، وتطور موقف السيد المسيح من مجرد الإقناع إلى نظرة الغضب والاصطدام. ما كان ممكنًا أن يسالم أمثال هؤلاء الذين يريدون تعطيل عمل الرب.
7- ثم تطور الأمر بهم إلى التشهير به: قال الكتبة عنه: "إِنَّ مَعَهُ بَعْلَزَبُولَ! وَإِنَّهُ بِرَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ" (مر3: 22). فرد عليهم في قوة بأن الشيطان إذا انقسم على ذاته لا يقدر أن يثبت.
ثم دخل الصراع في مرحلة الأسئلة: أرادوا أن يحرجوه بأسئلتهم، فأحرجهم بإجاباته: جاء الفريسيون والهيرودسيون بأسلوب تملق لشجاعته سائلين: "هل تُعطَى جزية لقيصر؟ فأجاب بقوله المشهور: "أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ للهِ" (مر12: 13-17)، ثم جاء الصدّوقيون يسألونه عن القيامة والزواج، فأفحـمهم بقوله إنه في الســماء يكونون كالملائكة لا يتزوجــون. ثم ختم كلامه بقوله: "فَأَنْتُمْ إِذًا تَضِلُّونَ كَثِيرًا!" (مر12: 18-27). ثم يقول الكتاب: "وَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ بَعْدَ ذلِكَ أَنْ يَسْأَلَهُ!" (مت12: 34).
8- الصليب والفداء: إن القوة الجبّارة، التي استطاع مار مرقس أن يصّور بها المسيح للأمم كابن الله، في ملئ سلطانه، وفي محبة الناس له، لم تجعله على أية الحالات، يستحي من الصليب. بل على العكس خصص نصف إنجيله تقريبًا لهذا الغرض. ورحلة المسيح إلى أورشليم وصلبه وقيامته كانت بالنسبة إليه معادلة لباقي خدمة المسيح كلها. إن الفداء هو أساس الإيمان بالمسيح، وقد صَوَّرَهُ مار مرقس في كل مراحله. بل إن ظِلْ الصليب ينعكس على إنجيل مرقس من أول الأصحاح الثالث (مر3: 6). وما قصة صراع الرب مع قادة اليهود سوَى خطوات في طريق الصليب.
9- وقد شرح مار مرقس كيف سار المسيح في طريق الصليب بكل شجاعة وهيبة، فسار بنفسه إلى أورشليم حيث يتآمر عليه أعداؤه، وذهابه بنفسه إلى بستان جثـسيماني وهو يعلم أنهم سيقبضون عليه هناك. على أن مار مرقس لم يصوّر المسيح للرومان ضعيفًا في أيدي اليهود، أو أن قصته انتهت بموته، بل أنه قام وظـهر لكثيرين وأنه سـيأتي بمجـد أبيه مع الملائـكة القديسـين (مر8: 38)، "جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا فِي سَحَابِ السَّمَاءِ" (مر14: 62)، "بِقُوَّةٍ كَثِيرَةٍ وَمَجْدٍ، فَيُرْسِلُ حِينَئِذٍ مَلاَئِكَتَهُ وَيَجْمَعُ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَاءِ السَّمَاءِ" (مر13: 26، 27).
10- كلمة تشجيع للأمم (للرومان): مجرد ذكر هذا الصراع بين المسيح واليهود كان يحمل ضمنًا تشجيعًا للأمم. يضاف إلى ذلك أن مار مرقس شرح اتجاه المسيح للأمم ومضِيُّه إلى تخوم صور وصيدا، وإلى حدود المدن العشر، وشفاءه ابنة المرأة الفينيقية (مر7: 30،24) وقوله: "أَلَيْسَ مَكْتُوبًا: بَيْتِي بَيْتَ صَـلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَـمِ؟" (مر11: 17)، وقوله: "وَيَنْبَغِي أَنْ يُكـْرَزَ أَوَّلًا بِالإِنْجِيلِ فِي جَمِيعِ الأُمَمِ" (مر13: 10) ووصيته لتلاميذه في ختام الإنجيل: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15).
129- الإنسان المسيحي بين الوداعة والشجاعة
129- الإنسان المسيحي بين الوداعة والشجاعة
1- الوداعة هي الطيبة واللطف والهدوء. ولكن المشكلة هي أن البعض قد يفهم الوداعة فهمًا خاطئًا.. وكأن الوديع يبقى بلا شخصية ولا فاعلية، كلا، فهذا فهمٌ خاطئ للوداعة، لا يتفق مع تعليم الكتاب، ولا مع سير الآباء والأنبياء.. حقًا إن الإنسان الوديع هو شخص طيّب وهادئ. ولكن هذه هي أنصاف الحقائق. النصف الآخر من الحقيقة أن الوداعة لا تتعارض مع الشهامة والشجاعة والنخوة، وإنما "لكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ" (جا3: 1).
2- فالطيبة هي الطبع السائد عند الوديع. ولكنه عندما يدعوه الموقف إلى الشهامة أو الشجاعة أو الشهادة للحق، فلا يجوز له أن يمتنع عن ذلك بحجة التمسك بالوداعة.. لأنه لو فعل ذلك، وامتنع عن التحرك نحو الموقف الشجاع، لا تكون وداعتـه حقيقيــة، إنما تصيــر رخـاوة في الطبـع وعدم فهـم للوداعة، وعدم فهم للروحانية بصفة عامة.
3- فالروحانية ليست تمسكًا بفضيلة واحدة تُلْغَي معها باقي الفضائل. إنما الروحانية هي كل الفضائل معًا، متجانسة، ومتعاونة في جوّ من التكامل.
4- وأمامنا مثلُنا الأعلى السيد المسيح له المجد: كما كان وديعًا ومتواضع القلب (مت11: 29) "قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 20).. ومع ذلك فإنه لما رأى اليهود قد دنّسوا الهيكل، وهم يبيعون فيه ويشترون، "أَخْرَجَ جَمِيعَ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَبَ مَوَائِــدَ الصَّيَــارِفَةِ وَكَرَاسِـي بَاعَةِ الْحَمَـامِ. وَقَالَ لَهُمْ: «مَكْتُوبٌ: بَيْتِـي بَيْــتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!" (مت21: 12، 13) (يو2: 14-16).
5- أكان ممكنا للسيد المسيح – باسم الوداعة.. أن يتركهم يجعلون بيت الآب بيت تجارة؟! أم أنه مزج الوداعة بالغيرة المقدسة، كما فعل "فَتَذَكَّرَ تَلاَمِيذُهُ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ: "غَيْرَةُ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي" (يو2: 17) وكما قام المسيح الوديع بتطهير الهيكل، هكذا وبخ الكتبة والفريسيين. حقًا، لكل أمر تحت السموات وقت، للهدوء وقت، وللغيرة وقت، للسكوت وقت، وللتعليم وقت.
6- الوداعة فضيلة عظيمة، ولكننا نراها هنا ترتبط بالغيرة المقدسة، وترتبط بالشهادة للحق، ومثالنا هو المسيح نفسه.
+ إبراهيم أبو الآباء كان وديعًا.. ولكن لما أخبروه بسبي لوط ضمن سبى سدوم في حرب أربعة ملوك ضد خمسة، يقول الكتاب: "فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَامُ، أَنَّ أَخَاهُ سُبِيَ جَرَّ غِلْمَانَهُ الْمُتَمَرِّنِينَ، وِلْدَانَ بَيْتِهِ، ثَلاَثَ مِئَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَتَبِعَهُمْ إِلَى دَانَ. وَانْقَسَمَ عَلَيْهِمْ لَيْلًا هُوَ وَعَبِيدُهُ فَكَسَّرَهُمْ وَتَبِعَهُمْ إِلَى حُوبَةَ.. وَاسْتَرْجَعَ كُلَّ الأَمْلاَكِ، وَاسْتَرْجَعَ لُوطًا أَخَاهُ أيضًا وَأَمْلاَكَهُ، وَالنِّسَاءَ أيضًا وَالشَّعْبَ" (تك14: 14-16). أكانت شهامة إبراهيم ونخوته، ضد وداعته وطيبته؟! حاشا.
7- الوداعة أيضًا لا تمنع قوة الشخصية، ولا قوة التأثير: كان السيد المسيح وديعًا. وفي نفس الوقت كان قوي الشخصية، وكان قويًا في تأثيره على غيره. ولكنني أريد أن أضرب مثلًا في مستوى البشر، وهو القديس بولس الرسول. بولس هذا الوديع قال عنه سفر الأعمال وهو أسير "وبينما كان يتكلم عن البر والتعفف والدينونة العتيدة أن تكون، ارتعب فيلكس (الوالي)، وأجاب: "أَمَّا الآنَ فَاذْهَبْ، وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ" (أع24: 25).
8- الوداعة لا تمنع من أن تنبه خاطئًا لكي تنقذه من خطأ أو من خطر. كما قال يهوذا الرسول غير الإسخريوطي "خَلِّصُوا الْبَعْضَ بِالْخَوْفِ، مُخْتَطِفِينَ مِنَ النَّارِ" (يه 23).
9- أمامنا أيضًا مثال القديس بولس الرسول: "اسْهَرُوا، مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلاَثَ سِنِينَ لَيْلًا وَنَهَارًا، لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ" (أع20: 31).
هل إذا أُتيحت فرصة للإنسان الوديع، لكي ينقذ شخصًا مُعْتَدى عليه، ألا يفعل ذلك باسم الوداعة؟! هل من المعقول أن يقول وما شأني بذلك؟! أو يقول: (وأنا مالي، خليني في حالي!) أم في شهامة ينقذه، وبأسلوب وديع. كما أنقذ السيد المسيح من الرجم المرأة المضبوطة في ذات الفعل وقال: للراغبين في رجمها: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!" (يو8: 7).
10- لعل البعض يسأل ههنا: هل يمكن للوديع أن يدين أحدًا؟ والإجابة ممكن.. وهناك أمثلة في الكتاب لذلك. أمامنا السيد المسيح الوديع المتواضع القلب (مت11: 21)، هذا الذي كان يقول: "لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابنهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ" (يو3: 17). يسوع هذا أدان الكتبة والفريسيين (مت23) وأدان كهنة اليهود (مت 21: 43) وأدان تلميذه بطرس لما أخطأ (مت16: 23).
130- البركة
130- البركة
1- عبارة البركة أو المباركة ظهرت في الكتاب على ثلاثة أنواع: مباركة الله للناس ومباركة الآباء للأبناء ومباركتنا لله.
2- بالنسبة لمباركة الله للناس: هو الوضع الأصيل، لأن الله مصدر البركة الوحــيد هو الذي بــارك الإنســان الأول (تك1: 28)، وهو الذي بــارك نوحًا وبنيه (تك9: 1)، وهو الذي بـارك أبــرام قائـلاً: "أُبَــارِكَكَ وَأُعَظِّــمَ اسْمَــكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (تك12: 2، 3).
3- وبركة الله هي مباركة مباشرة من عنده. وتحمل الخير والكثرة والتقديس وتحمل مباركة كل ما يحيط بالإنسان. كما بارك الله الطعام "الخمس خبزات والسمكتين" (لو9: 16). وكما بارك غلة العام السادس، لتكفي أيضًا راحة الأرض في العام السابع (لا25: 21)، وكما قال: "وَمُبَارَكَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ وَثَمَرَةُ بَهَائِمِكَ، نِتَاجُ بَقَرِكَ وَإِنَاثُ غَنَمِكَ. مُبَارَكَةً تَكُونُ سَلَّتُكَ وَمِعْجَنُكَ" (تث28: 4-5). وقد قال الكتاب: "بَرَكَةُ الرَّبِّ هي تُغْنِي" (أم10: 22).
4- بالنسبة لمباركة الآباء للأبناء: سواء الآباء بالجسد أو الآباء بالكهنوت ومن أمثلة الآباء بالجسد: مباركة أبينا إسحاق لابنه يعقوب (تك27)؛ هذه التي قال له فيها: "فَلْيُعْطِكَ اللهُ مِنْ نَدَى السَّمَاءِ وَمِنْ دَسَمِ الأَرْضِ. وَكَثْرَةَ حِنْطَةٍ وَخَمْرٍ. لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ، وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ. كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ، وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ. لِيَكُنْ لاَعِنُوكَ مَلْعُونِينَ، وَمُبَارِكُوكَ مُبَارَكِينَ" (تك27: 28، 29).
5- وهي بركة ليس الأب مصدرها، إنما مصدرها الله. وهذا واضح من قوله: "فَلْيُعْطِكَ اللهُ مِنْ نَدَى السَّمَاءِ".
6- ونفس الوضع في مباركة أبينا يعقوب لأفرايم ومنسى ابني يوسف فقد قال: "بارك يوسف وقال، اللهُ الَّذِي سَارَ أَمَامَهُ أَبَوَايَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْحَاقُ، اللهُ الَّذِي رَعَانِي مُنْذُ وُجُودِي إِلَى هذَا الْيَوْمِ... الْمَلاَكُ الذي خَلَّصَنِي مِنْ كُلِّ شَرّ، يُبَارِكُ الْغُلاَمَيْنِ. وَلْيُدْعَ عَلَيْهِمَا اسْمِي وَاسْمُ أَبَوَيَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ، وَلْيَكْثُرَا كَثِيرًا فِي الأَرْضِ" (تك48: 15، 16). "وباركهما في ذلك اليوم قائلا بِكَ يُبَارِكُ إِسْرَائِيلُ قَائِلًا: يَجْعَلُكَ اللهُ كَأَفْرَايِمَ وَكَمَنَسَّى" (تك48: 20).
7- وفي مباركته ليوسف قال: "مِنْ إِلهِ أَبِيكَ الَّذِي يُعِينُكَ، وَمِنَ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي يُبَارِكُكَ، تَأْتِي بَرَكَاتُ السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَبَرَكَاتُ الْغَمْرِ الرَّابِضِ تَحْتُ. بَرَكَاتُ الثَّدْيَيْنِ وَالرَّحِمِ" (تك49: 25). إذًا الأب يستمد لابنه البركة من الرب. بركته إذًا هي نوع من الصلاة يأخذ بها من الله بركة لأبنائه.
8- وبالمثل أيضًا بركة رجال الكهنوت لأبنائهم: "وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: كَلِّمْ هَارُونَ وَبَنِيهِ قَائِلًا: هكَذَا تُبَارِكُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلِينَ لَهُمْ: يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ. يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ. يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَلَيْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاَمًا. فَيَجْعَلُونَ اسْمِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنَا أُبَارِكُهُمْ" (عد6: 22-27) إذًا بركة الكهنوت هي أيضًا صلاة تستمد البركة من الله للشعب.
9- مباركتنا لله: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ. بَارِكِى يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ" (مز103: 2، 1)، ما معنى أن المخلوقات تبارك الخالق؟! مباركة الخليقة لله تعنى تسبيحها له. فعبارة "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبّ" معناها سبّحي يا نفسي الرب.
10- اسمك حلوٌ ومبارك، في أفواه قديسيك. فهو مبارك من القديسين. لا لأن القديسين يباركونه، بل هو الذي يباركهم. إنما العبارة تعني أنهم يتعاملون معه بما يليق ببركته، أو هم معترفين ببركته.
131- أقوال متنوعة
131- أقوال متنوعة
1- إذا أردت أن تكون عادلًا في أحكامك على الناس، ينبغي باستمرار أن تستمع إلى الطرف الآخر، ولا تأخذ الحقائق من جانب واحد فقط.
2- متى يأتي الوقت الذي نهتم بالقليل المتقن، أكثر من العدد الكبير بلا إتقان.. أما إن اجتمع الأمران معًا، فهذا خير وبركة.
3- الحرية هي أن يكون الإنسان حرًا، بشرط أنه لا يتعدى على حريات الآخرين ولا على النظام العام.
4- كل إنسان في الدنيا يمكنه أن يغضب وأن يشتم، وأن يتعدى على الآخرين، ولكن الشخص القوي، هو الذي يستطيع أن يضبط أعصابه ولسانه وحواسه، وأن يحتمل، إن الذي يحتمل هو الأقوى: لذلك قال الرسول: "فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ، وَلاَ نُرْضِىَ أَنْفُسَنَا" (رو15: 1).
5- إن الله يا أخي لا يريد عبادتك، إنما يريد قلبك. ولتكن العبادة مجرد تعبير عن مشاعر هذا القلب.
6- يا أخي الحبيب، حاذر أن تكون كالقبور المبيضة من الخارج.. تهتم بالعبادة والطقوس، والذبائح والبخور، تاركًا أثقال الناموس: الحق والرحمة (مت23: 23).
7- لا تقس صلاتك بطولها، وإنما بعمقها وطهارتها. لقد كانت صلاة الفريسي أطول بكثير من صلاة العشار، ولكن الله لم يقبله لعدم نقاوة القلب. لا تركز اهتمامــك بالبخور الخارجـي، إنما نقِ القلــب فتصــعد صلاتك كرائحة بخور (مز141: 2).
8- احتمال الضيقة فضيلة كبيرة. وأعظم منها الفرح في الضيقة.
9- العين النقّادة لا ترى إلا الخطأ فقط، ولا تبصر كل النقط الأخرى البيضاء. ولذلك فإن حـكمها لا يكون دقيقًا ولا يكون عادلًا، ولا يعطي صـورة سليمة.
10- إن الله قد أعطاك نفسك لكي تكون مسئولًا عنها أمامه، كوكيل استؤمن على وكالة. فهل أنت منشغل بها أم أنت منشغل بالآخرين.
132- من هو الروح القدس؟
132- من هو الروح القدس؟
1- الروح القدس هو "رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ" (أف4: 30) (2كو3: 3)، "هُوَ رُوحُ اللهِ" (تك1: 2) (رو15: 19) (1كو12: 3)، بل الروح القدس هو الله، لأن "اَللهُ رُوحٌ" (يو4: 24).
2- لاهوته: قال القديس بطرس إن الكذب على الروح القدس معناه الكذب على الله (أع5: 9). وما دام هو روح الله (أي 33: 4) (2كو3: 3) وهو روح السيد الرب (إش61: 1) إذًا هو الله.
3- هذا المعزي، روح الله، حلَّ على التلاميذ في يوم الخمسين (أع 2: 1-4). وهو الذي وعد به الله في سفر يوئيل النبي قائلاً: "وَيَكُونُ بَعْدَ ذلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَحْلَمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى" (يؤ2: 28)، وقد ذكر القديس بطرس أن هذه النبوءة تحققت في يوم الخمسين (أع2: 16، 17).
4- هو روح الله، وهو "رُوحَ ابنهِ" (غلا4: 6)، "رُوحُ الْمَسِيحِ" (1بط 1: 11)، هو "رُوحُ الرَّبِّ" (إش11: 2)، "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ" (إش 61: 1). قيل في سفر أيوب الصديق "رُوحُ اللهِ صَنَعَنِي" (أي33: 4). وقال حزقيال النبي: "وَحَلَّ عَلَيَّ رُوحُ الرَّبِّ وَقَالَ لِي.." (حز11: 5). وقال القديس بطرس في توبيخ ما فعله حنانيا وسفيرة "مَا بَالُكُمَا اتَّفَقْتُمَا عَلَى تَجْرِبَةِ رُوحِ الرَّبِّ؟" (أع5: 9).
5- وهو "رُوحُ الْحَقِّ" (يو14: 17). قال عنه السيد: "رُوحُ الْحَقِّ، الذي مِــنْ عِنْــدِ الآبِ يَنْبَثـقُ" (يو15: 26). وقــال أيضًا: "مَتَــى جَـاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ" (يو16: 13).
6- ويثبت لاهوت الروح القدس أنه في الثالوث القدوس. أنه واحد مع الآب والابن. وفي ذلك يقول السيد الرب لرسله القديسين "تَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابن وَالرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت 28: 19). ولاحظوا هنا أنه يقول: "باسم" وليس بأسماء. وهذا يوافقه أيضًا ما ورد في رسالة القديس يوحنا الأولى، إذ يقول: "فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ" (1يو5: 7).
7- ويثبت لاهــوته أيضًا، أنـه المُحــيي ومعطـي الحــياة. لذلك يسمّى "رُوحِ الْحَيَاةِ" (رو8: 2). وقد ورد في سفر حزقيال النبي، أنه هو الذي يحيي الموتى (حز37: 9، 10). ومن الذي يستطيع أن يحيي الموتى ويقيمهم، إلا الله وحده. الروح القدس هو أقنوم الحياة، هو مصدر الحياة في العالم كله.. ويصفه قانون الإيمان بأنه "الرَّب المُحيي".
8- ويثبت لاهوت الروح القدس، أنه مصدر الوحي وقانون الإيمان يصف الروح القدس بأنه "الناطق في الأنبياء"، ولعل هذا يوافق ما ورد في الرسالة الثانية للقديس بطرس الرسول عن الوحي الإلهي، إذ قال: "لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (2بط1: 21).
9- نضيف إلى كل هذا، أن الروح القدس اشترك مع الآب والابن في عملية الخلق، فكما قيل عن الآب أَنَّهُ بِالابن قد عَمِلَ الْعَالَمِينَ (عب1: 2). "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ.. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ" (كو1: 16). "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يو1: 3). هكذا يقول الكتاب عن الروح القدس: "تُرْسِلُ رُوحَكَ فَتُخْلَقُ، وَتُجَدِّدُ وَجْهَ الأَرْض" (مز104: 30).
10- ومن الصفات الإلهية للروح القدس، وجوده في كل مكان: وفي ذلك قال داود النبي للسيد الرب الإله: "أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟! إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ" (مز139: 7، 8). وطبعًا الواحد الموجود في كل مكان هو الله.
133- رموز الروح القدس
133- رموز الروح القدس
1- رموز الروح القدس هي: الحمامة، الماء، النار، الزيت، الريح العاصف.
2- الحمامة: وقد ورد هذا الأمر في قصة عماد السيد المسيح له المجد، إذ قيـل عن يوحنـا المعمــدان أنه "رَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ" (مت 3: 16). وفي إنجيل مار مرقس: "رَأَى السَّمَوَاتِ قَدِ انْشَقَّتْ، وَالرُّوحَ مِثْلَ حَمَامَةٍ نَازِلًا عَلَيْهِ" (مر1: 10). "وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ" (لو3: 22).
3- ولذلك فالكنيسة أو النفس البشرية الممتلئة من الروح القدس، شُبّهت بحمامة. وهذا واضح جدًا في سفر النشيد، إذ يقول الرب لهذه النفس؛ (للكنيسة) "يَا حَمَامَتِي، يَا كَامِلَتِي!" (نش5: 2)، (نش6: 9). وأيضًا "عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ" (نش1: 15)، والرب قال لنا: "كُونُوا َبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ" (مت 10: 16).
4- الماء: يرمز الماء إلى الروح في أنه سبب الحياة، أو لأنه غذاء ضروري ولازم للحياة. وفي ذلك يقول المزمور الأول عن الإنسان البار أنه "يَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ" (مز1: 3)، وهذه المياه تعطيها الحياة. ولذلك أكمل قائلًا: "تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ، وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ. (تعطي ثمرها في حينه وورقها لا ينتثر).
5- الله ذاته شبه نفسه بينبوع الماء الحي. فقال في سفر إرميا
"تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً" (إر2: 13). حقًا إنه ينبوع الماء الحيّ، لأن منه ينبثق الروح القدس (يو15: 26).
6- وهذا الماء الحي، ذكره السيد المسيح في حديثه مع المرأة السامرية فقال: "لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ اللهِ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا" (يو4: 10)، ثم قال: "مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الذي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الذي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ (يو4: 14).
7- الزيت: واضح رمز الزيت إلى الروح القدس، من سر المسحة المقدسة، أو سر الميرون. وبالمسحة المقدسة كان الأنبياء قديمًا يمسحون الكهنة والملوك والأنبياء، فيحل عليهم روح الرب، ويعطيهم الروح مواهب.
8- فكان مع المسحـة المقدسـة، حلــول روح الرب على هذا الممســوح مع موهبة من الروح القدس هي موهبة النبوة. وعن مسحة داود قيل: "فَأَخَذَ صَمُوئِيلُ قَرْنَ الدُّهْنِ وَمَسَحَهُ فِي وَسَطِ إِخْوَتِهِ. وَحَلَّ رُوحُ الرَّبِّ عَلَى دَاوُدَ مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ فَصَاعِدًا" (1صم16: 13).
9- النار: واضح في يوم البنتكُستى (الخمسين)، أن حل الروح القدس على التـلاميذ كألســنة كأنــها من نــار وحــينئذ "امْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا" (أع2: 4) ونلاحظ أن النار كانت لا تفارق بيت الله إطلاقًا.
10- الريح: في الواقع أن الكلمة اليونانية "ابنڤما" تعني الريح والروح في نفس الوقت، فتقول: "اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ"، أو "اَلرِّوحُ يَهُبُّ حَيْثُ يَشَاءُ" (يو3: 8)، ومع ذلك نرى حلــول الروح القدس في يوم الخمســين، قيل في مقدمته: "وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ... وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع2: 2-4).
134- الروح القدس في حياتك
134- الروح القدس في حياتك
مقدمة:
ما علاقتك بالروح القدس منذ مسحت بالمسحة المقدسة في سر الميرون بعد عمادك؟
1- هل تشعر أن جسدك هيكل الروح القدس، والروح القدس يسكن فيك، ويعمل فيك؟
2- هل دخلت في شركة الروح القدس (2كو13: 14) التي يذكرها الأب الكاهن في صلاة البركة؟
3- هل روح الله يشترك في كل عمل؟ أم أنت تعمل وحدك بغير روح الله، مستقلًا بفكرك وإرادتك وتدبيرك ورغباتك الخاصة؟
4- هل عمــل الروح فيـك يعطــيك حــرارة خاصــة، سـواء في صــلواتك أو
تأملاتك أو خدمتك أو محبتك الله وكنيسته وملكوته؟
5- هل استطعت أن تصل إلى تنفيذ وصية الرسول التي يقول فيها: "امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ" (أف5: 18)؟
6- هل روح الله هو الذي يتكلم على فمك حسبما قيل: "لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ" (مت10: 20)، إن كان كذلك فثق أن كلماتك ستكون لها قوتها وفاعليتها وتأثيرها معًا في قلوب سامعيك.
7- هل لك "ثمار الروح التي تحدث عنها القديس بولـس في (غلا5: 22)، أم أن حياتك بلا ثمر، أم أنت تشتهي مواهب الروح، دون أن يكون لك ثمر الروح؟
8- هل تشعر أحيانًا أنك تُحْزِنْ الروح (أف4: 30) بتصرفات معينة لا تتفق مع سكنى الروح القدس فيك؟
9- وهل أنت تُطفئ الروح (1تس5: 19) بحياة الفتور، وبعدم الاستجابة لعمل الروح فيك؟
10- ليتك تعيد تقييم مدى علاقتك بالروح القدس، وتسأل هل حياتك حياة روحية؟ هل ألفاظك ألفاظ روحية؟
135- معمودية الأطفال
135- معمودية الأطفال
نحن نُصرّ على معمودية الأطفال للأسباب الآتية:
1- حرصًا منا على أبدية هؤلاء الأطفال، لأن الرب يقول: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 5).
2- بالمعمودية نُعطي الأطفال فرصة لممارسة الحياة داخل الكنيسة والتمتع بكل أسرارها الإلهية، وبكل تأثيرها وكل عمل النعمة فيها وفاعليتها في حياتهم، وبهذا نعدّهم إعدادًا عمليًا لحياة الإيمان.
3- أما قول الرب: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16)، والمقصود به الكبار الذين في سن يسمح بإدراك معاني الإيمان. أما من جهة الأطفال فنطبّق عليهم قول الرب أيضًا: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت19: 14).
4- ومن جهة الإيمان؛ ليس عند الأطفال ما يمنع الإيمان مطلقًا، لأنهم لم يدخلوا في مرحلة الشك والفحص والتفكير التي عند الكبار وهم في إيمان يصدق كل شيء ويقبله فلا يكون عندهم رفض للإيمان.
5- يقول البعض: وماذا يحدث إن كبر الطفل ورفض الإيمان؟ يكون مثل المرتد.. النعمة التي أخذها في المعمودية قد يرفضها بحرية إرادته. ونحن نكون قد أدّينا واجبنا من نحوه ونتركه مثل أي إنسان بدأ بالروح وكمّل بالجسد (غلا3: 3). ولكن الاحتمال الأكبر هو أن هذا الطفل الذي تعمّده في صِغَرِه، ويحيا في الكنيسة ويذوق كل وسائط النعمة فيها، لا يكون عرضة للانحراف وترك الإيمان، مثل الذي نتركه بلا عماد حتى كبره.
6- إن الذين ينكرون معمودية الأطفال، إنما ينكرون لزوم المعمودية للخلاص (مر16: 16).
7- ونحن نعمد الأطفال لأن في الكتاب ما يشير إلى هذا، فيما ذكره من عماد أُسرة بأكملها أو شخص وكل بيته، وليس من المعقول أن كل هؤلاء الذين آمنوا لم تكن في عائلاتهم أطفال، مثل عماد سجان فيلبي "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ" (أع16: 31). وأيضًا في قصة عماد ليديا، بائعة الأُرجوان، قيل إنها: "اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا" (أع16: 15). قال بولس الرسول: "وَعَمَّدْتُ أيضًا بَيْتَ اسْتِفَانُوسَ" (1كو1: 16).
8- وممارسة معمودية الأطفال قديمة في التاريخ: نذكر من بينها خلاف كان بين القديس أغسطينوس والقديس چيروم حول أصل النفس وهل هي مولودة أم مخلوقة؛ وكان القديس أغسطينوس يقول إنها تولد مع الإنسان والقديس چيروم يقول إنها مخلوقة، فقال القديس أغسطينوس: إن كانت مخـلوقة فهي لم ترث خطية آدم. وإذًا فلماذا نعمد الأطفال؟ ولم يجد چيروم إجابة على هذا السؤال.
9- أما من جهة الإيمان، فنحن نعمد الطفل على إيمان والديه.. وهذا الأمر في جوهره.. له أمثلة كثيرة في الكتاب المقدس.
+ كان الختان يرمز الى المعمودية. والمعروف أن الختان كان يتم في اليوم الثامن (تك 17: 12).
+ كان عبور البحر يرمز إلى المعمودية، بما فيهم الأطفال.
+ خروف الفصح كان للكل كبار وأطفال.
10- الكتاب المقدس لا توجد فيه آية واحدة تنص على عدم معمودية الأطفال.
136- التقليد
136- التقليد
1- التقليد هو كل تعليم وصل إلينا عن طريق التسليم الرسولي والآبائي، غير الكلام الذي تُرك لنا كتابة في الكتاب المقدس، في موضوعات ربما لم تُذْكَرْ في الكتاب ولكنها لا تتعارض معه في شيء ما.
2- والتقليد هو أقدم من الكتاب، يرجع إلى أيام أبينا آدم. لعل أقدم ما وصل إلينا من الشريعة المكتوبة، كان على يد موسى النبي الذي عاش في القرنين الخامس عشر والرابع عشر قبل الميلاد.. ولكن التقليد أقدم من هذا بكثير.
3- ورد في سفر التكوين أن هابيل الصديق قدم قربانًا لله من أبكار غنمه ومن سمانها (تك4: 4) ونفس الوضع يمكن أن تقوله عن كل المحرقات التي قدمها آباؤنا نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وأيوب أيضًا.. كلهم عرفوا الذبيحة وتسلّموها عن طريق التقليد. وأيضًا تسلموا بناء المذبح.
4- وفي قصة مقابلة أبينا إبراهيم لملكي صادق، قيل عنه أنه: "كَاهِنًا ِللهِ الْعَلِيِّ" (تك14: 18)، فمن أين عرف هذا الكهنوت، الذي أتاح لملكي صادق أن يبارك أبانا إبراهيم، والذي جعل أبرام يقدم العشـور لملكي صادق؟ (تك14: 20) ويعتبر بهذا أكبر منه (عب7: 7،6).
5- وبنفــس الوضـع كيف عرف أبونا يعقوب فكـرة العشور حينما قال للرب: "وَكُلُّ مَا تُعْطِينِي فَإِنِّي أُعَشِّرُهُ لَكَ" (تك28: 22).. قطعًا، أبونا يعقوب تسلم شريعة العشور بالتقليد، إذ تسلمها عن جده إبراهيم الذي قدم العشور لملكي صادق.
6- في قصة هروب أبينا يعقوب من وجه أخيه عيسو، حينما رأى سُلَّمًا منصوبة على الأرض ورأسها يمسّ السماء، والملائكة صاعدة ونازلة عليها. وكلَّمه الرب وأعطاه وعدًا.. يقول الكتاب أن يعقوب قال: "مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ" (تك 28: 17)، "وَدَعَا اسْمَ ذلِكَ الْمَكَانِ «بَيْتَ إِيلَ»" (تك 28: 19)؛ أي بيت الله.. وأخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه، وأقامه عمودًا وصبّ زيتًا على رأسه. فمن أين عرف كل هذا... ليس له تفسير سوى التقليد.
7- ولما أعطى الرب الشريعة المكتوبة، أبقى التقليد أيضًا: وأوصى الآباء في مناسبات عديدة.. أن يوصوا أولادهم ليسلموهم التعليم، فقد أمرهم أن يخبروا أولادهم بالقصة بمناسبة تكريس كل بكر فاتح رحم للرب (خر13: 14-16)، وقال للشعب أيضًا: "إِنَّمَا احْتَرِزْ وَاحفَظْ نَفْسَكَ جِدًّا لِئَلاَّ تَنْسَى الأُمُورَ الَّتِي أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ، وَلِئَلاَّ تَزُولَ مِنْ قَلْبِكَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَعَلِّمْهَا أَوْلاَدَكَ وَأَوْلاَدَ أَوْلاَدِكَ" (تث4: 9).
8- وحتى في المسيحية، نرى أن بعض كتبة العهد الجديد كتبوا بعض معلومـات عن العهـد القديـم أخـذوها بالتقليــد. مثال ذلك بولـس الرسـول ذكـر اسمي الرجلين اللذين قاوما موسى النبي فقال: "وَكَمَا قَاوَمَ يَنِّيسُ وَيَمْبِرِيسُ مُوسَى، كَذلِكَ هؤُلاَءِ أيضًا يُقَاوِمُونَ الْحَقَّ" (2تي3: 8). ونحن لا نجد هذين الاسمين في أسفار موسى النبي ولا في كل أسفار العهد القديم. ولكن لعل بولس الرسول عرف ذلك عن طريق التقليد.
9- والذي حدث في العهـد الجديد هو نفـس الذي حدث في العهد القـديم. ولكن بنسبة أقل. إذ مضت مدة طويلة لم تكن هناك فيها أناجيل مكتوبة، ولا رسائل مكتوبة. وكل الناس يتلقون الإيمان كله، وقصة المسيح كلها، وتعاليمه وعمله الفدائي، كل ذلك عن طريق التقليد، ما يقرب من عشرين سنة.
