عَصر الآباء الرُسُل وَتلاميذهمْ

عَصر الآباء الرُسُل وَتلاميذهمْ1
يبدأ عصر الرسل البنطقستي سنة 34م إلى استشهاد الآباء الرسل الاثني عشر (ما عدا القديس يوحنا الحبيب الذي لقى عذابات كثيرة جدًا، لكنه لم يمت شهيدًا، ويمكن اعتباره من المعترفين).
أول شهيد في المسيحية هو القديس اسطفانوس رئيس الشماسة (أع6، 7). وأول شهيدة هي القديسة تكلا. ولكن أول شهيد من الاثني عشر، هو القديس يعقوب بن زبدي الرسول (أخو القديس يوحنا الحبيب). قتله هيرودس الملك ليرضي اليهود (أع12: 1-3).
أما القديسان بطرس وبولس فنالا إكليل الشهادة سنة 67م في عهد الإمبراطور نيرون. والقديس مرقس استشهد سنة 68م. وبقي القديس يوحنا من الاثني عشر. وإنجيله كان آخر ما كتب من الأناجيل. ويتميز عن الأناجيل الثلاثة الأخرى، التي يسمونها Synoptic Gospels (أي الأناجيل ذات النظرة الواحدة).
عصر الرسل يتميز بأنه عصر الروح القدس: كان السيد المسيح قد أمر رسله القديسين أن يقيموا في مدينة أورشليم إلى يلبسوا قوة من الأعالي (لو24: 49). أما هذه القوة فقد قال لهم عنها: “لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (أع1: 8).
وانتظروا موعد الرب. وحقق الرب وعده، وأرسل الروح القدس فاستقر عليهم مثل ألسنة من نار “.. وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا” (أع2: 3، 4).
وكان لهذا الأمر تأثيره على جمع كبير من اليهود كانوا في أورشليم من بلاد عديدة. وظنوا الرسل سكارى، وألقى القديس بطرس كلمته، فآمن أولئك اليهود إذ “نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ” (أع2: 5-37).
واعتمد في ذلك اليوم ثلاثة آلاف (أع2: 41)، كانوا بداءة المؤمنين على أيدي الرسل.
وبهم تأسست الكنيسة الأولى، كنيسة الرسل. يضاف إليهم الذين عاصروا السيد المسيح وآمنوا على يديه. ومنهم السبعون رسولًا (لو10)، ونيقوديموس، ويوسف الرامي، وبيت لعازر أخي مريم ومرثا (يو11) والنسوة اللاتي كن يتبعن المسيح ويخدمنه من أموالهن (لو8: 1-3). وأيضًا أولئك الذين ظهر لهم بعد القيامة، مثل تلميذي عمواس (لو24: 15-35). ومثل الذين قال عنهم القديس بولس الرسول: “وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ..” (1كو15: 6).
ويقول سفر أعمال الرسل: “.. وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ” (أع2: 47). وبعد معجزة شفاء الأعرج “عِنْدَ بَابِ الْهَيْكَلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْجَمِيلُ” (أع3: 2-10)، نقرأ أن “كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا الْكَلِمَةَ آمَنُوا، وَصَارَ عَدَدُ الرِّجَالِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفٍ” (أع4: 4).
إذًا كانت الكنيسة في عصر الرسل كنيسة نامية. نتيجة لعمل الروح القدس فيهم، ونتيجة للمعجزات.
وأيضًا لأنها كانت كنيسة صلوات قوية.
نسمع أنه بعد إطلاق القديسين بطرس ويوحنا من السجن، ورجعا إلى رفقائهما، أن الجميع صلوا بنفس واحدة، متذكرين قول المزمور: “قَامَتْ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَاجْتَمَعَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ” (مز2). ثم قالوا للرب في صلاتهم: “وَالآنَ يَا رَبُّ، انْظُرْ إِلَى تَهْدِيدَاتِهِمْ، وَامْنَحْ عَبِيدَكَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلاَمِكَ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ، بِمَدِّ يَدِكَ لِلشِّفَاءِ، وَلْتُجْرَ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ بِاسْمِ فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ” (أع4: 23-30). “وَلَمَّا صَلَّوْا تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهِ، وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ..” (أع4: 31).
