في الأربعين يومًا

في الأربعين يومًا[1]
سلم المسيح عقائد الكنيسة لتلاميذه
حينما ظهر المسيح لتلاميذه بعد القيامة، كانوا في حالة نفسيّة في غاية التعب. كان اليهود يطاردونهم مع كل من ينتمي إلى المسيح. لذلك كانوا خائفين، ومغلقين على أنفسهم في العلية… وما كانوا قد نالوا بعد القوة التي تحل عليهم من الروح القدس. وكان يحيط بهم أيضًا الخوف والحزن والشك، بعد أحداث الصلب وما فعله سلطان الظلمة بقائدهم ومعلمهم العظيم صانع المعجزات والعجائب..
لذلك كانوا في حاجة إلى قوة خارجية تعيد إليهم الثقة والطمأنينة، وتحقق لهم المواعيد التي وعدهم بها الرب.
وكأن ملاكًا قد وقف على باب القبر الذي دفن فيه المسيح، وهو ينشد ويقول:
| قُم حَطم الشيطانَ قُم قوِّ إيمانَ الرعاةِ واغفر لبطرس ضعفه واكشف جراحك مقنعًا |
لا تُبقِ لدولتهِ بقية ولمَّ أشتاتَ الرعية وامسح دموع المجدلية توما فريبَته قوية |
وهكذا قام السيد المسيح، وظهر لبطرس الذي كان قد أنكره أثناء محاكمته ثلاث مرات، وظهر أيضًا لمريم المجدلية التي شكت في قيامته ثلاث مرات (يو20). وظهر لتوما الذي قال: “إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ” (يو20: 25). وظهر لباقي الرسل الذين كانوا في خوف وشك.
كان لا بد أن يقوي بظهوره إيمان هؤلاء القادة، الذين سينشرون الإيمان في كل الأرض.
هؤلاء الذين شكوا، حتى حينما ظهر لهم أولًا، وظنوه خيالًا أو شبحًا أو روحًا (لو24: 37). حتى أنه قال لهم: “مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ، وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟ … جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي” (لو24: 38، 39). ولم يكتف بظهوره، بل قضى معهم أربعين يومًا، يثبت فيها إيمانهم، وسلمهم التعليم الذي سيكرزون به بعد أن يحل الروح القدس عليهم.
وقد شرحنا قبلًا كيف أنه فتح ذهنهم لكي يفهموا ما كتب عنه في ناموس موسى، وفي كتب الأنبياء وفي المزامير (لو24: 27 و44-46). سواء ما يتعلق بالذبائح أو الرموز أو النبوءات.
كذلك سلمهم في تلك الفترة الأسرار الكنسية، وكل عقائد الكنيسة وأنظمتها وطقوسها.
ومارس الرسل تلك التعاليم، وتركوها في حياة الكنيسة المقدسة يتناقلها جيل بعد جيل. وكان الرسل يميلون إلى العمل الكرازي الشفاهي أكثر من الكتابة، حسبما قال القديس يوحنا الحبيب “إِذْ كَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ، لَمْ أُرِدْ أَنْ يَكُونَ بِوَرَق وَحِبْرٍ، لأَنِّي أَرْجُو أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ وَأَتَكَلَّمَ فَمًا لِفَمٍ” (2يو12) وكرر ذلك في (3يو13، 14). ومثلما قال القديس بولس فيما بعد “وَأَمَّا الأُمُورُ الْبَاقِيَةُ فَعِنْدَمَا أَجِيءُ أُرَتِّبُهَا” (1كو11: 34).
ومن أمثلة العقائد التي سلمها السيد المسيح لرسله في تلك الفترة، طريقة ممارسة سر الإفخارستيا.
وما يتعلق بهذا السر من استعداد روحي. كذلك كان قد أعطاهم هذا السر في يوم الخميس الكبير، وقال لهم: “اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي” (لو22: 19). ولكنه لم يقل لهم في ذلك اليوم كيف يقومون بهذا العمل. ويقينًا أنه شرح لهم ذلك كله خلال الأربعين يومًا… لكنهم لم يكتبوا لنا ذلك، وإنما علّموه للكنيسة بالممارسة.
ولأن بولس الرسول لم يكن واحدًا من الاثني عشر، ولم يتسلم هذا التعليم خلال الأربعين يومًا، لأنه كان ضد الإيمان في ذلك الوقت. لذلك سلّمه الرب هذا السر فيما بعد، بعد إيمانه وإرساليته. وهكذا يقول القديس بولس في إحدى رسائله: “لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي… فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ” (1كو11: 23-26).