10- إن السيد المسيح لم يكتب إنجيلًا، ولم يترك إنجيلًا مكتوبًا. ولكنه كان يعظ ويعلم، ويترك للناس كلامه روحًا وحياة (يو6: 63). وهذا يتناقله الناس وحينما بدأ تعليمه وعمله الكرازي قال للناس: "قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ" (مر1: 15). ولم يكن هناك إنجيل مكتوب، إنما كانت هناك كرازة وبشارة مفرحة، تلك التي تمثل الإنجيل الشفاهي، أو التعليم الإلهي الذي يتناقلونه بالتسليم.
137- البخور
137- البخور
مقدمة:
البروتستانت لا يستخدمون البخور، ولا المجامر. ويعتبرون ذلك من عبادات العهد القديم التي انتهت، لأنها في اعتقادهم، كانت مجرد رمز. ونود هنا أن نستعرض تاريخ البخور قديمًا وحديثًا ونرى هل كان رمزًا أو عملًا روحيًا قائمًا بذاته:
1- قال الرب لموسى: "وَتَصْنَعُ مَذْبَحًا لإِيقَادِ الْبَخُورِ" (خر30: 1)، ويقدم الرب لنا هنا ملاحظة جميلة جدًا. وهي أن البخور كان يعتبر في حد ذاته ذبيحة يقدمونها على مذبح يسمى مذبح البخور.
2- وقد اهتم الرب بمذبح البخور اهتمامًا شديدًا، فأمر أن يكون مغشّى بالذهب من كل ناحية، وله إكليل من ذهب، ويحمل على عصوين مغشيين بالذهب. ويوضع قدام الحجاب الذي أمام تابوت العهـد (خر30: 3-6) حيث يجتمع الله بموسى.
3- كان يُشْتَرط في البخور أن يكون "بَخُورًا عَطِرًا"، ويقول الرب في ذلك: "يُوقِدُ عَلَيْهِ هَارُونُ بَخُورًا عَطِرًا كُلَّ صَبَاحٍ" (خر30: 7). وكذلك في العشية "بَخُورًا دَائِمًا أَمَامَ الرَّبِّ فِي أَجْيَالِكُمْ" (خر30: 8).
4- قال البعض، خطأ، إن البخور كان يُقَّدَمْ مع المحرقات، لإزالة رائحتها وقد أُلغيت الذبائح الحيوانية، فأُلغى البخور. وهذا الفهم ليس سليمًا. فالبخور كان لونًا من العبادة مستقلًا بذاته، وكان له مذبح خاص غير مذبح المحرقة. وكان له طقس خاص في تقديمه وكان مقصودًا لذاته كصلاة وليس رمزًا لشيء.
5- نلاحظ أنه عندما ضرب الرب الشعب بالوباء، أوقد هارون رئيس الكهنة البخور بأمر موسى النبي، ليشفع في الناس أمام الله. ولما دخل في وسطهم وبَخَّرْ، انقطع الوبأ وقبل الله منه هذا البخور كصلاة (عدد16: 44-50).
6- من أهمية البخور، أنه ما كان يقدمه أحد سوى الكهنة فقط. وهو هنا يبدو في مركز أعلى من الصلاة، لأن الصلاة يقدمها لله أي فرد من الشعب، ونلاحظ أنه لما تجرأ قورح وداثان وأبيرام، وقرّبا بخورًا، انشقت الأرض وابتلعتهم جميعًا أحياء، هم وكل بيوتهم (عدد16: 31-32).
7- ومن أهمية البخور، أنه كان يُقَّدَمْ في مجامر من ذهب كما ورد في (عب9: 4). وكما قيل عن الأربعة والعشرين قسيسًا، أنه كانت لهم "جَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا" (رؤ5: 8).
8- وقد وردت نبوءة في سفر ملاخي النبي عن استمرار البخور وعدم اقتصاره على العصر اليهودي، إذ قال الرب: "لأَنَّهُ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا اسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يُقَرَّبُ لاسمِي بَخُورٌ وَتَقْدِمَةٌ طَاهِرَةٌ" (ملا1: 11).
9- ومن اهتمام الرب بالبخور في العهد الجديد ورود مثالين عنه في سفر الرؤيا وهما:
+ قيل عن الأربعة والعشرين قسيسًا: "وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ" (رؤ5: 8).
+ يقول القديس يوحنا الرائي: "وَجَاءَ مَلاَكٌ آخَرُ وَوَقَفَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَأُعْطِيَ بَخُورًا كَثِيرًا لِكَيْ يُقَدِّمَهُ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذِي أَمَامَ الْعَرْشِ. فَصَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ مِنْ يَدِ الْمَلاَكِ أَمَامَ اللهِ" (رؤ8: 3، 4).
10- تعليقًا على عبارة "صَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ"، نقول إن حياة الكنيسة كلها بخور، بل إن الكنيسة شُبِهَتْ في سفر النشيد بالبخور. وذلك حينما قال عنها الوحي الإلهي: "مَنْ هذِهِ الطَّالِعَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ كَأَعْمِدَةٍ مِنْ دُخَانٍ، مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ؟!" (نش3: 6).
138- الأنوار والشموع
138- الأنوار والشموع
مقدمة: الكنيسة الأرثوذكسية تتميز بأنوارها. وتستخدم الشموع في صلواتها، وعند قراءة الإنجيل وأمام أيقونات القديسين، وعلى المذبح وأمامه في الشرقية، وفي الهيكل عمومًا.. لذلك سنتعرض في هذا المقال المختصر عن الأنوار في الكنيسة، والحكمة فيها وما تحويه من معايير روحية.
1- الكنيســة نفســها لُقِّبَـتْ في الكتاب المقدس بلقب المنـارة. وهذا واضـح في سفر الرؤيا. إذ رأى يوحنا الإنجيلي الرب يسوع وسط سبع منائر من ذهب. وكانت المنائر السبع هي السبع الكنائس (رؤ1: 20).
2- الكنيسة نشبهها بالسماء، على اعتبار أنها بيت الله أو مسكنه كالسماء. وقد كان هذا تقريبًا التعبير الذي أُطـلق على أول بيت لله، إذ قال أبـونا يعقوب أبـو الآباء: "مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ" (تك 28: 17)، وفي تشبيه الكنيسة بالسماء، ينبغي أن تُضاء فيها الأنوار كالكواكب في السماء.
3- أو قد ترمز أنوار الكنيسة إلى القديسين، الذين يقول لهم الرب: "فَلْيُضِيء نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ" (مت5: 16). وشــبههم في تلك المناســبة بالسراج الذي يوضع على المنارة. وذكر الإنجيل أيضًا أن الأبرار يضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم (مت13: 43).
4- والكنيسة تضاء بالأنوار على مثال خيمة الاجتماع والهيكل، وكلاهما مملؤتين بالأنوار. لا تنطفئ سراجها أبدًا. وأمر الرب بإضاءة السرج بزيت الزيتون النقي، ويشرف على هذا الأمر هارون وبنوه كفريضة أبدية.
5- والسُرُجْ التي تضاء بالزيت، لها معنى روحي، لأن الزيت يرمز للروح القدس، وكان يستخدم في المسحة فيحل روح الله كما مسح صموئيل داود فحل عليه روح الرب (1صم16: 13)، وكما يذكر الإنجيل عن المسحة المقدسة (1يو2: 20، 27).
6- نلاحظ أن الله أمر بعمل منارة في بيته، سواء خيمة الاجتماع أو الهيكل وكانت السُرُجْ والمنارة، من الذهب النقي (خر25: 31) (خر37: 17) (2أى 4: 20) وكل هذا يدل على اهتمام الله بالأنوار في بيته، وكانت السُرُجْ تضاء باستمرار حسب أمر الرب. وكان إطفاء السُرُجْ وعدم الاهتمام بإضاءتها تعتبر خيانة للرب تستحق العقوبة الشديدة (2أي 29: 6، 7).
7- ولإضاءة السُرُجْ معنى روحي عميق خاص، يرمز إلى الاستعداد الدائم، والسهر المستمر والاحتفاظ بعمل الروح القدس في القلب. ويقول لنا الرب عن هذا الاستعداد: "لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً، وَأَنْتُمْ مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ مَتَى يَرْجعُ مِنَ الْعُرْسِ... طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ" (لو12: 35- 37).
8- وما يقال عن الأفراد يقال عن الكنيسة كلها. ورؤية الناس للنور في الكنيسة يوحي إليهم بواجبهم في احتفاظهم بالنور داخلهم، وأن تكون مصابيحهم دائمًا موقدة، ويتذكرون أن الكنيسة تتكون من العذارى الحكيمات اللاتي احتفظن بمصابيحهن مضيئة.
9- أما إضاءة الشموع وقت قــراءة الإنجـيل، فهذا بلا شــك أفضل من قراءته بدون إضاءة. إن ذلك يذكرنا بقول المزمور: "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي" (مز119: 105). وأيضًا يقول المرتل: "وَصِيَّةْ الرَّبِّ مُضيئَةْ تُنِيرُ الْعَيْنَيْنِ عَنْ بُعْدْ" (مز19: 8). والشموع التي نضعها أمام صور القديسين؛ إنما تذكرنا بأنهم كانوا أنوارًا في أجيالهم. وبأنهم كانوا كالشموع، يذوبون لكي يضيء نورهم هكذا قدام الناس.
10- والكنيسة الأولى - منذ عصر الرسل - كانت مهتمة بهذه الأنوار وما تحمله من رموز "ويسجل لنا سفر الأعمال عن العُلِّيَة التي كان يعظ فيها بولس بعد كَسْرِ الخبز، أنه "وَكَانَتْ مَصَابِيحُ كَثِيرَةٌ فِي الْعِلِّيَّةِ الَّتِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهَا" (أع20: 8).
139- التكلم بألسنة
139- التكلم بألسنة
تعليم الكتاب المقدس عن التكلم بألسنة:
1- الألسـنة هي الأخــيرة في ترتـيب المـواهب.. عندما ذكـر بـولس الرسـول مواهب الروح في رسالته الأولى إلى كورنثوس، جعل التكلم بألسنة وترجمة الألسنة في آخر المواهب (1كو12: 4-11). ويسبق الألسنة: الحكمة، والعلم والإيمان، ومواهب الشفاء، وأعمال القوات، والنبوءة، وتمييز الأرواح. أقرأ أيضًا (1كو12: 28).
2- وقال: "وَلكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى. وَأيضًا أُرِيكُمْ طَرِيقًا أَفْضَلَ" (1كو12: 31)، وشرح أن هذا الطريق الأفضل هو المحبة (1كو13)، وشرح كيف أن هذه المحبة هي أهم وأعظم من النبوءة وكل علم، ومن كل الإيمان الذي ينقل الجبال، ومن العطاء والنسك.
3- التكلم بألسنة ليس للكل: رأينا فيما تقدم أن الله "قَسَمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ، كَمَا يَشَاءُ" (1كو12: 11). "وَلَنَا مَوَاهِبُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ النِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَنَا" (رو12: 6)، "وَكَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَارًا مِنَ الإِيمَانِ" (رو12: 3). ومن جهة التكلم بألسنة، قال صراحةً: "أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟" (1كو12: 30). وواضح من هذا أن الموهبة ليست للجميع.
4- إن الله يعرف متى يعطي المواهب، ولماذا يعطيها. وقد منح التكلم بألسنة في عهد الرسل بوفرة شديدة - في بداية الكرازة - من أجل البنيان، إذ كانت لازمة جدًا في ذلك الزمان. ولكن الألسنة ليست لازمة لكل زمان، وفي ذلك يقول الكتاب: "وَأَمَّا الأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي" (1كو13: 8).
5- يجب أن تكون الألسنة لبنيان الكنيسة: أن أهم عبارة تميز إصحاح الألسنة (1كو14)، هي كلمة "لِلْبُنْيَانِ"؛ ذكرها الرسول مرات عديدة، وأصر عليها جدًا. وقال في صراحة: "فَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ لِلْبُنْيَانِ" (1كو14: 26). وقال أيضًا هكذا: "أَنْتُمْ أيضًا، إِذْ إِنَّكُمْ غَيُورُونَ لِلْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ، اطْلُبُوا لأَجْلِ بُنْيَـانِ الْكَنِيسَـةِ أَنْ تَزْدَادُوا" (ع12). "مَنْ يَتَكَـلَّمُ بِلِسَـانٍ يَبْنِى نَفْسَهُ، وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ فَيَبْنِي الْكَنِيسَةَ" (ع4)، "وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ، فَيُكَلِّمُ النَّاسَ بِبُنْيَانٍ وَوَعْظٍ وَتَسْلِيَةٍ" (ع3).
6- شرط أساسي للألسنة هو ترجمتها: قال الرسول: "مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ فَلْيُصَـلِّ لِكَيْ يُتَرْجِمَ" (ع13) وأضاف: "وَلكِـنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَرْجِمٌ فَلْيَصْمُــتْ فِي الْكَنِيسَةِ" (ع28). إذًا إما بنيان الكنيسة بالترجمة، وإما الصمت.
7- إن وجود المترجم، شهادة على صحة التكلم بلسان. وهكذا يكون موهبة الألسنة لشخصين في وقت واحد: أحدهما هو المتكلم، والثاني هو المترجم، وينطبق قول الكتاب: "عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ، تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ" (مت 18: 16). إن كانت الألسنة بلا ترجمة فما لزومها؟ وكذلك فما لزومها إن كان كل الحاضرين يفهمون نفس اللغة؟
8- ما معنى "يَبْنِى نَفْسَهُ"؟ يبنى نفسه، أي يكون في حالة روحية خاصة؟ حالة حلول الروح، وهي نافعة لبنيانه الشخصي. هذه الحالة عليها ملاحظتان ذكرهما القديس بولس هما:
+ يصمت كأي عمل روحي خاص، بينه وبين الله "فَلْيَصْمُتْ فِي الْكَنِيسَةِ، وَلْيُكَلِّمْ نَفْسَهُ وَاللهَ" (ع28).
+ يكون الذهن بلا ثمر، مجرد عمل للروح وفي هذا يقول الرسول: "لأَنَّهُ إِنْ كُنْتُ أُصَلِّي بِلِسَانٍ، فَرُوحِي تُصَلِّى، وَأَمَّا ذِهْنِي فَهُوَ بِلاَ ثَمَرٍ"(ع14).
9- الألسنة آية لغير المؤمنين: يقول الرسول عن التكلم بألسنة؛ "إِذًا الأَلْسِنَةُ آيَةٌ، لاَ لِلْمُؤْمِنِينَ، بَلْ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ" (1كو14: 22).
10- الرسول اعتبر التكلم بألسنة تشويشًا، إن لم يكن للبنيان. فقال: "إِنِ كَانَ الْجَمِيعُ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ، فَدَخَلَ عَامِّيُّونَ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، أَفَلاَ يَقُولُونَ إِنَّكُمْ تَهْذُونَ؟" (1كو14: 23)، "هكَذَا أَنْتُمْ أيضًا إِنْ لَمْ تُعْطُوا بِاللِّسَانِ كَلاَمًا يُفْهَمُ، فَكَيْفَ يُعْرَفُ مَا تُكُلِّمَ بِهِ؟ فَإِنَّكُمْ تَكُونُونَ تَتَكَلَّمُونَ فِي الْهَوَاءِ!" (ع9). وأيضًا: "فَإِنْ كُنْتُ لاَ أَعْرِفُ قُوَّةَ اللُّغَةِ أَكُونُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ أَعْجَمِيًّا، وَالْمُتَكَلِّمُ أَعْجَمِيًّا عِنْدِي" (1كو14: 11).
140- أقوال متنوعة
140- أقوال متنوعة
1- لي يا إخوتي مقر في دير الأنبا بيشوي، أقضي فيه نصف أو ثلث كل أسبوع وفي أعلى المقر، لي كنيسة خاصة سميتها الملاك ميخائيل والأنبا أنطونيوس على اعتبار أن الملاك ميخائيل هو رئيس الملائكة السمائيين، والأنبا أنطونيوس هو رئيس الملائكة الأرضيين.
2- أنا شخصيًا أحب الأطفال، وأحب أن أداعبهم وألاعبهم وأحادثهم وأصادقهم.
3- الذين يختلفون معي في الفكر، أحاول أن أرد على الفكر بالفكر ولا أُزيد، فنحن لا نحارب شخصًا ولكن فكرًا، والفكر لا يعالج إلا بالفكر، وليس بأحكام كنائسية، وأظل هكذا إلى أن ينتهي الخلاف بالتعليم وبالإقناع.
4- إن مصر ليست فقط وطنًا نعيش فيه لكنها وطن يعيش فينا.
5- كنيسة من غير شباب، كنيسة من غير مستقبل.
6- ليس أفضل الحلول أسرعها، إنما أكثرها اتقانًا.
7- عوّدت نفسي - في تعاملي مع المشاكل - أن أتركها خارجًا؛ لا أدخلها إلى أعماقي، ولا أسمح لها أن تمارس ضغوطًا على نفسيتي.. لا أفكر مطلقًا في تعب أو ألم المشكلة، إنما أضعها أمام الله، وأفكر في كيفية حلها أو مواجهتها.
8- الإنسان القوي في فكره، الواثق من قوة منطقه ودفاعه، يتكلم ويتصرف في هدوء بدافع من الثقة. أما الضعيف فإذا فقد المنطق والرأي تثور أعصابه ويعلو صوته.
9- الاستفادة من الوقت مهم جدًا لحياة الإنسان. أنا أتعجب لإنسان يقول كيف أقضي وقت الفراغ أو كيف أقتل الوقت.
10- إن يوم رسامتي أسقف كان أكثر يوم بكيت فيه في حياتي؛ لا لشيء إلا لأن أسلوبي في الحياة قد تغيّر تمامًا إلى العكس.. بعد أن كنت أعيش وحدي، تمر عليَّ الأسابيع لا أرى وجه إنسان، أصبحت أعيش في زحام الناس، وبعد أن كنت أسكن الجبل والمغاير، أصبحت أركب الطائرات وأجوب المحيطات والبحار والقارات وتغيرت حياتي تمامًا منذ 30 سبتمبر 1962م.
141- أقوال متنوعة
141- أقوال متنوعة
1- لا يجوز لنا أن نيأس من خلاص الخطاة، لأن قديسين كثيرين يصلّون لأجلهم ويذكرونهم أمام الله في السماء.
2- أذكر الموت فتزول من أمامك مغريات العالم.
3- في كل مرة تخاف، وبخ نفسك على قلة إيمانك.
4- خذ نقطة الضـعف التي فيك واجعلها موضوع صـلواتك وجــهادك خــلال الصوم.
5- كان آباؤنا الرسل كقطع من فحم أشعلتها نار الروح القدس في يوم الخمسين فتطايرت شرارتها إلى أقصاء الأرض، واشتعل العالم نارًا.
6- إن مريم العذراء قد عوضت سمعة حواء وأقامت توازنًا لسمعة المرأة في العالم، إنها أرجعت للمرأة الكرامة التي فقدتها.
7- اُذكر إحسانات الله إليك، تعيش دائمًا في حياة الشكر وينمو الإيمان في قلبك.
8- أُذكر دم المسيح المسكوب من أجلك فتعرف ما هي قيمة حياتك فلا تبددها بعيش مسرف.
9- اُذكر أن الله واقف أمامك يراك حينئذ لا تخطئ وأنت تراه.
10- إن أردت أن يكون لكلمتك تأثيرها، تخير الوقت المناسب الذي تقولها فيه وضع أمامك قول الحكيم: "تُفَّاحٌ مِنْ ذَهَبٍ فِي مَصُوغٍ مِنْ فِضَّةٍ، كَلِمَةٌ مَقُولَةٌ فِي مَحَلِّهَا" (أم 25: 11). تكلم حينما تكون الأذن مستعدة لسماعك وحبذا لو كانت مشتاقة لسماعك.
142- لماذا الأعياد؟
142- لماذا الأعياد؟
1- الأعياد هي ترتيب إلهي، في الكتاب المقدس. يريد الله أن يفرح أولاده على الأرض فجعل لهم أعيادًا يفرحون فيها ويبتهجون.
2- وتكون لهم (الأعياد) في مواسم يحتفلون بها. لئلا يظن البعض أن الدين هو مجرد ضبط للنفس وحزن وكآبة على الخطايا. فالله يريد للإنسان أن يفرح وأن يكون سعيدًا. وإلاّ ما كان قد وضعه في جنة حينما خلقه (تك2: 15).
3- وأول عيد أمر به الله، كان هو يوم الرب. وهكذا ورد في اللوح الأول للشريعة: "اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلًا مَا أَنْتَ وَابنكَ وَابنتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ" (خر20: 8-10).
4- وقد اسْتُبْدِلَ السبت بالأحد، فأصبح الأحد عيدًا. لأن فيه استراح الرب من إكمال عمله بالفداء، والقضاء على الموت الذي هو نتيجة خطية الإنسان (رو6: 23)، فكان السبت يرمز إلى يوم الأحد. أو أصبح الأحد هو السبت الحقيقي، هو يوم الرب كما يسمونه في اليونانية (كيرياكي) أي الخاص بالرب.
5- على أن أول عيد احتفلوا به في العهد القديم كان عيد الفصح الذي ذبحوا فيه خروف الفصح. ولطخوا أبوابهم بدمه لكي ينجـوا من المـلاك المهـلك كما قال لهم الرب: "فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ" (خر12: 13). "وَيَكُونُ لَكُمْ هذَا الْيَوْمُ تَذْكَارًا فَتُعَيِّدُونَهُ عِيدًا لِلرَّبِّ. فِي أَجْيَالِكُمْ تُعَيِّدُونَهُ فَرِيضَةً أَبَدِيَّةً" (خر12: 14).
6- وكان الفصح رمزًا لذبيحة المسيح، لننجو به من الهلاك. وهكذا يقول الكتاب: "لأَنَّ فِصْحَنَا أيضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا" (1كو5: 7). ويرمز الفصح إلى سر الإفخارستيا. ولذلك اعتبر يوم خميس العهد عيدًا سيديًا.
7- وكانت الأعياد أيامًا مقدسة. ليست أيامًا للهو والطرب والفرح، بل محافل مقدسة (لا23: 2، 4، 8). حقًا كانت أيام عطلة، لا عمل فيها ولكنها أيام مقدسة. وحسنة هي الترجمة الإنجليزية (Holy Day) أي يوم مقدس، التي للأسف الشديد - استبدلها البعض بعبارة (Week end) أي نهاية الأسبوع. ونسوا قداسة اليوم. وأصبحت مجرد عطلة، ربما بعيدة عن الله.
8- العطلة ليست عطلة مطلقة. إنما نتعطل عن الأعمال العالمية، لكي ننشغل بعمل الله، لكي تنشغل الروح بعملها.
9- فالمحافل المقدسة هي عمل، وتقديم الذبائح والمحرقات عمل أيضًا.. وكذلك تقديم البخور. وأيضًا سر الإفخارستيا والتناول منه.
10- إن كنا ننظر إلى أعياد العهد القديم، بهذا المفهوم الروحي، فلنأخذ أعياد العهد الجديد أيضًا في عمق معانيها. ننظر مثلاً إلى عيد الميلاد، بأنه العيد الذي فيه أتى الله ليفتقد شعبه. (لو1: 68)، ويكون عيد الغطاس هو عيد التواضع الإلهي. وليكن عيد القيامة هو عيد النصرة على الموت، وعلى كل ما يؤدي إلى الموت.
143- من ثمار الروح: المحبة
143- من ثمار الروح: المحبة
"وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا5: 22-23).
فنتأمل إذًا في فضيلة المحبة؛ أُولى ثمار الروح:
1- أهم ما أريد أن أُكلمكم عنه في المحبة، هو محبة الله، ومحبة الخير. وكل منهما تؤدي إلى الأخرى. محبة الله توصل إلى محبة الخير والفضيلة. ومحبة الخير والفضيلة توصل إلى محبة الله. وكل منهما تقوي الأخرى.
2- إذا أحبّ إنسان الخير، لا يكون له صراع مع الشر. كثير من الناس يضيعون حياتهم في صراع مع الخطية أو في مقاومة الشيطان، لكي يصلوا بهذا إلى حياة التوبة. وحياة التوبة هي البعد عن الخطية التي يحيونها. أما الإنسان الذي يحب الخير. فقد ارتفع فوق مستوى التوبة. وفوق مستوى الصراع مع الخطية.
3- الإنسان الذي يحب الخير، لا يجاهد للوصول إلى التوبة، إنما كل جهاده هو للنمو في محبة الله ومحبة الخير. إنه جهاد إيجابي. وليس جهادًا سلبيًا. إنه انتقال من درجة في القداسة إلى درجة أعلى منها. إنه جهاد لذيذ بلا تعب.
4- الذي يحب الخير يدخل إلى راحة الرب، يدخل إلى سبته الذي لا ينتهي، يتدرج فيه من خير إلى خير أكبر بلا تعب، بلا تغصب.
5- إن فضيلة التغصب ليست للقديسين الذين يحبون الخير، فالذين يحبون الخير، لا يغصبون أنفسهم عليه، بل يفعلونه تلقائيًا، بلا مجهود.
6- الذي يحب الخير، لا يرى وصية الله ثقيلة، بل يحب ناموس الرب: "فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا" (مز 1: 2).، صدق يوحنا الرسول عندما قال: "وَوَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً" (1يو 5: 3).
7- إن الذي يحب الرب ويحب الفضيلة، قد ارتفع فوق مطالب الناموس، ودخل في الحب. إنه يفعل الخير، بلا وصية، بل بطبيعته الخَيِّرَة. ليس هو محتاجًا إلى وصية تدعوه إلى الخير. إنه يفعل الخير، لأن الخير من مكوناته، كصورة لله.. يفعل الخير كشيء عادي، طبيعي، كالنَفَسْ الذي يتنفسه دون أن يشعر في داخله أنه يفعل شيئًا زائدًا أو عجيبًا.
8- الإنسان الذي يحب الخير، لا توجد بينه وبين الله عداوة. لأنه يوجد اتفاق بين مشيئته ومشيئة الله. إنه يحب الله، ويجد فيه مثالياته العليا، ويحب فيه الخير الذي يشتهيه. ويصبح الله شهواته، وهو لذته.
9- الإنسان الذي يحب الخير، يعيش في فرحٍ دائم وفي سلام وكما يقول الكتاب: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أيضًا: افْرَحُوا" (في4: 4)، إنه يفرح بالرب، لأنه يجد لذته في المعيشة معه، ويجد أن مشيئة الله هي مشيئته، وأن مشيئته هي مشيئة الله.
10- أريدكم أن تدرّبوا أنفسكم على هذا الحب. أخرجوا من مظاهر الحياة الروحية، وادخلوا إلى عمق الحب. والمحبة لن تسقط أبدًا أبدًا.
144- من ثمار الروح: الفرح
144- من ثمار الروح: الفرح
"وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا5: 22-23).
وحينما نتكلم عن الفرح، إنما نتكلم عن فرح الروح، أو الفرح الروحي:
1- الفرح الروحي هو الفرح بالرب. فرح الوجود في حضرة الرب، وفي عشــرته، أو أفراح الالتقــاء بالرب. كما قيل عن التلاميـذ أَنَّهُمْ "فَرِحَوا إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ" (يو20:20). وتحقق بهذا وعده لهم: "وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أيضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 22)، هـذا الفــرح الذي قال عنه القديس بولس الرسول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أيضًا: افْرَحُوا" (في4:4).
2- في تسبحة العذراء، نجد هذا الفرح الروحي بالرب، إذ تقول: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 46، 47)؛ إنها تبتهج بالله وخلاصه فهل أنت أيضًا تفرح بالخلاص وبالفداء، بالكفارة التي قدمها المسيح لأجلك.
3- هناك فرح روحي آخر، وهو الفرح بالتوبة وبالتخلص من الخطية. فرح التخلص من خطية متكررة، أو عادة مسيطرة. فرح إنسان أمكنه أن يعترف وأن ينال المغفرة. مثاله فرح الابن الضال بعودته إلى بيت أبيه (لو15).
4- إن كل عمل خير تعمله، له فرحته: في الأرض وفي السماء، تفرح حينما تنقذ إنسانًا مسكينًا، أو تُفرِح قلب عائلة فقيرة، أو تريح إنسانا من تعبه. تشعر بفرح داخلي، لأنك أفرحت قلوبًا منكسرة، أو أنصفت شخصًا مظلومًا. بل تشعر بهذا الفرح حتى من جهة غير البشر، كما قال أحد الأدباء: "سقيت شجرة كوب ماء. فلم تقدم لي عبارة شكر واحدة. ولكنها انتعشت فانتعشتُ".
5- فرح الآباء والمرشدين الروحيين: إن القديس يوحنا يقول في رسالته إلى غايس: "أَيُّهَا الْحَبِيبُ، فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرُومُ أَنْ تَكُونَ نَاجِحًا وَصَحِيحًا، كَمَا أَنَّ نَفْسَكَ نَاجِحَةٌ.. لَيْسَ لِي فَرَحٌ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ أَسْمَعَ عَنْ أَوْلاَدِي أَنَّهُمْ يَسْلُكُونَ بِالْحَقِّ" (3يو2-4). إن هذا جزء من أفراح الخدمة والرعاية. لذلك يقول القديس بولس الرسول: "أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا، لِكَيْ يَفْعَلُوا ذلِكَ بِفَرَحٍ، لاَ آنِّينَ، لأَنَّ هذَا غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ" (عب13: 17).
6- درجة عالية من الفرح، أن نفرح بالتجارب واثقين من بركاتها وأكاليلها كما قال القـديس يعقــوب: "اِحْسِـبُوهُ كُلَّ فَـرَحٍ يَا إِخْــوَتِي حِينَمَــا تَقَعُونَ فِـي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ" (يع 1: 2).
7- "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ.." (رو12:12): الرجاء يعطي أملًا في مستقبل مشرق. وهذا الأمل مصدره الإيمان بتدخل الله وعمله. ونتيجة ذلك يفرح القلب، وكما قال المرتل في المزمور: "وَ(لـِ) يَفْرَحُ جَمِيعُ الْمُتَّكِلِينَ عَلَيْكَ" (مز5: 11).
8- الفرح بنجاح الخدمة: إن المعمدان فرح كثيرًا ببشارة السيد المسيح ونجاحها فقال: "مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ، وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْعَرِيسِ. إِذًا فَرَحِي هذَا قَدْ كَمَلَ" (يو3: 29).
9- كل إنسان أيضًا يفرح بثمر عمله، ويفرح بعمل الرب معه. وهكذا قيل في المزمور: "عَظَّمَ الرَّبُّ الْعَمَلَ مَعَنَا، وَصِرْنَا فَرِحِينَ" (مز126: 3). إن الذي يعمل مع الله، يفرح بعمل الله معه. ويفرح أن تعبه لم يكن باطلًا: "يَفْرَحَ الزَّارِعُ وَالْحَاصِدُ مَعًا" (يو4: 36).
10- الروحيّون لا يفرحون لمجرد العطية، بل يفرحون بمعطيها. يفرحون بمحبة وحنو الله الذي يعطي. وهكذا يفرحون بالرب.
145- من ثمر الروح: السلام
145- من ثمر الروح: السلام
"وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا5: 22-23).
نتحدث عن السلام وأهميته وعناصره مع الله ومع الناس والإنسان ونفسه.
1- أهمية السلام: السلام عنصر هام لحياة الناس، بدونه لا يستقر مجتمع، ولا يهــدأ إنسـان. والســلام هو شهــوة الدول والشعوب حتى تعمل في هدوء. وبدونه يعيش العالم في شريعة الغاب. الله يريد لنا السلام ويمنحنا إياه.
2- سلامٌ مع الله: حينما خُلق الإنسان، كان في سلامٍ مع الله. ولكن بالخطية فقد الإنسان سلامه مع الله. هكذا حدث مع آدم (تك3) ومع قايين (تك4). وهكذا حدث مع كل الأشرار في العالم عبر الأجيال. لأن الخطية هي انفصال عن الله (لو15: 13) وهي أيضًا عداوة لله.. لذلك قيل: "لاَ سَلاَمَ، قَالَ الرَّبُّ لِلأَشْرَارِ" (إش48: 22).
- سلام من الله: السلام الحقيقي هو من الله، هذا الذي قيل عنه في المزمور: "الرَّبُّ يُبَارِكُ شَعْبَهُ بِالسَّلاَمِ" (مز29: 11). وعن هذا السلام قال الرسول: "سَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ" (في4: 7). الله هو مصدر السلام، ورئيس السلام، وملك السلام. ونحن نقول له في لحن (إبؤورو = ملك) "يا ملك السلام أعطنا سلامك قرر لنا سلامك".
5- سلام الله يحفظنا من الشيطان، ومن الخوف والقلق.. فليتنا نتذكر وعود الله لنا. إنك تجد سلامًا داخل قلبك إن تذكرت قول الرب: "هُوَذَا عَلَى كَفي نَقَشْتُكِ" (إش49: 16). وأيضًا قوله: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ" (مت10: 30).
6- سلام زائف: تكلمنا عن السلام الذي من الله، لأن هناك ألوانًا أخرى من السلام الزائف، ليست من الله؛ مثاله السلام الزائف الذي كان يوحي به الأنبياء الكذبة قبل السبي، حتى لا يتوب الناس خائفين من غضب الله الآتي وهكذا قال الرب في سفر حزقيال النبي: "أَضَلُّوا شَعْبِي قَائِلِينَ: سَلاَمٌ! وَلَيْسَ سَلاَمٌ" (حز13: 10). وكما ورد أيضًا في سفر إرميا النبي قائلين: "سَلاَمٌ، سَلاَمٌ. وَلاَ سَلاَمَ" (إر6: 14).
7- السلام الزائف لون من الخداع فيه تخدير للأعصاب وللضمير تمامًا مثلما خدع الشـيطان أبوينا الأولين قائلاً: "لَنْ تَمُـوتَا! بَلِ اللهُ عَـالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُـلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ" (تك3: 4-5).
8- وقد يأتي مثل هذا السلام الزائف من ثقة الشخص واعتداده بنفسه، وظنه أنه سيفعـل كل ما يريد، وتمـر كل تدبيراتـه الخاطئـة في سـلام: كالقاتـل الذي يثق بنفسه أنه سيرتكب جريمته بكل حرص دون أن يترك أثرًا. كله سلام زائف يصوره الإنسان لنفسه، أو يصوره له الشيطان أو شركاء السوء. وننتقل إلى بند آخر وهو السلام مع الناس.
9- سلام مع الناس: فيه يُسَلِّم الناس بعضهم على بعض، ليس فقط بالأيدي وإنما بالقلب والنية أيضًا. ويقولون كلمة سلام من عمق قلوبهم ويقصدونها، وإن كانت بينهم خصومة من قبل يتصالحون. بالوداعة والتواضع يمكن مسالمة الكثيرين. إن قيل إنه بالروح الرياضية يمكن أن تكسب الكثيرين وتسالمهم، فكم بالأكثر بالوداعة والاتضاع.. وإن كنت في مجال الدفاع عن الحق، فافعل ذلك بهدوء وباتضاع. لك أن تحب الحق وأن تدافع عن الحق، ولكن ليس لك أن ترغم الناس على السير فيه. إن الله نفسه أعطانا وصايا، ولم يرغمنا على طاعتها.