وازدادت المعجزات، منها عقوبة القديس بطرس لحنانيا وسفيرة، اللذين بكلمته وقعا للتو وماتا (أع5: 5، 10). ويقول سفر أعمال الرسل: “.. آيَاتٌ وَعَجَائِبُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّعْبِ” (أع5: 12). ويقول أيضًا: “حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْمَرْضَى خَارِجًا فِي الشَّوَارِعِ وَيَضَعُونَهُمْ عَلَى فُرُشٍ وَأَسِرَّةٍ، حَتَّى إِذَا جَاءَ بُطْرُسُ يُخَيِّمُ وَلَوْ ظِلُّهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. وَاجْتَمَعَ جُمْهُورُ الْمُدُنِ الْمُحِيطَةِ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَامِلِينَ مَرْضَى وَمُعَذَّبِينَ مِنْ أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ، وَكَانُوا يُبْرَأُونَ جَمِيعُهُمْ” (أع5: 15، 16)، ونتيجة لكل هذا: “كَانَ مُؤْمِنُونَ يَنْضَمُّونَ لِلرَّبِّ أَكْثَرَ، جَمَاهِيرُ مِنْ رِجَال وَنِسَاءٍ” (أع5: 14).
نسمع أيضًا بعد رسامة الشماسة السبعة المملوئين من الروح القدس: “كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدًّا فِي أُورُشَلِيمَ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإِيمَانَ” (أع6: 7).
وما كان الشيطان يهدأ لنمو الكنسية، فحرك عليها الاضطهاد العام. وهكذا قبضوا على القديس اسطفانوس ورجموه. ثم يقول بعدها الكتاب: “وَحَدَثَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ اضْطِهَادٌ عَظِيمٌ عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَتَشَتَّتَ الْجَمِيعُ فِي كُوَرِ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ، مَا عَدَا الرُّسُلَ” (أع 8: 1).
ومن ضمن الذين اضطهدوا كان شاول الطرسوسي الذي يقول عنه الكتاب: “أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَسْطُو عَلَى الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ يَدْخُلُ الْبُيُوتَ وَيَجُرُّ رِجَالاً وَنِسَاءً وَيُسَلِّمُهُمْ إِلَى السِّجْنِ” (أع8: 3). ومع ذلك فإن الاضطهاد لم يتسبب في ضعف المؤمنين أو في ضعف الكرازة. بل نقرأ عبارة عجيبة وعميقة ومؤثرة وهي: “فَالَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ” (أع8: 4).
ويحدثنا سفر أعمال الرسل عن تبشير السامرة بواسطة فيلبس وتعميدهم. ثم إن مجمع الرسل في أورشليم أرسل بطرس ويوحنا اللذين وضعا عليهم الأيادي، فقبلوا الروح القدس (أع8: 14-17). ثم يحدثنا عن إيمان الخصي الحبشي وتعميده (أع8: 26-39). وبدأت الكرازة تنتشر في كل اليهودية والجليل أيضًا، وقيل في ذلك:
“وَأَمَّا الْكَنَائِسُ فِي جَمِيعِ الْيَهُودِيَّةِ وَالْجَلِيلِ وَالسَّامِرَةِ فَكَانَ لَهَا سَلاَمٌ، وَكَانَتْ تُبْنَى وَتَسِيرُ فِي خَوْفِ الرَّبِّ، وَبِتَعْزِيَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ كَانَتْ تَتَكَاثَرُ” (أع9: 31).
ثم وصلت الكرازة إلى لدة (أع9: 32)، وإلى يافا (أع9: 36-42). وكان ذلك عن طريق معجزتين: إحداهما شفاء مفلوج في لدة والأخرى إقامة طابيثا من الموت في يافا. ثم انتقلت الكرازة إلى قيصرية، حيث قبل كرنيليوس الإيمان، وتعمد هو والذين معه (أع 10).