وشرح القديس بولس الرسول أهمية الاستحقاق للتناول، وخطورة وعقوبة التناول بغير استحقاق.
فقال إن الذي يتناول بغير استحقاق، يكون مجرمًا في جسد الرب ودمه، ويكون غير مميز جسد الرب، ويأكل ويشرب دينونة لنفسه. وأضاف: “مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ”. وأوصى بأن يمتحن الإنسان نفسه قبل أن يتناول… (1كو11: 27-30).
كل هذا كان يمارسه المؤمنون قبل رسالة بولس في حياة الكنيسة عن طريق التسليم الرسولي بغير كتابة.
وكانوا قد تسلموا ذلك من الرب. لأنه من غير المعقول أن يسلم الرب لبولس ما لم يسلمه لباقي الرسل. وإن كان بولس قد تسلم ذلك بعد إيمانه، فمما لا شك فيه أن الأحد عشر قد تسلموا ذلك كله وغيره خلال الأربعين يومًا التي قضاها الرب معهم.
كذلك تسلموا في تلك الفترة سر الكهنوت، وسلطانه في المغفرة والتعليم والتعميد…
وذلك حينما ظهر لهم الرب وقال لهم: “كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا” (يو20: 21). ولما قال هذا، نفخ في وجوههم وقال لهم: “اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” (يو20: 21-23). ونلاحظ أن هذا السلطان لم يمنحه الرب لجميع المؤمنين، وإنما للرسل فقط. وبالطبع لخلفائهم أيضًا، حتى يستمر العمل الرسولي في الكنيسة. كذلك سلمهم سلطان التعليم والتعميد، حينما قال لهم: “اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ” (مت28: 19، 20) (مر16: 15).
وطبيعي أنه شرح لهم كيف يمارسون سرّ العماد.
كل هذا ما كان مناسبًا أن يشرحه آباؤنا الرسل بالتفصيل في الأناجيل أو الرسائل، التي قصد بها نشر القواعد الأساسية للإيمان. أما عن الطقوس والممارسة العملية، فقد سلمه الرسل عن طريق التقليد والحياة العملية داخل الكنيسة.
مثال ذلك كيفية سيامة القسوس والأساقفة.
بانتشار المسيحية في كل مكان، كان لا بد من إقامة الخدام في كل قطر، وفي كل مدينة وقرية. وهكذا فإن بولس الرسول يقول لتلميذه تيطس أسقف كريت: “مِنْ أَجْلِ هذَا تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا كَمَا أَوْصَيْتُكَ” (تي1: 5).
ولكن الرسول لم يذكر طريقة إقامة القسوس.
لا شك أن هذا الأمر كان معروفًا في طقوس الكنيسة وفي حياتها العملية. مارسه الرسل وتركوه لخلفائهم. وكذلك سيامة الأساقفة، كما قال القديس بولس لتلميذه تيموثاوس: “أُذَكِّرُكَ أَنْ تُضْرِمَ أَيْضًا مَوْهِبَةَ اللهِ الَّتِي فِيكَ بِوَضْعِ يَدَيَّ” (2تي1: 6). وطبيعي أن وضع اليد كانت تصحبه صلوات، ويصحبه نطق وطقس خاص، ولم يذكر ذلك كله، لأنه كان معروفًا في حياة الكنيسة، تركه الرسل فيها حسبما تعلموه من السيد المسيح…
ويتحدث القديس يوحنا الرسول عن سر المسحة.
يذكر ذلك في رسالته الأولى (1يو2: 20، 27). فمن أين أتى بهذا الحديث عن المسحة؟ نستنتج أنه أخذ ذلك من المسيح خلال الأربعين يومًا، ثم كتبه في رسالته، وكانت الكنيسة تمارسه…
كل ذلك وغيره من الأمور المختصة بملكوت الله، التي تحدث فيها المسيح مع تلاميذه أثناء الأربعين يومًا، ولم تكتب في الأناجيل والرسائل، ووصلت إلينا عن طريق التقليد…
كانت تلك الفترة أيام فرح، ولكن ليس للكل.