10- السلام بين الإنسان ونفسه أو السلام الداخلي: انظروا إلى إنسان يملأ السلام قلبه، مثل داود النبي؛ نراه يقول في مزاميره: "إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ" (مز27: 3). وأيضًا "إِذا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي" (مز23: 4).
الجيش كله خاف من ملاقاة جليات، لكن داود لم يخف كان قلبه مثل قلب أسد. مع أنه كان شابًا صغيرًا. وإخوته الأكبر منه كانوا خائفين، والملك شاول نفسه قال له: "لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَذْهَبَ إِلَى هذَا الْفِلِسْطِينِيِّ لِتُحَارِبَهُ لأَنَّكَ غُلاَمٌ وَهُوَ رَجُلُ حَرْبٍ مُنْذُ صِبَاهُ" (1صم17: 33)، ولكـن داود، القـوي القـلب، قـال للمـلك: "لاَ يَسْقُطْ قَلْبُ أَحَدٍ بِسَبَبِهِ. عَبْدُكَ يَذْهَبُ وَيُحَارِبُ هذَا الْفِلِسْطِينِيَّ" (1صم 17: 32) وقال داود الحرب للرب وليس بسيف ولا برمح، وقال للجبار: "أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ بِسَيْفٍ وَبِرُمْحٍ وَبِتُرْسٍ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ إِلهِ صُفُوفِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ عَيَّرْتَهُمْ" (1صم 17: 45).
146- من ثمر الروح: طول الأناة
146- من ثمر الروح: طول الأناة
"وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا5: 22-23).
1- الله نفسه طويل الأناة طويل الروح. لولا طول أناته علينا لهلكنا جميعًا وطول أناته تنبع من عمق رحمته وحنانه. وفي ذلك يقول داود النبي: "الرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ" (مز103: 8). ويقول القديس بطرس الرسول: "وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا" (2بط3: 15).
2- إنه يطيل أناته جدًا في معاملة الخطاة. كما أطال أناته على الأمم – في عبادتهم للأصنام – حتى تابوا أخيرًا ورجعوا إليه - أطال أناته على أهل نينوى إلى أن صاموا منسحقين أمامه، فقبل توبتهم وحزن يونان لأن الله لم يعاقبهم (يو3، 4). وأطال أناته على فرعون. الذي وعد مرارًا ولم يفِ.
3- الله يطيل أناته لأن هذه هي طبيعته، وطول أناته إنما تقتاد إلى التوبة أو إلى الدينونة. ولعل من الأمثلة الجميلة لطول أناة الله، قصة تلك التينة التي ظلت ثلاث سنوات في الكرم دون أن تنتج ثمرًا وجاءت فكرة قطعها بدلًا من أن تبطل الأرض. ولكن قيل: أُتركها هذه السنة أيضًا، حتى أنقب حولها وأضع زبلاً فإن صنعت ثمرًا، وإلا ففيما بعد تقطعها (لو13: 6-9).
4- عجيبــة هي طـول أنـاة الله على مضطهدي الكنيسـة. ولعل في مقـدمتهـم شاول الطرسوسي الذي قال عن نفسه: "أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلًا مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا. وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ" (1تي1: 13). شاول هذا أطال الله أناته عليه، حتى أصبح صعبًا عليه أن يرفس مناخس. وظهر له في الطريق إلى دمشق ودعاه إلى خدمته. وأصبح إناءً مختارًا له (أع9: 3-16)، ورسولًا للأمم وتعب أكثر من جميع الرسل في خدمة الله (1كو15: 1). يقينًا لو لم يطـل الله أناتــه عـلى شـاول الطرســوسي، لفقـدت الكنيسة هذا الإنسان الجبار في خدمته؛ بولس الرسول.
5- وأطال الله أناته على كثير من الخطاة. أمثال أُغسطينوس ومريم القبطية، وبيلاجية، وموسى الأسود، وكثيرين غيرهم، وبطول أناة الله تاب هؤلاء كلهم. بل صاروا أنوارًا في الكنيسة يبعثون الرجاء في قلب كل تائب.
6- إن الله ليس فقط يطيل أناته على الخطاة حتى يتوبوا، إنما أيضًا هو طويل الأناة من جهة تدبير الأوقات. إنه يختار الموعد الذي يراه مناسبًا ليعمل فيهن ويدبر خططه الإلهية الحكيمة. ولعل من أمثلة ذلك تدبير قضية الفداء. لقد وعد أبوينا الأولين بأن نسل المرأة سيسحق رأس الحية (تك3: 15). ومرّت آلاف السنين، والحية رافعة رأسها تسحق عقب آلاف من البشر، بل الملايين. وبطول أناة عجيبة كان الرب ينتظر ملء الزمان الذي يتم فيه التجسد.
الله يُعّلم أولاده: قلنا إن الله طويل الأناة، ونقول أيضًا أنه يُعّلم أولاده طول الأناة أيضًا، ويدرّبهم على ذلك.
7- طول أناة البشر في التعامل: هناك من يتضايق من معاملات الناس وأُسلوبهم الذي لا يستطيع أن يحتمله. وللناس طباع يحتاجون في تغييرها إلى طول أناة؛ ليس من السهل عليهم أن يغيروا طباعهم بسرعة.. ربما يريدون ولا يستطيعون وقد يغلبهم الطبع فتتكرر أخطاؤهم عن قصد أو غير قصد. وقد لا يشعرون أن ما يفعــلونه خطـأ.. بطـول الأناة، لا يمكننا الغضـب على الخطاة.
8- في التربية والخدمة: البعض يتعب وقد ييأس، إن لم تأت الخدمة ثمارها بسرعة. وقد يصفها – ظالمًا - بأنها خدمة فاشلة، بينما تحتاج إلى طول بال لتنمو في هدوء.. كم من السنين قضى المسيح في خدمة التلاميذ وإعدادهم وبعد أكثر من ثلاث سنين، أمرهم أن لا يبرحوا أورشليم حتى يُلبسوا قوة من الأعالي (لو24: 49).
9- الطفل هو تدريب آخر في طول الأناة: المرأة تحبل. وتظل تسعة أشهر في انتظار ولادة طفلها. الذي ينمو تدريجيًا في بطنها، حتى يكتمل نموه فيخرج. وقد ترك هذا الأمر تأثيره في القديس يوحنا ذهبي الفم، فقال: "إن كان الجنين يأخذ فترة حتى ينمو جسديًا، فكم بالأولى إنسان، لينمو روحيًا، يحتاج إلى زمن وطول أناة".
10- في الصلاة: الإنسان الطويل الروح يصلي، ولا يقلق من جهة استجابة الله لصلاته. يكفي أن الله قد سمعها. نترك الأمر إذًا لمحبته.. هو يستجيب الصلاة في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة، حسب حكمته وحسن تدبيره وتقديره للأوقات.
147- من ثمر الروح: اللطف
147- من ثمر الروح: اللطف
"وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا5: 22-23).
1- اللطف: قال الرسول عن السيد الرب: "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟" (رو2: 4). ويقول الرسول أيضًا: "وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 4، 5).
2- اللطف: هو من صفات الله في معاملته للبشر. وهو أيضًا من صفات رسله. وهكذا قال القديس بولس الرسول في خدمته للرب هو وجميع العاملين معه: "بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ: فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ، فِي طَهَارَةٍ، فِي عِلْمٍ، فِي أَنَاةٍ، فِي لُطْفٍ، فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ، فِي مَحَبَّةٍ بِلاَ رِيَاءٍ" (2كو6: 4-6).
3- ودعانا الآبـاء الرسـل إلى الســلوك بلطف: فقال القديس بولـس الرسـول: "وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ" (أف4: 32)، وقال أيضًا: "فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ" (كو3: 12). ويقول القديس بطرس الرسول: "كُونُوا جَمِيعًا مُتَّحِدِى الرَّأْي بِحِسٍّ وَاحِدٍ، ذوِى مَحَبَّةٍ أَخَوِيَّةٍ، مُشْفِقِينَ، لُطَفَاءَ، غَيْرَ مُجَازِينَ عَنْ شَرٍّ بِشَرٍّ أَوْ عَنْ شَتِيمَةٍ بِشَتِيمَةٍ، بَلْ بِالْعَكْسِ مُبَارِكِينَ" (1بط3: 8-9).
4- اللطف هو ثمرة طبيعية لحياة الوداعة والرقة والبشاشة، والاتضاع، والبعد عن الخشونة، والعنف والقسوة والتعالي. وما دام هو من ثمر الروح، إذًا فهو من ثمر الروح الوديع الهادي (1بط3: 4) وهكذا يكون الإنسان اللطيف.
5- إن لم تكن لطيفًا في تعاملك، فأنت شخص غير متديّن على الإطلاق. ذلك لأن اللطف من ثمر الروح، فالذي ليس في حياته هذا الثمر - أي اللطف - لا يكون إنسانًا روحيًا، لأنه لا يسلك بطرقٍ روحية. كونوا إذًا "لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ" (أف4: 32).
6- القلــب العـامر باللطــف لا يوبّخ كثيـرًا. وإن وبّخ لا يستخدم كلامًا جارحًا ولنا مثال على ذلك موقف سيدنا يسوع المسيح من تلميذه بطرس الذي أنكره ثلاث مرات، وسب ولعن وقال: "لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ" (مت26: 69-74)، فلما التقى به الرب بعد قيامته، وأراد أن يوبخه على أفكاره، لم يُذَّكره بأنه أنكره ثلاث مرات، وأنه حلف وسب ولعن وقال: "لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ"، وإنما قال له ثلاث مرات: يا سمعان بن يونا، أتحبني أكثر من هؤلاء، وأحسّ بطرس بهذا التوبيخ اللطيف وحزن وقال له: "يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ" (يو21: 15-17).
7- حقًا.. إن القلب العامر باللطف، يكسب الناس بلطفه: لقد استطاع الرب أن يكسب زكا العشار والمرأة السامرية، والخاطئة المضبوطة في ذلك الفعل، وتلك التي بللت قدميه بدموعها، ومسحتهما بشعر رأسها. كل أُولئك كسبهم باللطف. عاملهم بلطف. لم يوبخ أحد منهم ولم يستخدم التوبيخ والكلام القاس.
8- فرق كبير بين القسوة التي توبخ الإنسان على خطاياه، وبين اللطف الذي يجعل الخاطئ من تلقاء ذاته يعترف بخطاياه ويتوب عنها. مثلما حدث مع زكا العشار.
9- حقًا إن اللطف يكتشف النقط البيضاء فيمتدحها، ولا يركز على النقط السوداء- إن القلب اللطيف، لا يحتقر الصغار بل يسندهم.
10- الله في لطفه، يسمح لأولاده أن يعاتبوه أو يجادلهم. وقد يشتدون في كلامهم، فلا يغضب وإنما بكل لطف يعطيهم فرصة للتعبير عما في داخلهم بكل حرية. حقًا إنه بالعنف قد يخسر الشخص أحباءه، بينما باللطف يكسب أعداءه.
148- من ثمر الروح: الصلاح
148- من ثمر الروح: الصلاح
"وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا5: 22-23).
1- فلنتحدث عن الصلاح. ولكن كيف يمكن أن يتصف إنسان بالصلاح، بينما يقول الكتاب: "لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ" (مت19: 17)؟! المقصود طبعا هو الصلاح النسبي، وليس الصلاح المطلق الذي هو من صفات الله وحده.
2- والمقصود بالصلاح النسبي، أنه نسبة لمدى عمل الروح القدس في الإنسان، ومدى استجابة الإنسان لعمل الروح القدس وشركته مع الروح القدس. تمامًا مثلما نفسر قول الرب: "كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48)؛ بأن المقصود هو الكمال النسبي لأن الكمال المطلق هو من صفات الله وحده.
3- وحينما نتكلم عن الصلاح، نذكر أنه على نوعين: صلاح سلبي، وصلاح إيجابي.. الصلاح السلبي هو البعد عن الخطايا وتمثله غالبية الوصايا العشر. أما الصلاح الإيجابي فتمثله التطويبات في العهد الجديد.. وتمثله أيضًا ثمار الروح التي نتحدث عنها والمطلوب من الإنسان أن يسلك في الأمرين معًا، البعد عن كل أنواع الخطايا من الناحية السلبية، والسلوك في كل الفضائل إيجابيًا.
4- الإنسان الذي يصل إلى كمال الصلاح، يشمئز من الخطية وينفر منها فإن قلَّ صلاحه يكون بينه وبين الخطية أخذ ورد. أما إن فقد صلاحه، فإنه يلتذ بالخطية ويستسلم لها، بل قد يسعى إليها. إذًا لكي يحيا الإنسان في حياة الصلاح، ينبغي أن يصل إلى المرحلة التي ينفر فيها من الخطية، كما كان يوسف الصديق "كَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟" (تك39: 9).
5- ما معنى أن الصلاح هو من ثمر الروح؟ بلا شك معنى مزدوج فهو من ثمــر عمــل الروح القــدس في قلب الإنســان. ومن ثمــر روح الإنســان في استجابته لعمل الروح القدس فيها. أو هو ثمر لشركة الروح القدس، أي لمشاركة روح الإنسان لروح الله القدوس، في الرغبة وفي العمل.
6- الإنسان الصالح ينفر من الخطية، لأنه يوقن إنه بها يخطئ إلى الله ويخطئ قدام الله، ويُحْزِنْ روح الله. قطعًا إن الإنسان - أثناء ارتكابه للخطية يكون قد نسى أنه أمام الله، الذي يراه وهو يرتكب الخطية، لذلك فإن داود النبي قال للرب عن أمثال هؤلاء الخطاة: "لَمْ يَجْعَلُوا اللهَ أَمَامَهُمْ" (مز54: 3). هؤلاء صنعوا الشر أمام الله ولم يبالوا، أو أنهم لم يسبقوا أن يجعلوا الله أمامهم.
7- أما الإنسان الصالح، فإن الله أمامه باستمرار، يخشى أن يخطئ قدامه. ما أعمق قول إيليا النبي: "حَيٌّ هُوَ رَبُّ الْجُنُودِ الَّذِي أَنَا وَاقِفٌ أَمَامَهُ" (1مل18: 15). لذلك فالذي يقول: "أعترف بخطاياي أمام الله مباشرة"، قد نسى أنه ارتكب تلك الخطايا أمام الله ولم يخجل! فالأفضل له الاعتراف بها أمام الكاهن، لكي يخجل منه فلا يعود إلى ارتكابها.
8- هناك أُناس يفقدون صلاحهم، لأنهم يستغلون طيبة الله بطريقة خاطئة. إن طيبة الله ينبغي أن يُوضع أمامها صلاح الله وقداسة الله، ودعوته لنا إلى حياة القداسة والبر. بل ينبغي أن يتذكر هؤلاء قول الرسول: "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟ وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ" (رو2: 4-5).
9- إن الله من أجل محبته للصلاح، وقيادتنا إلى الصلاح، وضع أمامنا إمكانيات كثيرة تقودنا إلى الصلاح، منها، أولًا: خلقنا على صورته ومثاله، في البر والصلاح، في العقل والفهم والحكمة. فلما فقدنا بالخطية هذه الصورة الإلهية. قدمها لنا في شخص الرب يسوع المسيح "الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ" (كو1: 15)، لكي يقدم لنا القدوة المثلى في الصلاح. حتى كما سلك ذاك ينبغي أن نسلك نحن أيضًا (1يو2: 6). وأيضًا لما فسدت طبيعتنا البشرية، قدم لنا تجديدًا في المعمودية وأيضًا لنسلك في الصلاح، جعلنا هياكل لروحه القدوس وأرسل الله لك نعمته، لكي تعينك على الخير والصلاح.
10- نشكر الله أنه لم يأخذنا، ونحن في ساعة غفلة، في خطايانا وإنما سمح أن نحيا حتى هذه اللحظة، معطيًا لنا فرصة حتى نتوب ونسلك في حياة صالحة كما ينبغي، ولا نقع تحت دينونة.. هوذا الرسول يقول: "لا شيء من الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ" (رو8: 1)؛ والسلوك حسب الروح هو الصلاح.
هذا هو إذًا ثمر الروح: صلاح هنا. وحياة أبدية في العالم الآخر. لأن ملكوت السموات لا يدخله إلا الصالحون. أُورشليم السمائية لن يدخلها دنس ولا ما يصنع رجسًا (رؤ21: 27).
149- من ثمر الروح: الإيمان
149- من ثمر الروح: الإيمان
"وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا5: 22-23).
1- الذي يحيا حياة روحية، لا بد أن يتصف بالإيمان.. ولسنا نقصد هنا الإيمان بمعناه السطحي أو النظري. فالإيمان بمعناه الروحي يشمل الحياة كلها كما سنرى.. هذا هو الإيمان العملي. أما الإيمان النظري فيشبه إيمان الشياطين (يع2: 19).
2- هناك إيمان في العقيدة، وإيمان في ممارسات الحياة العملية.. أشخاص يظنون أنهم مؤمنون، لمجرد أنهم يتلون قانون الإيمان في الكنيسة. وقد تكون حيــاتهم بعيـدة كـل البعــد عن الإيمـان!! إنما الإيمـان الحقيقي هو الذي يظهر واضحًا في حياتنا العملية، في ممارستنا، في علاقتنا بالله والناس.
3- هذا هو الإيمان العملي.. فالإنسان يظهر إيمانه في أعماله كما يقول الكتاب: "وَأَنَا أُرِيكَ بِأَعْمَالِي إِيمَانِي" (يع2: 18)، ولذلك قيل في الكتاب أكثر من مرة "الإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ" (يع2: 17،20).
4- المطلوب إذًا هو الإيمان الحي المثمر: إن كان إيمانك حيًا، فلا بد أن تظهر ثماره في حياتك. لأنَّ "كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى في النَّارِ" (لو3: 9)، وهكذا يقول الرسول: "لاَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ" (غلا5: 6). والمحبة عبارة عن برنامج روحي طويل، يضم فضائل عديدة ذكرها في (1كو13).
5- المؤمن يثق أن قوة الله معه، ويثق بقول الكتاب: "كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ" (مر9: 23). حقًا إن هذه العبارة عجيبة ومعزية. إننا نؤمن "أَنَّ اللهَ هوَ الذي يَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْه أَمْرٌ" (أي42: 2) أما إن كان كل شيء مستطاع للمؤمن، فهذا أمر عميق ومذهـل، يعطـينا فكرة عن قوة الإيمـان وفاعليته، ويذكرنا بقول القديس بولس الرسول: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في4: 13).
6- إذًا الإيمان هو قوة. وهو يقَّوى الإنسان باستمرار، فلا يخاف، ولا يضطرب ولا يقلق ولا ييأس. ومصدر قوته هو الله الذي يقويه لذلك يقول المرتل في المزمور: "قُوَّتِي وَتَسْبِحَتي هُوَ الرَّبُّ، وَقَدْ صَارَ لِي خَلاَصًا" (مز117(118): 14).
7- ولهذا فإن الإيمان يصحبه السلام أيضًا: السلام الداخلي والسلام مع الله. وهكذا يقول الرسول: "فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (رو5: 1). لنا سلام مع الله، إذ نؤمن أن الرب قد حمل كل خطايانا على الصليب، "فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ! لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابنهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ!" (رو5: 9، 10). "أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ" (2كو5: 19).
8- وبهذا الإيمان وهذا السلاح، يكون لنا الفرح. لذلك فالمؤمنون دائمًا فرحون.. فرحون لأنهم يؤمنون برعاية الرب لهم، ولأنهم يؤمنون أن هذا الإله الذي يرعاهم هو قادر على كل شيء، وأنه أب حنون: في احتياجاتهم يعطي، وفي توبتهم يغفر، وفي حمايتهم يقدر ويخلّص.
9- إن الإيمان ضد الشك، فالمؤمن لا يشك. والشك يدل على ضعف الإيمان. والرب قد ربط بين الأمرين حينما قال للقديس بطرس: "يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟" (مت14: 31). ما أكثر ما يقع البعض في الشك، يضعف إيمانهم!! قد يضلون ويخيل إليهم أن الله لم يستجِب صلاتهم، أو تباطأ في الاستجابة.. فيشكّون. وقد يدركهم الشك في محبة الله وفي رحمته. وإن وقعوا في ضيقة، أو في مرض أو في مشكلة أو إن مات واحد من الذين يحبونه.
10- لذلك فالإيمان الحقيقي، هو إيمان ثابت لا يتزعزع، إيمان في كل وقت، وفي كل حين، مهما كانت الظروف، ومهما صادفته الضـيقات أو المتــاعب.. اُنظروا ماذا يقول الرسول المختبر: "إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ" (1كو15: 58). فلنتذكر هذه العبارة ونضعها أمامنا باستمرار: كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ.
150- من ثمر الروح: الوداعة
150- من ثمر الروح: الوداعة
"وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا5: 22-23).
مقدمة: من أهمية الوداعة، أن الرب دعانا أن نتعلمها منه، فقال: "تَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ" (مت11: 29). وقد جعلها الرب في مقدمة التطويبات فقال: "طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ" (مت5: 5). ومن أهمية الوداعة، أن الكنيسة تضعها في بدء صلوات النهار، في مقدمتها قبل المزامير، جزءًا من رسالة القديس بولس الرسول الى أهل أفسس. يقول فيها: "أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا: بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ" (أف4: 1-2)، إذًا هي في مقدمة السلوك الروحي المسيحي. إن عرفنا كل هذا المديح للوداعة والودعاء، فليتنا نتأمل معًا، ما هي الوداعة؟ وما هي صفات الإنسان الوديع:
1- الإنسان الوديع هو الإنسان الطيب المسالم. وكثير من الناس يستخدمون صفة (الطيب) بدلًا من صفة (الوديع). وهو بهذا يكون إنسانًا هادئًا بعيدًا عن العنف، هو إنسان هادئ في كل شيء. الوديع هادئ في طبعه، هادئ الأعصاب، هادئ الألفاظ، هادئ الملامح، هادئ الحركات. الهدوء يشمله كله داخليــًا وخارجيــًا فهو هــادئ في قلبه ومشــاعره، وهو هادئ في تعامله مع الآخرين.
2- هدوء الوديع يكون في صوته أيضًا. ولذلك قيل عن السيد المسيح في وداعته: "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 19-20). هكذا يـكون الوديـع، بعيـدًا عن الصخـب والضوضاء. لا يصيـح ولا يسمع أحـد في الشوارع صوته. حينما يتكلم يتصف كلامه بالهدوء واللطف، كإنما قد اختار كل ألفاظه بكل دماثة وأدب لا يجرح بها شعور أحد مهما كانت صفته.
3- الإنسان الوديع بعيد عن العنف وعن الغضب. هو إنسان هادئ، لا يثور ولا يُثير. لا يغضب بسرعة ولا ببطء. ولا ينفعل الانفعالات الشديدة، ولا تغلبه النرفزة (العصبية). لأنه باستمرار هادئ في أعصابه وفي ملامحه، التي تتصف بالطيبة والبشاشة. إنه لا ينتقم لنفسه. ولا يحل مشاكله بالعنف بل إن أساء أحد إليه، يقابل ذلك بالاحتمال والصبر.
4- الإنسان الوديع لا يقيم نفسه رقيبًا على الناس. لا يقيم نفسه قاضيًا ولا يتدخل في أعمال غيره. لا يعطي نفسه سلطة مراقبة الآخرين والحكم على أعمالهم؛ لا يدين أحد، ولا يحكم على أحد. وإن اضطرّته الضرورة إلى الحكم لا يقسو في أحكامه.
5- الإنسان الوديع سهل التعامل مع الناس. يستطيع كل شخص أن يأخذ معه ويعطي. إنه سهل في نقاشه وحواره. لا يحتد ولا يشتد. ولا يستاء من عبارة معينة يقولها محاوره. فيشعر المتناقش معه براحة مهما كان معارضًا له. يعرف أنه سوف لا يغضب عليه، وسوف لا يحاسبه على ما يقول. ولعل أفضل الأمثلة على ذلك حوار الرب - في وداعته – مع إبراهيم ومع موسى.
6- الإنسان الوديع حليم، واسع الصدر، طويل البال. كما وُصِفَ بذلك موسى النبي (عد12: 3). ومن الأمثلة الجميلة أيضًا، ما قيل عن سليمان الحكيم، أن الرب منحه "وَرَحْبَةَ قَلْبٍ كَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ" (1مل4: 29).
7- والوديع إنسان مسالم، لا ينتقم لنفسه. لا يقاوم الشر، كما أمر الرب (مت5: 39). أي لا يقابل الشر بمثله، وإنما هو كثير الاحتمال. لا يدافع عن نفسه، بل غالبًا ما يدافع عنه غيره موبّخين من يسيء إليه بقولهم: "ألم تجد سوى هذا الإنسان الطيّب لتسيء إليه؟!".
8- الإنسان الوديع لا يوجد في تفكيره خبث ولا دهاء ولا تعقيد. لا يقول شيئًا، وفي نيته شيء آخر. بل الذي في قلبه، على لسانه وما يقوله لسانه إنما يعبر عن حقيقة ما في قلبه. ليس عنده التواء ولا يدبّر خططًا في الخفاء. هو إنسان واضح، يتميز بالصراحة والبساطة.
9- الإنسان الوديع لا يؤذي أحدًا، ويحتمل الأذى من المخطئين وله سلام في داخله، فلا ينزعج ولا يضطرب. كل المشاكل الخارجية لا تعكّر صفوه الداخلي. قال مار إسحاق: "سهلٌ عليك أن تحرك جبلًا من موضعه. وليس سهلًا عليك أن تثير إنسانًا وديعًا".
10- الإنسان الوديع بعيد عن المجادلة والمحاربة كما قال الكتاب: "اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلاَ دَمْدَمَةٍ وَلاَ مُجَادَلَةٍ" (في2: 14) ويقصد بالمجادلة هنا: (المقاوحة في الكلام) أو المحاربة. ذلك لأن الوديع لا يجاهد لكي يقيم كلمته ولكي ينتصر في المناقشات إنما هو يبدي رأيه ويثبته، وليقبله مَن يشاء متى يشاء، دون أن يدخل في صراع جدلي أو في حرب كلامية. فهذا ضد هدوئه.
151- من ثمر الروح: التعفف
151- من ثمر الروح: التعفف
"وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا5: 22-23).
1- التعفف يشمل عفة الجسد، وعفة الحواس (النظر والسمع واللمس)، وعفة اللسان، وعفة الفكر، وعفة القلب، وعفة القلم، وعفة اليد ونود هنا أن نتكلم عن كل بند من هذه البنود.
2- عفة اللسان: عفة اللسان تبعد عن كل كلمة بطالة. هذه التي قال عنها السيد الرب: "كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ" (مت12: 36). بل اعتبر أنها نجاسة، فقال: "لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ" (مت15: 11). وطبعًا الإنسان العفيف لا يتنجس بأي كلمة. اللسان العفيف لا يلفظ كلمة شتيمة، ولا كلمة تهكّم.
3- اللسان العفيف هو لسان مؤدّب ومهذّب، يزن كل كلمة يلفظ بها، ولا يحتاج إلى مجهود لكي يتكلم كلامًا عفيفًا لأنه تعوّد على ذلك. أو هو هكذا بطبعه، ولا يستخدم ألفاظًا معيبة من الناحية الخلقية واللسان العفيف قد تعود أيضًا عفة التخاطب. وقد تعوّد أيضًا على أدب الحوار.
4- عفة القلب وعفة الفكر. هذه العفة الداخلية تُبْنَى عليها كل تعفف من الخارج. وفي هذا قال الكتاب: "فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ" (أم4: 23). عفة القلب هي عفة المشاعر والعواطف والأحاسيس، وعفة المقاصد والنيّات والرّغبات. ومن عفة القلب تصدر عفة الفكر، وعفة اللسان وعفة الحواس.
5- عفة الفكر والقلب تتعلق أيضًا بعفة العقل الباطن. فالعقل الباطن يعمل عن طريق المخزون فيه من أفكار، ومن رغبات وصور ومشاعر فإن كان المخزون في العقل الباطن غير عفيف، حينئذ يظهر ذلك في أحلام غير عفيفة، وفي ظنون وأفكار من نفس النوع. فليحرص كل إنسان إذًا على عفة قلبه وفكره. بما يدخل فيها من روحيات، ومن محبة للخير وللعفة، حتى يصبحان مصدرًا لكل من عفة اللسان وعفة الحواس وعفة الجسد.
6- عفة الجسد: عفة الجسد هي بعده عن كل شهوة جسدية رديئة أو كل شهوة تتعلق بمحبة هذا العالم المادي. وقد تعرض القديس يوحنا الرسول لهذا الأمر، فقـال في رســالته الأولى: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ" (1يو 2: 15، 16).
7- وشهوة الجسد تشمل الزنى بكل أنواعه. ويشمل أنواعًا كثيرة مما يشتهيها الجسد ولكن أخطرها الزنى. والإنسان العفيف يبذل كل جهده للبعد عن شهوات الجسد فهو لا يشتهي ولا يثير الشهوة في غيره.
8- عفة النظر: عفة النظر تكون في البعد عن كل نظرة شهوانية ولعل هذا ما قصده القديس يوحنا بعبارة "شَهْوَةَ الْعُيُونِ" (1يو2: 16) وهذا أيضًا ما قصده أيوب الصديق حينما قال: "عَهْدًا قَطَعْتُ لِعَيْنَيَّ، فَكَيْفَ أَتَطَلَّعُ فِي عَذْرَاءَ؟" (أي31: 1) بل هذا ما قاله الرب: "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" (مت5: 28). الإنسان العفيف ينظر بغير شهوة، بل في استحياء.
9- عفة الأذن: الأذن العفيفة هي التي لا تتنصّت على غيرها، أما التي تتسمّع لتعرف أسرارًا ليس من حقها أن تعرفها، فهي أذن ليست عفيفة.. إنها تسرق أخبارًا، وتدخل إلى خصوصيات الناس بغير حق. ولا يمكن أن يفعل هذا إنسان مهذب. كذلك فإن الأُذن التي تلتذ بسماع أحاديث شهوانية. أو بسماع فكاهات أو أغاني جنسية، هي أذن غير عفيفة. بل تصرفها هذا نسميه (زنى الآذان).
10- عفة اليد: اليد العفيفة لا تمتد إلى ما لغيرها، لا بسرقة، أو نشل ولا بأي لون من اغتصاب حقوق الغير. كذلك لا تعتبر يدًا عفيفة، تلك التي تفرح بربح غير جائز. قال عنه الكتاب: "طَامِعٍ بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ" (1تي3: 3). ومن عفة اليد أيضًا العفة في الطلب. حيث يستحي الإنسان العفيف أن يمد يده. وإذا أُعْطِىَ، قد يستحي أيضًا أن يأخذ.. بينما الإنسان غير العفيف قد يطلب ما لا يستحقه، وكأنه حق قد سلبهُ منه من يعطى. وحينما يُعْطَىَ، قد يستصغر ما يأخذه، فيرجعه أو يطالب بأكثر.
152- خلافاتنا مع البروتستانت: جـ1
152- خلافاتنا مع البروتستانت: جـ1
مقدمة: الخلافات كثيرة.. بعضها في العقيدة والإيمان، وبعضها في الطقوس، والبعض الثالث في النظام الكنسي، وفي أمور العبادة.. وأهم الخلافات بيننا وبين البروتستانت ما يلي:
1- اعتقادهم بالطبيعتين والمشيئتين في السيد المسيح: بينما تؤمن الكنيسة القبطية أن طبيعة السيد المسيح اللاهوتية وطبيعته الناسوتية متحدتان معًا في طبيعة واحدة هي طبيعة الكلمة المتجسد.. نحن نؤمن أن السيد المسيح كامل في لاهوته وكامل في ناسوته أيضًا. وأن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين.
2- انبثاق الروح القدس: يعتقد البروتستانت مثل الكاثوليك بانبثاق الروح القدس من الآب والابن، وهذا مخالف لعقيدة كنيستنا التي تؤمن بانبثاق الروح القدس من الآب وحده حسبما ورد في (يو15: 26).
3- عدم إيمانهم بأسرار الكنيسة السبعة: وإن وجد عندهم شيء من ذلك، لا يسمونه سرًا. مثال ذلك: يوجد زواج عند البروتستانت، ولكنه مجرد رابطة أو عقد بين اثنين، وليس سرًا كنسيًا. كذلك توجد عندهم معمودية، ولكنها ليست سرًا كنسيا بكل فاعليته.. ويسمونه فريضة.
4- لا يؤمنون بالتقليد Tradition أو التسليم الرسولي: فهم لا يؤمنون إلا بالكتاب المقدس فقط، ولا يقبلون كل القوانين الكنسية، ولا المجامع المقدسة وقراراتها، ولا يلتزمون بتعاليم الآباء. وبالتالي لا يقبلون كل ما قدمه التقليد من نظم كنسية.
5- لا يقبلون الكهنوت: فهم إما ينادون بكاهن واحد في السماء وعلى الأرض، هو يسوع المسيح، دون أي كهنوت للبشر، وإما أن يقولوا إننا جميعًا كهنة ولا فارق في ذلك بين إنسـان وآخــر. ومن يدعـى (قســًا) من الطـوائف البروتستانتية، لا يقصد به أنه كاهن. إنما هذا لقب يعنى عندهم خادم أو معلم وليس كاهنًا يمارس الأسرار الكنسية.
6- خلافات كثيرة في موضوع الخلاص: من أهمها التركيز فقط على الإيمان، وعدم الاهتمام بكل ما عداه، وهنا يعتمدون على عبارة: "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ" (أع16: 31)، ويرون أن مجرد الإيمان يخلص الإنسان في نفس لحظة إيمانه. وكأنهم بهذا ينكرون الأسرار اللازمة للخلاص. ومن الخلافات البارزة في موضوع الخلاص، مسألة الإيمان والأعمال.
7- ينكرون الطقوس: البروتستانتية ضد الطقوس. وبالتالي لا يعترفون بأي ليتورچيات (صلوات طقسية)، ولا يستخدمون ما عندنا من كتب طقسية، مثل القطمارس، والإبصلمودية، وصلوات اللقان، وطقس السجدة، وطقوس البصخة، والشعانين، والطقوس التي تصاحب كل سر من أسرار الكنيسة.
8- خلافات في المعمودية: لعل من أهمها لزوم المعمودية للخلاص. كذلك لزوم المعمودية للأطفال. كذلك لا يؤمنون بعلاقة المعمودية بالولادة الجديدة وبالتبرير وغفران الخطايا.
9- لا يؤمنون بالاعتراف: ونقصد عدم إيمانهم بالاعتراف على الآباء الكهنة.. من جهة لأنهم لا يؤمنون أصلًا بكهنوت البشر ومن جهة أخرى، لأنهم يرون أن الاعتراف على الله مباشرًا.
