في جسد واحد أنتم أعضاء بعضكم لبعض

في جسد واحد أنتم أعضاء بعضكم لبعض[1]
قال الرسول: “كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَارًا مِنَ الإِيمَانِ. فَإِنَّهُ كَمَا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ لَنَا أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ لَيْسَ جَمِيعُ الأَعْضَاءِ لَهَا عَمَلٌ وَاحِدٌ. هَكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ. وَلَكِنْ لَنَا مَوَاهِبُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ النِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَنَا…” (رو12: 3- 6).
الرسول يقول هنا إننا جسد واحد، وأعضاء بعضنا لبعض، وبهذا الشكل بَيَّنَ نوع الصلة التي تربط بيننا. إنها ليست مجرد زمالة أو صداقة أو قرابة أو أخوة. بل أكثر من هذا إننا أعضاء بعضنا لبعض: فلان هذا هو عيني التي ترى ما لا أراه، أو هو لساني الذي يتحدث نيابةً عني، أو هو يدي التي تمتد وتعمل. كل منا عضو للآخر.
أعطيكم مثالًا واضحًا جدًا، وهو الشجرة:
فيها الجذر الذي هو مُخفَى في الأرض، والساق الذي يرتفع إلى فوق، والفروع الممتدة هنا وهناك. وفيها الأوراق والأزهار والثمار. الجذر لا يراه أحد، كل ما نراه هو الشجرة الجميلة الوارفة الأغصان، التي نتمتع بثمرها، أو نستظل تحتها… من فينا يفكر في الجذر الذي تحت الأرض؟!
الجذر عضو مخفي، يخفي ذاته لكي يظهر غيره، ومع ذلك فهو الذي يحمل الشجرة كلها، وهو الذي يمدها بالغذاء اللازم لحياتها… أتراك تقبل أن تكون مثل هذا الجذر، تختفي ليظهر غيرك، أم يُتعِبك هذا الوضع؟
ماذا يحدث لو أن جذر الشجرة أصيب بحب الظهور؟! لو أنه رفض أن يعيش طول عمره مدفونًا تحت الأرض!! أو لو أنه قال للساق: كفاك ارتفاعًا وشموخًا في الفضاء فلنتبادل الوضع بيننا، أنا عامًا وأنت عامًا، في الظهور والاختفاء!!
لو حدث، لضاعت الشجرة تمامًا، وارتبكت أمورها، وانتهت حياتها. ولكن جذر الشجرة راضٍ بحالته، لا ينافس الساق. بينما الساق يقول له: نم يا أخي مستريحًا واترك لي أن احتمل العواصف والأهوية واختلاف الجو. وأنا اعترف أنك أقدم مني عمرًا، وأكبر مني مقامًا، وأنت مصدر حياتي، مصدر غذائي وأنا بك أعيش وأتحرك، وأتعلم منك التواضع حتى إن كنت عمليًا غير قادر عليه. إنها حياة التعاون معًا، تقدمها لنا الشجرة، بجذورها وساقها.
مثلما تقدمها لنا أيضًا قصة الأعمى والكسيح:
تقول القصة أن اثنين، أحدهما أعمى والثاني كسيح، كانا يجلسان إلى جوار شجرة محملة بالثمر. الأعمى لا يراه والكسيح يراه، ولا يستطيع الوصول إليه ولا الحصول عليه، وأخيرًا وجدا الحل: الأعمى حمل الكسيح على كتفه، وسار به حيثما يشير عليه، إلى أن وصل إلى الثمار فقطفها، واقتسماها معًا. كل منهما عمل حسب الموهبة المعطاة له.
إنها قصة متكررة للعمل الجماعي الذي تتعدد صوره في الحياة:
هناك عمل لا تستطيع أن تقوم به وحدك، ولكن يمكنك أن تتمه متعاونًا مع غيرك. وهناك أمثله كثيرة لهذا الأمر، منها فريق الكرة مثلًا: ففيه لا يستطيع لاعب بمفرده أن يعبر الملعب كله ليحصل على هدف، ولكن الكرة يمررها لاعب إلى آخر، وثالث إلى رابع، وهكذا إلى أن يتمكن أحدهم من أن يصيب هدفًا، ويصبح مكسبًا للفريق كله…
العمل بروح الفريق يسمونهteam work
وبهذا الأسلوب يعمل كل أعضاء الجسد، كل عضو له عمله الذي يتميز عن غيره، ولكن الكل معًا في عمل واحد متكامل.
