فشل الاعتماد على الذراع البشري
كما بالغ البروتستانت في أهمية النعمة، حتى أهملوا جانب الجهاد والعمل، كذلك بالغ البعض في أهمية العمل والجهاد حتى تجاهلوا أهمية يد الله في حياتهم! واعتمدوا في روحياتهم على ذراعهم البشري! نود أن نشرح لهؤلاء خطورة الاعتماد على الذراع البشري.
فشل الاعتماد على الذراع البشري1
يهمني أن أقول قاعدة هامة للمعتمدين على الذراع البشري:
كل عمل ناجح، تعمله أنت وحدك، دون أن تشرك الله فيه، يكون مصيره إلى المجد الباطل وافتخار الذات.
أما العمل الذي تشعر أن الله هو الذي عمله فيك، وهو الذي منحك القوة لإتمامه، وأنك كنت مجرد أداة في يديه الإلهيتين لإتمامه، فإن هذا العمل سيكون وسيلة لتمجيد الله وتسبيحه وشكره…
وتختفي الذات في هذا العمل الإلهي، ويظهر الله وحده.
لذلك عليك أن تدخل الله في عملك، لأنه يقول “بدوني لا تقدرون أن تعملوا شيئًا”. إياك أن تعمل وحدك، وبدون الله!! وإلا فإنك ستنسب النجاح إلى عزيمتك، إلى قوة إرادتك، إلى ذكائك ومقدرتك، وإلى برك وتقواك وشدة مقاومتك للخطية، وإلى نجاحك في تدريبك… وهكذا تتركز حول ذاتك ويختفي الله…!!
لا شك أن هناك أعمالًا يعملها الله كلها، دون أي تدخل للعامل البشري فيها، وسنضرب لذلك أمثلة:
† معجزات إقامة الموتى: واضح فيها أن الميت لم يُقم ذاته، وإنما الرب قد أقامه، لا دخل للقوة البشرية هنا. وأنت أيضًا ميت بالخطية، وقد أقامك المسيح…. ومثال آخر الأمراض المستعصية التي كانت ترمز للخطية، مثل مرض الأبرص، صاحب اليد اليابسة، والمفلوج، والأشل، والمقعد، والأعمى. وكلهم قد شفاهم الرب بغير ذراعهم البشري.
“اعتبرني يا رب مثل هذا الميت الذي لا يقدر على إقامة نفسه، ومثل الأبرص الذي لا يستطيع تطهير ذاته”.
أنت يا رب الذي تقدر أن تقيم الميت، وتشفي الأبرص.
أنت يا رب قد عملت مع كثيرين كانوا فاقدي القدرة، ولم يقووا على تخليص نفوسهم، وأنت قد خلصتهم. مثال ذلك أبونا اسحق… لقد وضع على الحطب فوق المذبح، وأعدت النار، وارتفعت السكين فوقه. ولكنك أنت الذي تدخلت في اللحظة الحاسمة، وأنقذت اسحق.
† مثال آخر، هو العاقر، التي من ذاتها لم تستطع أن تنجب، ولكنها بنعمتك صارت مثمرة أكثر من الجميع.
أنت الذي فتحت رحمها المغلق، وقلت لها في رفق “ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد… لأنك تمتدين إلى اليمين وإلى اليسار. ويرث نسلك أممًا، ويعمر مدنًا خربة… “لحيظه تركتك، وبمراحم عظيمة سأجمعك” (اش 54).
نعم إن نفسك قد تكون عاقرًا، لم تنجب من ذاتها فضيلة واحدة. ولكنها بالروح القدس سيكون لها بنون كثيرون، ويبارك الله بنيها فيها.
ولكنها بدون روح الرب، لن تنجب، لن تثمر. إن “البنين ميراث من الرب” كما قال الكتاب. وهو وحده الذي يستطيع أن يفتح رحم العاقر، كما فعل مع سارة ورفقة وراحيل وحنة وأليصابات.