10- لا يؤمنون بسر الإفخارستيا: في البروتستانتية لا توجد قدّاسات، ولا ذبيحة إلهية، ولا يؤمنون باستحالة الخبز والخمر إلى الجسد والدم الأقدسين.. عندهم احتفال في بعض المواسم فيه كسر الخبز، لمجرد الذكرى.. كفريضة وليس كَسِرٍّ.
153- خلافاتنا مع البروتستانت جـ2
153- خلافاتنا مع البروتستانت جـ2
مقدمة: الخلافات كثيرة.. بعضها في العقيدة والإيمان، وبعضها في الطقوس، والبعض الثالث في النظام الكنسي، وفي أمور العبادة.. وأهم الخلافات بيننا وبين البروتستانت ما يلي:
1- خلافات بالنسبة إلى الكتاب المقدس: على الرغم من اهتمام البروتستانت بالكتاب اهتمامًا كبيرًا، وعلى الرغم من كلامهم عن (الحق الكتابي) إلا أننا نأخذ عليهم هنا أمرين هامين:
+ عدم إيمانهم ببعض أسفار الكتاب مثل طوبيا، يهوديت، يشوع بن سيراخ، وسفر الحكمة والمكابين وبعض أجزاء أُخرى من الكتاب.
+ لا يتعاملون مع العهد القديم بالاحترام اللائق بكل تعاليمه كما لو كان السيد المسيح قد نقض الناموس أو الأنبياء.
2- لا يؤمنون بأصوام الكنيسة: قد يقبلون الصوم كعمل فردي في أي وقت. ولكنهم لا يوافقون على أصوام محددة في مواعيد معينة يصومها كل الشعب. كما لا يؤمنون بالصوم النباتي ولا يقبلون قيدًا على الإنسان في أكله وشربه بأية صورة.
3- لا رهبنة في البروتستانتية: لا يوجد نظام الرهبنة إلا عند الأرثوذكس والكاثوليك. أما الرهبنة فلا وجود لها في البروتستانتية. وجميع رتب الخدام متزوجون. سمعنا أخيرًا عن وجود رهبنة عند بعض الألمان البروتستانت.
4- لا يؤمنون بالصلاة على الموتى: فلا يطلبون الرحمة لنفس الميت، ولا النياح له. كل ما يحدث أن يدخل جثمان الميت إلى الكنيسة، لِتُقْرَأْ بعض الفصول وتلقى العظة؛ لمجرد تعزية أُسرة المتوفي، أو للاستفادة من الموت. ولكـن لا يصلّون مطلقًا من أجـل الميت، ولا يطلبـون مغفرة، ولا يسألون الله من أجل أبدية هذا الذي انتقل.
5- لا شفاعة في البروتستانتية: لا يؤمنون بشفاعة الملائكة ولا العذراء ولا القديسين، ولا شفاعة الموتى في الأحياء. ولا الأحياء في الموتى. لا وساطة إطلاقًا بين الله والناس.
6- عدم إكرام القديسين: لا إكرام للملائكة ولا للعذراء ولا للقديسين، فلا يحتفلون بأعياد القديسين كما نفعل نحن ولا يقرأون في الكنيسة سنكسارًا يشمل سير القديسين، ولا توجد عندهم تماجيد للقديسين، ولا ذكصولوجيات، ولا تذاكيات، ولا صلاة مجمع، ولا إكرام لعظام القديسين، ورفات أجسادهم.
7- لا أيقونات ولا صور في البروتستانتية: وقد أخذت (حرب الأيقونات) دورًا هامًا في التاريخ بينهم وبين الكاثوليك. فلا يؤمنون بوجود صور وأيقونات في الكنيسة، ولا بإبقاء شمعة أمام صورة أحد القديسين، ولا بنذر نذرًا على اسمه.
8- عدم بناء الكنائس على أسماء القديسين: فلا تبنى كنيسة على اسم ملاك أو شهيد أو قديس، ولا تتسمى باسمه. إنما قد تتسمى الكنيسة باسم المدينة أو الحي مثل الكنيسة الإنجيلية بشبرا وبأسيوط.
9- الكنيسة كبناء: كنائس البروتستانت بلا هياكل ولا حجاب (حامل أيقونات) ولا تتقيّد بمنارات أو قباب وبلا أيقونات. كل ما فيها منبر للوعظ ومقاعد، كالجمعيات التي تتخصص في الوعظ عندنا.
10- لا اتجاه إلى الشرق: كنائس البروتستانت لا تتجه إلى الشرق مثل كنائسنا. كذلك إذا وقفوا للصلاة لا يتجهون إلى الشرق بل في أي اتجاه حسب وضع كل منهم.
154- خلافاتنا مع البروتستانت جـ3
154- خلافاتنا مع البروتستانت جـ3
مقدمة:
الخلافات كثيرة.. بعضها في العقيدة والإيمان، وبعضها في الطقوس، والبعض الثالث في النظام الكنسي، وفي أمور العبادة.. وأهم الخلافات بيننا وبين البروتستانت ما يلي:
1- لا بخور ولا شموع: لا يستخدم البخور في الكنائس البروتستانتية. لا يوجد طـقس رفع بخور عشية. ولا طقس رفع بخور باكـر. ولا يصحبون قراءة الإنجيل بإضاءة شموع.
2- لا توجد صلاة قنديل (أي صلاة مسحة المرضى): سواء اعتبرت سرًا من أسرار الكنيسة أم لا، هم لا يؤمنون بالأسرار أو أية صلاة طقسية، ولا بالصلاة على المرضى كسرّ كنسي، فيه تقديس الزيت والدهن به.
3- لا صلوات أجبية: لا يؤمنون بالصلوات السبع التي للكنيسة، لا بمواعيدها ولا بمحتوياتها. ولا يلتزمون بمبدأ الصلوات المحفوظة عمومًا. يصلي كل إنسان متى يشاء وكيفما يشاء. وهذا يقودنا إلى نقطة أُخرى وهي صلاة (أبانا الذي في السموات) لا يستخدمونها في بدء الصلاة ولا في نهايتها، ولا يلتزمون بها إطلاقًا كما لا يلتزمون مطلقًا بصلاة المزامير.
4- الحكم الألفي: ويؤمنون أن السيد المسيح سيأتي في آخر الزمان، ويحكم ألف سنة على الأرض يكون فيها الشيطان مقيدًا. ويسود فيها السلام، ويرعى فيها الحمل مع الأسد.. ولكن توجد اختلافات بين البروتستانت في تفاصيل الحكم الألفي.
5- لا يؤمنون بدوام بتولية العذراء: بل يعتقدون أنها تزوجت بيوسف النجار، وأنجبت منه بنين عرفوا باسـم "إخـوة يســوع" (مت12: 47)، ولا يكرّمون العذراء. وكثيرًا ما يلقبونها باسم "أُمُّ يَسُوعَ" وينكرون صعود جسد العذراء إلى السماء.
6- يؤمنون بحرية العقيدة وتنوعها: فكل إنسان له الحق في أن يعتقد ما يشاء، ويعلّم بما يشاء وينشر ما يشاء من معتقدات دون سلطة كنسية تمنعه. فهم لا يؤمنون بالسلطة الكنسية. ومن هنا نشأت عشرات المذاهب البروتستانتية تختلف فيما بينها في كثير من العقائد وإن كان يضمها إطار عام.
7- مواهب الروح القدس: كثير من المذاهب البروتستانتية تؤمن باستمرار موهبة الألسنة، ويعتبرونها دليلاً على الملء بالروح، أو دليلًا على قبول الإنسان للروح القدس. والبعض يقبل وجودها وانتشارها ولزومها ولكن ليس للكل. ولعل هذا واضح جدًا في طائفة الخمسينيين وفي جماعات الكرزماتيك Charismatics.
8- ينكرون الأبوة الروحية: فلا يدعون أحدًا أبًا ولا قسًا ولا أسقفًا، معتمدين على فهم خاطئ لقول السيد المسيح للآباء الرسل: "وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ" (مت23: 9).
9- لا يستخدمون رسم الصليب: مع أهمية الصليب في البروتستانتية، كوسيلة الرب لفداء البشر، إلا أنهم لا يكرّمون الصليب كما يكرّمه الأرثوذكس. لا يوجد عندهم عيد للصليب كما يوجد عندنا، ولا يبدأون الصلاة برشم الصليب وباسم الآب والابن والروح القدس كما نفعل نحن. ولا ينهونها كذلك، ولا يمسك رعاتهم صليبًا في أيديهم.
10- عقيدة الاختيار: وفيها يؤمنون بعقيدة هي: اختيار الله البعض للخلاص، منذ الأزل، وعلى مبدأ النعمة المطلقة، وعلى مبدأ سلطان الله المطلق. وكما يقولون: "إن الله بمجرد مسرته قد اختار منذ الأزل بعضًا للحياة الأبدية".
155- الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي
155- الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي
1- الدين ليس مجموعة من الفضائل. فالفضائل توجد حتى عند غير المؤمنين، عند البراهما والبوذيين وغيرهم. ولكن الدين أولًا هو عقيدة وإيمان. ومن هذا الإيمان تنبع الفضائل، ويكون لها وضع روحي غير وضع الفضائل عند غير المؤمنين.
2- اهتمامنا بالإيمان والعقيدة لا ينسينا الحياة الروحية، والسلوك المسيحي. والاهتمام بالفضيلة لا ينسينا الإيمان.. افعلوا هذه ولا تتركوا تلك. فالتطرف في أحد الطريقين له أخطاؤه وأخطاره.
3- الخلاص يتم بدم المسيح ولكن عن طريق الأسرار المقدسة التي وضعها الله في كنيسته بالروح القدس العامل فيها، والتي يمارسها رجال الكهنوت.
4- إن أسرار الكنيسة السبعة ليست أعمالًا بشرية يقوم بها الأب الكاهن وإنما هي أعمال سرِّية يقوم بها الروح القدس نفسه على يد الكاهن، الذي لا يعدو أن يكون خادمًا للأسرار.
5- الروح القدس هو الذي يلد المؤمنين في المعمودية ولادة جديدة، يصيرون بها مَوْلُودِينَ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ (يو3: 5)، وَمَوْلُودُينَ مِنَ الرُّوحِ (يو3: 6).
6- الروح القدس هو الذي يقدس المؤمن ويثبته في سر المسحة المقدسة، سر الميرون ولذلك قال القديس يوحنا الحبيب: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ" (1يو2: 20).
7- والروح القدس هو الذي يغفر الخطايا في سر التوبة. لذلك نفخ الرب في وجوه تلاميذه القديسين وقال لهم: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ" (يو20: 22، 23).
8- والروح القدس هو الذي يحوّل الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه في سر الإفخارستيا. والسيد الرب نفسه هو الذي يقول: "خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي" (1كو11: 24)، "اشْرَبُوا منها كُلّكُم لأن هذَا هُوَ دَمِي" (مت26: 27، 28). والرب نفسه وضع بركات هذا السر (يو6: 50-56).
9- والروح هو الذي يجعل الاثنين واحدًا في سر الزيجة. لذلك يقول الرب عن ذلك: "الَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقْهُ إِنْسَانٌ" (مر10: 9). وهكذا في باقي الأسرار المقدسة. الروح القدس هو العامل فيها وهو المعطي كل بركاتها ونعمها.
10- فالخلاص في المفهوم الأرثوذكسي يقوم على دم المسيح والإيمان بفاعليته والحصـول عليه عن طريق الأســرار الكنسـية اللازمة للخـلاص مع الأعمال الصالحة، وما دام الله هو العامل فينا، إذًا فالأعمال الصالحة التي يقوم بها المؤمن ليست مجرد أعمال بشرية، وإنما هي شركة الروح الذي فيه، الذي يحركه للعمل ويشترك معه.
156- سُوء الاستخدام
156- سُوء الاستخدام
1- أعطانا الله عاطفة الحب وهي ليست خطأ، بل الخطأ هو أننا لا نحب. وقيل عن الله تبارك اسمه: "اللهَ مَحَبَّةٌ" (1يو4: 8). وقال الرسول: "كُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ" (1يو4: 7)، الخطأ هو أن نسيء استخدام الحب، ونوجهه توجيهًا غير سليم.
2- الحب أصلًا، يكون موجهًا إلى الله، وإلى الناس داخل نطاق محبة الله. ويكون موجهًا إلى الخير والمثاليات وإلى السماء والأبدية. ولكن نخطئ إذا أسأنا استخدام الحب، فأصبحنا نحب العالم أو الجسد أو المادة أو الذات.
3- المال ليس شرًا في ذاته، إنما الشر في سوء استخدامه. يصير المال شرًا، إذا أُسيء استخدامه. في اللهو، وملاذ الدنيا، أو اعتماد الإنسان عليه وصار مجالًا للكبرياء. ليس عيبًا أن يمتلك الإنسان مالًا، إنما العيب أن يمتلك المال هذا الإنسان.
4- ليس الغضب شرًا في ذاته، فهناك غضب مقدس والغضب المقدس هو الذي يمنح الإنسان الغيرة المقدسة، والنخوة والشهامة، والدفاع عن الحق. ويبقى الغضب مقدسًا، إن كانت وسيلته مقدسة ودوافعه مقدسة.
5- ولكن إذا أُسيء استخدام الغضب، يصبح خطية. وذلك إذا اُستخدم من أجل كرامة شخصية، أو بقسوة وبغير سبب يدعو إليه، أو إذا خُلِطَ هذا الغضب بألفاظ غير لائقة، أو باعتداء، أو بإهانات وجرح للشعور، أو بعنف، أو بظلم.. ففي كل هذا يصبح الغضب خطية، لأنه قد أُسيء استخدامه.
6- ليس الفن خطية، لأنه يمكـن استخــدامه في الخير. نقول هذا عن الشــعر، والموسيقى والرسم والنحت ونقوله أيضًا عن التمثيل في المسرح أو السينما، وسائر الفنون الأخرى إذا كان استخدامها للخير أما إذا أُسيء استخدامه في المجون والعبث، حينئذ يصبح خطية.
7- الخيال هو أيضًا يتوقف خيره أو شره على استخدامه. فخيال الخير هو مصدر القصص النافعة المفيدة، والشعر الروحي المؤثر، بل قد يكون مصدرًا صالحًا للتأمل. ويمكن للإنسان أن يسرح خياله في السماء والملائكة والأبدية، بل في صفات الله نفسه. ويصبح الخيال شرًا، إذا أسيء استخدامه، كما في أحلام اليقظة وتصور الشرور في الذهن، أي إذا سرح خياله في خطية.
8- العقــل موهبـة من الله، يمكــن أن تستخـدم في الخير وفي الشـر. العقل إذا أُستخدم في خير الإنسان روحيًا، وفي خير البشرية، وفي التوصل إلى السلوك السليم، حينئذ يتحول إلى حكمة طاهرة نافعة، ولكن العقل؛ قد يسيء البعض استخدامه، فالخطاة والمجرمين كالشيطان نفسه.
9- القوة يمكن استخدامها في الخير، وإذا أُسيء استخدامها تصبح شرًا. والدين يدعونا أن نكون أقوياء. والإنسان القوي الشخصية هو إنسان نافع للمجتمع ونافع لأُسرته ونافع لنفسه. في انتصاره على كل إغراءات الشر. ولكن إذا أُسيء استخدام القوة وتحولت إلى البطش والعنف أو الاستبداد والتسلط أو تحولت إلى الإرهاب والظلم؛ حينئذ تصبح شرًا.
10- لا أظن أن أحدًا في العالم يقول إن الحرية شر. ولكن لا شك أن سوء استخدام الحرية هو خطية بلا شك. إن استخدم الإنسان حريته في الاعتداء على حريات الآخرين أو على حقوقهم، أو في انتهاك النظام العام.. هنا يكون الاستخدام السيئ للحرية خطية.
157- خبرات في الحياة
157- خبرات في الحياة
1– رأيت في طريق حياتي، أناسًا يحطمون غيرهم بغير رحمة.. ورأيت أناسًا آخرين هم الذين يحطمون أنفسهم. ورأيت النوعين يجتمعان معًا في شخصية واحدة.
2- كانا يسيران في طريق الحياة معًا. أو خيّل إلى الناس أنهما يسيران في الحياة معًا. الأول منهما يسير، والعالم أمامه. والثاني كان يسير والعالم خلفه.. أما أنا فقد نظرت إلى الثاني، وقد طرح العالم خلفه، ولم يجعل أمامه سوى الله، وأبديته. وأحببته جدًا!
3- الثقة تُبنى على أُمورٍ كثيرة: لعل من أهمها: الصدق، والأمانة، والإخلاص. إلى جوار الثقة أيضًا يوجد الكفاءة والقدرة.
4- في كثير من المواقف، يكون الصمت أفضل؛ ليس فقط صمت اللسان، وإنما صمت الملامح أيضًا. لأن هناك من تصمت أفواههم، وتكشفهم ملامحهم.
5- إذا درّبت نفسك على أن تحفظ آية واحدة من الكتاب المقدس كل يوم، لأمكنك أن تحفظ ما لا يقل عن 365 آية.. وقد تنمو فيك عادة الحفظ، بل قد تتحول إلى شهوة لحفظ آيات الكتاب، فيتضاعف هذا الرقم. جرّب ودرّب نفسك.
6- قابلت في طريق الحياة بعض الأخوة، سقطوا واستفادوا من سقوطهم، فصاروا أكثر حرصًا وأكثر اتضاعًا وأكثر شفقة وحنانًا على الذين يسقطون حتى كنا نستفيد من مجرد منظرهم.
7- رأيت في طريق الحياة بعضًا من أبناء الكنيسة لم تمكنهم روحياتهم من الخضوع لأمهم الكنيسة. فأصرّوا على أن تخضع الكنيسة لهم، وإلا...
8- الأُرثوذكسية، هي كالدم الذي يسري في عروق الواعظ وفي عقيدته، تظهر في كل عظـاته وتعليمــه، كما تظهر في حياته وأُســلوبه، طبيعته بغـير افتعال ولا اصطناع.. بحيث يمكنك أن تدرك من أول وهلة، وفي كل خطوة، أن هذا الإنسان أرثوذكسي لا غش فيه.
9- سؤال وجهه إليَّ أحد الصحفيين في أواخر نوفمبر سنة 1971م: ما هو الفرق بين الحب والشهوة؟ فأجبته: الحب يريد دائمًا أن يعطي. والشهوة تريد دائمًا أن تأخذ.
10- كل إنسان له خصوصياته التي يحتفظ بها كَسِرٍ.. وليس من حق أقرب الناس إليه أن يتدخل في خصوصياته، ومن أشر مساوئ الفضوليين بحثهم عن خصوصيات غيرهم.. وكم ندم كثيرون على البوح بخصوصيّاتهم.
158- مقياس الطول ومقياس العمق
158- مقياس الطول ومقياس العمق
روحانية العبادة جـ1
1- أود في هذا المقال أن أحدثكم عن روحانية العبادة لكي يختبر الإنسان مقدار درجته في العبادة، هناك مقياسان: أما مقياس الطول فهو مقدار الوقت الذي يقضيه الإنسان مع الله في كافة نواحي العبادة: في الصلاة، في التأمل، في التراتيل، في الألحان، في التسبيح وفي القراءات الروحية.
2- في مقياس الطول: لا أُريد أن أُحدثك عن الدرجات الروحية العالية لئلا تقع في اليأس.. لا أريد أن أُحدثك عن حياة الصلاة الدائمة، فربما لا يكون هذا هو طريقك في الحياة، وقد تكون هذه من درجات النساك العابدين. ولا أُريد أن أحدثك عن تدريب صَلب العقل الذي سار فيه القديس مقاريوس الإسكندري، ولا عن حالات اختطاف الفكر، ولا عن تدريب خلط كل عمل من أعمال الحياة بالصلاة.
3- ولا أُريد أن أُحدثك عن أمثال القديس أرسانيوس الذي كان يقف للصلاة وقت الغروب والشمس وراءه، ويظل واقفًا مصليًا حتى تطلع الشمس أمامه، قاضيًا الليل كله في الصلاة.
4- ولكني أحب أن أسألك كم تعطي الله من وقتك؟ وكم تعطي لأمور العالم من وقتك؟ وهل هي نسبة عادلة؟ وهل الوقت الذي تقضيه في العبادة كافٍ لغذاء روحك؟
5- هناك إنسان يزعم أنه يصلي كل يوم. وقد يكون مجموع صلواته في اليوم بضع دقائق، لا تشبع روحه ولا تشعره بالصلة بالله. وقد يقف إنسان ليصلي وسرعان ما يشعر بالسأم والملل، ويحب أن ينهي صلاته بأية طريقة كما لو كانت عبئًا ثقيلًا عليه!! ذلك لأن قلبه جاف من الداخل، ليست فيه محبة الله.
6- وقد يعتذر إنسان عن الصلاة بضيق الوقت. وقد يكون السبب الحقيقي هو عدم وجود الرغبة وليس عدم وجود الوقت! إن أكبر رد على مثل هذا الإنسان هو داود النبي الذي كان ملكًا، وقائدًا للجيش ورب أسرة كبيرة جدًا، ومع ذلك نراه يصلي باستمرار ويقول لله: "سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي النَّهَارِ سَبَّحْتُكَ عَلَى أَحْكَامِ عَدْلِكَ" (مز119: 164)، ولا يكتفي بالنهار بل يقول أيضًا: "فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ أَقُومُ لأَحْمَدَكَ عَلَى أَحْكَامِ بِرِّكَ.." (مز119: 62).
7- ولا يكتفي بالليل، بل يقول: "كُنْتُ أَذْكُرَكْ عَلَى فِرَاشِي وَفي أَوْقَاتِ الأَسْحَارِ كُنْتُ أُرَتِلْ لَكْ" (مز63: 6)، ولا ينهض فقط في وقت السحر بل يقول للرب: "سَبَقَتْ عَيْنَايَ وَقْتَ السَحَرْ، لأَلهج في جَمِيعِ أَقْوَالِكَ" (مز119: 148)، ومع كل صلوات الليل هذه، نراه يقول في شوق إلى الله: "يَا اَللهُ، إِلهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ، عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي" (مز63: 1)، وفي النهار يقول: "مَحْبُوبٌ هُوَ اسْمَكْ يَا رَبْ، فَهُوَّ طُولُ الْنِهَارِ تَلَاوَتِي" (مز119: 97).
8- إنه مثل جميل، لرجل من رجال الصلاة، كان مشغولًا جدًا، وعليه مسئوليات وأعباء لا حصر لها، ومع ذلك نجح في عمل الصلاة، وضرب مثالًا رائعًا لمقياس الطول في العبادة.. فلا يصح إذًا أن نعتذر بالمشغوليات. لأننا إن آمنا بأهمية أمر من الأمور، نستطيع أن نوجد له وقتًا. المشكلة إذًا في عدم وجود الرغبة.
9- وقد يكون الســبب هو عـدم الإحسـاس بالاحتياج إلى الصلاة.. مثـال ذلك الشاب الذي زارني في إحدى المرات وقال لي: "إن شاء الله ستبدأ امتحاناتي يوم السبت، فأرجوك أن تذكرني في صلواتك يوم الأربعاء لأنها مادة صعبة... فقلت له: وماذا عن امتحان يوم السبت؟ فأجاب إنها مادة سهلة لا تحتاج إلى الصلاة".
10- نعم، ما أكثر تلك الأُمور التي نراها لا تحتاج إلى صلاة.. إنها الثقة بالنفس أو بالظروف المحيطة أو ببعض المعونات البشرية التي تجعلنا نشعر أننا لسنا في حاجة إلى صلاة. كأننا ننتظر الوقت الذي يسمح فيه الله بضيقة أو مشكلة وحينئذ فقط نصلي.
159- مقياس الطول ومقياس العمق
159- مقياس الطول ومقياس العمق
روحانية العبادة جـ2
1- تحدثنا في المقال السابق عن روحانية العبادة، لكي يختبر الإنسان مقدار درجته في العبادة. هناك مقياسان.. إما قياس الطول فهو مقدار الوقت الذي يقضيه الإنسان مع الله في كافة نواحي العبادة: في الصلاة، في التأمل، في التراتيل، وفي الألحان، والتسبيح وفي القراءات الروحية.
2- وفي هذه المقالة نتحدث عن مقياس العمق: مقياس العمق هو حالة القلب أثناء العبادة.. فقد يصلي إنسان وقتًا طويلًا ولكن من غير عمق.. بصلوات سطحية أو بصلوات من العقل فقط أو من الشفتين وليست من القلب، أو بصلوات من عقل غير مركّز يطيش أثناء الصلاة في العالميات.
3- إن مقياس العمق في الصلاة يجعلنا نسأل الأسئلة الآتية: هل صلواتك بحرارة؟ وهل هي بإيمان؟ وهل هي بحب وشوق نحو الله؟ وهل صلواتك في انسحاق وتواضع قلب؟
4- وهل هي في خشوع وهيبة شديدة لله؟ وهل هي في تركيز وجمع للعقل؟ وهل صــلواتك تشعر فيها بالصلة الحقــيقية أمام الله كما لو كان قائمًا أمامــك تخاطبه وجهًا لوجه؟ وهل هي من القلب حقًا أم من الشفتين فقط؟
5- وهل تتكلم مع الله بدالة وثقة؟ وهل أنت تجد لذة في صلواتك وتتمنى لو استمـرت معـك كل الوقـت أم أنك تـؤدي فرضًا لا بد أن تؤديه؟ وهل صلواتك من أجل نفسك فقط أم من أجل الآخرين أيضًا؟ وهل صلاتك هي لله وحده أم فيها عناصر الرياء وحب الظهور أمام الناس.
6- إنها أسئلة كثيرة؛ إن أجبت عليها تعرف مقدار العمق الذي لك في عبادتك.
7- ويدخل في مقياس العمق نوعية الصلاة أيضًا.. فهل صلاتك مجرد طلب، أم فيها أيضًا عنصر الشكر، وعنصر التسبيح والتمجيد، وعنصر التوبة والانسحاق والاعتراف بالخطية.
8- ثم أيضًا، هل صلاتك هي بفَهمٍ؟ هل تعني كل كلمة تقولها لله؟ وهل تفهم معاني الألفاظ التي ترددها وبخاصة في الصلوات المحفوظة وفي المزامير؟ ويبقى بعد كل هذا أن نسأل: هل أنت حقًا تصلي؟ هل ينطبق عليك مقياس العمق؟ هل تشعر أن صلواتك قد وصلت فعلًا إلى الله؟ وهل تشعر أنه قبلها، وأنك مطمئنٌ واثقٌ أن الله سيعمل معك عملًا.
9- وهل في صلاتك تشعر أنك حفنة من تراب تحدّث خالق الكون العظيم فتقف أمامه في خشوع تشكره على الشرف الذي منحك إياه إذ سمح لك أن تقف أمامه.
10- إن قست نفسك بهذين المقياسين، مقياس الطول ومقياس العمق، ووجدت نفسك لم تبدأ حياة العبادة، فنصيحتي لك أن تبدأ من الآن، وأن تحسن حالتك يومًا بعد يوم.. ولا تنهمك في أمور العالم الانهماك الذي يجفف قلبك ويقسّى روحك ويجعلك تنظر إلى أمور العبادة بعدم اكتراث!
أيها القارئ العزيز، ضع أمامك على الدوام قول السيد المسيح: "ماذا يستفيد الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟! أو ماذا يعطي عوضًا عن نفسِهِ؟! اهتم إذًا بنفســك واحـرص على أبديتــك، ولتكن لك علاقـة عـميقة بالله. وإن وجدت صعوبة في بداية الطريق فلا تيأس. وإن حاربك الشيطان نفسه فقــاومه، واثـبت في عبــادتك، وسيـأتي الوقـت الذي تـذوق فيـه جمـال الحـياة الروحية فتجدها شهية وممتعة، فتأسف على الأيام التي ضاعت عبثًا من حياتك. ابدأ في عمل الصلاة، وفي صلاتك اُذكر ضعفي وليكن الرب معك يقويك على عمل مرضاته.
160- بين السرعة والبطء
160- بين السرعة والبطء
1- هل من الصالح الإسراع في العمل أو البطء فيه؟ إنه سؤال حيّر الكثيرين وتعددت فيه الآراء وتناقضت وبقى الناس حائرين بين السرعة والبطء، وهكذا بقي الأمر كما هو موضع حيرة: هل نَبِّتْ في الأمر بسرعة أو نتأنى ونتروى؟
2- لا شك أن كثيرًا من الأمور لا يمكن أن تقبل التباطؤ. وقد يكون البطء فيها مجالًا للخطر والخطأ، ويحسن فيها الحزم والبت السريع. فمثلاً لا يصح أن يتباطأ إنسان في التوبة لأن كل وقت يمر عليه في الخطية، إنما يزيد عبوديته لها.
3- ويحوّل الخطأ إلى عادة، وقد يحول العادة إلى طبيعة. وربما يحاول الخاطئ أن ينحل من رباط شهواته فلا يستطيع، أو قد يستطيع أخيرًا بمرارة وصعوبة وبعد جهاد مميت كل ذلك لأنه أبطأ في توبته وفي معالجة أخطائه.
4- هناك إذًا مواقف تحتاج إلى بت سريع وإلى حزم، قبل أن تتطور إلى أسوأ، وهناك مواقف كثيرة تحتاج إلى التباطؤ وإلى التأني والتروي، ويتلفها الإسراع أو الاندفاع. فمتى يصلح التباطؤ إذًا؟
5- من النصائح الجميلة في الكتاب المقدس، قول الوحي الإلهي: "لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ، لأَنَّ غَـضَبَ الإِنْسَـانِ لاَ يَصْــنَعُ بِرَّ اللهِ" (يع 1: 19و20). نعم إن التباطــؤ في الغضـب فضيـلة عظمى. فإن الذي يسرع في الغضب قد يصـل للاندفـاع، وفي اندفاعه قد يفقد سيطرته على أعصابه، أو قد يفقد سيطرته على تفكيره.. وهكذا يخطئ.
6- لذلك حاذر من أن تأخذ قرارًا حاسمًا في ساعة غضبك، لئلا بذلك تضر نفسك أو تضر غيرك.. إنما حاول أن تهدئ نفسك أولًا.. ثم بعد ذلك فكّر وأنت في حالة هدوء.. أو ببطء في الموضوع وأجِّل الأمر إلى أن تهدأ. إن القرارات السريعة التي تصدر في حالة غضب تكون في غالبيتها عرضة للخطأ.
7- قد يُطلّقْ إنسان امرأته، إن أسرع باتخاذ قرار في ساعة غضب. وقد يفقد أعز أصدقائه، وقد يتخلى عن عمله، بل قد يهاجر أيضًا من وطنه، كل ذلك لأنه أخذ قرارًا سريعًا في ساعة انفعال، ولم يتباطأ، ولم يؤجل الموضوع إلى أن يهدأ.
8- وإن قرر إنسان شيئًا بسرعة، فلا مانع من أن يرجع في قراره. وقد يظن البعض أنه ليس من الرجولة، ولا من حسن السمعة أن يرجع إنسان في كلمته، أو يلغي قرارًا له. ولكن الحكمة تقتضي منا أن يراجع الإنسان نفسه فيما اتخذه من قرارات سريعة.
9- كذلك البطء في التكلم نافع ومفيد.. استمع كثيرًا قبل أن تتكلم حاول أن تفهم غيرك.. حاول أن تُلم بالموضوع إلمامًا كاملًا. أعط نفسك بهذا البطء فرصة لمعرفة ما ينبغي أن تقوله. وهكذا يكون كلامك عن دراسة، ورويّة، وهدوء، فلا تخطئ؛ إن الكلمة الخاطئة التي تقولها لا تستطيع أن تسترجعها مرة أُخرى. لقد خرجت من فمك وانتهي الأمر.. ووصلت إلى آذان سامعيك وتسجلت وحسبت عليك.. ربما يمكنك أن تعتذر عنها، أو تندم عليها ولكن لا يمكنك أن تسترجعها داخل فمك.
10- وكما ينفــع البــطء في الغضــب والكـلام، كذلك ينفع البطء في إصــدار الأحكام، لا تحكم بسرعة. ولا تصدق كل ما يقال. ولا تقبل وشاية أو دسيسة ضد إنسان. إنما فَكِّرْ كثيرًا، ولا تصدر حكمك إلا بعد مزيد من التروّي والفحص، فهناك أخبار ربما تصلك من أصدقائك أو من ابنائك أو من مرؤوسيك أو من رؤسائك، أو من مصادر غير موثوق بها لذلك تباطأ في حكمك.
161- صورة الله – جـ1
161- صورة الله – جـ1
الصفات التي كان فيها الإنسان على صورة الله.
1- لقد خُلق الإنسان على صورة الله في الطهارة والبر والقداسة. فقبل السقوط كان الإنسان في منتهى البراءة وفي منتهى الطهارة والشفافية. آدم وحواء كانا عريانين وهما لا يشعران بهذا في حالة من الطهارة القصوى، كالأطفال. كذلك فإن الحية (أي الشيطان) خدعت أُمّنا حواء وكذبت عليها. بينما أمنا حواء ما كانت تعرف ما هو الكذب ولا الخديعة، ولا تعرف الشك فيما يقوله الغير. ولا مثل هذه الأمور فما كانت تعرف أن أحدًا يمكن أن يكذب أو يخدع، إذ كانت بسيطة جدًا وطاهرة.
- كان الإنسان أيضًا على صورة الله في الكمال. ونقصد طبعًا الكمال النسبي فالله هو الوحيد الذي له الكمال المطلق. ولكن الإنسان يمكن أن يكون كاملًا بالنسبة إلى مستواه وقدراته، وحسب مقدار النعمة المعطاة له، وعمل الروح فيه ومدى تجاوبه مع عمل الروح.
3- الإنسان خُلق أيضًا على صورة الله في السلطة. لقد قال له الله: "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ" (تك 1: 28).
4- الإنسان أيضًا خُلِقَ على صورة الله كسيّد وملك على كل الخليقة. وعندما فقد صورته الإلهية بدأت الخليقة تتمرد عليه. "هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَه" (تك3: 15). وبعض الحيوانات أصبحت وحوشًا يمكن أن تقتله. والأرض نفسها ما عادت تعطيه قوتها (تك4: 12)، وهكذا فقد سلطته.
5- هو أيضًا كان على صورة الله في القوة. فالإنسان الروحي يكون دائمًا قويًا. ولا أقصد قوة الجسد، كما كان شمشون. وإنما يكون قويًا في شخصيته، وفي تفكيره وإرادته واحتماله، وفي نصرته على الشيطان.. إلخ. النفس القوية لا تهتز ولا تخاف ولا تتردد ولا تيأس والذي على صورة الله حتى الآن لا يخاف على الإطلاق.