هذا العمل الكامل المتنوع، هو عمل الكنيسة.
وقد شرحه الرسول بقوله إن الله: “أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ.” (أف4: 11، 12).
وأيضًا وزع الله أنواع مواهب…
ليس الجميع سواسية في هذا الأمر، بل إن الله منح البشرية مواهب متنوعة “ولا أميل إلى ترجمتها بمواهب مختلفة”. إنها أنواع في تكامل وليس في اختلاف، ويقول الكتاب في هذا: “أَنْوَاعُ مَوَاهِبَ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ الرُّوحَ وَاحِدٌ. وَأَنْوَاعُ خِدَمٍ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ الرَّبَّ وَاحِدٌ… الَّذِي يَعْمَلُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ. وَلَكِنَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يُعْطَى إِظْهَارُ الرُّوحِ لِلْمَنْفَعَةِ” (1كو12: 4- 7).
ليس في الأمر ظلم، لكنها حكمة في التوزيع لحكمة في التدبير. لقد وزع الله أنواع المواهب، لأننا محتاجون إلى كل هذه الأنواع لتعمل معًا من أجل خير المجموع.
ونفس الوضع بالنسبة إلى الأعمال المدنية:
نحن محتاجون إلى عامل النظافة، لكي يكنس. كما أننا محتاجون إلى الكاتب والمحاسب للأعمال الإدارية، كما نحتاج إلى المحافظ الذي يدير البلد، وإلى الشرطي لكي يحفظ الأمن… فإن أصر الكل على الحصول على المناصب الكبيرة، فمن إذن يقوم بالأعمال الخدمية المتعددة، ولكن تنوع الأعمال لازم لسلامة الكل…
وهكذا في الجسد الواحد، أعضاء متنوعة، وكما يقول الرسول: أننا “أَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ”.
يذكرنا هذا الأمر بقصة موسى وهارون:
موسى كان نبيًا لله، ولكنه كان ثقيل الفم واللسان، وليس صاحب كلام (خر4: 10). فلما اعتذر عن قبول الخدمة لهذا السبب، دفع له الرب هارون أخاه، وقال له: “تُكَلِّمُهُ وَتَضَعُ الْكَلِمَاتِ فِي فَمِهِ… وَهُوَ يُكَلِّمُ الشَّعْبَ عَنْكَ. وَهُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا” (خر4: 15، 16). وأصبح هارون يكمل موسى، هارون هو فم موسى، وموسى هو فكر هارون.
كما يقول إنسان لآخر، يمكنك الاعتماد عليَّ، وسأكون ذراعك اليمنى، أي أعمل لك عمل الذراع، أو كما تقول الدسقولية أن الشماس هو عين الأسقف. أي يرى ما هي الأسرات التي تحتاج إلى خدمة ويخبره بها. فيقدم لها الأسقف الرعاية اللازمة لها. فصار الشماس عينًا للأسقف.
بهذا يكمل العمل الجماعي. بالمواهب المتنوعة المتعددة.
فإذا عمل كل عضو ما يجب عليه، يتكامل العمل ويتم…
وذلك حسبما قسم الله لكل واحد نصيبًا من الإيمان، في توزيع المواهب: منح الله موهبة الفن لفنان يهتم بالجمال وتصويره، كما منح موهبة الفكر لفيلسوف يبحث عن الحقيقة، ومنح القدرة على العمل لكثيرين من أصحاب اليد العاملة، يكافحون ويكدحون… وربما لا يكون لهم أي انتاج فكري…
مشكلتنا أننا ننتقد الذين ليست لهم مواهب تعجبنا وتجذبنا.
