كرامة السكون وأفضليته

حياة السكون لمار اسحق أسقف نينوى
“السكون هو عمل الراهب. فإذا فقد السكون، اختلت حياته كراهب“. مار اسحاق
كرامة السكون وأفضليته1
كرامة السكون:
قال مار اسحق:” العمل الأول في الفضيلة الرهبانية هو السكون”.
“إذا وضعت كل عمل التدبير في ناحية واحدة، والسكون في ناحية أخرى لوجدت أن السكون يرجح أكثر”.
“السكون يصلح جدًا لعمل الله. لأجل هذا قبض القديسون حواسهم من العالم، وبعد هذا اهتموا باستعداد القلب بعمل الله الخفي”.
“اعلم أن كثيرين – أو لعل جميع المسيحيين – يعملون جميع الفضائل بشجاعة وفرح. أما على السكون فما يجسرون”.
“أحبب النوم الهادئ في السكون، لأن خيالات أحلامه أنفع من أفكار اليقظة التي تكون خارج السكون”.
وعن أفضلية عمل الصلاة في السكون أكثر من باقي الفضائل، قال:
“متعال جدًا وفاضل هو محب الملك وصاحب سره ومُجالسه على المائدة، أكثر من جميع الشجعان والجبابرة الذين يقاتلون في الحروب وينتصرون، الشجعان ذوي الأموال”.
عمل السكون أفضل من عمل العلمانيين الأبرار ورهبان المجمع:
“عار عظيم على المتوحد الذي يعد بكمال السيرة، ومحقرة عظيمة في حقه، أن يوجد تدبيره مساويًا لتدبير العلماني المتزوج، حتى إن كان خائفًا من الله وبارًا”.
“لأنه إن لم يكن الراهب مرتفعًا عن جميع البشريات، شاخصًا في الله في كل وقت بالتدبير في السكون، ما يعرف أنه أفضل من العلماني البار. لأن العلمانيين الفضلاء يعملون الفضائل الظاهرة، ولا يحسون بالتدبير الكامل الخفي الذي للمتوحدين”.
“وينبغي عليهم أن يعرفوا، أنه كما أن النفس أفضل من الجسد بطبيعتها، كذلك التدبير الخفي بالسكون هو أفضل من تدبير العلمانيين الظاهر”.
“وكما أن تدبير الملائكة أفضل من عمل الناس، فكذلك تدبير العقل بالسكون هو أفضل من تدبير الرهبان بالمجمع وفضائلهم التي تشبه فضائل العلمانيين الأبرار. وكما أن حب الله أشرف وأرفع من حب الناس، فكذلك عمل المتوحدين أفضل من عمل العلمانيين الصديقين”.
“لأن العلمانيين بمحبة الناس يرضونه. أما المتوحدين فما يشتهون شيئًا ما مما في السماء أو في الأرض إلا إياه وحده. لأنهم تعروا بإرادتهم من كل شيء وألبسوا ضميرهم نظر الله وحبه. لذلك عال وأفضل من جميع الفضائل هو عمل السكون”.
“بالحقيقة إن عمل مائة أخ في السجس والمفاوضة يصومون ويصلون، ما يساوي عمل متوحد واحد جالس في السكون عادم الخلطة والمفاوضة، ولو كان ضعيفًا.. وأن صلاة واحدة يقدمها الإنسان لله وهو وحده، لهي خير من مائة صلاة يصنعها مع الناس”.
“في الهدوء يقتني الإنسان بسهولة طهارة القلب وبساطة الإيمان، ويؤهل للنقاوة، إن هو حفظ حقوق السكون واحترس بواجبات السيرة”.
“أما الذي في المجمع، فهو مثل الذي في السوق! حتى لو أغمض حواسه لا يمكنه أن يفلت من الملاقاة النافعة والمخسرة التي تصادفه بالضرورة”.
“امض نم في البطالة، أو طف باطلاً في الجبل أنت وحدك. ولا تذكر سماع شيء من الأحاديث الباطلة. ولا تعود ذاتك القرب والدنو من معتاديها. وعند ذلك تعرف كم تنفع البطالة مع الوحدة أكثر من السماعات الباطلة.