6- أيضًا الذين في صورة الله يكونون دائمًا ناجحين: كما نقرأ في المزمور الأول لداود أن الأشخاص الأبرار يكونون كشجرة مغروسة على مجاري المياه تعطي ثمرها كاملًا في حينه، وورقها لا ينتثر، وكل ما يعملونه ينجحون فيه (مز1: 3)، كذلك قيل عن يوسف الصديق أنه كان رجلًا ناجحًا (تك39: 2)، لذلك فإن الإنسان الفاشل لا يكون على صورة الله.
7- الإنسان أيضًا خُلِقَ على صورة الله في التواضع. حقًا إن الله هو المتواضع الوحيد لأنه وهو العالي جدًا، ينزل إلى مستوانا ويتعامل معنا، ويتكلم معنا ويسمع إلى صلواتنا، ولكن الإنسان يمكن - حسب مستواه - أن يكون متواضعًا؛ على الأقل إذ يعرف أنه تراب ورماد ولا يميل إلى أفكار الكبرياء، والمجد الباطل، ظانًا في نفسه أنه أعلى مما ينبغي. ولذلك فالشخص المتكبر لا يكون على صورة الله.
8- الإنسان على صورة الله في أُمور كثيرة كالمحبة مثلاً: كما قال القديس يوحنا الإنجيلي: "اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ" (1يو4: 16).
9- الإنسان أيضًا على صورة الله في الجمال: الله جميل وكذلك الملائكة.. وعندما خُلِقَ الإنسان الأول على صورة الله كان جميلًا؛ فكان آدم جميلاً جدًا، وكانت حواء جميلة جدًا. وأيضًا قيل نفس الأمر عن بعض أشخاص. كما قيل عن موسى النبي (خر2: 2)، وعن داود النبي (1صم16: 12)؛ كل منهما كان جميلًا جدًا، ولكن الخطية تغيّر ملامح الإنسان، فيفقد جمال وجهه وجمال جسده وجمال روحه.
10- الإنسان أيضًا هو صورة الله من جهة النور: الله هو نور العالم كما ذكر في (يو8: 12)، وهو أيضًا النور الحقيقي (يو1: 9)، والإنسان كصورة الله، قيل عنه: "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ" (مت5: 14).
162- صورة الله – جـ2
162- صورة الله – جـ2
نتائج فقد الصورة الإلهية:
الإنسان عندما سقط، بدأ يفقد صورته الإلهية ومن نتائج فقد هذه الصورة:
1- بدأ يخاف: في البدء عندما خُلق على صورة الله لم يكن يخاف. وعندما سقط الإنسان وفقد صورته الإلهية بدأ يخاف. فلما سمع صوت الرب الإله ماشيًا في الجَّنَة، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله وسط شجرة الجنة. فنادى الرب الإله آدم وقال له: "أَيْنَ أَنْتَ؟ فقال: سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ" (تك 3: 9-10).
2- أيضًا عندما فقد الإنسان صورته الإلهية، بدأ يشعر أنه عريان فعندما نادى الرب الإله آدم، قال له: "اخْتَبَأْتُ لأَنِّي عُرْيَانٌ" (تك3: 10). فبفقدان الإنسان لصورة الله بدأ يشعر بالعري أمام الله، ويختبئ بين الأشجار. "فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ" (تك 3: 7).
3- من نتائج فقد الإنسان صورته الإلهية، أصبح جاهلًا. عندما ظن أنه حينما يختبئ بين الأشجار، لا يستطيع الله أن يراه، فالله يعرف ما في الفكر، فكيف لا يعرف أين هو الإنسان؟ بدأ الإنسان يجهل حقيقة الله.
4- الإنسان عندما فقد صورته الإلهية، تَحَّول إلى حالة من الضعف، معها يسـتطيع الشـياطين أن ينتصروا عليه. وهكذا الشياطين أمسـكوا في البشـرية، وفي ضعفها وقادوها إلى الفساد. هذا الفساد الذي من أجله أغرق الله البشرية كلها بالطوفان.
5- تغيرت العلاقة بين الإنسان والله: العلاقة بين الإنسان وبين الله قد تغيرت بعدما كانت علاقة محبة، أصبحت علاقة خوف، إلى هروب من الله والاختفاء. هذه كلها نتائج لفقدان الصورة الإلهية.
6- ضعف الإيمان أيضًا من نتائج فقدان الصورة الإلهية: ازداد الفساد في الأرض لدرجة أنهم وصلوا إلى الإلحاد وإنكار وجود الله وتعدد الآلهة، ووصلوا إلى عبادة الأصنام. كل ذلك من نتائج فقدان الصورة الإلهية.
7- ومن النتائج الخطيرة أيضًا الموت: بدأ الموت يدخل إلى العالم عن طريق الخطية، وأصبح له سلطان فيقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ" (رو5: 12).
8- وأيضًا الإنسان فقد سلطته ومهابته: كيف؟ لم تعد له سلطة على الحيوانات، فبعضها تحول إلى وحوش تهدد الإنسان وتخيفه.
9- كما فقد أيضًا سلطانه على الأرض: كانت الأرض فيها الفاكهة والبقول ولكن بعد ذلك قال له الله: "شَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ" (تك3: 18)، وإن عملت الأرض، لا تعود تعطيك قوتها. لقد بدأت تتمرد الأرض عليه.
10- بعد أن كان الإنسان صورة الله، قال الله للإنسان: "أنْتَ تراب وإلى التراب تعود". وبذلك أصبحت هناك حاجة للعودة إلى صورة الله، وفي الحقيقة أن العودة الحقيقية إلى صورة الله تكون في الأبدية، بعد القيامة العامة.. ولكن في العالم الحاضر يمكن استعادة جزء منها.
كيف ذلك؟ هذا ما سنتحدث عنه في المقال القادم.
163- صورة الله – جـ3
163- صورة الله – جـ3
استعادة الصورة الإلهية (جزئيًا).
استعادتها كاملة تكون في العالم الآخر، لكن ممكن أن يستعيد الإنسان الصورة الإلهية جزئيًا في العالم الحاضر. كيف ذلك؟
1- بالأسرار الكنسية أولًا: بالمعمودية: يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية (رو6: 4): "فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أيضًا في جِدَّةِ الْحَيَاةِ؟"، ففي المعمودية يتم صلب الإنسان العتيق ويولد إنسان جديد. هذا الإنسان يولد على صورة الله.
2- سر التوبة: هو الذي يعيد إلى الإنسان الصورة الإلهية، لأنه بالتوبة يكون في حياة جديدة مع الله. يقول فيها الرسول: "وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ" (رو12: 2)، ورأينا كيف أن أغسطينوس بعد أن عاش حياة في ملء الخطية، رجع واستعاد صورته الإلهية بالتوبة والنمو في حياة النعمة، حتى صار قديسًا وكذلك موسى الأسود.
3- الله يا إخوتي يريدنا أن نكون على صورته مرة أُخرى بالحياة الروحية والقداسـة.. فيقول: "وَتَكُونُونَ قِدِّيسِينَ، لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ"، وهذه الآية قيـلت في سفر اللاويين في العهد القديم (لا11: 44).. وفي رسالة بطرس الثانية: "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ»" (1بط1: 16)، وفي العظة على الجبل قال: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الذي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48).
4- والكمال والقداسة من صفات الصورة الإلهية. وهو يريدنا أن نكون على صورته كما أعطانا مَثَلْ الكرمــة والأغصـان (يو15: 5). الله هــو الكرمــة، ونحن الأغصان، والكرمة والأغصان تسري فيهما عصارة واحدة، وتكون من نفس النوعية، وقال إنه رأس الكنيسة أي الجسد، وطبعًا الرأس والجسد من نوعية واحدة، ولا تظنوا أنه شيء صعب لأن الكتاب يقول في (مر9: 23) "كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ". ويقول بولس الرسول: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيءٍ في الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في4: 13).
5- أيضًا سر الإفخارستيا: لأن السيد المسيح يقول: "إن الشخص الذي يتناول "يَثْبُتْ فيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو6: 56)، والذي يثبت في ربنا يكون طبعًا عايش في صورة مقدسة.
6- كذلك عمل الروح القدس فينا: فيقول بولس الرسول في (1كو6: 19و20) "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هي للهِ".
7- الإيمان والمواهب الروحية: قال الرب يسوع في (مر9: 23): "كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ"، وقال أيضًا: "هذَا عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلكِنْ عِنْدَ اللهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ" (مت19: 26). كما قال السيد المسيح في (يو14: 12): "مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ التي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أيضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا". بالمواهب التي يعطيها الروح القدس للإنسان يستطيع أن يعود إلى صورة الله ويعمل الأعمال التي يعطيها له الروح القدس كما في (1كو12: 7-11).
8- التواضع: من فوائد رجوعنا إلى صورة الله، إن الناس يرون صورة الله فينا ويقولون: كلما ننظر إلى شخص مسيحي في وداعته وطيبته ومغفرته للآخرين وصبره على المسيئين، نقول هنا هذا هو ابن الله أو صورته. لقد قال السيد المسيح في (مت11: 29) "اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ"، وقال مار إسحاق: "أريد أن أتكلم عن التواضع، ولكني خائف كما لو كنت أتحدث عن الله".
9- ففي العودة إلى صورة الله، أجرؤ أن أقول بأن بعض الرجال كانوا يسمون بالآلهة، وأفضل مثال على ذلك هو موسى النبي. فقال الرب لموسى: "انْظُرْ! أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أَخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ. أَنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا آمُرُكَ، وَهَارُونُ أَخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ" (خر7: 1، 2). وفي (مز82: 6) يقول: "أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيّ كُلُّكُمْ"، ولكن كلمة (إله) هنا لا تعني أبدًا لاهوت الله.
10- فبعودة الإنسان إلى صورة الله، يمكن للآخرين معرفة الله في الإنسان، فمن خلال حياتنا نستطيع أن نعطي فكرة عن الله. فالإنسان الذي على صورة الله يتكلم بكلام الله، وتكون مشيئته كمشيئة الله، كما قال بولس الرسول: "وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ" (1كو2: 16).
164- صورة الله – جـ4
164- صورة الله – جـ4
الإنسان كصورة الله في الأبدية.
آدم خُلِقَ على صورة الله ومثاله وكذلك حواء. ولكننا في الأبدية سنكون في حالة أعظم من حالة آدم وحواء الأولى. كيف؟!
1- الإنسان الأوّل خُلق على صورة الله، ولكن كان ممكنًا أن يخطئ وفعلًا أخطأ ولكننا في الأبدية نكون طاهرين وأنقياء ولا نخطئ.
2- الإنسان في الأبدية، يكون في حالة عصمة وهذا ليس بعيدًا لأن يوحنا الحبيب يقول: "وَكُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً.. وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ" (1يو3: 9)، كيف ذلك؟! مثل واحد مهما حدث لا يستطيع أن يسرق، ولا يستطيع أن يقتل، كلما وصل الإنسان لدرجات الكمال، فكلمة "لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ"، تدخل في أمور كثيرة في الأبدية. الإنسان يدخل في العصمة ولا يستطيع أن يخطئ لأن الأبدية لا تكون فيها خطية أبدًا، إنما حتى معرفة الخطية لا توجد.
3- لأن الإنسان في الأبدية ذاكرته تتطهر من كل معرفة للخطية ومن كل صورها ومن كل أخبارها. هناك القداسة الكاملة في كل ناحية. هناك في الأبدية لا نعرف إلا البِرْ وحده.
4- إن الإنسان الأول كان على صورة الله، ومع ذلك يمكن أن يموت وفعلًا مات كما قال بولس الرسول في (رو5: 15،14) "بِخَطِيَة وَاحِدْ دَخَلَ اَلْمَوْتُ إِلَى اَلْعَاَلَم وَمَلَكَ الْمَوْتُ"، أما في الأبدية فلا يوجد موت بل حياة أبدية وبذلك تكون صورة الإنسان في الأبدية أفضل من صورة الإنسان الأول. كما يقول بولس الرسول في (1كو15: 26) "آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ".
5- آدم وحواء كانا على صورة الله وكان لهما جسد مادي يتعامل مع المادة ويأكل ويشرب، وأشجار وثمار ويعمل في المادة، فوضعه الله في الجنة يصلح الأرض ويعمل فيها. في الأبدية، سيبعد الإنسان عن المادة ويكون له جسد روحاني (1كو15: 42-44) "يُزْرَعُ في فَسَادٍ وَيُقَامُ فِي عَدَمِ فَسَادٍ. يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ. يُزْرَعُ فِي ضَعْفٍ وَيُقَامُ فِي قُوَّةٍ، يُزْرَعُ جِسْمًا حَيَوَانِيًّا وَيُقَامُ جِسْمًا رُوحَانِيًّا"، هذا وضع جميل جدًا لم يكن فيه آدم ولا حواء.
6- إن موسى النبي بعد أن قضى مع الله أربعين يومًا على الجبل وأخذ منه لوحي الشريعة، قيل عنه: عندما نزل كان جلد وجهه يلمع بالنور، لدرجة أن الناس لم يستطيعوا أن يقتربوا منه واضطر أن يضع برقعًا على وجهه لكي يستطيع الناس أن يقتربوا إليه، بسبب النور العجيب الموجود فيه لأنه قضى مع الله أربعين يومًا، فكم بالأولى نحن الذين نقضي مع الله كل وقتنا في الأبدية؟! الفرق كبير.
7- في الأبدية يُمنح الغالبون أكاليل معينة، كما قال بولس الرسول: "جَاهَدْتُ الْجِهَــادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّـعْي، حَفِظْـتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيـلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أيضًا" (2تي4: 7-8). وبإكليل البر، الإنسان لا يخطئ. هناك أيضًا إكليل الحياة "كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ" (رؤ2: 10). والبعض يأخذ إكليل الشهادة، والبعض إكليل الكهنوت والبعض يأخذ إكليل البتولية.
8- أيضًا في الأبدية، يُعْطَى للناس المواهب أو العطايا السامية التي شرحها الرب في سفر الرؤيا إصحاح الثاني والثالث: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفي، أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ، وَيَلْبِسْ ثِيَابًا بِيضٍ".
9- في الأبدية، سوف نعرف الله. فمعرفتنا الحالية مجرد مذاقة، بولس الرسول يقول: "فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ" (1كو13: 12)؛ بولس الرسول - الذي صعد إلى السماء الثالثة وسمع أشياء لا ينطق بها، وتعب أكثر من جميع الرسل - يقول: "أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ"، لذلك ربنا يسوع المسيح في حديثه مع الآب في (يو17: 3): "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ".
10- ليست معرفة فقط، ولكن معرفة وحب معًا: "وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ" (يو17: 26)، لذلك حينما نذهب إلى الأبدية، نبدأ نعرف عن الله ونبدأ نحبه الحب الحقيقي.. الله سيوسع عقولنا وقلوبنا لكي نعرف أكثر ونحب أكثر إلى أي حد؟! "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ" (يو17: 3).
165- الذات «الأنا»
165- الذات «الأنا»
1- الأنا هي أول خطية عرفها العالم. وقع فيها الشيطان، قبل الإنسان. الشيطـان "الْكَرُوبُ الْمُظَلِّلُ" (حـز28: 16)، "مَلآنٌ حِكْمَةً وَكَامِلُ الْجَمَالِ" (حز28: 12)؛ الذي سقط حينما قال في قلبه: "أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ، وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ الاجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي الشَّمَالِ. أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش14: 13، 14)، ومحبة الذات هي التي أهبطته إلى أعماق الجحيم؛ فانحدر بدلًا من أن يرتفع.
2- وكما سقط الشيطان عن طريق الذات، هكذا سقط الإنسان حينما خلقه الله، كان يعرف أن ذاته مستمدة من الله. فالله هو الذي أوجدها، وهو الذي منحها كل العطايا والمواهب. وهي لا تستطيع أن تحيا بدونه. وعن طريق الله وحده، كان يأخذ كل ما يلزمه من المعرفة، ثم سقط الإنسان حينما بعدت ذاته عن الله. فأخذت النصيحة من مصدر غير الله. بل تخضع لإغراء الحية التي قالت: "تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ" (تك3: 5). وهكذا بعدت الذات عن الله: بالمعصية من جهة، وباشتهائها أن تكون مثل الله بنفس أسلوب الشيطان الذي قال: "أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش 14:14).
3- أصعب ما يقع فيه الإنسان أن يحب ذاته محبة خاطئة. فيريد أن يكبر في عيني نفسه أو يصير بارًا في عيني نفسه! لا يوجد إنسان يكره نفسه حتى أن الله حينما أمر بمحبة القريب قال: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (مت22: 39). المحبة الحقيقية للنفس هي أن تلصقها بالله.. كما قال المرنم: "أَمَّا أَنَا فخَيْرٌ ليَ الالْتِصَاقُ بِالْرَبِ" (مز73: 28) وفي محبتها لله تحب القريب أيضًا.
4- أما المحبة الخاطئة، فهي لون من الأنانية، فيها تقود (الأنا) Ego إلى الأنانية Egoism فيتمركز الإنسان حول ذاته، وكل ما يتعلق بها: كرامته، وماله، وتفوقه، ولو على جماجم غيره؛ يريد أن يستريح ولو على تعب الآخرين ويبني ذاته ولو على ضياع غيره!
5- محبة الذات هي التي يريد فيها الإنسان أن يأخذ ولا يعطى. وإن أعطى فلكي يأخذ.. يأخذ مديحًا وكرامة، أو يأخذ عوضًا ما يشتهيه. هي حالة إنسان مشغول دائمًا بذاته، يعطيها ما يشبعها نفسيًا وماديًا. وهو يفصلها باستمرار عن الكل. ولا مانع لديه من أن يصطدم بكل من يراه منافسًا لهذه الذات أو معترضًا لطريقها.
6- وقع كثيرون في محبة الذات وإشباعها. فضيعتهم أو كادت تضيعهم. مثال ذلك سليمان الذي استجاب لشهوات الذات.. نعم سليمان الحكيم، الذي كان أحكم أهل الأرض في زمانه.. انشغل بذاته وملذاته.. فقال: "فَعَظَّمْتُ عَمَلِي: بَنَيْتُ لِنَفْسِي بُيُوتًا، غَرَسْتُ لِنَفْسِي كُرُومًا. عَمِلْتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ وَفَرَادِيسَ، وَغَرَسْتُ فِيهَا أَشْجَارًا مِنْ كُلِّ نَوْعِ ثَمَرٍ. عَمِلْتُ لِنَفْسِي بِرَكَ مِيَاهٍ لِتُسْقَى بِهَا الْمَغَارِسُ الْمُنْبِتَةُ الشَّجَرَ.. جَمَعْتُ لِنَفْسِي أَيْضًا فِضَّةً وَذَهَبًا وَخُصُوصِيَّاتِ الْمُلُوكِ وَالْبُلْدَانِ. اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّيَاتٍ وَتَنَعُّمَاتِ بَنِي الْبَشَرِ، سَيِّدَةً وَسَيِّدَاتٍ. فَعَظُمْتُ وَازْدَدْتُ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلِي فِي أُورُشَلِيمَ... وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا" (جا2: 4-10)، فماذا كانت النتيجة؟
7- شهوات هذه الذات، كادت تضيع سليمان. وهكذا كانت النتيجة، هي قول الكتاب عنه: "وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلًا مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ. فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ. وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ في عَيْنَيِ الرَّبِّ" (1مل11: 4-6) واستحق أن يعاقبه الرب (1مل 11: 9-11).
8- ومثل سليمان الذي شغلته ذاته، كان أيضًا يونان؛ أرسله الرب للمناداة على نينوى، فخاف أن تسمع التهديد من فمه فتتوب، وحينئذ تسقط كلمة يونان، حينما يرجع الرب عن حمو غضبه على نينوى! وهكذا حفاظًا على كرامته، وهيبة كلمته، هرب أولًا من الله راكبًا سفينة إلى ترشيش. ولما أعاده الله بمعجزة، نادى على نينوى فتابت ورحمها الله. اغتاظ يونان وقال موتى خير من حياتي (يون2: 9-10).
9- عجيب أن أعظم من ولدته النساء، أعني يوحنا المعمدان (مت11:11) كان أكثر إنسان تخلص من الذات في علاقته مع المسيح. فلما تقدم إليه الرب للعماد قال له: "أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ" (مت3: 14)، ولما رأى الجموع يتبعون السيد، قال: "يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّى أَنَا أَنْقُصُ... مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ، وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْعَرِيسِ... اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ" (يو3: 29-31).
10- حقًا، إن إنكار الذات هو أكبر علاج للأنا. إن ذاتك هي التي تحاربك، أكثر مما يحاربك الشيطان. بل إن الشيطان حينما يحاربك، يحاربك أولًا بهذه الذات وأنت إن انتصرت على ذاتك سوف تنتصر بلا شك على باقي الخطايا لأنك أكبر عدو لنفسك. لا يستطيع أحد من البشر أن يعثرك، إذا كنت منتصرًا على ذاتك، داخل نفسك. كما قال القديس يوحنا ذهبي الفم: "لا يستطيع أحد أن يضرّ إنسانًا ما لم يضر هذا الإنسان نفسه".
166- محبة الذات من الخطايا الأمهات
166- محبة الذات من الخطايا الأمهات
1- نقول إنها من الخطايا الأمهات، لأن محبة الذات أو المحبة الخاطئة للذات، هي أم ولود تلد كثرة من الخطايا.
2- من أولى الخطايا التي تلدها (الأنا)، الكبرياء. المهتم بالأنا، يريد باستمرار أن يكبّر ذاته. فتكون ذاته كبيرة في عينيه، وأيضًا كبيرة في أعين الآخرين. وفي ذلك يكون معجبًا بذاته. وقد يقع فيما يسمونه (عشق الذات). نفسه جميلة جدًا في عينه. كمن يحب باستمرار أن ينظر في مرآة ويتأمل محاسنه!
3- ومن هنا، الذي يقع في محبة (الأنا)، قد يقع أيضًا في الغرور ويظن في ذاته أكثر من حقيقة ذاته.. إنه إنسان يحسُّ بقيمة ذاته. يحسُّ أنه شيء، وأن له أهمية خاصة، أو له مواهب خاصة، أو أنه يمتاز على غيره: يفهم أكثر، أو له مركز أكبر. وهذا الشعور يعطيه ثقة زائدة بالنفس، يريد أن يفرضها على الآخرين.. وبهذا الشعور ينقاد الى العظمة وإلى محبة المتكآت الأولى.
4- في كل هذا يكون المهتم بذاته بعيدًا كل البعد عن التواضع. ذلك لأن محبته للكرامة قد تقف حائلاً أمامه في الوصول إلى حياة الاتضاع. فهو يرى في التواضع إقلالًا من شأنه، وإبعادًا له عن العظمة التي يريدها لنفسه، إنه يحب لذاته أن تُحترم من الجميع، بل يلذ له أن يكون المحترم الوحيد. ويريد أن يكون هو الوحيد الذي هو موضع اهتمام الناس وتقديرهم.
5- من أجل هذا قد يقع أيضًا في خطايا الغيرة والحسد. وفي هذه الغيرة، يريد أن كل شيء يصل إليه هو: المديح والمال والإعجاب والنجاح والتفوق والاهتمام؛ إنه ليــس فقط يحـب لذاته أن تُمـدح، بل أن يكــون المـدح كلـه له وحده. إن مدحوا غيره، تتعب نفسه ويتضايق كما لو كان ذلك الغير الذي مدحوه قد اغتصب منه حقًا موقوفًا عليه.
6- وهكذا كانت الذات أو الأنا سببًا لصراعات سجلها الكتاب: بسبب (الأنا)، قام قايين على أخيه هابيل وقتله لأن هابيل كان أبرّ منه، وقد استجاب الله لهابيل وقبل منه محرقته (تك4) وبسبب (الأنا) قام الخلاف بين إبراهيم ولوط. وقال عنهما الكتاب: "وَلَمْ تَحْتَمِلْهُمَا الأَرْضُ أَنْ يَسْكُنَا مَعًا" (تك13: 6)، وبسبب الذات أيضًا قامت عداوة بين يعقوب وعيسو وهما شقيقان؛ يعقوب قال في قلبه.. أنا الذي آخذ البكورية بدلًا من أخي، وانتهز فرصة جوع أخيه وإعيائه، واشترى منه البكورية بأكلة عدس (تك25: 29-34). وعيسو أيضًا من أجل انتقامه لذاته يقول في قلبه: "قَرُبَتْ أَيَّامُ مَنَاحَةِ أَبِي، فَأَقْتُلُ يَعْقُوبَ أَخِي" (تك 27: 41).
7- حقًا، إن التركيز على الذات، قد يضيع المحبة بين الأخوة والأشقاء بل يُوجد العداوة بينهم، عداوة تتطور إلى القتل. أو على الأقل يصل الأمر إلى التنافس والصراع، أو إلى الشكوى والانتقاد وبنفس السبب يفترق الأقارب، كما حدث بين أبرام ولوط.
8- كذلك نلاحظ أن المهتم بالأنا، يركز على تحقيق ذاته. إنه لا يفكر في ملكوت الله، وإنما في ملكوته هو. ملكوت الله لا يشغله، إنما تشغله ذاته، وكيف يحقق لها وجودها وطموحاتها حتى في صلاته، يرى أن عمل الله الأول هو أن يكون له ذاته، ويكبّر ذاته على الأرض وفي السماء ولا تشمل صلاته إلا عبارات أُريد.. وأُريد.
9- الذي يركز على ذاته، يريد أن الكل يحقق له ذاته.. المجتمع الذي يحيط به، عليه أن يحقق له ذاته. والكنيسة واجبها أن تحقق له ذاته. عمل أب الاعتراف. وإن دخل في الخدمة، يهدف إلى الخدمة التي تحقق له ذاته!
10- محبو الذات.. كل فرحهم في الأخذ، لا في العطاء. يظنّون أنهم بالأخذ يبنون الذات ويكبرونها ويضيفون إليها جديدًا! يذكروننا بالغني الغبي الذي قال: " أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَابني أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَّلاَتِي وَخَيْرَاتِي، وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي!" (لو12: 18-19).
أما العطاء فيقوم به الإنسان الذي يخرج من الاهتمام بذاته إلى الاهتمام بغيره ويؤمن بأنه "مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ" (أع20: 35).
167- كيف تتخلص من الذات «من الأنا» - جـ1
167- كيف تتخلص من الذات «من الأنا» - جـ1
يمكننا أن نتخلص من سيطرة الذات بالأمور الآتية:
1- قهر الذات: الصوم والعفة يدخلان في قهر الذات، من جهة ضبط طلبات الجسد وشهواته. وهناك قهر آخر للذات من جهة شهوات النفس. فقد تشتهي النفس حُب الظهور وأن تعلن عن ذاتها وتسعى وراء العظمة. وفي هذا كله ينبغي أن نقاومها. وسعيد هو الإنسان الذي يراقب نفسه ويمنعها كلما تشرد وراء التنعمات العالمية. ويقنعها بأن التنعم بالله أفضل.
2- ثق أن في قهر الذات لذة روحية، لا تعادلها كل ملاذ الجسد. لذلك إن أردت أن تبنى ذاتك، اقهرها من جهة تطلعاتها الخارجية، لكي تبنيها من الداخل. وحينئذ تجدها في الله، وتجد الله فيها. وتبصرها صاعده نحو الأبدية.
3- ومن هنا كان الزهد من وسائل علاج الأنا. وفي الزهد تبني ذاتك - لا في هذا العالم الحاضر – إنما في العالم الآتي. وكما كان يوسف الصديق يخزن قمحًا للسنوات المقبلة كذلك أنت أخزن ما ينفعك يوم تقف أمام الديان العادل. وكما خزنت العذارى الحكيمات زيتًا لحين مجيء العريس (مت25). كذلك أخزن أنت زيتًا من عمل الروح القدس فيك.
4- إن أرادت نفسك أن تنتصر على الغير، اقهرها. فالانتصار الحقيقي هو الانتصار على الذات. أما الغير فبدلًا من أن تنتصر عليهم، اكسبهم لأن الكتاب يقول: "رَابحُ النُّفُوسِ حَكِيمٌ" (أم 11: 30). إن الانتصار على الناس سهل. ولكن كسب الناس هو الذي يحتاج إلى مجهود، إن كنت فيه تقهر ذاتك.
5- نقطة أخرى في علاج الأنا. وهي محبة الآخرين وخدمتهم.. أُخرج من حبس ذاتك داخل نفسك، إلى نطاق الآخرين. يقول المزمور: "أَخْرِجْ مِنَ الْحَبْسِ نَفْسِي" (مز142: 7). وأي حبس هو أقوى من أن تحبس نفسك داخل هذه الأنا؟! أُخرج منها إذًا، واندمج في العالم الخارجي، مع الآخرين تحبهم وتخدمهم وتتعاون معهم. قطعًا، الشخص الذي يحب ذاته، لا تهمه محبة الآخرين. حاول إذًا أن تخرج من التركيز على الاهتمام بنفسك إلى الاهتمام بالآخرين.
6- انتقل من مجال الأخذ إلى مجال العطاء. تدرب على أن تُعطي الغير. تعطيهم خدمة، تعطيهم وقتًا، تعطيهم حبًا وجهدًا ومساعدة. وإذا نمى الإنسان في تدريب العطاء، فإنه يعطى حتى نفسه، وهذا أسمى ما يصل إليه في الانطلاق خارج الذات. وإن كان من أخطاء (الأنا) البُخل. فالعلاج هو العطاء.
7- نقطة أُخرى في معالجة الأنا هي التواضع.. الإنسان الذي يعيش في محبة (الأنا) يهمه أن تكبر ذاته باستمرار، وفي المقارنة يريدها أن تكون أعلى من غيره، وعلاج ذلك أن يضع أمامه قول الرسول: "مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْكَرَامَةِ" (رو12: 10) وعن ذلك يقول الشيخ الروحاني "في كل موضع تحل فيه، كن صغير إخوتك وخديمهم".
8- لا تعط لنفسك كرامة وتفرضها على الآخرين، إنما أترك الناس يكرمونك من أجل ما يرونه من تواضعك ووداعتك.. لا ترغم الناس على احترامك. فالاحترام شعور ينبع من داخل القلب. لا يُفْرَضْ بالإرغام، إنما بالتقدير الشخصي. قد تُرْغِمْ إنسانًا على طاعتك.. ولكن لا تستطيع أن ترغمه على احترامك.
9- وفي معاملاتك مع الناس، كن نسيمًا لا عاصفة. كثيرون يحبون صفة العاصفة، لأنها تحمل معنى القوة. أما النسيم فيمثل الوداعة واللطف، اللذين ينبغي أن يتصف بهما من ينكر ذاته.
10- في اتضاعك، قل أنا من أنا؟ أنا مجرد تراب ورماد، بل قبل أن أكون ترابًا، كُنْتَ عدمًا. خلق الله التراب قبلًا مني، ثم صنعني من هذا التراب.. وهكذا يختفي منك الاعتداد بالذات.
168- كيف تتخلص من الذات «من الأنا» - جـ2
168- كيف تتخلص من الذات «من الأنا» - جـ2
يمكننا أن نتخلص من سيطرة الذات بالأمور الآتية:
1- إدانة الذات: الإنسان المصاب بالأنا، يكون باستمرار بارًا في عيني نفسه. إذا أخطا لا يعتذر، لأنه يظن أنه على حق ولم يخطئ! وإذا حدث سوء تفاهم بينه وبين أحد من الناس لا يذهب إليه ليصالحه. لأنه يأمل الصلح لا بد أن يأتي من الطرف الآخر، باعتبار أن الخطأ قد صدر من الآخر وليس منه. بل حتى مع الله، قد لا يعترف بأخطائه لأن ذاته تقنعه أنه لم يخطئ.
2- العلاج إذًا، أن يحاسب الإنسان نفسه بغير تحيّز، ويدينها. يدين ذاته في داخل نفسه ويدينها أمام الله وأمام أب الاعتراف. ويدينها أمام الغير حينما يلزم ذلك. يدينها في اتضاع. ولا يجلب اللوم على غيرها، كما فعل أبـونا آدم وأُمنا حواء (تك3). لا يبرر ذاته من جهة أسباب الخطأ وظروفه. فكل دواعي التبرير سببها الذات وتمسكها ببرها الذاتي.
3- في أحد المرات، زار البابا ثاؤفيلس منطقة القلالي، وسأل الأب المرشد في ذلك الجبل عن الفضائل التي أتقنوها فأجابه: "صدقني يا أبي، لا يوجد أفضل من أن يأتي الإنسان بالملامة على نفسه في كل شيء". هذا هو الأسلوب الروحي الذي يسعى به الإنسان إلى تقويم ذاته. يأتي بالملامة على نفسه، وليس على غيره، وليس على الظروف المحيطة. وليس على الله!! ظانًا أن الله لا يقدم المعونة اللازمة.
4- ليتنا ندين أنفسنا ههنا، حتى ننجو من الدينونة في اليوم الأخير لأننا بإدانتنا لأنفسنا، نقترب إلى التوبة، وبالتوبة يغفر لنا الرب خطايانا. أما الذي لا يدين ذاته، بسبب اعتزازه بهذه الذات، فإنه يستمر في خطاياه، ولا يتغير إلى أفضل.
5- كذلك فإن إدانتنا لأنفسنا تساعدنا على المصالحة بيننا وبين الناس، يكفي أن يعتذر الشخص ويقول لأخيه: "لك حق"، أنا قد أخطأت في هذا الأمر، لكي يضع بهذا حدًا لغضب المُسَاءِ إليه، ويتم الصلح معه أما إذا استمر المخطئ في تبرير موقفه، فإن الخصم يشتد، بالأكثر في إدانته. وما أجمل قول القديس مكاريوس الكبير: "أُحكم يا أخي على نفسك قبل أن يحكموا عليك".
6- نقطة أخرى تساعدك على علاج الذات وهي: ضع أمامك مثال المسيح: إن كان الإنسان الأول قد انهزم في حرب الذات، واشتهي أن يصير مثل الله (تك3: 5) فإن السيد المسيح الذي بارك طبيعتنا فيه، صحح هذه النقطة. وكيف ذلك؟ يقول الرسول عنه إنه: "أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا في شِبْهِ النَّاسِ" (في2: 7).
7- وعاش على الأرض فقيرًا، "وَأَمَّا ابن الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" (لو9: 58) بلا وظيفة رسمية في المجتمع. وتنازل عن كرامته "ظلم أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ... وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ" (إش53: 7، 12). ولم يدافع عن نفسه. أليس هذا درسًا لنا من هذا الذي عظمته لا تُحَدْ.. درسًا لنا نحن المُحَارَبِينَ بالأنا، بينما نحن لا شيء، السيد المسيح أخلى ذاته من المجد الحقيقي. أما أنت فتخلي ذاتك من كل مجد باطل.
8- نقطة أخرى في علاج (الأنا) وهي: تدريب الميل الثاني: قال السيد الرب: "وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أيضًا" (مت5: 41، 40). وبنفس الوضع تحدّث الرب عن الخد الآخر، فقال: "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أيضًا" (مت5: 39). وكأنه أراد أن يقول كن مظلومًا لا ظالمًا. وكن مصلوبًا لا صالبًا. لا تنتقم لنفسك.