لنفرض أن شخصًا أعطاه الله موهبة التدبير، ولم يعطه موهبة التعليم، لماذا ننتقده ونقول أنه ليس من رجال الفكر؟! كلا، إن الكتاب يعلمنا بأن: “الْمُعَلِّمُ فَفِي التَّعْلِيمِ… الْمُدَبِّرُ فَبِاجْتِهَادٍ” (رو12: 7، 8). وكلاهما عضوان في جسد الكنيسة يكملان بعضهما بعضًا والكنيسة في حاجة إلى كليهما…
مثل ماكينة كل قطعة فيها لها عمل خاص، ومن مجموعة عمل كل القطع تقوم الماكينة بعملها، وإن نقص مسمار واحد، لا تعمل.
العجيب، أن كل إنسان معجب بذاته يريد أن يكون الجميع مثله!!
وهذا أمر غير ممكن عمليًا، وواجبنا أن نتكشف موهبة كل شخص ونساعده على صقل موهبته، واستخدامها بأسلوب سليم للخير، وميدان العمل في حاجة إلى كل المواهب، هذه التي جعلها الله متنوعة… مثل باقة متنوعة الألوان من الزهور والورود. ولكنها تُعطي صورة رائعة الجمال في اجتماعها معًا.
هذا لا يمنع أن يوجد شخص واحد متعدد المواهب.
فالقديس بولس الرسول مثلًا كانت له مواهب متعددة في الكنيسة، فقد كان رسولًا ومعلمًا وواعظًا وفيلسوفًا، وكاتبًا له تأثيره وشروحاته في كتاباته، وكان مدبرًا الكنيسة يهتم بجميع الكنائس، وكان كارزًا جريئًا يقف أمام الملوك والولاة في جرأة، وكانت له مواهب روحية في الشفاء، وفي إحدى المرات أقام ميتًا، وكانت له موهبة التكلم بألسنة، وكان أيضًا يُتقِن عمل اليدين، وقال: “حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ الَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ الْيَدَانِ” (أع20: 34).
كان بولس الرسول متعدد المواهب، وكذلك كان القديس باسيليوس الكبير.
كان رئيس أساقفة قيصريه كبادوكيه، وله موهبة التدبير الكنسي، وكان لاهوتيًا كبيرًا استطاع أن يرد على الآريوسيين، وكان معلمًا ومرشدًا، وكان رجل تشريع، له قوانين كنسية معروفة، وكان من مؤسسي الرهبنة في منطقته، ومن واضعي قوانين الرهبنة، وكان من البارزين في العمل الاجتماعي، وقد أنشأ مؤسسة فيلوكاليا لخدمة الفقراء والمحتاجين، وكان رجلًا ناسكًا، وهكذا كان مجموعة مواهب في شخص واحد.
كل واحد حسبما قسم له الله مقدارًا من الإيمان، سواء كان من أصحاب الثلاثين والستين أو المائة. وَهَبَهُ الله وزنتين أو خمس وزنات.
حتى الإنسان الذي منحه الله موهبة واحدة، يمكن أن يكون له عمل هام في جسد الكنيسة المقدسة، فقد يتميز إنسان بموهبة الرحمة والشفقة على الفقراء، أو موهبة النشاط في الافتقاد، أو موهبة الصلاة من أجل الغائبين، أو موهبة زيارة المرضى أو تعزية الحزانى… وإن لم تكن له أية مواهب من المواهب المستخدمة في الخدمة، يكفي أن تكون له موهبة أخرى هي القدوة الصالحة، وبها يكون له عمل في الكنيسة.
وأحيانًا ينجح شخص في موهبته الواحدة، فيكافئه الله بموهبة أخرى.
كان القديس الأنبا إبرام أسقف الفيوم له موهبة الشفقة على الفقراء والإحسان إلى المحتاجين، فلما رآه الله أمينًا جدًا في هذه الموهبة، حتى أنه فَضَّلَ أن يعطي كل ماله للفقراء ويبقَى ناسكًا ليس له شيء، لذلك منحه الله موهبة أخرى هي موهبة الشفاء، وأحيانًا صنع المعجزات، لكي يكمل بهذا محبته للناس وإشفاقه عليهم.