اعتبر نفسك مثل الميت الذي لا يقدر على القيامة من ذاته، وكالأبرص الذي يحتاج إلى الرب لتطهيره، وكالعاقر التي من ذاتها لا تلد، بل الرب يفتح رحمها فاطلب الرب إذًا من كل قلبك.
أنظر إلى شمشون، في اعتماده على قوته، واعتماده على الرب…
ما مصير قوته البشرية الجبارة، التي استطاعت أن تخلع باب المدينة، وتقتل الأسد، وتخيف الناس… لقد انتهى بها الأمر إلى الضياع. فقبض الأعداء على شمشون، وفقأوا عينيه، وجعلوه يجر الطاحون كالحيوان. ولكنه أخيرًا عندما قال “يا سيدي الرب، أذكرني، وشددني هذه المرة فقط، فأنتقم نقمة واحدة عن عيني”(قض28:16)، عندئذ أعطاه الرب قوة، فكان الذين أماتهم في تلك المرة، أكثر من الذين أماتهم طول حياته… لأن يد الرب عملت معه.
أطلب إذًا تدخل الرب في حياتك. ولكن ليس معنى هذا أن تنام وتكسل، وتطلب الرب: ولكن جاهد بكل قدرتك، دون أن تعتمد على هذه القدرة وحدها، لأنها بدون الرب لا تستطيع شيئًا…
اعمل. ولكن لا تعمل وحدك. لا تعتمد على ذراعك البشري، وعلى قوتك وذكائك وتقواك. اعرف إنك بدون الله لا يمكن أن تنجح. وإن نجحت، يكون نجاحك فشلًا، لأنه سيصير طعامًا للذاتية والمجد الباطل.
† تعجبني عبارة قالها بطرس الرسول، عندما شفى الله على يديه الرجل المقعد عند باب الهيكل، والتف الناس مندهشين حول بطرس ويوحنا، حينئذ قال لهم بطرس.
“ما بالكم تتعجبون من هذا. ولماذا تشخصون إلينا، كأننا بقوتنا أو بتقوانا جعلنا هذا يمشي؟! إن إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، إله آبائنا، مجد فتاه يسوع…” (أع3: 12).
† لقد قال بطرس هذا الكلام، لأنه جرب الذراع البشري من قبل، ولم ينتفع شيئًا: على الأقل في حادثتين هامتين:
الأولى في صيد السمك: لقد سهر الليل كله، بكل ما عنده من فن في الصيد، ومن خبرة وقدرة. وكانت نتيجة ذلك قوله للرب: “لقد تعبنا الليل كله، ولم نصطد شيئًا”.
ولكن، عندما دخل الرب في سفينته، وعندما أرشده أين يلقي الشبكة وألقاها حسب مشيئته في الأعماق، حينئذ أتت بصيد كثير، حتى كادت تخترق.
والخبرة الثانية التي اختبرها بطرس كانت في حادثة إنكاره للمسيح. لقد اعتمد على ذاته كثيرًا وعلى محبته للرب، وعلى تصميماته: قال للرب: لو أنكرك الجميع، فأنا لا أنكرك… ولو أدى الأمر أن أموت معك…
ولكن بطرس المعتمد على ذاته. أنكر المسيح أمام جارية…
لم تنفعه نيته الطيبة، ولا عزيمته، ولا مجرد محبته، ولا تصميماته، ولا حماسته التي قطع بها أذن العبد… ليته حول تصميماته إلى صلاة. ليته قال: أعطني يا رب أنا الضعيف قوة لكي لا أنكرك، قوة أستطيع بها- إذا ما غربلني الشيطان- أن أصمد…
كثيرون يجاهدون بمفردهم. يتعبون، ويفكرون، ويدبرون، ويخططون لحياتهم الروحية، دون أن يعنوا بإدخال الرب معهم.
سأضرب لكم أمثلة أراد الله بها إثبات فشل الذات في كافة مواهبها ونواحي قوتها.