9- القديسين استخدموا كلمة (أنا) في مجال الاتضاع وانسحاق النفس وهذا ما ينبغي أن نفعله مثال القديس بولس الذي قال عن خدمته الناجحة: "وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو15: 10).
10- وعبارة (لا أنا) نقولها ليس فقط من جهة علاقتنا بالله، بل أيضًا من جهة علاقتنا بعضنا البعض فمن جهة الكرامة، يقول كل منا: "لاَ أنَا"، عملًا بوصية الرسول: "مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا في الْكَرَامَةِ" (رو12: 10).
169- الإخلاص
169- الإخلاص
1- الإخلاص هو نقاوة الحب، وصدق العاطفة، ومشاعر الوفاء، يقدمها لك مخلوق تثق بمودته.
2- ويبدو الإخلاص على حقيقته في أوقات الضيقات أو أن معدنه يمتحن في وقت الضيقة.
3- بهذا الإخلاص، وقفت المريمات ويوحنا الحبيب حول المسيح أثناء صلبه، وبنفس الإخلاص تقدم يوسف الرامي إلى بيلاطس يطلب جسده ليكفنه مع نيقوديموس.
4- الإخلاص يتميز بالبذل، وفيه ينسى الإنسان ذاته، ولا يذكر إلا حبه ومن يحبه.
5- ويحكي لنا الكتاب إخلاص راعوث لحماتها نعمى، وقولها لها: "حَيْثُمَا ذَهَبْتِ أَذْهَبُ وَحَيْثُمَا بِتِّ أَبِيتُ" (را 1: 16).
6- بالإخلاص، عاش يوناثان مع داود، واضطره الأمر أن يحتمل توبيخ أبيه وغضبه، بسبب محبته لداود. وبنفس الإخلاص أحسن داود إلى كل من وجده من أسرة يوناثان بعد وفاته.
7- بالإخلاص قدّم الشهداء أنفسهم حبًا للمسيح، وتحمل المعترفون كل صنوف العذاب من أجله.
8- وهناك من أخلصوا لأسراتهم، أو لمعلميهم، أو لآبائهم الروحيين والجسديين أو لأوطانهم، أو لمبادئ معينة عاشوا لها. إخلاصًا حتى الموت.
9- وهناك أنواع أخرى من الإخلاص، كإخلاص الطبيب لمريضه، والمحامي لموكله، والأستاذ لتلاميذه، والكاتب لقرائه، والحارس لمن يحرسه.
10- هناك من يخلص بدافع الواجب والضمير، ومن يخلص بدافع الحب والوفاء، ومن يخلص لأن الإخلاص طبيعة فيه، يعامل بها كل أحد، وبالأكثر من يحبهم.
ما أجمل الإخلاص، إنه نبل، وحب، وتاج ذهبي.
170- شخصيات الكتاب جـ1
170- شخصيات الكتاب جـ1
1- قدم لنا الكتاب المقدس ألوانًا متنوعة من "أناس الله القديسين": إنها صورة متعددة من قديسين كل منهم له طابعه الخاص، يختلفون في العمر والجنس والوظيفة والحياة الاجتماعية والأسلوب الروحي. وذلك لكي نتعلم أن القداسة ملك للكل، وليست وقفًا على فئة معينة من الناس دون غيرها.
2- فلم يقدم لنا الكتاب حياة القداسة أو حياة الكمال، قاصرة على الأنبياء والرسل مثلًا، أو على الكهنة ورؤساء الكهنة، أو على صانعي العجائب والمعجزات، إنما هي للكل، وهي بإمكان كل أحد.
3- قدم لنا الكتاب المقدس قديسين في مراحل متفاوتة في العمر: منهم الأطفال مثل صموئيل، ومنهم الصبيان مثل داود وإرميا، ومنهم الشباب مثل يوسف الصديق، ويوناثان، ومار مرقس ويوحنا الحبيب. ومنهم الرجال الناضجون مثل موسى وبطرس. ومنهم الشيوخ مثل نوح وأخنوخ وإبراهيم وسمعان الشيخ.
4- قدم لنا رجالًا ككل هؤلاء كما قدم لنا نسوة قديسات.. مثل مريم العذراء، وحنة النبية، وسارة، وراعوث، وأستير، وأليصابات، ومريم أخت لعازر، وغيرهن كثيرات.
5- وكما قدم لنا قديسين متفاوتين في العمر، قدم لنا أيضًا قديسين متفاوتين في المركز الاجتماعي، وفي الغنى والفقر: فالمسألة أولًا وأخيرًا مسألة قلب مستعد لعمل النعمة فيه، أيًا كان مركزه أو وضعه المالي، أو وظيفته في المجتمع.
6- وهكذا قدم لنا الكتاب المقدس قديسين أغنياء جدًا مثل أيوب الصديق، وأبينا إبراهيم، ويوسف الرامي. كما قدم لنا فقراء مثل الأرملة التي دفعت من أعوازها فلسين في الصندوق، ومثل أرملة صيدا التي استضافت إيليا النبي، ومثل لعازر المسكين الذي كان يستعطي، وكانت الكلاب تلحس قروحه..
7- قدم لنا الكتاب رعاة غنم مثل داود وإسحاق ويعقوب، وصيادي سمك مثل بطرس وأندراوس، وعشارين مثل متى، وزكا، وملوكًا مثل داود ويوشيا، ووزراء مثل دانيال ويوسف، وأسرى حرب مثل الثلاثة فتية، وأبطالًا مثل شمشون، وقضاة مثل جدعون، وطبيبًا مثل لوقا، وكاتبًا مثل عزرا، وخادمًا مثل لعازر الدمشقي.
8- وقدم لنا الكتاب أيضًا قديسين متفاوتين في ثقافتهم وعملهم: فبينما نرى موسى الذي "تهذب بكل حكمة المصريين"، وبولس الذي كان من علماء عصره، وسليمان الذي كان أحكم أهل الأرض في زمانه، نرى أيضًا جهال العالم الذين اختارهم الله ليخزى بهم الحكماء.
9- كذلك قدم لنا الكتاب أمثلة متفاوتة في البتولية والزواج والترمل، وكلها كانت تحيا حياة مقدسة طاهرة أحبها الرب.
قدم لنا بتوليين قديسين مثل إيليا وأليشع ويوحنا المعمدان ويوحنا الحبيب، ومتزوجين قديسين مثل نوح البار وبطرس الرسول وأخنوخ أبي الآباء الذي رفعه الله إليه.. كما قدم لنا من عاشوا حياة مقدسة في الترمل مثل حنة النبية، ومن تزوجوا بعد ترملهم مثل راعوث، ومن تزوجوا بأكثر من واحدة مثل إبراهيم وموسى وداود.
10- وعلى جبل التجلي، ظهر السيد المسيح، محاطًا بإيليا البتول، وبموسى المتزوج والكل يحيط بهم نور عجيب. وحول الصليب كانت مريم العذراء ويوحنا البتول، ومريم زوجة كلوبا، التي أنجبت عددًا كبيرًا من البنين والبنات..
171- شخصيات الكتاب جـ2
171- شخصيات الكتاب جـ2
1- قدم لنا الكتاب من عاشوا حياة مقدسة منذ البدء، ومن جاءوا إلى الرب أخيرًا، ورحمهم الله وقبلهم إليه.
2- قدم لنا قديسين من بطون أُمهاتهم، مثل يوحنا المعمدان الذي من بطن أُمه امتلأ من الروح القدس، كما قدم لنا قديسين وقديسات عاشوا في عمق الخطية قبل لقائهم بالرب، مثل اللص اليمين، والمرأة التي بللت قدمي الرب بدموعها، ومثل راحاب الزانية وقدم لنا الكتاب أشخاصًا عاشوا من قبل بعيدين عن الله، مثل مريم المجدلية التي أخرج منها الرب سبعة شياطين، والمرأة الكنعانية التي كانت من شعب ملعون أممي.
3- وقدم لنا قديسين من مضطهدي الكنيسة، مثل شاول الطرسوسي ومثل الجندي الذي طعن المسيح بالحربة.
4- قدم لنا الكتاب المقدس شخصيات تحمل ألوانًا من الروحيات، متنوعة ومتغايرة ولكننا نراها كلها متكاملة: قدم لنا إيليا الشديد الناري، الذي أغلق السماء ثلاث سنين وستة أشهر فلم تمطر، والذي قتل المئات من أنبياء البعل وأنبياء السواري، وانتهر أخاب الملك، وقال لتنزل نار من السماء وتأكل الخمسين فنزلت وأكلتهم. كما قدم لنا الكتاب أرميا النبي الباكي الذي سكب دموعه ومراثيه.
5- وأرانا الكتاب كيف أن الله عمل في الشخصية النارية، كما عمل في الشخصية الباكية. واستخدم الاثنين في بناء ملكوته. فليس المهم هو نوعية الشخص، إنما تسليمه لإرادته في يد المشيئة الإلهية.
6- في الكتاب، نرى شخصية بطرس الرسول المملوءة غيرة وتسرعًا واندفاعًا، مع شخصية توما المملوءة حرصًا وشكًا وتريثًا وحبًا للفحص وبعدًا عن الاندفاع. وكلاهما في يد الرب يعمل بهما. ونرى في الكتاب كيف استخدم الله أناسًا كما هم، بينما غيَّر البعض؛ فحوَّل يوحنا ابن الرعد، تلميذ المعمدان إلى قلب كله حب.
7- وكل فضيلة تعجبنا، نرى شخصيات في الكتاب تمثلها: نرى أيوب يمثل الصبر، وسمعان الشيخ يمثل الرجاء والانتظار. نرى داود يمثل التوبة والانسحاق، وإبراهيم يمثل الطاعة والإيمان. نرى يعقوب الهادئ المحتمل ويوحنا المعمدان المشهور بالشجاعة والمواجهة وبولس المملوء نشاطًا وغيرة وحركة وتعليمًا كما نرى العذراء المشهورة بالصمت والتأمل.
8- إنها باقة من الفضائل متنوعة الأزهار والألوان والعطور.. يقدمها الكتاب المقدس في أشخاص أتقنوها عمليًا، وتركوها لنا كقدوة ومثال، بحيث أننا إن أردنا صفة ما، أو فضيلة ما، سنجد حتمًا الشخص الذي يعطي لها صورة مثالية. وهكذا يكون الكتاب جامعًا لكل ما نريد.
9- لذلك لا ييأس أحد مفتكرًا أن حالته لا تناسب دعوة الله.. فالله مستعد أن يدعوك كما أنت، أيًا كانت حالتك، أو ثقافتك، أو سنك، أو مركزك أو وضعك الاجتماعي. إنه "الداعي الكل إلى الخلاص"، ولعلك تجد مثيلًا لك في الكتاب المقدس، قد عمل الله فيه وبه.
10- لا تقل إذًا "لست أصلح" فليس المهم هو صلاحيتك، إنما المهم هو عمل الله معك. والله قادر أن يعمل مع الكل. قل له إذًا: "ثَابِتٌ (مُسْتَعِدٌ) قَلْبِي يَا اَللهُ، ثَابِتٌ (مُسْتَعِدٌ) قَلْبِي" (مز56(57): 7).
172- شخصيات الكتاب جـ3
172- شخصيات الكتاب جـ3
1- من الأمور المُعزية في الكتاب أنه قدم لنا مثاليات مثلنا، لقديسين كانت لهم ضعفاتهم ونقائصهم وسقطاتهم، ولكن روح الله قد عمل فيهم، وأوصلهم إلى درجات عالية في القداسة، على الرغم من هذه الطبيعة التي يمكن أن تضعف أحيانًا، وتسقط.. وما أعمق وأصدق قول الكتاب.. "كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا" (يع5: 17) ومع أنه كان تحت الآلام مثلنا إلا أنه صلى صلاة واستطاع أن يغلق السماء وأن يفتحها.
2- قدم لنا الكتاب المقدس إبراهيم الذي خاف أن يقتلوه فقال عن زوجته سارة إنها أخته. ويعقوب الذي خدع أباه، وسرق بركة أخيه. وشمشون الذي أغرته دليلة، فكسر نذره، ونوحًا الذي سكر وتعرى، وداود الذي زنى وقتل، وتوما الذي شك، وبطرس الذي أنكر.
3- لم يقدم لنا الكتاب قديسين معصومين، أو بشرًا من نوع الملائكة، إنما قدم بشرًا مثلنا، واقعًا لا خيالًا.. قدم النفس البشرية التي نعرفها والتي اختبرناها "الأواني الخزفية" السهلة الكسر، التي عمل فيها الخزاف العظيم وصنع منها أواني للكرامة، وجعلها رائحة بخور زكية، أمام الملائكة والبشر وكان "فَضْلُ الْقُوَّةِ ِللهِ لاَ مِنَّا" (2كو4: 7).
4- قدم لنا الكتاب المقدس عيّنات من قديسين، من نفس نوعنا، يمكن أن تضعف ويمكن أن تسقط، ويمكن أن تخطئ وأن تزل. ولكنه قدم لنا في هؤلاء القديسين الذين أخطأوا صورًا رائعة من التوبة. نصف الحقيقة أنهم أخطأوا، والنصف الآخر الأروع أنهم تابوا..
5- إن الكتاب المقدس صريح وواقعي. إنه يقدم لنا قديسين من نفس طبيعتنا، التي يمكن أن تخاف، وأن تشتهي، وأن تفتر وأن تهرب وتختبئ من الله حتى السبعة ملائكة الذين للسبع كنائس في آسيا، نراهم من نفس الطبيعة البشرية العادية.
6- لذلك حينما ندرس هؤلاء الرعاة، الذين وصفهم الكتاب بأنهم ملائكة، لا ننسى أن واحدًا منهم كان فاترًا، ولا هو حار، ولا هو بارد، وكان الله مزمعًا أن يتقيأه (رؤ3: 16) ونرى واحدًا آخر منهم على الرغم من تعبه وكدّه لأجل الله، عاد وترك محبته الأولى، وأرسل له الله قائلاً: "اذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ" (رؤ2: 5)، ونرى ملاكًا ثالثًا من ملائكة هذه الكنائس السبع، يقول له الرب: "أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيَّ وَأَنْتَ مَيْتٌ" (رؤ3: 1).
7- إنها نفس الطبيعة البشرية التي لباقي الناس.. والكتاب المقدس لا يكلمكم من وحي الخيال، ولا يصور لكم قديسين لهم أجنحة من نور ونار، ويطيرون في السماء، ويسبحون في أجواء القداسة العليا.
8- ولكن بعمل الله القوي الذي عمل فيهم، بنعمته التي دخلت إلى قلوبهم، وبروحه القدوس الذي أرشدهم وقواهم واشترك في العمل معهم؛ بهذا قد وصلوا إلى ما وصلوا إليه وتغيّروا.
9- وبالنسبة إليك، لا تشابه القديسين في ضعفاتهم، وإنما في طهرهم. لا تتهاون معتذرًا بأن القديسين أنفسهم قد أخطأوا، إنما انظر إلى توبتهم وأعماقها العجيبة، والتصاقهم الطبيعي بالله.
10- وحينما نقول إنهم أخطأوا، فلا نعني أن حياتهم كلها كانت خطية، بل السقطات كانت الوضع العابر الطارئ في حياتهم. أما القداسة فكانت الوضع الطبيعي الدائم.
173- أقوال متنوعة
173- أقوال متنوعة
1- لي علاقة يا رب معك، بدأت منذ الأزل، وستستمر إلى الأبد. نعم أتجرأ وأقول: منذ الأزل.. منذ الأزل، حينما كنت في عقلك فكرة، وفي قلبك مسرة.
2- بعض الناس يخلطون بين الضمير والروح القدس. صوت الله في الإنسان هو صوت روح الله العامل فيه. وهذا لا يمكن أن يخطئ. أما الضمير فيمكن أن يخطئ وكثيرًا ما يتحمس الإنسان لعمل شيء وضميره يتعبه إن لم يعمله، بينما يكون روح الله غير راضي عن هذا العمل.
3- إن الضمير هو صوت وضعه الله في الإنسان، يدعوه إلى الخير، ويبكته على الشر، ولكنه ليس صوت الله.
4- ما أكثر ما تتعب يا رب من أجلنا! من أجل راحتنا، ومن أجل إصلاحنا، ومن أجل مصالحتنا. كنا نظن أنك استرحت منذ اليوم السابع، ولكنك ما تزال تعمل من أجلنا، استرحت من خلق العالم. أما من جهة رعايته فما تزال تعمل.
5- أنت لا تدري متى يطرق الله على بابك. كل ما تدريه أنك إن سمعت صوته لا تقسّي قلبك بل تفتح بابك مباشرة وتقول له في حب: "تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ" (رؤ 22: 20).
6- الوجود مع الله هو الوجود في الله.. أو هو وجود الله فينا.. كقول السيد الرب للآب "أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ" (يو17: 23).
7- حياتنا مع الله، هي حياة فرح به، كما فرح التلاميذ إذ رأوا الرب. الذين يعيشون مع الرب يفرحون لأنهم وجدوه، يفرحون لأنهم عرفوه، ويفرحون لأنهم صادقوه وأحبوه، لأنهم ذاقوا ونظروا ما أطيب الرب.
8- تصوروا الشيطان يحارب الإنسان منذ أكثر من سبعة آلاف سنة، منذ آدم.. أيّة خبرة تكون له في حربه مع البشرية. لا شك أنه أقدر مخلوق على فهم النفس البشرية وطريقة محاربتها. لقد درس النفس البشرية جيدًا.. ويعرف نواحي القوة والضعف فيها، ويعرف الأسلوب الذي يمكنه أن يحاربها به.
9- خير لك أن تتعب ههنا على الأرض، لتنال أكاليل الجهاد. من أن تستريح ههنا على الأرض، وتتعب هناك في الأبدية.
10- ما أكثر حيل الشياطين! إنها لا تنتهي. إن لم تصلح حيلة منها، يستبدلها بغيرها، وبثانية وثالثة.. إلى أن يصل إلى غرضه، وليست هناك خطة واحدة أمامه لتوصله. بل هو يتخذ لكلٍ، ما يراه مناسبًا دون أن يتقيد بشيء.
174- أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ (مت5: 44)
174- أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ (مت5: 44)
التطبيق العملي لعبارة «أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ»
1- يجب أولًا أن ننقي القلب من كل مشاعر البغضة نحوهم: إنهم في كل عداوتهم لنا مجرد ضحايا للشيطان، عدونا وعدوهم. وعلينا بقدر الإمكان أن ننقذهم من العداوة التي يعاملوننا بها، لا أن نزيدها بتبادل العداء. وعلى قول الرسول: "إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ. لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ" (رو12: 18، 19).
2- لا تتكلم بالسوء عمن قد أساء إليك: لأنه يحدث كثيرًا أن المُساء إليه لا يتكلم حسنًا عن الذي أساء إليه، بل قد يخوض في سمعته ويدينه، ولو من باب تبريره نفسه، وأنه كان ضحية لذلك المسيء وتكون قد خسرته بالأكثر، وفي نفس الوقت قد خسرت نفسك.
3- إن أتعبتك خطايا المسيء إليك، فقل لنفسك: "وأنا أيضًا خاطئ"، فشعورك بأنك خاطئ، لا يجعلك تبغض غيرك وهكذا فعل السيد المسيح مع الذين كانوا يريدون رجم المرأة الخاطئة المضبوطة في ذات الفعل، إذ قال لهم: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!" (يو8: 7).
4- أيضًا لا تضر عدوّك، ولا تعامله بالمثل، بل احتمله: على أن الرب لا يقول فقط احتمله بل أحسن إليه.. "أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ" (مت 5: 44)، والإحسان إلى المبغضين هو عمل إيجابي أقوى بكثير من مجرد الاحتمال وبالإحسان إليهم، يمكن أن تكسبهم وأن تغيّر قلوبهم من جهتك.
5- كذلك تحسن إلى مبغضك بالصلاة من أجله.. وصلاتك من أجله ستجعله لا يخطئ إليك في المستقبل ويتدخل الله في حياته فيغيّره على أن تكون هذه الصلاة مخلصة من قلبك وتكون بها قد نفذت وصية الرب القائلة: "صَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44).
6- ومن أفضل الوسائل أن تنسى إساءة مبغضك إليك: إن استمرار تذكرك للإساءة، يقسي قلبك من نحوه ويجعلها لاصقة بفكرك على الدوام.. أما محاولة نسيان إساءته فإنها تصفي القلب من الداخل، وتصفي الفكر أيضًا وتساعد بمرور الوقت على عودة المحبة.
7- مهما أصابك من أعدائك، قل في إيمان: "كُلّه للخير"، وهكذا قال يوسف الصديق لإخوته الذين عادوه وباعوه: "أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا... لِيُحْيِىَ شَعْبًا كَثِيرًا" (تك50: 20)، وليكن عندك هذا الإيمان أن الله يمكنه أن يحّول الشر إلى خير، وأَنْ يُخْرِجْ مِنَ الْجَافي حَلاَوَةٌ. (قض14: 14).
8- قاوم كل شعور رديء في قلبك من جهة المُسيء. قل لنفسك باستمرار، لا بد أن أحتفظ بنقاوة قلبي، وبالسلام والهدوء داخل قلبي. ولا أجعل مشاعر البغضة تعكر صفـاء ذهني ونقـاوة قلبي. وإن كانت إسـاءات النـاس تحـاربني من الخارج، فإن مقابلتها بالبغضة والضيق والتأزم، إنما تفقدني سلامي من الداخل بل وتفقدني أيضًا علاقتي مع الناس وسلامي مع الله.
9- ويجب أن نتمنى الخير لأعدائنا، ولا نفرح بشر يصيبهم. وإن رأينا شيئًا حسنًا في حياتهم نمتدحهم عليه. ونفعل هذا بكل صدق. متأكدين أن كل إنسان مهما كان خاطئًا قد توجد في حياته بعد نقاط بيضاء يستحق عليها المديح.
10- إن عبارة "أحبّوا" في هذه الوصية، ليست عبارة مطلقة. فكل محبة تبعدنا عن الله، يجب أن نبتعد عنها.. سواء في ذلك محبة القريب أو محبة العدو. كل محبة ضد محبة الله، ليست محبة حقيقية. وكل محبة أكثر من محبة الله هي محبة مرفوضة وزائفة. فهو الذي قال: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابنا أَوِ ابنةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت10: 37)، فكم بالحري إذًا من أحب عدوًا!
175- لا يقدر أحد أن يخدم سيدين (مت6: 24)
175- لا يقدر أحد أن يخدم سيدين (مت6: 24)
1- هكذا قال الرب في الموعظة على الجبل: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ" (مت 6: 24).
2- وهنا أذكر قاعدة في التفسير تقول: "حذف المعلوم جائز"، فالمقصود هنا: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، مختلفين في الاتجاه". فإن خدمهما معًا، لا تكون خدمته لكل منهما بنفس المساواة وبنفس الأمانة؛ أو تكون خدمته بالنسبة إلى أحدهما، خدمة حقيقية من القلب، وتكون خدمته للآخر بالادعاء أو بالرياء.
3- أما إن كان الاتجاه واحدًا، فمن الممكن للإنسان أن يخدم الجميع.. يمكنه أن يخدم الله، ويخدم الكنيسة، ويخدم المجتمع والدولة، ويخدم العلم. ولكن لا يمكن أن يخدم الله، وسيدًا آخر ضده أو ينافسه في طاعته؛ سواء كان هذا السيد شخصًا أو شيئًا.. ذلك أن خدمة الله، ينبغي أن تكون كاملة، وشاملة، ومن كل القلب.
4- وعن هذا الأمر، قال الكتاب: "فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ" (مت22: 37-40)
+ تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ وَتُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ: لأنها في نفس الاتجاه.
أما إذا تعارضت محبة الله ومحبة القريب، فإن الرب يقول: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابنا أَوِ ابنةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت10: 37).
+ لأنه ما دام القلب كله لله؛ إذًا تحب الكل داخل محبة الله، ولا تكون حينئذٍ خادم لسيّدين، بل لله وحده؛ فلا تحب القريب محبة ضد محبة الله، ولا محبة أكثر من محبة الله.
5- الله وقيصر: يمكن أن نخدم الله، ونخدم قيصر؛ إذا كانت خدمتهما في نفس الاتجاه، لا تعارض إحداهما الأخرى. وفي ذلك قال السيد المسيح في (مت 21:٢2) "أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ ِللهِ". أما إذا تدخل قيصر فيما لله، وأراد أن يبعد الناس عن الله، فهنا لا يقدر إنسان أن يخدم سيدين، بل كما قال الآباء الرسل: "فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَالرُّسُلُ وَقَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع 5: 29).
6- الله والعالم: يقول الكتاب في رسالة معلمنا يعقوب: "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ للهِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِلْعَالَمِ، فَقَدْ صَارَ عَدُوًّاِ للهِ" (يع4:4) ويشرح ذلك يوحنا الحبيب في رسالته الأولى صـ2: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ. لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ" (1يو2: 15-17).
7- الروح والجسد: لا يقدر إنسان أن يخدم الروح والجسد معًا ما دام "الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ" (غلا 5: 17). ويقول: "لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً" (غلا 6: 8).
8- الله والشيطان: طبيعي أنه لا يقدر أحد أن يخدم الله والشيطان معًا، إيليا النبي – فيما كان يُحذّر بني إسرائيل – يحذّرنا نحن أيضًا بقوله: "حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ فَاتَّبِعُوهُ" (1مل 18: 21).
9- الله والذات: أكبر عدو لنا هو الذات "Ego" ولذلك أمرنا الرب أن ننكر الذات قائلًا: "مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يو12: 25).
+ لذلك، كثيرون أضاعوا أنفسهم، لأنهم ركزوا كل اهتمامهم في الذات، أو جعلوا ما يختص بذاتهم، أهم مما يختص بالله.
10- الله والمال: إن السيد الرب يقول في صراحةٍ "لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ" (مت6: 24). ويقول أيضًا: "مَا أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!... مُرُورُ جَمَل مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ" (مر10: 23، 25).
176- من ثمارهم تعرفونهم (مت 7: 16-20)
176- من ثمارهم تعرفونهم (مت 7: 16-20)
1- هكذا قال الرب في الموعظة على الجبل: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟ هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً. كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. فَإِذًا مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ" (مت 7: 16- 20).
2- المؤمن كالشجرة: كثيرًا ما شبَّه السيد الرب المؤمن بالشجرة. ولكنه لا بد أن يكون شجرة حيّة ومثمرة. ولكي تكون كذلك، لا بد أن تكُونُ شَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ، الَّتِي تعْطِي ثَمَرَهَا فِي حينِهِ" (مز1).
3- وقد يُشَّبَه المؤمن بغصن، لا بد أن يكون ثابتًا في الكرمة. وعن هذا يقول الرب: "كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذلِكَ أَنْتُمْ أيضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ. أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا. إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ" (يو15: 4-6).
4- إن قال الرب: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ"، فهل تعرف ثمرك بأنه ثمر جيد، وثمر كثير، وثمر دائم، وثمر في نمو، وهو أيضًا ثمر الروح.. هذا الذي قال عنه الرسول: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ. وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا 5: 22، 23).
+ بهذا الثمر يعرف الناس أنك من أولاد الله "بِهذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ" (1يو3: 10).
5- هناكَ شجرة تعطي ثمرًا يؤكل أو شجرة ثمرها من نوع آخر: شجرة تعطي ظلًا، وأخرى تعطي خشبًا، وثالثة – كأشجار الجزورينا – تدفئ أحواض الزرع، وتعطي حدودًا لها، وتعمل كمصدات للريح والرمال. وبعضها؛ تتآوى طيور السماء في أغصانها (مت13: 32). المهم أن لها فائدة، وهذه الفائدة تعتبر ثمرًا...
6- أول مقياس نعرف به أولاد الله من خلال ثمارهم، إن كان لهم ثمار الروح أو الصفات الروحية.. هل الشخص في طبعه طيبة، أو محبة، أو اتضاع، أو هدوء نفسي يسود على كل تصرفاته. تجلس إليه فتستريح إلى شخصيته، ولا تشبع منه. فتشعر أنه حقًا من أولاد الله. إنها حقًا ثمار للروح؛ ولكنها تظهر في الحياة العملية.
7- أمرٌ آخر، هو أنك تعرف الشخص من كلامه، الكلام هو ثمر لحالة القلب من الداخل، وفي هذا قال السيد الرب: "مِنَ الثَّمَرِ تُعْرَفُ الشَّجَرَةُ... فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ الْفَمُ. اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْب يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشُّرُورَ" (مت 12: 33-35).
+ ما أجمل عبارة "لغتك تظهرك" (مت 26: 73). تظهر ما في عقلك من عمق أو ضحالة. إذ يوجد شخص يتكلم كثيرًا ولا يقول شيئًا!! بينما غيرهُ إذا تكلم، تجد في حديثِه عمقًا وحكمة، وتلتمس منه باستمرار كلمة منفعة.
8- أيضًا تعرف شخصية الإنسان عن طريق ملامحه: فمشاعره، وأفكاره ونياته تظهر في ملامحه، وبخاصةٍ في نظرات عينيه، وفي حركة شفتيه، وفي انبساط ملامحه أو انقباضها. من ثمارهم تعرفونهم.. الملامح الهادئة، تدل على نفسية هادئة، وعلى راحة داخلية تريح الآخرين أيضًا. لذلك ليس عجيبًا قول أحد الآباء للقديس أنطونيوس: "يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي".
9- كذلك من الثمار التي تعرف بها شخصية غيرك: معاملاته.. الذين لم تتعامل معهم بعد، شخصياتهم غير معروفة لك، فإذا ما تعاملت معهم، تنكشف لك طبيعتهم. ومن ثمارهم تعرفونهم. فهناك من تستريح إلى التعامل معه، إذ هو شخصٌ واضح، لا يظهر غير ما يبطن. بل هو صريح ومريح، وباستمرار يُسَهِل الأمور. ويساهم في حل مشاكل غيره.
10- تعرف الناس أيضًا من خلال الأخذ والعطاء: فمن ثمار الأخذ والعطاء، تتعرف على طباع الناس ونفسياتهم. هناك من يريد باستمرار أن يأخذ؛ وقد يكون مسرفًا في أخذه، حتى أنه يريد أن يأخذ الكل، محب النصيب الأكبر! لا يرتبط بشخصٍ إلا إن كان سيأخذ منه شيئًا. بينما آخر يضع أمامه قول الرب: "مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ" (أع20: 35). فهو في كل تعامله معطاء؛ يعطي الذي يطلب والذي لا يطلب. فهو كريمٌ في عطائه، يعطي بلا حدود، وفي فرحٍ وبكل قلبه.
177- طبيعة المسيح
177- طبيعة المسيح
1- السيد المسيح هو الإله الكلمة المتجسد، له لاهوت كامل، وناسوت كامل، ولاهوته متحد بناسوته؛ بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، اتحادًا كاملًا أقنوميًا جوهريًا، تعجز اللغة أن تعبر عنه، حتى قيل عنه أنه سرٌ عظيم. "وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ" (1تي3: 16).
2- وهذا الاتحاد دائم لا ينفصل مطلقًا ولا يفترق. نقول عنه في القداس الإلهي: "إن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين".
3- الطبيعة اللاهوتية (الله الكلمة) اتحدت بالطبيعة الناسوتية التي أخذها الكلمة (اللوجوس Logoc) من العذراء مريم بعمل الروح القدس.
الروح القدس طهر وقدَّسَ مستودع العذراء، طهارة كاملة حتى لا يرث المولود منها شيئًا من الخطية الأصلية، وكوَّنَ من دمائها جسدًا اتحد به ابن الله. وقد تمّ هذا الاتحاد منذ اللحظة الأولى للحمل المقدس في رحم السيدة العذراء.
4- وباتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية؛ داخل رحم السيدة العذراء، تكونت منهما طبيعة واحدة هي طبيعة "الله الكلمة المتجسد". وهذا التعبير استخدمه القديس كيرلس الكبير والقديس أثناسيوس الرسولي من قبله.
5- وتشترك في هذا الإيمان، الكنائس السريانية، والأرمنية، والإثيوبية، والهندية؛ وهي الكنائس الأرثوذكسية غير الخلقيدونية.
6- بينما الكنائس الخلقيدونية "الكاثوليك واليونانية (الروم الأرثوذكس)"، فتؤمن بطبيعتين للسيد المسيح، وتشترك في هذا الاعتقاد أيضًا، الكنائس البروتستانتية. لذلك تُعرف هذه الكنائس باسم أصحاب الطبيعتين.
7- والكنائس الخلقيدونية: تشمل كنائس القسطنطينية، واليونان، وأورشليم، وقبرص، وروسيا، ورومانيا، والمجر والعرب وكنائس الروم في مصر، وفي سوريا وفي أمريكا ودير سانت كاترين.... إلخ.
8- وتعبير أصحاب الطبيعة الواحدة، أُسيئ فهمه عن قصد أو عن غير قصد، خلال فترات التاريخ، فاضطُهِدَت - بالذات – الكنيسة القبطية والكنائس السريانية اضطهادات مروعة بسبب اعتقادها، وبخاصة في الفترة من مجمع خلقيدونية سنة 451م حتى دخول الإسلام إلى مصر وسوريا (حوالي سنة 641م)، واستمر المفهوم الخاطئ خلال التاريخ، كما لو كنا نؤمن بطبيعة واحدة للمسيح وننكر الطبيعة الأخرى..
9- فأي الطبيعتين أنكرتها كنيسة الإسكندرية؟ هل هي الطبيعة اللاهوتية؛ وقد كانت كنيستنا أكثر كنائس العالم دفاعًا عن لاهوت المسيح ضد الأريوسية في مجمع نيقية المسكوني المقدس سنة 325م وفيما قبله وفيما بعده. أو هي الطبيعة الناسوتية؛ وأقدم وأعمق كتاب شرحها هو كتاب "تجسد الكلمة" للقديس أثناسيوس الإسكندري!
10 – إنما عبارة "طبيعة واحدة"؛ المقصود بها ليس الطبيعة اللاهوتية وحدها، ولا الطبيعة الناسوتية البشرية وحدها، إنما اتحاد هاتين الطبيعتين في طبيعة واحدة هي "طبيعة الكلمة المتجسد".
178- استخدام عبارة ابن الإنسان في مناسبات تدل على اللاهوت
178- استخدام عبارة ابن الإنسان في مناسبات تدل على اللاهوت
1- لا شك أن عبارة "ابن الإنسان" تعبر عن ناسوت المسيح، كما أن عبارة "ابن الله" تدل على لاهوته. ومع ذلك فإن السيد المسيح استخدم عبارة "ابن الإنسان" في مواضع كثيرة تدل على اللاهوت.
2- شرح أن "ابن الإنسان" موجود في السماء وعلى الأرض: وذلك في قوله لنيقوديموس: "وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابن الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو3: 13).