لأن الإنسان إذا ما انقبض عن مفاوضة الناس، رجع إلى ذاته وإلى تقويم تدبير سيرته حسنًا قدام الله”.
عمل السكون أفضل من الخدمة وعمل المعجزات:
“الذي قد أحس بخطاياه، يعرف أن الوحدة خير له من أن ينفع المسكونة بمنظره، والذي يتنهد على نفسه ساعة في الوحدة أفضل من الذي يقيم الموتى بصلاته ومسكنه في السجس. والذي استأهل أن ينظر نفسه هو أفضل من الذي استأهل أن ينظر الملائكة. لأن هذا بعين الجسد يشاركهم، وذاك بعين الروح يرى نفسه. والذي بالحزن والنوح في الوحدة يلصق بالمسيح أفضل من الذي كل يوم يمدحونه في المجامع”. “خير لنا أن نستنشق الحياة بالبعد عن الكل، من أن نغري الأحياء بالاستنشاق”. “العمل الذي بين الناس فيه افتخار. والضعف الذي في السكون فيه انسحاق قلب”.
“لا تقس صانعي الآيات والمعجزات والقوات في العالم بالساكنين بمعرفة في الهدوء. لأن الأفضل لك أن تفك ذاتك من رباط الخطية، من أن تعتق عبيدًا من العبودية ومن سجن أسرهم. اصطلح أنت مع ذاتك باتفاق الثالوث الذي فيك – أعني النفس والجسد والروح – أكثر من أن تصلح المتغاضبين بتعليمك. لأن الثيئولوغوس يقول: حسن هو الكلام عن الله تعالى لجلاله، وأجل من هذا أن يطهر الإنسان ذاته لله تعالى”.
“كثيرون صنعوا قوات وأقاموا أمواتًا، وتعبوا في رد الضالين وبإرشادهم اهتدى كثيرون إلى معرفة الحق. وبعد هذا سقط هؤلاء الذين أحيوا آخرين في آلام نجسة مرذوله، وأماتوا نفوسهم، وصاروا شكًا للذين آمنوا على أيديهم”.
السكون أفضل من عمل الرحمة
تدبيران لا يجتمعان:
“قال أحد الشيوخ: إن كنت علمانيًا فتدبر بالسيرة الحسنة التي للعلمانيين. وإن كنت راهبًا تدبر بالأعمال الفاضلة التي للمتوحدين. وإن كنت تريد أن تستنير في التدبيرين – أعني تدبير العلمانيين وتدبير الرهبان – تسقط وتخيب من الاثنين. لأن عمل الرهبان هو هذا: الانعتاق من كل المحسوسات، والمداومة مع الله بهذيذ القلب، وتعب الجسد بالصلاة. هل يستطاع أن نقرن مع هذا الفضيلة العالمية؟ أو هل يمكن للمتوحد العَمّال في سيرة السكون أن يكمل التدبيرين الداخلي والخارجي أعني الاهتمام بالله بقلبه والاهتمام من أجل الآخرين؟”.
السكون أفضل:
“وإن كان بحجة الصدقة يهدس فيك الفكر، فاعلم أن الصلاة مرتبتها أرفع من الصدقة”.
“انظر أن صانعي الصدقة ومكملي محبة القريب بأمور جسدانية يوجدون في العالم. وأما السائرون في تدبير السكون بالواجب والمتفاوضون مع الله فبعد جهد تجد قليلين وأفرادًا”.
“أنا أسألك ألا تنخدع. فإن الرحمة مشابهة لتربية الطفل. أما السكون فهو غاية الكمال”.
ليست الرحمة عملك:
“قال أحد القديسين: ليس هذا هو غرض سيرتك وقصدها، أن تشبع الجياع أو أن تكون قلايتك ملجأ للغرباء. لأن هذه السيرة تليق بالذين يريدون أن يتدبروا في العالم حسنًا. وليست هذه للمتوحدين المنعتقين من جميع المنظورات، الذين قصدهم حفظ العقل بالصلاة”.