شمشون الذي فقئت عيناه هو مثال لفشل الذراع البشري في القوة، وسليمان الذي بخر للأصنام مثال لفشل الذراع البشري في الحكمة. وداود الذي زنى وقتل مثال لفشل الذراع البشري على الرغم من كثرة مواهبه. بطرس الرسول في إنكاره للمسيح مثال لفشل الذراع البشري على الرغم من حماسته وغيرته وإخلاصه. وبطرس الذي سهر الليل كله ولم يصطد شيئًا مثال لفشل الذراع البشري على الرغم من خبرته وفنه.
لذلك إذ عرفت فشل الذراع البشري، في كل قوته وحكمته، ومواهبه، وحماسه وغيرته، وفنه وخبرته.. إن عرفت هذا، لا تعش مستقلًا عن الله، ولا تجاهد بغير معونته.
ادخل الله معك في الصغيرة والكبيرة…
كثيرون يطلبون الله فقط في الأمور الخطيرة، أما الأمور الصغيرة فيثقون بقوتهم فيها، فيفشلون ويسقطون. لهذا يهتم الشيطان بهذه الأمور الصغيرة ويركز عليها ليسقطهم بها.
ولذلك يحذر القديسون من شيطان يسمى “شيطان الأمور الصغيرة”
من أجل هذا قال النشيد “خذوا لنا الثعالب، الثعالب الصغيرة المفسدة للكروم”. أما أنت فأدخل الرب حتى في الصغائر. لا تثق بقوتك، مهما بدا لك الأمر تافهًا.
كثير من القديسين سقطوا في خطايا ظنوها “خطايا المبتدئين”. أما أنت فلا تحتقر خطية معينة، ولا تظن أن هناك خطية تافهة لا تحتاج إلى معونة من الرب. أطلب الرب باستمرار ليعمل معك في كل أمر، صعبًا كان أم سهلًا.
لا تقل هذ الأمر سهل، أعمله بنفسي. وذاك أمر صعب، أحتاج فيه إلى معونة إلهية. فالأمر السهل هو الذي يقف فيه الله معك، وإلا صار صعبًا. والأمر الصعب هو الذي تعمله وحدك بدون الله مهما بدا سهلًا.
تعجبني قصة خيالية قيلت عن فلك نوح. كان فيه ثمانية أفراد: نوح وزوجته، وأولاده الثلاثة وزوجاتهم الثلاث… ولكن…
قيل إن هناك تاسعًا كان في الفلك، وكان يدير دفته. ولولاه ما خلص الفلك. هذا التاسع هو الله. نعم، هل يعقل أن يكون نوح قد دخل الفلك دون أن يدخل الله معه؟!
لا شك أن العناية الإلهية هي التي تقودنا. بدونها لا يمكن لذراعنا البشري أن يعمل… نحن نغرس، ونسقي. ولكن الله هو الذي ينمّي.
إذًا ليس الغارس شيئًا، ولا الساقي، بل الله الذي ينمّي (1كو3: 7).
لوط لو لم ينقذه الملاكان، لهلك في سدوم لقد أمسكا بيديه، وكانا يدفعانه عندما يتوانى، ويعجلان بخروجه.
دانيال لو لم يرسل الله ملاكه ليسد أفواه الأسود، لضاع في الجب. ولولا ملاك الله لبقي بطرس في السجن.
لذلك لا تركز تفكيرك في ذاتك وفي مواهبك وقدرتك وفهمك، وفي إرادتك وعزيمتك وتدابيرك وتداريبك، وخبرتك وطهارتك. خف جدًا لئلا تكون معتمدا على ذراع بشري…
جاهد، ولكن ليس بمفردك. واعمل، ولا تعتمد على عملك. وفكر، ولكن “على فهمك لا تعتمد”. أنظر إلى لمبات الكهرباء: قد تكون قوية وجميلة، ومن أجود الأصناف، وكذلك أسلاكها جيدة، وتوصيلاتها سليمة. ولكن إن لم يسرِ فيها التيار، فلن تضيء، كذلك أنت…
هناك آية أحب أن تضعها أمامك باستمرار، كشعار. وهي:
“إن لم بين الرب البيت، فباطلًا تعب البناؤون. وإن لم يحرس الرب المدينة، فباطلًا سهر الحارس” (مز127: 1).