+ فمن هو هذا "ابن الإنسان" الذي نزل من السماء؟ ويتكلم مع نيقوديموس على الأرض؟ أهو الطبيعة الإلهية أم الطبيعة البشرية؟ لا يمكن أن يكون إلا الكلمة المتجسد؛ فهذه العبارة واضحة جدًا في إثبات الطبيعة الواحدة.
3- وقال إن: "ابن الإنسان" هو رب السبت أيضًا" (مت12: 8). فإن كان تعبير "ابن الإنسان" يعنى الطبيعة البشرية، وفي نفس الوقت هو رب السبت أي الله، إذن فقد اجتمع اللاهــوت والناسـوت معًا في تعبير واحد، وهذا دليل على وحدة الطبيعة.
4- قال: "إنَّ لابن الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا" (مت9: 6)؛ بينما لا يغفر الخطايا إلا الله وحده. فهل الذي قال للمفلوج: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ" (مت9: 2)، هو الناسوت أم اللاهوت؛ أليس حسنًا أن نقول إنه "الكلمة المتجسد".
5- قال إن ابن الإنسان هو الذي سيدين العالم. فهل الطبيعة البشرية هي التي ستدين العالم أم اللاهوت؟، ويقول: "فَإِنَّ ابن الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (مت 16: 27). وهكذا نرى هنا أن تعبير ابن الإنسان، لا يمكن أن يدل على الطبيعة الإنسانية وحدها، ولا على الطبيعة اللاهوتية وحدها. وإنما على وحدة الطبيعة أي الطبيعة الواحدة التي للكلمة المتجسد.
6- ونفس التعبير نجده في (مت 25: 31 – 34) "وَمَتَى جَاءَ ابن الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ، فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ. ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ".
هنا: "ابن الإنسان"، و"أبي"، في عبارة واحدة؛ أي أن المتكلم هو "ابن الإنسان"، وهو "ابن الله"، في نفس الوقت. وابن الإنسان هو الذي سيدين العالم، بينما الدينونة هي للابن "ابن الله"؛ وهنا تظهر "وحدة الطبيعة" واضحة.
7- وقال لرئيس الكهنة: (في محاكمته): "مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابن الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ" (مت 26: 64).
فمن هو هذا "الجَالِس عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَالآتِي عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ؟ هل هو الطبيعة البشرية أم الطبيعة اللاهوتية؟ لا نستطيع هنا أن نفصل أو نميز، بل نقول إنها الطبيعة الواحدة "طبيعة الكلمة المتجسد".
8- وهو كابن الإنسان يدعو "الملائكة" ملائكته، و"المختارين" مختاريه.. إذ يقول: "يُبْصِرُونَ ابن الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ، فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوق عَظِيمِ الصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ" (مت24: 30 – 31).
9- قال السيد المسيح أيضًا، في حديثه مع تلاميذه: "فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابن الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلًا!" (يو6: 62). والمهم هنا هو عبارة "حَيْثُ كَانَ أَوَّلًا!"، أي أنه كان أولًا في السماء؛ والمعروف طبعًا أن الذي كان في السماء هو أقنوم الابن، ولكن هنا – لوحدة الطبيعة – يقول عن ابن الإنسان، ما يقوله عن أقنوم الكلمة؛ لأنه هو الكلمة المتجسد.
10 – في كل هذه الأمثلة: نرى أن الكتاب - على لسان السيد المسيح نفسه – لا يفصل مطلقًا بين طبيعة المسيح، ناسوتيًا أو لاهوتيًا، إنما يتكلم عنها كطبيعة واحدة: ما يقوله عن ابن الله هو ما يقوله عن ابن الإنسان.
179- الكهنوت خدمة
179- الكهنوت خدمة
1- الكهنة هم خدام الله – فيما هم وكلاء وسفراء. وهم خدام للكلمة، وخدام للمذبح، ولهم خدمة المصالحة، وخدمة الروح، وخدمة الأقداس وخدمة السرائر الإلهية.
2- وهكذا نرى القديس بولس الرسول يقول لأهل كورنثوس: "فَمَنْ هُوَ بُولُسُ؟ وَمَنْ هُوَ أَبُلُّوسُ؟ بَلْ خَادِمَانِ آمَنْتُمْ بِوَاسِطَتِهِمَا" (1كو3: 5). وقــال أيضًا، عندما احتــاج للقديــس مرقــس الرســول، أرسـل إلى القديـس تيموثاوس قائلًا له: "لُوقَا وَحْدَهُ مَعِي. خُذْ مَرْقُسَ وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ لأَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ" (2تي4: 11).
3- ولذلك لما كان يهوذا الإسخريوطي واحدًا من الاثني عشر، قبل خيانته، قال عنه الرسل: "إِذْ كَانَ مَعْدُودًا بَيْنَنَا وَصَارَ لَهُ نَصِيبٌ فِي هذِهِ الْخِدْمَةِ" (أع 1: 17). وصلى الرسل وعملوا قرعة، فاختار الرب متياس "لِيَأْخُذَ قُرْعَةَ هذِهِ الْخِدْمَةِ" (أع 1: 25).
4- إذًا كان الآباء الرسل هم خدام العهد الجديد.. وفي هذا يقول القديس بولس الرسول: "بَلْ كِفَايَتُنَا مِنَ اللهِ، الَّذِي جَعَلَنَا كُفَاةً لأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ" (2كو3: 5، 6). ويسمى الرسول خدمتهم: خدمة الروح، وخدمة البر (2كو3: 8، 9).
5- فالكهنة هم خدام المذبح: قيل في سفر يوئيل النبي: "تَنَطَّقُوا وَنُوحُوا أَيُّهَا الْكَهَنَةُ. وَلْوِلُوا يَا خُدَّامَ الْمَذْبَحِ. ادْخُلُوا بِيتُوا بِالْمُسُوحِ يَا خُدَّامَ إِلهِي، لأَنَّهُ قَدِ امْتَنَعَ عَنْ بَيْتِ إِلهِكُمُ التَّقْدِمَةُ وَالسَّكِيبُ" (يؤ1: 13). وقيل عن زكريا الكاهن: "فَبَيْنَمَا هُوَ يَكْهَنُ فِي نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ أَمَامَ اللهِ، حَسَبَ عَادَةِ الْكَهَنُوتِ، أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى هَيْكَلِ الرَّبِّ وَيُبَخِّرَ. فَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ وَاقِفًا عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ... وَلَمَّا كَمِلَتْ أَيَّامُ خِدْمَتِهِ مَضَى إِلَى بَيْتِهِ" (لو1: 8-23).
6- ومن جهة خدمة الكلمة، خدمة الإنجيل: قال الآباء الرسل، عند سيامة الشمامسة السبعة: "وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَةِ" (أع6: 4)، ولما تحدث لوقا الرسول عن مصادر معلوماته، قال: "كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ" (لو1: 2).
7- وهم، أيضًا، لهم خدمة المصالحة: فيقول القديس بولس الرسول: "وَلكِنَّ الْكُـلَّ مِــنَ اللهِ، الّــَذِي صَالَحَنَــا لِنَفْسِهِ بِيَسُـــوعَ الْمَسِيــحِ، وَأَعْطَــانَــا خِدْمَـةَ الْمُصَالَحَةِ.. ووَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ. إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 18–20).
8- لا يتهاون أحد بعمل الخدمة، منقصًا من قدره، فقد قيل عن السيد المسيح: إنه خادم. السيد المسيح الذي هو سيد كل أحد، قال عن نفسه: "كَمَا أَنَّ ابن الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مت20: 28/ مر10: 45).
+ وقال عنه بولس الرسول: إنه "رَئِيسَ كَهَنَةٍ، خَادِمًا لِلأَقْدَاسِ" (عب8: 1، 2).
9- وقيل أيضًا عن الملائكة: "الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا، وَخُدَّامَهُ نَارًا مُلْتَهِبَةً" (مز104: 4)، وقيل عنهم أيضًا: "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!" (عب1: 14).
10– كون الكهنة ورؤساء الكهنة والرسل، كانوا خدامًا، لا يمنع أنهم كانوا - في نفس الوقت – وكلاء الله وسفراء له. إنهم أمامه خدام، وأمام الشعب: وكلاء لله. وفي هذ قال بولس الرسول: "هكَذَا فَلْيَحْسِبْنَا الإِنْسَانُ كَخُدَّامِ الْمَسِيحِ، وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ، ثُمَّ يُسْأَلُ فِي الْوُكَلاَءِ لِكَيْ يُوجَدَ الإِنْسَانُ أَمِينًا" (1كو4: 1، 2).
180- لماذا نحب الله؟
180- لماذا نحب الله؟
مقدمة: فلنأخذ سفر نشيد الأناشيد؛ الذي يعطينا مثالًا عن محبة النفس لله.
ترى لماذا كانت تحبه؟
1- أحبـت النفــس الله لأن حب الله هو متعتها ولذتها: لذلك تقول النفس لحبيبها في نشيد الأنشاد: "حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ" (نش1: 2). إنها محبة تُسْكِر؛ وتنتشى بها النفس، بل تقول: "إِنِّي مَرِيضَةٌ حُبًّا" (نش2: 5). أي أن محبة الله قد دغدغت جسمها، فلم تعد تحتمل تلك الطاقة الجبارة من الحب الإلهي.
2- جسدها؛ أضعف من طاقات الروح، فلم تعد في طاقة الجسد أن يحتمل الحب الإلهي فأصبحت النفس "مريضة حبًا"... منتشي من الحب الإلهي، مثلما قيلَ لبولس الرسول: "الْكُتُبُ الْكَثِيرَةُ تُحَوِّلُكَ إِلَى الْهَذَيَانِ" (أع 26: 24). هذا الهذيان "البولسي" المقدس؛ نشتهي نحن جميعًا أن نصاب به..
3- الإنسان الذي يحب الله حقًا، ومحبة الله هي متعته، ليس فيه صراع ولا تضاد، ولا يتعب في تنفيذ وصية الله، لأنها لذته. إنه يتغنى بوصايا الله، كما تغنى بها داود في مزاميره "شَهَادَاتِكَ هِيَ لَهَجِي. سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي. كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ! الْيَوْمَ كُلَّهُ هِيَ لَهَجِي"، (محبوب هو اسمك فهو طول النهار تلاوتي "كما في الترجمة القبطية") (مز119).
+ وكما تقول عذراء النشيد: "اسْمُكَ دُهْنٌ مُهْرَاقٌ، لِذلِكَ أَحَبَّتْكَ الْعَذَارَى"، (طيبٌ مسكوب هو اسمك، ولذلك أحبتك العذارى "كما في الترجمة القبطية") (نش1: 3).
4- النفس تحب الله، لأنها لا تجد له شبيهًا.. كما نغني له في التسبحة، ونقول: "من في الآلهة، يشبهك يا رب؟! أنت الإله الحقيقي صانع العجائب".
+ إن الله، إذا قارنّا محبته بكل مشتهيات العالم، وكل آلهته، نجده يفوقها جميعًا، لذلك تقول عذراء النشيد: "حَبِيبِي أَبْيَضُ وَأَحْمَرُ. مُعْلَمٌ بَيْنَ رَبْوَةٍ" (نش5: 10). أبيض: في نقاوة قلبه، وفي أنه النور الحقيقي... وأحمر: في الدم المسفوك لأجلنا ولأجل خلاصنا.
5- نحن أيضًا نحب الله من أجل بهائه. إنه "أَبْرَعُ جَمَالًا مِنْ بَنِي الْبَشَرِ" (مز45: 2). تناديه عذراء النشيد، فتقول: "هَا أَنْتَ جَمِيلٌ يَا حَبِيبِي" (نش1: 16). الذي يحب الله، فكل شيء جميل في عينيه: الله وصليبه، وتجاربه، ووصاياه. عذراء النشيد تغني بجمال الرب فتقول: "حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ" (نش5: 16).
6- نَحْنُ نُحِبُّ الله لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلًا (1يو4: 19). هو الذي أحبنا وفدانا. لأنه: "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابنهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16). "هذَه هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابنهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا" (1يو4: 10). ونحبه لأنه نَقَشْنا عَلَى كَفَّه (إش49: 16).
7- نحن نحب الله، لأنه أبونا وراعي نفوسنا. هو الذي تغنى داود برعايته فقال: "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ" (مز23: 1-3).
+ هو الراعي الصالح الذي يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ (يو10: 11-14). وهو الذي قالت عنه عذراء النشيد: "الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ" (نش2: 16).
8- إننا نحب الله، لأنه قوي، يحرس ويسند. تشعر النفس المُحبة أنها في حمايته، محاطة بقوة عجيبة. ينقذها بذراع قوية، وبيد حصينة. فلا نخشى من خوف الليل، ولا من سهمٍ يطير بالنهار.
9- إننا نحب الله لأن بمحبته يعيش الإنسان في فرحٍ دائم: يفرح بالرب الذي يقوده في موكب نصرته (2كو2: 14). وينقله من خيرٍ إلى خير، ويفرح لتمتعه بالرب.
10- نحن نحب الرب لأن "مَحَبَّتَهُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ" (1يو4: 18). فلو ملكت المحبة على قلوبنا، لا نعود نخاف الله ولا الدينونة، ولا نخاف الناس، ولا الخطية ولا الشيطان.
181- أنواع من النعمة
181- أنواع من النعمة
1- هناك نعمة ظاهرة.. وهي التي نراها ونحسها في حياتنا، ونلمس يد الله في حياتنا وكيف أعانتنا وقوتنا.
2- وهناك نعمة خفية، وهي التي تعيننا دون أن ندرى، أو تُبْعِدْ عنا شرًا قبل مجيئه إلينا، ونحن لا نعلم من أمرِهِ شيئًا. أو قد نعرف هذه النعمة الخفية، ولكن لا نراها.
3- ومن أمثلة هذه النعمة الخفية، النعمة التي تعمل في أسرار الكنيسة، وتهبنا ما لا نراه: كالبنوة والتبرير، والمغفرة، والسلطان في سر الكهنوت، وسكنى الروح فينا في سر المسحة المقدسة (الميرون).
4- هناك نعمة تُعطى لنا بغير استحقاق منا... مثل نعمة الوجود؛ النعمة التي نلناها حينما خلقنا الله، ويضاف إليها نعمة أن نكون على صورة الله ومثاله (تك 1: 26، 27). وأيضًا النعم الخاصة بالمواهب الطبيعية؛ كأن يعطي الله الإنسان نعمة الذكاء أو الجمال أو الفن أو الحكمة والتدبير.
5- وهناك نعمة يعطيها الله كمكافأة؛ فمثالها ما وهبه الله لأيوب الصديق مكافأة على صبره واحتماله (أي42). وما وهبه لسليمان مكافأة له على أنه طلب الحكمة فقط، ولم يطلب لنفسه غِنَى، ولا طلب أنفس أعدائه.
6- وهناك أنواع أخرى من جهة عمل النعمة: نعمة تعمل فينا من الداخل، ونعمة تعمل خارجنا من أجلنا: أي تعمل في الأوساط المحيطة بنا، أو ضد القـوات المحـاربة لنـا، أو من أجـل روحياتنا، أو تقودنـا للتـوبة، أو ترفعنا في درجات المحبة الإلهية أو نعمة تهب المعجزات والآيات والقوات والعجائب؛ وهكذا توجد نعمة تعطي ما هو في حدود الطبيعة البشرية ونعمة تعطي ما هو فوق الطبيعة.
7- أيضًا، توجد نعمة تبدأ العمل فينا: هنا النعمة هي التي تبدأ، هي التي تغرس فِكْرًا معينًا في أذهاننا، أو شعورًا معينًا في قلوبنا؛ ليس مصدره من ذواتنا، وإنما هو هبة من الله؛ كالنعمة التي دعت شاول الطرسوسي دون أن يطلب أو يفكر. والمناخس التي كانت تنخسه دون أن يستجيب لها أولًا (أع9: 1-6).
8- وهناك نعمة - حينما نبدأ نحن – تشترك في العمل معنا: يبدأ الإنسان ثم يصرخ للرب قائلًا: أعنّي! فلستُ قادرًا وحدي أن أعمل شيئًا. ويقول له الرب: "لا تخف، أنا معك، ويُمسك بيده ويقوده في الطريق. يبدأ بأن يلقي شباكَهُ في البحر، ولو يسهر الليل كله دون أن يصطاد شيئًا. ثم تفتقده النعمة، وترشده أن يلقي شباكه في العمق" (لوقا5: 4-6).
9- إن ميدان عمل النعمة شامل، وله أمثلة كثيرة: منها قول بولس الرسول: "لَيْسَ أَنَّنَا كُفَاةٌ مِنْ أَنْفُسِنَا أَنْ نَفْتَكِرَ شَيْئًا كَأَنَّهُ مِنْ أَنْفُسِنَا، بَلْ كِفَايَتُنَا مِنَ اللهِ" (2كو3: 5).
10- نستنتج من هذا: أن كل عملٍ صالح، نعمله، إنما مصدره عمل النعمة فينا، أو على الأقل اشتراكنا في عمل النعمة. يؤيد هذا القول الآية: "لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو15: 5).
+ النعمة إذًا تعمل، ولكن يتوقف عملها على مدى استجابة الإنسان أو رفضه لها.
182- خطورة المتكآت الأولى
182- خطورة المتكآت الأولى
1- الإنسان في بدء حياته الروحية يعيش في حياة الاتضاع والانسحاق، وتعيش النعمة قريبة منه، "قَرِيبٌ هُوَ الرَّبُّ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيُخَلِّصُ الْمُنْسَحِقِي الرُّوحِ" (مز34: 18). وهكذا بالاتضاع والانسحاق والنعمة، يعيش في حرارة روحية. ولكن يحدث كلما ينمو؛ أن تُعْهَدْ إليهِ بمسئوليات، ويبدأ أن يجلس في المتكآت الأولى.
2- وليست الخطورة هي في المتكآت الأولى في حد ذاتها، وإنما هي في ارتفاع القلب بها، والبعد عن حياة الحرص والتدقيق والاتضاع، وبهذا تفتر حياته الروحية.
3- في بادئ توبته، كان يدخل الكنيسة، وهو يقول: "نشازٌ أنا يا رب في هذا الجو الجميل، غريبٌ أنا في وسط جماعة القديسين؛ وغير مستحق أن أكون في هذا الموضع المقدس.. بل أنا "بِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ" (مز5: 7).
4- أما الآن، فإنه يدخل إلى الكنيسة لكي يُعلِّمْ، أو لكي يُنظِّمْ أو لكي يُدبّرْ! يدخل كأحد القادة، وقد نسى الشعور بعدم الاستحقاق.. وربما في غير خشوع، وفي غير ركوع وفي غير دموع.. كما كان قبلًا.
5- وربما يدخل الكنيسة لِكى يأمر هذا أو ذاكَ، أو لكي ينتهر هذا أو ذاكَ، أو ليناقش نظامًا مُعينًا، أو ليدير عملًا ما، أو لِيقوم بخدمة أو نشاطٍ ما من أنشطته العديدة. ومن الجائز في هذا كله، أن ينسى الله، أو ينسى أن هذا هو بيت الله.
6- ومن الجائز هنا أن تكون – الكلفة – قد رُفِعَتْ بين هذا (القائد) وبين بيت الله! وتكون الكنيسة قد فقدت هيبتها في نظره ويصيح وهو داخل الكنيسة؛ يتحدث مع هذا وذاكَ، ويضحك مع أصدقائه، ويرتفع صوته، وهو ينادى على من يريده، من غير خشية.
7- وقد يتطور الأمر، فيفقد الخشية بالنسبة للصلوات والأسرار؛ فالصلوات – بالنسبة له – تصبح ألحانًا يتقن موسيقاها، وألفاظًا يعرفها ويعرف أعماق معناها؛ بدلًا أن تكون حديثًا موجهًا إلى الله.
8- والعجيب أنه قد يبرر كل هذا الفتور؛ بأنه ارتفع إلى مستوى "الْمَحَبَّةُ الكاملة التي تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ" (1يو 4: 18).
9- وإذ يفقد الخشوع والاتضاع، وإذ ينسى حياة الانسحاق، يحيا في فتور. احترس يا أخي من أن تعتبر نفسك عمودًا من أعمدة الكنيسة، شاعرًا بأهميتك، وشاعرًا بأنك إذا غبت، ستترك فراغًا لا يمكن ملؤهُ.
10- اعلم أن وراء كل هذا، شعورًا بأهمية الذات، تكمن وراءهُ كبرياء خفية؛ هي سبب فتورك. من أجل هذا لا مانع لدى الرب أن يبعدك بعضْ الوقت عن الخدمة، لِيُريكَ أن الكنيسة ما زالت هي الكنيسة، من غيرك، ولكي يتضع قلبك، ويعود إليكَ انسحاقك، فتعود إليكَ أيضًا حرارتك الروحية.
183- شروط الوكيل وعمله
183- شروط الوكيل وعمله
1- أول صفة هي أن يكون - في مسئوليته – أمينًا وحكيمًا.. وفي ذلك يقول السيد الرب: "فَقَالَ الرَّبُّ: «فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ (طعامهم) فِي حِينِهَا (حِينِه)؟ طُوبَى لِذلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هكَذَا!" (لو12: 42، 43).
2- وعبارة "لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ (طعامهم) فِي حِينِهَا (حِينِه)؟ "تعني الطعام المادي والروحي؛ أي تعني كليهما بقدر ما تحمل مسئوليته. فالأب (في البيت) عليه أن يهتم، ليس فقط بما تحتاجه أسرته من طعام مادي وإنما الطعام الروحي أيضًا. وكذلك الأب الروحي (أسقفًا أو قسًا) عليه أن يقدم الطعامين لرعيته؛ يهتم بما يلزمهم من روحيات، وأيضًا لا يغفل ما يحتاجونه ماديًا.
3- وعبارة (طعامهم) فِي حِينِهَا (حِينِه) تعني أنه لا يتأخر في معونتهم. وهذا يذكرنا بقول الكتاب: "لاَ تَمْنَعِ الْخَيْرَ عَنْ أَهْلِهِ، حِينَ يَكُونُ فِي طَاقَةِ يَدِكَ أَنْ تَفْعَلَهُ. لاَ تَقُلْ لِصَاحِبِكَ: «اذْهَبْ وَعُدْ فَأُعْطِيَكَ غَدًا» وَمَوْجُودٌ عِنْدَكَ" (أم3: 27، 28). ومن الناحية الروحية: إن تأخر في إطعام الطفل روحيًا، ستصعب حالتهُ حينما يصير شابًا.
4- والوكيل الحكيم يعرف كيفَ يتصرف في الأمور بالأسلوب اللائق؛ لدرجة أن السيد الرب مدح وكيل الظلم لأنه بحكمةٍ فعل (لو16: 8). وفي اختيار الشمامسة السبعة، كان الشرط أن يكونوا "لَهُمْ وَمَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ" (أع 6: 3).
5- من شروط الوكيل أيضًا، أن يتاجر ويربح؛ وهذا ما اهتم به الرب في مثل الوزنات (مت25: 14–30) وفي مثل الأمناء (لو19: 13–26). كان لا بد للكل أن يتاجروا ويربحوا: أصحاب الكثير منهم وأصحاب القليل؛ وهكذا كافأ صاحب الخمس وزنات لأنه "تَاجَرَ بِهَا، فَرَبحَ" (مت25: 16)،
وهكذا أيضًا كافأ صاحب الوزنتين... بينما عاقب صاحب الوزنة الواحدة، لأنه دفن وزنته في التراب ولم يربح (مت25: 24–30).
6- من شروط الوكيل الصالح أيضًا أن ينفذ مشيئة سيده. ولا يَكُون حُكَيمًا عِنْدَ نفسِهِ (رو12: 16). أو ينفذ مشيئته الخاصة مثل شاول الملك (1صم 15)، فغضِبَ الرب عليه. وفارقه روح الله (1صم 16: 14)، والوكيل الصالح لا ينفذ مشيئة الناس مثلما فعل الملك رحبعام؛ ففقد ملكه (1مل12: 4- 16). بل ينفذ مشيئة الله كما فعل موسى النبي: "فَفَعَلَ مُوسَى بِحَسَبِ كُلِّ مَا أَمَرَهُ الرَّبُّ. هكَذَا فَعَلَ" (خر40: 16).
7- والمفروض في الوكيل الصالح، أن يضع في نفسِهِ، أنه سيعطى حسابًا عن وكالتهِ أمام سيده (لو16: 2). لذلك عليه أن يكون ساهرًا باستمرار على مسئوليته، ولا يغفل عنها؛ كما قال السيد الرب: "طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ" (لو 12: 37)، "لِئَلاَّ يَأْتِيَ بَغْتَةً فَيَجِدَكُمْ نِيَامًا!" (مر13: 36).
8- والوكيل الأمين الحكيم، لا يهتم بذاته بل بمسئوليته. وهكذا قرأنا في سفر حزقيال النبي حكمًا شديدًا على الرعاة الذين يتصرفون هكذا.. فقال السيد: "إِنَّ غَنَمِي صَارَتْ غَنِيمَةً وَصَارَتْ غَنَمِي مَأْكَلًا لِكُلِّ وَحْشِ الْحَقْلِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ رَاعٍ وَلاَ سَأَلَ رُعَاتِي عَنْ غَنَمِي، وَرَعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يَرْعَوْا غَنَمِي... فَلِذلِكَ.. هأَنَذَا عَلَى الرُّعَاةِ وَأَطْلُبُ غَنَمِي مِنْ يَدِهِمْ، وَأَكُفُّهُمْ عَنْ رَعْيِ الْغَنَمِ، وَلاَ يَرْعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ بَعْدُ، فَأُخَلِّصُ غَنَمِي مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فَلاَ تَكُونُ لَهُمْ مَأْكَلًا" (حز34: 8-10).
9- والرب هنا ينذرهم بما قاله قبلًا لوكيل الظلم: "لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَكُونَ وَكِيلًا بَعْدُ" (لو16: 2).
10- إن الله – كما يمنح وكلاءه سلطانًا – فإنه يُعَرِّضهم أيضًا للعقوبة، إن لم يسلكوا حسنًا، إذ يأتي وقت يحاسبهم، وقد يكون ذلك بغتةً.
184- عندي عليك أنك تركت محبتك الأولى
184- عندي عليك أنك تركت محبتك الأولى
مقدمة – من رسائل السيد المسيح إلى ملائكة الكنائس السبع، قال: "اُكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ أَفَسُسَ... أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ...وَقَدِ احْتَمَلْتَ وَلَكَ صَبْرٌ، وَتَعِبْتَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي وَلَمْ تَكِلَّ. لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى. فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ" (رؤ2: 1-5).
1- عبارة "مَحَبَّتَكَ الأُولَى": تعني أنه بدأ علاقته بالله بداية طيبة. كان له حب، ولكن لم يستمر. والله – هنا – لا يدعوه إلى أن يتعلم الحب في حياته، إنما يدعوه أن يرجع إلى المحبة التي كانت له من قبل.. حقًا، كم من إنسان بدأ التوبة بحرارة شديدة جدًا، ولكن بمرور الوقت فقد حرارته؛ ويبحث عنها الآن فلا يجدها.. ويسمع صوت الرب يقول له: "تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى".
2- أنت تصلي، ولكن بدون اشتياق إلى الله. لست في صلاتك مثل داود الذي يقول: "باسمك أرفع نفسي إليك يا الله، كما تشتاق الأرض العطشانة إلى الماء"، كما في مزمور "كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِى إِلَيْكَ يَا اللهُ" (مز42: 1).
لكَ صلاة، ولكن بدون صلة.. كلام.. مجرد كلام، وأثناء صلاتك يقول لك الله "عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى".
3- نقطة أخرى: في محبتك الأولى، لم تكن تفضل شيئًا ولا أحدًا على الله. كانت الأولوية له.. هو الأول وقبل كل شيء.. أما الآن، فتقول له: "إن أنا وجدت وقتًا يا رب، فإني أصلي وأقرأ وأتأمل.. وإن وجدت عندي قوة وصحة، حينئذٍ سأصوم وأخدم.. ويصبح الله في آخر القائمة؛ فينظر إليه الله ويقول: "ليس هذا هو الإنسان الذي كنتُ أعرفه منذ سنوات".
4- مَثَلْ من الأمثلة العجيبة في ترك المحبة الأولى، هو سليمان الحكيم... سليمان هذا: بدأ بداية عجيبة: محبة لله، وظهر له الله مرتين، وكلَّمَهُ في الأذن، ومنحَهُ موهبة الحكمة، ومنحَهُ جلالًا ملكيًا. وسمح له أن يبني هيكله؛ الأمر الذي لم يسمح به لداود أبيه.. ومع ذلك ترك سليمان محبته الأولى: "وَكَانَ في زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلًا مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ" (1مل 11: 4)، أزاغته النساء، ومحبته للنساء أضاعت محبة الله!
5- ومن الذين تركوا محبتهم الأولى: أصحاب أيوب الثلاثة، حينما رأوه في تجربته: "وَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ مِنْ بَعِيدٍ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَبَكَوْا، وَمَزَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ جُبَّتَهُ، وَذَرَّوْا تُرَابًا فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ نَحْوَ السَّمَاءِ" (أي2: 12). ولكنهم بعد قليل بدأوا يناقشونه، ثم يتهمونه ويجرحون شعوره، حتى قالَ لهم: "مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ!" (أي16: 2).
6- ومن الذين تركوا محبتهم الأولى أيضًا: أصحاب داود.. كثير منهم فارقوه، وانضموا إلى ثورة أبشالوم ضده، لما رأوا تفوق أبشالوم.. تركوا محبتهم الأولى، والبعض منهم انتقدوه، والبعض شتموه؛ ونسوا أنه مسيح الرب، ونسوا افتخارهم القديم به.
7- الله يعاتب أولاده.. إنه يُذَّكرهم بماضيهم الحلو معه "تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى"؛ إنه يعاتب الذي يمكن أن يرجع إلى المحبة الأولى التي اختبرها قبلًا.. والآن قَلَّتْ أو ضاعت. الله يهتم بهذه المحبة ويُرَّكِزْ عليها. لأنه يريد القلب قبل كل شيء؛ وليس مجرد الممارسات. "يَا ابني أَعْطِنِي قَلْبَكَ" (أم 23: 26).
8- حقًا، أنك قد تركت محبتك الأولى، إن انشغلت عن الرب بشيء آخر؛ حتى لو كان هذا الشيء الآخر هو الخدمة.. وما أصدق هذه الكلمة التي قالها أحد الأدباء: "قضيتَ عمرك في خدمة بيت الرب، فمتى إذًا تخدم رب البيت ؟!"، اخدم إذًا، ولكن لا تجعل الخدمة تعطلك عن الحديث مع الله، وعن التأمل في صفاته الجميلة؛ وعن الجلوس مثل مريم عند قدميه، وتسمع كلامه وترى عجائب من شريعته.
9- احذر من محبة العالم، لئلا تُضيع محبة الله في قلبك؛ فهوذا القديس يعقوب يقول: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ؟" (يع 4: 4). ويقول القديس يوحنـا الحبيب، في رسالته الأولى: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ التي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ" (1يو2: 15).
10- ونحن شباب في الخدمة، ذهبنا لنفتقد شابًا تخلف لفترة طويلة عن اجتماع الشباب، فوجدناه قد وقع في عادة التدخين، وأخذ أحدنا يشرح له أضرار التدخين، وآخر يُكلّمه عن القدوة الصالحة، وثالث يقنعه بآيات وبراهين. ولكن واحدًا منا كان يتكلم دائمًا بأسلوب روحي، قال له: "أريد أن أسألك سؤالًا واحدًا: هل أنتَ تُحب الله كما كنت تحبه من قبل؟ “؛ حقًا عندما تقل المحبة: يبدأ الإنسان أن يحتاج إلى الآيات والإقناعات والبراهين.
185- التجارب والضيقات - جـ 1
185- التجارب والضيقات - جـ 1
1- التجارب للكل: لا تخلو حياة إنسان – أيًا كان – من التجارب والضيقات؛ فهي للكل، حتى للأنبياء والقديسين؛ حتى السيد المسيح نفسه كان مُجَرَّبًا في كُلِّ شَيءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ" (عب4: 15). ولم تكن تجاربه على الجبل سوى مثالًا للتجارب التي شملت حياته كلها.
2- التجارب لا تعني تخلي الله: إن الله كأب حنون، لا يتخلى عن أولاده مطلقًا.
+ سماحه بالتجربة لا يعني مطلقًا أنه قد تخلى عنهم، أو أنه قد رفضهم. ولا يعني أيضًا غضبه أو عدم رضاه، بل هو يسمح بالتجربة لمنفعتهم.
3- التجارب تأتي ولا تؤذي: إلهنا الحنون لا يمنع الحوت من أن يبتلع يونان؛ وفي نفس الوقت لا يسمح له بإيذائه، ويخرج يونان من بطن الحوت سليمًا، لكي يؤدي رسالته، وتحمل قصته لنا درسًا ورمزًا.
4- القاعدة الأولى التي وضعها لنا الكتاب المقدس – في حديثه عن التجارب – هي أن الله لا يسمح بتجربة فوق طاقتكم البشرية. إن الله يعرف احتمال كل واحد منا، ولا يسمح أن تأتيه التجارب إلا في حدود احتمال طاقته البشرية وفي ذلك يقـول الكتـاب: "وَلكِـنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُـمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَـا تَسْتَطِيعُونَ" (1كو 10: 13).
5- القاعدة الثانية التي وضعها لنا الكتاب المقدس – في حديثه عن التجارب – هي أن الله يعطي التجربة ومعها المنفذ؛ أي تأتي ومعها الحل. فلا توجد تجربة هي ظلمة حالكة سوداء، بدون أي نافذة من نور. بل هوذا الكتاب يقول عن الله: "بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أيضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا" (1كو 10: 13).
6- القاعدة الثالثة التي وضعها لنا الكتاب المقدس – في حديثه عن التجارب – أنها للخير، أو تنتهي بخير وفي ذلك قال الرسول: "كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ" (رو8: 28)، ولهذا "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ" (يع1: 2).
7- القاعدة الرابعة التي وضعها لنا الكتاب المقدس – في حديثه عن التجارب – هو أن لها زمنًا محددًا تنتهي فيه، فلا توجد ضيقة دائمة، تستمر مدى الحياة. لذلك: في كل تجربة تمر بك، قل: "مصيرها تنتهي".
8- التجربة شيء نافع بلا شك، ولولا منفعتها، ما كان الله الشفوق يسمح بها. كثيرون يريدون أن يكون طريق الملكوت سهلًا مفروشًا بالورود، لكن هذا عكس التعليم الذي قاله لنا الرب: "مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الذي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!" (مت7: 14).
9- هذه الضيقات نحتملها لكي نُثبت أننا جادون في سيرنا للملكوت ولكي ندخل الملكوت باستحقاق؛ لأننا بذلنا وتعبنا من أجله.