“متى داخلتك شهوة اهتمام بغيرك بنوع الفضيلة حتى يتشتت ما في قلبك من السكون، فقل لها: طريق المحبة جيدة، والرحمة لأجل الله مقبولة. ولكنني أنا من أجل الله ما أريدها. حسب قول ذلك السائح، لما كان يجري وراء ذلك المتوحد ويقول له: “من أجل الله قف لي وإلا أجري وراءك. فأجابه وأنا من أجل الله أهرب منك”.
“تكميل واجبات حب القريب بنياح الأمور الجسدانية هو بر أهل العالم والرهبان الذين في المجمع، المجتمعين بعضهم مع بعض، ويدخلون ويخرجون كل وقت. وهذا يليق جدًا بهؤلاء وليس بالمتوحدين الذين بالحقيقة اختاروا البعد عن العالم بالجسد وبالعقل ويريدون أن يقيموا في ذواتهم الصلاة الدائمة.
“تدبير المتوحدين هو شبه الملائكة. فينبغي ألا نترك عمل السمائيات ونربح البر بأمور أرضية”. “وليس يليق بالمتوحد أن ينزل فكره من القيام قدام الله إلى الاهتمام بشيء من الأشياء”. “وأما أنت فإن كنت تريد عمل السكون فكن مثل الشاروبيم الذين لا يهتمون بشيء من الأرضيات. وفكر أنه ليس في الدنيا سواك أنت والله الذي اهتمامك وهذيذك به. حسبما علمك آباؤنا الذين ساروا قبلك في هذا التدبير”.
لماذا ليست الرحمة عملك؟
“لأن عمل الرهبان هو هذا: الانعتاق من كل المحسوسات والمداومة مع الله بهذيذ القلب وتعب الجسد بالصلاة. وليس يطلب من مثل هذا أن يخدم الناس”. “الراهب الذي ما عليه الرحمة فضيلة، ظاهر أنه هو الذي يمكنه أن يقول للمسيح بوجه مكشوف: “ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك”.
“إن كنا لا نملك شيئًا من القنية، فما أمرنا الله أن نلقي بأنفسنا في اهتمامات لأجل المساكين. وإن كانت سيرتنا توجب علينا البعد عن الناس وعن الاختلاط بهم. فما يليق بنا أن نترك قلالينا ومواضع توحدنا، وندور ونطوف العالم، نتعهد المرضى ونتشاغل بهذه الأمور هي نزول وانحدار من الأعلى إلى المستوى الأقل علوًا”.
أمثلة من سير القديسين:
“بماذا أرضى الله القديسون القدماء الذين تركوا لنا هذه السيرة بعد أن تحنكوا فيها؟ القديس يوحنا التبايسي – كنز الفضائل وينبوع النبوة – أليس بالصلاة لا بالخدمة قد أرضى الله”؟
“إن أنبا أرساني، من أجل الله، ما كان يفتح فاه ويتكلم، لا كلام منفعة ولا غيره. وآخر من أجل الله كان يتكلم النهار جميعه، ويقبل الغرباء الذين يأتون إليه، لعل المقصود هو القديس موسى الأسود. وأما أرساني فعوضًا عن هذا اقتنى لنفسه الصمت والسكون، ولأجل هذا مع روح الله كان يسير داخل بحر هذا العالم بسلام، مرتفعًا في سفينة السكون، حسبما ظهر لأحد قديسي الله لما فتش وبحث هذا الأمر”.
“فإن كان أولئك الذين يحتاج العالم كله إلى صلواتهم وتعاليمهم وكلامهم والانتفاع حتى بمنظرهم، قد أكرم الله ثباتهم في السكون أفضل من منفعة الناس جميعهم! فكم بالأكثر الذي لا يقدر أن يحفظ حتى نفسه؟!”.
سؤال الأنبا سيماون:
لماذا طوّب الرب الرحمة، فاختار الرهبان السكون وآثروه عليها؟
الجواب:
“إننا نحن الرهبان لا نلزم السكون بدون رحمة، بل نحاول أن نكون كاملين في كل وقت داخل الرحمة لسائر الطبائع الناطقة”.
“ولسنا نحفظ هذا فقط. ولكن متى دعتنا الضرورة إلى هذا العمل، فما يليق بنا أن نتهاون بالمحبة لأجل السكون. لا يجوز أن نمتهن الاسم العظيم– اسم السكون– بجهلنا، لأن لكل سيرة وتدبير وقتًا وزمانًا وإفرازًا.