صحيح يجب أن تعمل مع الله. هو يبني. وأنت تناوله الطوب والحجارة والمونة، أو أنت تكون حجرًا صالحًا في يديه. ولكن لا تظن أنك أنت الذي تبني حياتك، وحدك، بدونه، استمع إلى بولس الرسول، وهو يقول “أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني”.
إنه يستطيع كل شيء، لكن ليس وحده، بل في المسيح الذي يقويه وإن لم يقوه المسيح، لن يستطيع شيئًا.
(بقية) مقالة فشل الاعتماد على الذراع البشري (ص 9)
لذلك نحن في الترتيلة نقول له “امسك يدي وقدني”. قل له يا رب أنا بدونك لا أستطيع شيئًا. قدني. أرشدني. “علمني يا رب طرقك، فهمني سبلك”، “افتح عيني الغلام ليرى”. أعطني القوة والمعونة. اعمل في ضعفي.
كلمة جميلة قالها المسيح لتلاميذه الذين دربهم بنفسه:
“لا تبرحوا أورشليم، حتى تلبسوا قوة من الأعالي”….
وماذا عن كل خبراتنا ومعرفتنا وروحياتنا؟ وماذا عن تلمذتنا الطويلة، لك أنت؟ لا تعتمدوا على ذواتكم. انتظروا موعد الآب، انتظروا حتى تلبسوا قوة من الأعالي. “ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وحينئذ تكونون لي شهودًا. حينئذ، وليس قبل… هكذا أنت، لا تعمل إلا بعد أن تنال قوة من فوق. اسع وراء هذه القوة، بكل ضعفك، بكل صلواتك وتضرعاتك. وحينئذ، تشهد له…
إذًا ليس بذراعك البشري، حتى لو كنت رسولًا ومن الاثني عشر، بل بالقوة التي تلبسها من الأعالي. ليس بقوتك، ولا بتقواك، بل باسم يسوع، يمكن لهذا المُقعد أن يمشي. إن لم يبن الرب البيت، فباطلًا تعب البناؤون.
كل خطية تقابلك، قل لها “أنا آتيك باسم رب الجنود” مثلما قال داود لجليات. أدخل الرب في المعركة، لأن الحرب للرب. تأكد أن الرب يحارب معك. وإن لم تشعر به، صارعه حتى الفجر، وقل له لن أتركك حتى تذهب معي. وإن لم تذهب معي فلن أحارب ولن أذهب، مثلما قال القائد باراق لدبورة النبيه (قض4: 8).
كن كالبيت المبني على الصخر، “والصخرة كانت المسيح”، حينئذ لا تسقط. ولا تبن بيتك على ذاتك، لأن ذاتك تراب ورماد. والبيت المبني على التراب يكون سقوطه عظيمًا…
ملائكة الكنائس السبع كانوا في يمين المسيح (رؤ2)، في يمين الرب التي صنعت قوة (مز117). كن أنت أيضًا في يد الله. كن كالطفل الذي يسير في الطريق مطمئنًا، لأن أباه ممسك بيده. قل له “لا تتركني يا رب لذاتي ولذكائي، أمسك بيدي”. “آه يا رب لو انفرد بي عقلي وذكائي، بعيدًا عنك، إذًا لهلكت…”!!
“لا تستكبر، بل خف” (رو11: 20) وإن خفت، قل له “إذا سرت في وادي ظل الموت، لا أخاف شيئًا، لأنك أنت معي. عصاك وعكازك هما يعزيانني” (مز22).
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الرابع عشر) 4-4-1975م