10- إن كان التلميذ يتعب ويكد لكي يحصل على شهادة دراسية، وإن كان كل منا لا بد أن يتعب، لكي ينجح في عمله.. هكذا الطريق الروحي: ينبغي أن نتعــب فيــه لنستحق الملكـوت، وصـدق الرسول في قوله: "كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ" (1كو3: 8). والتعب قد نبذله بإرادتنا، أو نحتمله إن وقع علينا بغير إرادتنا.
186- التجارب والضيقات - جـ2
186- التجارب والضيقات - جـ2
1- التجارب للكل: فلا يظن أحد أن التجارب والضيقات هي للخطاة بسبب خطاياهم، وإنما هي لجميع الناس، وبالأكثر للأبرار والقديسين. وقد قال السيد المسيح لتلاميذه القديسين: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ..." (يو16: 33).
2- التجارب لا تعني تخلي الله: لقد سمح أن دانيال النبي يُلْقى في جب الأسود؛ وفي نفس الوقت لم يسمح مطلقًا للأسود أن تؤذيه، بل خرج دانيال سليمًا من الجب، وهو يغني قائلًا: "إِلَهي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ" (دا6: 22).
3- التجارب تأتي ولا تؤذي: إن الله يسمح بالضيقة، لكن بشرط أن يقف معنا فيها. وهكذا يغني داود النبي في المزمور: "لَوْلاَ أن الرَّبُّ كَانَ مَعْنَا عندما قَامَ النَّاسُ عَلَيْنَا، لاَبْتَلَعُونَا ونَحْنُ أَحْيَاءً عِنْدَ سُخْطِ غَضَبِهِمْ عَلَيْنَا... مُبَارَكٌ الرَّبُّ الَّذِي لَمْ يُسْلِمْنَا فَرِيسَةً لأَسْنَانِهِمْ. نَجَتْ أَنْفُسُنَا مِثْلَ الْعُصْفُورِ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِينَ. الْفَخُّ انْكَسَرَ، وَنَحْنُ نَجَوْنا" (مز124: 2-7).
4- القاعدة الأولى التي وضعها لنا الكتاب المقدس – في حديثه عن التجارب – هي أن الله لا يسمح بتجربة فوق طاقتكم البشرية. لا تخف إذًا، لو كنتَ في قامة أيوب لأمكن أن يسمـح الله لك بتجـارب مثل تجارب أيوب، أما وأنتَ في ضعفك، فإن الله لا يسمح لكَ إلا بما تقدر على احتماله.
5- القاعدة الثانية التي وضعها لنا الكتاب المقدس – في حديثه عن التجارب – هي أن التجربة تأتي ومعها المنفذ؛ إن التجربة تأتي ومعها النعمة، ومعها المعونة الإلهية، ومعها الحفظ والحلول.
6- القاعدة الثالثة التي وضعها لنا الكتاب المقدس – في حديثه عن التجارب – أنها للخير، أو تنتهي بخير: هذا الإيمان بخيرية التجارب، يعطي الإنسان المُجَرَّبْ سلامًا وهدوءًا واطمئنانًا؛ فلا تطحنه التجربة ولا تضغط عليه، بل على العكس، تمنحه فرحًا.
7- القاعدة الرابعة التي وضعها لنا الكتاب المقدس – في حديثه عن التجارب – هو أن لها زمنًا محددًا تنتهي فيه: سيأتي عليها وقت تعبر فيه بسلام. إنما خلال هذا الوقت، ينبغي أن تحتفظ بهدوئك وأعصابك؛ فلا تضعف ولا تنهار، ولا تفقد الثقة في معونة الله وحفظه.
8- في الضيقات، نشعر بالقوى السمائية الكثيرة المحيطة بنا، فنتعزى؛ لأننا لسنا وحدنا مطلقًا في التجربة.. ولا في وقت الضيقة، بل تحيط بنا نعمة الرب ومحبته، وتحيط بنا قوات الملائكة القديسين التي قال عنها أنها تحيط بخائفيه، وتنجيهم، وتحيط بنا أيضًا أرواح القديسين، تشجعنا وتقوينا؛ إنها خبرة روحية.
9- ومن فوائد الضيقات في العالم، أننا لا نتمسك بمحبة هذا العالم؛ مشتاقين إلى السماء. ولو كان النعيم في هذه الدنيا، ما كنا نشتاق إلى النعيم الأبدي؛ في الموضع الذي هرب منه الحزن والكآبة والتنهد.
10- وفي التجارب يتلامس المؤمن مع محبة الله العاملة في حياته: إن الله إذ يرى محبة الإنسان له في وقت الضيقة، يكافئه بما يظهر له من حب. وكم من قديسين تمتعوا بهذا الحب في وقت الضيقة. فالقديس يوحنا الإنجيلي رأى تلك الرؤيا العجيبة وهو منفي في جزيرة بطمس من أجل الشهادة بكلمة الله (رؤ1: 9).
187- محبة المديح
187- محبة المديح
1- المديح شيء. ومحبة المديح شيء آخر؛ وقد يُمْدَحْ الإنسان ولا يخطئ، ولكنه إذا أحب المديح يكون قد أخطأ.
2- لا شكَّ أن المتفوقين والبارزين وأصحاب المواهب قد مُدِحوا في حياتهم. والرسل والأنبياء والآباء؛ قد سعى إليهم المديح أيضًا، دون أن يخطئوا حينما سمعوه. والقديس بولس قال عن خدمته وخدمة رفقائه: "بِمَجْدٍ وَهَوَانٍ، بِصِيتٍ رَدِيءٍ وَصِيتٍ حَسَنٍ" (2كو6: 8). إذًا نالوا مجدًا وصيتًا حسنًا، ولم يخطئوا في كل ذلك.
3- والسيد المسيح نفسه؛ كثيرًا ما كانوا يمدحونه، ويُبهتون من كلامِه وتعليمه، ويقول بعضهم: ما رأينا قط مثل هذا، ولكنه ما كان يهتم بهذا، بل كان يقول: "مَجْدًا مِنَ النَّاسِ لَسْتُ أَقْبَلُ" (يو5: 41). أما محبّو المديح؛ فهم على درجات متفاوتة من الخطأ.. نذكر من بينها:
4- النوع الأول: هو الذي يأتيه المديح، دون أن يسعى إليهِ. ولكنه يفرح بهذا المديح ويبتهج.. وهذا النوع هو على درجات:
أ- إنسان يُسرّ بالمديح ويسمعه صامتًا مسرورًا في داخله دون أن يشعر به أحد.
ب- وإنسان آخر يسمع المديح ويحاول أن يتسبب في الاستزادة منه.
ج- وهناكَ إنسان يحب المديح ويسمعه وهو مسرور. ولكنه يتظاهر برفضه هذا المديح.
5- النوع الثاني: وهو أصعب من سابقه قليلًا، وتمثله حالة إنسان لم يأته المديح، ولكنه يشتهيه ويحب أن يسمعه؛ وفي اشتهائهِ يسلك أحد طريقين:
أ- يشتهي المديح، ويظل صامتًا حتى يصله.. متحايلًا أسبابًا لذلك.. كأن يبدأ الحديث في موضوع معين له؛ فيه يستحق المديح، ويتدرج في الكلام حتى يصل إلى هذه النقطة، ثم يترك غيره يُركِّز عليها.
ب- حالة أخرى: وهي إنسان يشتهي المديح، ويعمل أعمالًا صالحة أمام الناس لكي ينظروه؛ وهذا ما تكلم الرب عنه في (متى 6).
6- النوع الثالث: وهو أصعب من النوعين السابقين: وتمثله حالة إنسان يحب المديح، ويشتهيه ولكن غير قادر أن يصل إليه؛ فيتحايل بأسلوب يوصل سامعه إلى مدحه، ومع ذلك لا ينال ما يشتهي؛ فيكره الشخص الذي لا يمدحه، ويعتبره خصمًا وعدوًا؛ وينشأ بينهما نوعٌ من القطيعة.
7- النوع الرابع: وهو نوع تجتمع فيه كل الأنواع السابقة، ويزيد عليها أيضًا: فهو يشتهي المديح، ويسر عندما يسمعه؛ ويكره من لا يمدحه، ولا يكتفي بكل هذا.. إنما يمدح نفسه، إن لم يجد أحدًا يمدحهُ.. ويظل يحكي أمام الناس أعماله الفاضلة.
8- النوع الخامس: وهو أصعب من سابقه بكثير؛ فالنوع السابق قد افتخر بالأعمال التي قامَ بها فعلًا؛ بأن كشفها للناس لكي يروها ويقدروها. ولكن النوع الأصعب هو هذا: إنسان يمدح نفسه بما ليس فيه فيذكر عن نفسهِ فضائل ليست له، أو يبالغ في مدحِهِ لنفسه، إن لم يجد أحد يمدحه.. ويظل يحكي أمام الناس أعمالَهُ الفاضلة.
9- النوع السادس: وهو أسوأ الأنواع كلها: فبالإضافة إلى أنه يجمع كل ما سبق من أنواع، إلا إنه يزيد في أنه: قد تزيد محبة المديح عنده، إلى أنه يحب المديح له وحده فقط!
ولذلك فإنه يتضايق جدًا إذا ما مُدِحَ أحد غيره؛ يتضايق من المادح ومن الممدوح، ويحسد هذا الممدوح، ويغير منه، ويحقد عليه وقد يوجه له عيوبًا.
العلاج:
10- مثال: اللاعبين الذين يلعبون بروح الفريق Team Work، وعدم التركيز على الذات في المديح؛ فلو أن كل لاعب أخذ الكرة مثلًا وظل يجري بها وحده، لكي يصيب الهدف بنفسه، وينال فخر ذلك، لانهزم الفريق لا محالة. ولكننا نرى أن اللاعب يُمَرِّرْ الكرة إلى غيره، وهذا يمررها أيضًا إلى غيره لكي يصيب الهدف.. المهم أن الفريق هو الذي ينتصر؛ وليس المهم بواسطة من! هنا إنكار الذات الذي هو عكس محبة المديح.
188- شرور تنتج عن محبة المديح
188- شرور تنتج عن محبة المديح
إنها كثيرة جدًا، ونذكر منها:
1- الرياء: محب المديح يصير إنسانًا مُرائيًا، يكون غرض الخير عنده هو أن يراه الناس، دون أن يكون الخير قصد في ذاته، هو لا يحب الخير لذاته، وإنما حبًا للظهور.
2- الغضب وعدم الاحتمال: محب المديح دائمًا يخفي عيوبه. وهكذا بالضرورة لا يحتمل أن يُنْسَبْ إليه عيب.. فهو يكره الانتقاد وإذا انتقده، لا يطيق ذلك مطلقًا. وقد لا يقف الأمر عند حدود عدم الاحتمال؛ بل قد يتطور إلى الغضب والهياج والنرفزة والثورة.
3- الكراهية: مُحب المديح لا يكره فقط مَن ينتقده، وإنما قد يكره أيضًا من لا يمتدحه، وقد يكره أيضًا من يمدح شخصًا آخر غيره، وبخاصة لو كان هذا المديح خاصًا بعمل اشترك هو فيه، إذ يجب أن يستأثر هو بالفخر كله لنفسه.
4- الحسد: الذي يحب المديح والكرامة، يحسد كل من يناله مديح وكرامة.
5- إدانة الغير والتشهير به: محب المديح يحب أن يكون متفوقًا على الكل، ولكي يكون مشاركوه أقل منه، قد يعيب شخصياتهم وأعمالهم، وبهذا نراه دائمًا ينتقص من قدر غيره لكي يكون هو الأفضل بالمقارنة. وبذلك هو يخسر محبة الناس لأنهم يكرهون الافتخار والتباهي فبسبب سلوك محب المديح هذا، يخسر تقدير الناس.
6- الكذب: محب المديح قد يقع في الكذب أيضًا، إن كان هذا يوصّله إلى المديح؛ فهو قد يكذب فيما ينسبه إلى نفسه من فضائل وفي إعطاء الآخرين صورة مُثلى عن ذاته، ليست هي له. وهو قد يكذب فيما ينسبه إلى غيره من عيوب. ويكذب بأن ينسب إلى نفسه مواقف، الفضل فيها للغير.
7- ومحب المديح كثيرًا ما يصبح مشكلة للمجتمع الذي يعيش فيه: فهو دائمًا عبء على هذا المجتمع، وتصرفاته توقع الآخرين في الإدانة أو في الاشمئزاز. وسعيه لأن يصبح كل شيء في يده، وكل مديح موجه إليه، يجعله لا يعطي فرصة لغيره، فيتعب كل من يشترك معه في عمل. وعدم قبوله النصح والتوجيه يجعله عقدة صعبة الحل أمام من يتعاملون معه.
8- ومحب المديح قد يتحول إلى إنسان متلوّن غير ثابت: ليس له خط واضح يسير فيه، وإنما هو يسير مع كل خط يوصله إلى المديح. إنه يتلوّن مع الناس كيفما كانت صورهم. فهو مع الشخص الوقور، وقور ومتزن، ومع محب الفكاهة، إنسان خفيف الظل إلى أبعد حد.. ومع محب الصمت، يصمت ومع المتكلمين يتكلم، ليُظْهِرْ أنه واسع المعلومات. وإذا وجد أن الدفاع عن شخص يُكْسِبه مديحًا، يدافع عنه، وإن وجد الكرامة في مذمّة هذا الشخص يذمّه ويبالغ في ذلك!
9- ومحب المديح قد يقع في الغطرسة والكبرياء.. مع كل ما تسببه الكبرياء من نتائج سيئـة.. وفي نفـس الوقت، إن وجـد أن التواضــع يهبه هذه العظمـة ويكون به مكرمًا أمام الناس، لا مانع من أن يبدو متواضعًا، لكي يُمْدَح منهم!
10- ومحب المديح يخسر حياته الروحية خسرانًا كاملًا، ويخسر السماء والأرض. يخسرها بكل هذه الأخطاء السابقة التي يقع فيها. ويخسرها لأن الفضائل التي يعملها تفقد روحانيتها لانحراف الهدف منها إلى محبة المديح. وهكذا لا تصبح له فضيلة على الإطلاق. إنه مهما عمل ومهما تعب، يقف أمام الله صفر اليدين، ولا جزاء له عند الله، لأنه أخذ أجرته على الأرض.. فيفقد أبديته كما يفقد الأرض أيضًا وقد يفقد الكرامة أيضًا.
189- علاج محبة المديح
189- علاج محبة المديح
سوف نضع أمامك بمشيئة الله بعض نصائح وتدريبات، تختار منها ما يناسبك، لأن أسباب محبة المديح ومظاهرها تختلف من شخص إلى آخر؛ فربما ما يناسب غيرك من النصائح لا يناسبك أنتَ:
1- أول نصيحة نقولها لك: هي بطلان الكرامة العالمية: لا بد أن تعلم جيدًا أن مديح الناس لا ولن يوصّلك إلى ملكوت الله.. بل قد يعطّلك عنه. أنتَ لا تدخل الملكوت برأي الناس فيك، بل بِرضىَ الله عنكَ. وما أكثر زيف مديح الناس.
2- ثاني نصيحة: المديح ليسَ دائمًا: فمن يمدحك الآن، قد لا يمدحك غدًا، وقد يذمك بعد غد! ليس الناس ثابتين في مديحهم، كما قد لا يكونون صادقين فيه. وحتى إن كانوا صادقين، إنهم يمدحون مواقف معينة، وقد تتغير المواقف أو لا تثبت.
3- ثالث نصيحة: تخلص من إعجابك بنفسك: من أخطر أنواع المديح التي تحـارب الإنسـان: مديـح نفسـه لنفسه. هوذا الكتاب يقول: "لاَ تَكُنْ حَكِيمًا في عَيْنَيْ نَفْسِكَ" (أم3: 7). ويقول أكثر من هذا: "اَلرَّجُلُ الْغَنِيُّ حَكِيمٌ فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ.." (أم 28: 11).
4- رابع نصيحة: تذكر خطاياك: كلما أتاك مديح من الناس من الخارج أو مديح من ذاتك من الداخل، تذكر خطاياك، وتذكر أيضًا نقائصك وسقطاتك وعيوبك.. وقل لنفسك في صراحة تامة: هؤلاء الناس يمدحونني لأنهم لا يعرفونني، ولو عرفوا بعض نقائصي، لتغيرت معاملتهم لي.
5- خامس نصيحة: تذكر درجات أعلى: كلما حوربتَ بالفضيلة أو المعرفة، تذكر أنك لا شيء بالنسبة إلى ما هو مطلوب منك، وبالنسبة إلى الدرجات العليا التي وصل إليها آخرون.. لذلك قارن نفسك بمن هو أعلى منك حتى تتضع وحذارِ أن تقارن نفسك بمن هو أقل منك كي لا ترتفع.
6- سادس نصيحة: تذكر عمل النعمة معك: أنتَ قائم لم تسقط، لا لأنك قوي، وإنما لأن النعمة هي التي تسندك.. لذلك لا تفتخر باطلًا بقوتك؛ لأنه لو تخلَتْ النعمة عنك، لَشابهتَ كُلَّ الساقطين ولا فرق وكما يقول المزمور: "إِنْ لَمْ يَحْفَظِ الرَّبُّ الْمَدِينَةَ، فَبَاطِلًا يَسْهَرُ الْحَارِسُ" (مز127: 1).
7- سابع نصيحة: احتمال مذمة غيرك: لأنه ما أسهل أن يقول إنسان عن نفسه: [أنا خاطئ وضعيف]، ولكنه لا يحتمل أن يقول له غيره [أنتَ خاطئ وضعيف]، وقبول المذمة من الآخرين في داخل القلب، يعتبرها الآباء أنها هي الخد الآخر الذي يحوله المذموم.
8- ثامن نصيحة: المتواضع لا يعتبر كل مذمة تصل إليه كأنها إهانة: فقد تكون كشفًا لذاته، وقد يشكر غيره على ذلك، لأنه أظهر له نقصًا فيه؛ يحتاج إلى علاج، وصدق القديس يوحنا ذهبي الفم حين قال: [من يتكلم عنكَ بالذم، اتخذه صديقًا لكَ].
9- تاسع نصيحة: إخفاء الفضائل: الذي لا يحب المديح، تراه يخفي فضائله عن الناس حتى لا ينال بسببها مديحًا منهم، فهو بكل الوسائل، وبصدق نية، يعمل الخير في الخفاء حسب وصية الرب (مت6). وحسبما كان يفعل القديس الأنبا صرابامون أبو طرحة.
10- عاشر نصيحة: الهرب من محبة الرئاسة: العيب ليسَ في الرئاسة، وإنما في محبة الرئاسة. إن الذي يشتهي الرئاسة، إنما يشتهي لنفسهِ أمجادًا على مستوى محبة العالم، وليس على مستوى روحي؛ ومثل هذا، إذا حصل على رئاسة قد تتلفه وترفع قلبَهُ.
قال القديس أوروسيوس – أحد خلفاء القديس باخوميوس الكبير-: "إن الرئاسة مُضِرَة للأشخاص الذين لم ينضجوا". سألني أحد الكهنة الجدد أن أقول له نصيحة بمناسبة خدمته الجديدة؛ فقلت له: [كن ابنًا وسط إخوتك، وأخًا وسط أولادك].
190- العنف
190- العنف
إن المسيحية لا توافق على العنف في كل صُوَره، لأنه سلوك غير روحي وتتركز فيه مجموعة من الأخطاء:
1- إنه خطيئة مركبة ومنفّرة: لذلك فهو مكروه من الكل. والذي يتصف بالعنف لا يستطيع أن يربح أحد من الناس.
2- العنف دليل على قسوة القلب: فالقلب الرقيق لا يمكن أن يكون عنيفًا، بل تكون تصرفاته رقيقة، وألفاظه أيضًا رقيقة ومنتقاة؛ فلا يسمح لنفسه أن يخدش شعور أحد.
3- والعنـف ضد فضيلة الوداعــة: الذي يلجأ للعنف، يفقــد وداعتـه في الحال وقد دعت المسيـحية إلى الوداعة، كما دعت إلى الرقـة والهـدوء. وفي العظة على الجبل، نرى أن السيد المسيح قد وضع الوداعة في مقدمة التطويبات، وقال في ذلك: "طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ" (مت5: 5)، وعندما دعانا أن نتشبه به، قال: "وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ.." (مت11: 29).
4- والعنف لا يتفق مع المحبة: والمسيحية ذكرت أن المحبة والوداعة واللطف؛ هي من ثمار الروح (غلا5: 22-23). والإنسان الروحي يعالج مشاكله بالحب وليس بالعنف، لأنه بالحب يكسب الله والناس، أما في سلوكه بالعنف، فإنه يخسر الكل.
5- العنف أيضًا، خطية عدوانية: المسيحية ضد العدوان: إنها تقول: "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" (رو12: 21). إن المسيحية التي تمنع الغضب الإنساني، لا يمكن أن تسمح بالعنف أو العدوان. المسيحية تمنع الغضب الإنساني، لأنه الخطوة الأولى إلى العدوان والعنف والقتل.
6- إن المسيحية تمنع عن الغضب الإنساني، ولا يمكن أن تسمح بالعنف أو العدوان هوذا الرسول يقول: "لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ، لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ" (يع1: 19-20) ويقول الكتاب أيضًا: "لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ" (أف4: 31) "لاَ تَسْتَصْحِبْ غَضُوبًا، وَمَعَ رَجُل سَاخِطٍ لاَ تَجِيءْ" (أم22: 24).
7- العنف يدل على البغضة: حيث يتطور الغضب إلى بغضة وتتطور البغضة إلى العدوان والعنف والرغبة في الإيذاء. وفي هذا يقول الإنجيل المقدس: "كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ" (1يو3: 15) إن لم يكن قاتله بالفعل، فهو قاتله بالنية والفكر. وكلها فروع لخطيئة واحدة.
8- العنف يحمل رغبة في الانتقام أو على الأقل يدل على عدم الاحتمال: هو حالة إنسان لم يستطع أن يحتمل، لذلك يريد أن ينتقم لنفسه، ويأخذ حقه أو ما يظن أنه حقه، بذراعه البشري.. دون أن يترك هذا الأمر لله، الذي قال: "لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ" (رو12: 19)، وأيضًا دون أن يترك الأمر للقانون وللمجتمع.
9- الذات تظهر وقت العنف: فالإنسان يستخدم العنف إثباتًا لذاته أو دفاعًا عن ذاته. وفي نفس الوقت يريد أن يكون غيره مقهورًا له. والمسيحية تحارب الذات بكل قوة وبكل وضوح. فيقول السيد المسيح: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ" (مت16: 24).
10- في العنف لا يضبط الإنسان نفسه: الهادئ هو إنسان يضبط نفسه أما العنيف فإنه يفقد ضبط النفس فلا يستطيع أن يتحكم في أعصابه ولا في غضبه وقد يتصرف تصرفات هوجاء، تدل على أنه لا يتحكم أيضًا في عقله وفي تفكيره، بينما الكتاب يقول: "وَمَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً" (أم16: 32).
191- الشك
191- الشك
1- الشك هو حالة من عدم الإيمان، ومن عدم الثبات. ولذلك قال الرب لبطرس: "يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟" (مت14: 31). إنها مرحلة زعزعة، وعدم وضوح للرؤية. والشك أيضًا حالة من عدم التصديق.
2- الشك جحيم للفكر وللقلب معًا. قد يكون دخوله سهلًا. ولكن خروجه صعب جدًا. وقد يترك أثرًا مخفيًا ما يلبث أن يظهر بعد حين. الشك يجعل الإنسان يفقد سلامه، ويفقد طمأنينته. والمعجزات قد لا تحدث بسبب الشك، بينما تحدث للبسطاء الذين يصدقون.
3- إذا استمر الشك يتحول إلى مرض وإلى عقد لها نتائجها.. وهذا الشك قد يتلف الأعصاب، وقد يؤدي إلى الحيرة وكثرة التفكير، ويمنع النوم.. ومن نتائجه أيضًا التردد والخجل، وعدم القدرة على البت في الأمور.
4- هناك أنواع كثيرة من الشك، منها الشك في الدين والله والعقيدة. والشك في الناس وفي الأصدقاء، بل الشك في النفس أيضًا. والشك في الفضائل. وفي إمكانية التوبة أو في قبولها، والشك في الخدمة وفي طريقة الحياة.
5- الشك في الله: كأن يشك الشخص في وجود الله. وهذه حرب فكرية مصدرها الشيطان، وتأتي في سن معينة، وهي دخيلة على الإنسان.
6- الشك في العقيدة: وقد يأتي من تأثير الطوائف الأخرى بحضور اجتماعاتهم، أو قراءة كتبهم ونبذاتهم، وبخاصة لمن ليس له أساس راسخ في العقيدة.. والمفروض أن يكون الإنسان ثابتًا في عقيدته.. وما أجمل قول الرسول: "مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ" (1بط3: 15).
7- الشك في الناس: ربما خطأ فردي، تطبقه على الكل.. خطأ فرد في جماعة، يطبق على كل الجماعة! أو سقطة ترد في أسرة تجلب الشك في كل الأسرة، وربما يكون بعض أفرادها صالحين جدًا.. بل قد يتمادى الشك حتى يشمل شعبًا بأكمله أو بلدًا بأكمله.
8- الشك في الفضائل: كأن يشكك شخص قائلًا.. ما لزوم الصوم؟ وهل الفضيلة الجسدية لها قيمة؟ وما معني الحرمان؟ وما لزوم العفة؟! وما لزوم الصلاة ما دام الله يهتم بنا دون أن نصلي؟! وقد يتمادى ليقول لك: ما لزوم الفضائل؟! أنها أعمال الناموس!! والإنسان لا يتبرر بالناموس!!
9- الشك في النفس: أحيانًا يشك الإنسان في نفسه، فلا تكون له ثقة في نفسه، ولا في قدراته وإمكانياته.. كالطالب الذي يشك في قدرته على النجاح، أو في كفاية الوقت له.. أو إنسان يشك في تصرفاته، هل هي سليمة أو خاطئة؟ هل هو محبوب من الناس أم مكروه.
10- الشك في الخدمة: كثيرًا ما يشك الخادم في خدمته، هل هي ناجحة أو فاشلة؟ وهل يستمر فيها أم ينقطع عنها؟ وربما يكون السبب أنه يهتم بالثمر السريع فإذا لم يأتي، يشك في الخدمة. ولعلنا نأخذ درسًا من الزراعة، إذ تحتاج البذرة إلى وقت حتى تنمو، وإلى وقت حتى تشتد وتصبح شجرة.
192- أسباب الشك
192- أسباب الشك
مقدمة:
قد تكون أسباب الشك داخلية، نابعة من الإنسان نفسه. وقد يكون للشك أسباب خارجية. وسنحاول أن نتأمل كل هذا، لكيما نعرف العلاج المناسب.
1- قد يكون سبب الشك هو طبيعة الشخص نفسه: كأن تكون شخصيته مهزوزة أو معقدة، يسهل أن تقع في الشك. أو قد يكون موسوسًا، وطريقته في التفكير تجلب له الشك.. وقد يكون ضيق التفكير، ليس أمامه سوى الشك. ولو كان واسع الأفق لزال شكه.
2- البساطة أو العمق: قد يكون إنسانًا بسيطًا، يصدق كل شيء، فلا يقع في الشك وربما هذا البسيط نفسه يقبل كل ما يقال له فيقع في شكوك. كأن يحكي له شخص عن أخطاء صديق له في حقه، فيصدقها ويشك فيه. أو لبساطته يخدعه الناس من جهة عقيدة أو إيمان ويوقعونه في الشكوك. وبنفس الوضع نرى أن الإنسان العميق التفكير، قد يصل إلى النتيجتين معًا: الشك وعكسه.. فبالعمق قد يكشف زيف الشكوك فلا يقع فيها. وأحيانًا شدة التفكير تقـوده إلى لون من العقلانية يفقد فيها بساطة القلب ويحب أن يستوعب أسرارًا لاهوتية أو روحية بعقله القاصر، فيقع في الشك.
3- الخوف: الخوف والشك يتلازمان في كثير من الأحوال. وقد يكون أحدهما سببًا، وقد يكون هو النتيجة: فالخوف يجلب الشك، والشك يكون من نتائجه الخوف.
4- حروب الشياطين: كثيرًا ما يكون الشك حربًا من الشياطين وهي حرب قديمة، مثلما فعل الشيطان مع أبوينا الأولين، ليجعلهما يشكان في طبيعة الشجرة المحرمة، وفي نتيجة الأكل منها، وبالتالي في وصية الله لهما.
5- من البيئة: من الوسط المحيط. مثلما حدث لمريم المجدلية: التي رأت السيد المسيح بعد القيامة وكلمها.. ومع ذلك لما وجدت نفسها في وسط شكوك وقد ألقى اليهود الشائعات التي ملأت المكان. حينئذ شكت المجدلية أيضًا (يو20).
6- الانحصار في سبب واحد: ربما لا يحضر صديق حفلة تقيمها. وتكون هناك أسباب عديدة لعدم حضوره، ولكنك إن حصرت التقصير في سبب واحد تخيلت به إهماله لمشاعرك، حينئذ يدخلك الشك. كذلك في تأخر زوج عن موعد رجوعه إلى منزله. إن حصرت الزوجة تفكيرها في سبب واحد، يدخلها الشك.
7- طول المدة: مثلما حدث لأبينا إبراهيم، لما طالت المدة عليه ولم ينجب نسلًا. ومثلما يحدث أن إنسانًا تطول عليه المدة في ضيقة أو في مشكلة، دون حل.
8- الشك بسبب الضيقات: مثل شكوك الشعب في البرية، وكذلك أمام البحر الأحمر (خر14). إن شدة الخطـر قد تجعل الإنسان يشك وهكذا كانت مشـاعر الجيش أمام جليات الجبار، بعكس داود النبي الذي لم يشك مطلقًا، وقال للجبار في ثقة: "الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي" (1صم17: 46).
9- تعميم الخطأ: كإنسانة تعيش في بيت مملوء بالنزاع والشجار بين أبيها وأمها، فتخاف من الزواج، وتشك في أنها إذا تزوجت لا بد سيحدث لها مثل هذا. تشك في كل زوج أنه سيكون مثل أبيها في معاملته لأمّها!
10- الشك بسبب الوهم: قد يتوهم شخص أن رقم 13 لا بد أن وراءه شرًا فيدخله الشك في كل يوم يكون تاريخه 13 أو مضاعفاته، سواء من الشهر الميلادي أو العربي أو القبطي. ويشك إن كان رقم بيته 13، أو رقم تليفونه، أو رقم طلبه المقدم لوظيفة... وتكبر المسألة في ذهنه إلى حد الوسوسة.. ويكون من الصعب أن تخرج هذه (العقيدة) من ذهنه.
المراجع
المراجع
أولًا: كتب مثلث الرحمات قداسة البابا المُعَظَّمْ الأنبا شنوده الثالث "نيحَ الله نفسه":
1- شريعة الزوجة الواحدة في المسيحية.
2- الوسائط الروحية.
3- الذات (الأنا).
4- الله والإنسان.
5- مجموعة "تأملات في أسبوع الآلام".
6- مقالات في جريدة الجمهورية.
7- شهود يهوه وهرطقاتهم.
8- آدم وحواء - قايين وهابيل.
9- الإنسان الروحي.
10- خبرات في الحياة.
11- الغيرة المقدسة.
12- تأملات في مزامير وقطع صلاة النوم.
13- انطلاق الروح.
14- الأسرة الروحية السعيدة.
15- مثالية وروحانية الصلاة بالأجبية.
16- كلمة منفعة، أجزاء 1 إلى 4.
17- أبانا الذي في السموات.
18- الدموع في الحياة الروحية.
19- يا رب لماذا..؟ "تأملات في المزمور الثالث.
20- تأملات في القيامة.
21- اللاهوت المقارن "الجزء الأول".
22- الكهنوت "الجزء الأول".
23- الوجود مع الله (سلسلة الله والإنسان).
24- حياة التوبة والنقاوة.
25- صورة الله.
26- موسى وفرعون.
27- تأملات في عشرة أعياد.
28- المطهر.
29- حياة الفضيلة والبر.
30- تأملات في "الموعظة على الجبل".
31- ثمر الروح.
32- تأملات في "حياة داود النبي".
33- الخدمة الروحية والخادم الروحي - الجزء الثالث.
34- سنوات مع أسئلة الناس (الأجزاء 1و2و3و4و7).
35- تأملات في الميلاد.
36- الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي.
37- حروب الشياطين (أجزاء 1و2).
38- المحبة "قمة الفضائل".
39- تأملات في "حياة القديسين يعقوب ويوسف".
40- تأملات في "أمثال السيد المسيح".
41- تأملات في "سفر يونان".
42- عشرة مفاهيم.
43- تأملات في "سفر الرؤيا".
44- مار مرقس، القديس والشهيد.
45- مصطلحات ورموز في الكتاب المقدس.
46- أكرم أباكَ وأمك.
47- لا تقتل.
48- النعمة.
49- التجلي.
50- تأملات في "سفر نشيد الأناشيد".
51- إدانة الآخرين.
52- تأملات في "صلاة الشكر والمزمور الخمسين".
53- تأملات في "حياة الأنبا أنطونيوس".
54- عشر محاضرات للذين في الضيقات.
55- السيدة العذراء.
56- منهج روحي متكامل في رومية 12.
57- معالم الطريق الروحي.
58- رسالة الكنيسة القبطية: دينية، اجتماعية وثقافية: إصدار كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بدمنهور 2012م.
ثانيًا: كتب عن مثلث الرحمات قداسة البابا المُعَظَّمْ الأنبا شنوده الثالث نيحَ الله نفسه:
1- البابا شنوده والمعارضة في الكنيسة.
2- البابا المُعَلّمْ: القمص إشعياء ميخائيل - والشماس أنطون فهمي (القس أثناسيوس فهمي).
3- آداب الحضور في الكنيسة.
4- البابا شنوده وحصاد السنين جزء 2: إعداد الأستاذ الدكتور رسمي عبد الملك رستم والدكتور إسحاق إبراهيم عجبان.
5- سيرة عطرة.. مسيرة عطاء بلا حدود: علامة فارقة في التاريخ: الناشر: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي 2012م.
6- هكذا عاش وهكذا تكلم - حكاية العمر، كما رواها مثلث الرحمات قداسة البابا المُعَظَّمْ الأنبا شنوده الثالث - إصدار المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي 2012م.
7- الصحفي المثالي "المثالية في العمل الصحفي" - إصدار المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي 2012م.
ثالثًا: المجلات:
1- مجلة الكرازة.
2- مجلة الكرمة الجديدة: "إصدار رابطة خريجي الإكليريكية 2005م و2007م.
3- المقالات الأسبوعية المنشورة بجريدة أخبار اليوم - إصدار المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي 2012م.
4- المقالات الأسبوعية المنشورة بجريدة الجمهورية - إصدار المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي 2012م
3- المقالات الأسبوعية المنشورة بجريدة الأهرام - إصدار المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي 2012م
رابعًا: الرسائل البابوية:
في عيد القيامة سنة 1998م و1999م و2002م.