“واعلم هذا: أن المتهاون بالمريض ما يبصر ضوءًا. ومن يشيح بوجهه عمن هو في ضيقة يُظلم عليه النهار. والمزدرى بصوت المتعب، في الظلام يسلك”.
فإن كنا قد عرفنا أنه خلوًا من محبة القريب ما يمكن للعقل أن يستنير في المحادثة والحب الإلهي، فمن هو إذًا الراهب الحكيم الذي يكون له ملبس أو مأكل، وينظر قريبه أو أخاه عاريًا أو جائعًا، ويحتمل أن يشفق على شيء مما ذكرناه؟! أو من ذا الذي يشاهد أخاه مريض الجسم وليس له من يفتقده ويريد هو لشهوته في السكون أن يؤثر قانون التفرد والتوحد والسكون على نياح أخيه أو قريبه؟!”.
“ربما يكون هذا قاسيًا بعيدًا عن المحبة، ويكون سكوته رياء”!
“إن كان راهب يعمل بيديه ويأخذ أيضًا من آخرين، يجب عليه هو أيضًا أن يتصدق ويعطي. لأن إهماله هذا هو تجاوز ظاهر لوصايا الله”.
“وإن كان الراهب بالقرب من كثيرين، ومسكنه بجوار مسكن الناس. ويتنيح بتعب آخرين في زمان صحته ومرضه، فيجب عليه هو أيضًا أن يعمل معهم كما عملوا معه”.
“وإن كان يسلك السكون بقوانين الأسابيع. وبعد كمال الأسبوع يخرج ويختلط بالناس، ويتعزى بالمفاوضة معهم، ويهمل الاعتناء بأخيه إذا ما نظره متضيقًا أو مريضًا ويظن أنه يحفظ قانون الأسابيع فهذا قاس على الحقيقة!”.
“فإن كانت هذه الأمور ما هي حاصلة ولا قريبة منا (لانفرادنا بعيدًا في البراري)، فلنحفظ بعقلنا وقلبنا المحبة والرحمة للقريب. أما إن كانت هذه الأمور قريبة منا، فلنكمل محبة القريب بالفعل. لأن الله يطالبنا – في هذه الحالة – أن نكملها ونتممها بالفعل”.
“وإن أتيت لي بذكر يوحنا التبايسي أو أرسانيوس ومن يشبه هذين، وقلت لي: من هو من هؤلاء قد اهتم بأحد المرضى أو المساكين وترك السكون؟ فأنا أقول لك: لو أنك بعدت عن كل نياح بشري، وزهدت لقاء الناس كما كان هؤلاء، لما طولبت بأعمال الرحمة. فلا تحتج بسير الآباء العظماء والقديسين الكاملين الذين أنت بعيد عن طرقهم”.
“وأنا أذكر عن هذا الأب العظيم أنه قد كُتب عنه – لأجل قطع حجج الذين يتهاونون بأخوتهم – أنه في بعض الأوقات مضى ليفتقد أخًا مريضًا. فلما سأله عما يشتهيه قال له: “أشتهي خبزًا طريًا، فمضى ذلك المستحق الطوبى من الإسقيط إلى الإسكندرية – وكان ابن سبعين سنة – وأبدل خبزه اليابس بخبز طري وأحضره للأخ”.
“وقد فعل قديس آخر من الآباء – وهو الأب اغاثون – أعظم من هذا وهو الذي كان يلزم الصمت والسكون كل أيام حياته أكثر من كل أحد. إذ أنه مضى في بعض الأوقات إلى الريف ليبيع شغل يديه. فوجد في السوق إنسانًا ملقى غريبًا مريضًا. فاكترى له بيتًا. وأقام عنده يعمل بيديه وينفق عليه، ويزن أجرة البيت، ويخدمه ستة أشهر إلى أن عوفي وبرئ. وكان يقول أيضًا: “إني أشتهي واحدًا مجذومًا، فأعطيه جسدي وآخذ جسده”.
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الثالثة –العددان الأول والثاني – يناير وفبراير 1967