وما نقوله عن الأنبا أبرام أسقف الفيوم، يمكن أن نقول ما يشبهه عن الأنبا صرابامون أبو طرحه أسقف المنوفية.
فلا يتضايق إنسان إن كانت له موهبة واحدة، ولا يشتهي المزيد، إنه إن كان أمينًا في موهبته سيمنحه الله أكثر كما وعد من قبل وقال: “كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ” (مت25: 21، 23).
وفيما تكون أمينًا في موهبتك، لا تحتقر مواهب غيرك.
خادم مثلًا في التربية الكنسية يؤمن بأهمية التعليم في الكنيسة، وتربية الأطفال وأهمية العمل الروحي… لكنه لا يقف عند هذا الحد، إنما ينتقد عمل أعضاء مجلس الكنيسة على اعتبار أنهم يقومون بأعمال إدارية وبمشروعات، وهو لا يوافق إلاَّ على العمل الروحي!! وأيضًا يستصغر العمل الطقسي للشمامسة. وعمل الخدمة الاجتماعية، وعمل الجمعيات القبطية! وينسى قول الرسول: “لاَ تَقْدِرُ الْعَيْنُ أَنْ تَقُولَ لِلْيَدِ: لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكِ. أَوِ الرَّأْسُ أَيْضًا لِلرِّجْلَيْنِ: لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكُمَا… لَوْ كَانَ جَمِيعُهَا عُضْوًا وَاحِدًا أَيْنَ الْجَسَدُ؟” (1كو12: 21، 19).
هذا الخادم – للأسف – يعتبر الباقين غير روحيين…!
وبنظرته الخاطئة هذه، يقع في الكبرياء والاعتداد بالذات، كما يقع في إدانة الآخرين، وفي عدم فهم التدبير الإلهي.
إن الكنيسة بلا شك تحتاج إلى كل هؤلاء…
هل إن أحب إنسان الرهبنة والبتولية، يود أن يكون جميع الروحيين رهبانًا وبتوليين، وإلا فإنه ينتقدهم ويحزن عليهم، وينظر إليهم كما لو كانوا ناقصين! كيف تتفق هذه الكبرياء مع كوننا جميعًا: “أَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ”، وأعضاء كثيرين لجسد واحد، بأعمال متنوعة؟!
أو إنسان له طبع معين، يريد أن يكون الكل في مثل طبعه! وإلا انتقدهم. إنسان له غيرة مشتعلة وطبع ناري، مثل إيليا، أتراه يريد أن يكون الجميع هكذا، ويذم كل الودعاء الهادئين، ويعتبر أن وداعتهم لونًا من الضعف، أو طراوة الطبع!
كلا، ليس هذا هو تعليم الكتاب، فإن الله لم يخلق كل الناس بطبع واحد، ولا جعل كل أشجار الجنة بنوع ثمر واحد، إنما “مِنْ كُلِّ نَوْعِ ثَمَرٍ” (جا2: 5)، وملكوت الله يلزمه الغيور، كما يلزمه الوديع.
تلزمه اليد البانية، كما يلزمه العقل المفكر…
يلزمه مقلاع داود وسيفه، كما تلزمه مزامير داود وأغانيه وموسيقاه، كلهم أعضاء في جسد الكنيسة الواحد، والله يستخدم الكل…
قد تكون أنت قدمًا تسعى افتقاد الناس، وقد يكون غيرك يدًا يعطي عونًا أو يعمل عملًا،..
وقد يكون ثالثكم عقلًا مفكرًا، ورابعكم روحًا هائمًا،..
وخامسكم مجرد قلب يقدم العاطفة والحب، كلكم أعضاء بعضكم بعضًا في جسد واحد، تتعاون كل أعضائه في بناء الملكوت.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “المقال التاسع (سلسلة رو12) – في جسد واحد أنتم أعضاء بعضكم لبعض”، وطني 12 يوليو 1998م.