فرؤساء الكهنة وشيوخ اليهود ومعلموهم من الكتبة والفريسيين ما كانوا فرحين، وبخاصة عندما خرج التلاميذ فيما بعد ليكرزوا بقيامة المسيح وتعاليمه. ولكن لأنها كانت فترة فرح للتلاميذ، فنحن لا نصوم فيها، ولا نمارس فيها المطانيات، لأنها أيام أعياد وفرح بالقيامة وبالوجود مع الرب… لدرجة أنه حينما يموت لنا قريب في تلك الفترة، يدخل جثمانه إلى الكنيسة بألحان الفرح..
غير أن البعض يقولون إن روحياتهم تفتر خلال خمسين يوماً لا صوم فيها ولا مطانيات!! فبماذا ننصحهم إذن للحفاظ على روحياتهم؟
أول ملاحظة نقولها هي أن الروحيات لا تتوقف على الصوم وحده. فهناك وسائط روحية كثيرة قد أصدرنا لكم عنها كتاباً.. وعلى أية الحالات يمكننا في هذا المجال أن نضع بعض النصائح.
1 – أكثروا من الصلوات، وليست صلوات الأجبية فقط، إنما أضيفوا إليها صلوات خاصة من عمق قلوبكم، تتحدثون فيها مع الرب الذي كان يتحدث مع تلاميذه في تلك الفترة. ويمكن أن تضيفوا أيضاً بعض المزامير الجميلة التي لا تستخدم في الأجبية مثل مزمور باركي يا نفسي الرب (مز103). كذلك مزمور39، وغيرهما، وبعض صلوات الآباء والأنبياء.
2- بالإضافة إلى إزادة الصلوات، يمكن إزادة القراءات الروحية أيضاً، سواء في الكتاب المقدس أو الكتب الروحية والنسكية وأقوال الآباء، فإنها تنشط الروحيات، وتزود الفكر بالتأملات الجميلة.
3- مما يصلح الروحيات أيضاً في هذه الفترة كما في غيرها: التداريب الروحية لاكتساب فضائل معينة، أو لمقاومة ضعفات خاصة.
4- كذلك أحب أن أقول إن فترة الخماسين هي أيام إفطار، وليست أيام تسيب. فالبعض ينتقلون فجأة من النسك الشديد في أسبوع الآلام، إلى التسيب في طعام الإفطار بدءاً من عيد القيامة، واستمرارًا على ذلك فيما بعده. ونصيحتي لكل هؤلاء: الاستمرار في ضبط النفس، ولا يتعارض هذا مطلقاً مع أفراح الخماسين.
فأفراحنا هي أفراح روحية، وليتها ترتبط بضبط النفس.
كُل إذن من الطعام الفطاري. ولكن اضبط نفسك من جهة الكمية، ومن جهة كثرة الأنواع، ومن جهة شهوة الأكل، ومن جهة المواعيد، وبخاصًة الأكل بين الوجبات وفى كل وقت وبلا ضابط!!
وأعرف أن هذا الأمر نافع لك، ليس فقط من الناحية الروحية، إنما من جهة الصحة أيضاً.
5- فترة الأربعين المقدسة هي فترة فرح بالوجود مع الله. فهل تشعر بوجودك معه خلالها؟
أم أنك تكتفي بعدم الصوم، مع الامتناع عن المطانيات، دون أن تلتفت إلى السبب الذي من أجله نفعل ذلك، وهو المتعة بوجود الرب معنا، وهو وجود متبادل. أم تذكر قول أوغسطينوس عن حياته قبل توبته: كنت يا رب معي، ولكنن من فرط شقوتي لم أكن معك…
6- إذن من التداريب التي تتفق مع روحانية أيام الخماسين، تدريب الوجود مع الله. أو على الأقل التداريب الخاصة بالتوبة، لأننا لا يمكن أن نشعر بالوجود مع الله، بينما نحن نحزنه بخطايانا وعدم توبتنا.
إذن أهتم بأيام الخماسين من جهة الروح، وليس من جهة الجسد فقط: ما يأكله ويشربه، أو إنحنائه في المطانيات.
7- أما عن المطانيات، فإن فقدت إنحناء الجسد، أهتم بإنحناء الروح أمام الله، بانسحاق النفس.
تذكر خطاياك، وقدم عنها انسحاقًا قلبيًا، فهو يعوضك عن مطانيات الجسد، وتذكر قول داود النبي في المزمور “لصقت بالتراب نفسي”(مز119). فالتصاق نفسك بالتراب يعوضك التصاق جسدك بالتراب.
وأخيرًا فليعطك الرب، وليعطني معك، فترة روحية مقبولة قدامه…
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 9-5-1993م