وهنا بدأ قبول الأمم، وعقد لهذا الغرض مجمع في أورشليم (أع 15).
وبدخول شاول الطرسوسي في الإيمان (أع 9) الذي تغير اسمه إلى بولس، بدأ انتشار عظيم للإيمان في بلاد الأمم. بشر برنابا وبولس في أنطاكية “وَدُعِيَ التَّلاَمِيذُ «مَسِيحِيِّينَ» فِي أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلاً” (أع11: 25، 26). وقام بولس وبرنابا بتبشير قبرص في سلاميس وبافوس، وكان معهما مرقس (أع 13: 4-6). وقيل بعد كرازة القديس بولس: “كَانَتِ الْكَنَائِسُ تَتَشَدَّدُ فِي الإِيمَانِ وَتَزْدَادُ فِي الْعَدَدِ كُلَّ يَوْمٍ” (أع16: 5). وانتشر عمل بولس في آسيا الصغرى، وامتد إلى بلاد اليونان، وإلى رومه.
ونسمع أيضًا عن السبع الكنائس التي في آسيا، التي أرسل لها الرب رسائل على يد القديس يوحنا الرسول: الكنائس التي في أفسس، وسميرنا، وبرغاموس، وثياترا، وساردس، وفيلادلفيا، ولاوديكية (رؤ2، 3). والكنيسة التي في كريت في رعاية القديس تيطس (تي1: 5). وانتشر الرسل في أرجاء العالم. وأسس مرقس الكنيسة في مصر وفي ليبيا.
وموضوع انتشار الكنيسة في العالم في عصر الرسل، هو موضوع طويل سنتحدث عنه بالتفصيل فيما بعد.
وكان السبب في انتشار الكنيسة هو عمل الروح القدس.
لم يبدأ الرسل في الكرازة إلا بعد حلول الروح القدس عليهم. وبالروح القدس نالوا قوة (أع1: 8) وألسنة ومواهب ومعجزات (أع5: 12). بل كان الروح القدس يتكلم على ألسنتهم، حسب وعد الرب لهم من قبل، “لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ” (مت10: 20). لذلك كانت لكلمتهم قوة وتأثير. بعظة واحدة ألقاها القديس بطرس في يوم الخمسين آمن ثلاثة آلاف واعتمدوا (أع2: 37-41).
والروح القدس هو الذي كان يحركهم في الخدمة.
نسمع في قصة إيمان الخصي الحبشي أنه كان “جَالِسًا عَلَى مَرْكَبَتِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ النَّبِيَّ إِشَعْيَاءَ. فَقَالَ الرُّوحُ لِفِيلُبُّسَ تَقَدَّمْ وَرَافِقْ هذِهِ الْمَرْكَبَةَ” (أع8: 29). ولما عمَد الخصي نقرأ أنه “وَلَمَّا صَعِدَا مِنَ الْمَاءِ، خَطِفَ رُوحُ الرَّبِّ فِيلُبُّسَ.. وَوُجِدَ فِي أَشْدُودَ” (أع8: 39، 40).
ونقرأ أيضًا في كرازة القديس بولس الرسول ورفقائه أنهم “وَبَعْدَ مَا اجْتَازُوا فِي فِرِيجِيَّةَ وَكُورَةِ غَلاَطِيَّةَ، مَنَعَهُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِالْكَلِمَةِ فِي أَسِيَّا”.. وأنهم “حَاوَلُوا أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى بِثِينِيَّةَ، فَلَمْ يَدَعْهُمُ الرُّوحُ“.. وأخيرًا أرشدهم برؤيا في الليل أن يذهبوا إلى مكدونية (أع16: 6-9).
كان الروح أيضًا يدعو الخدام ويفرزهم للخدمة.
حدث هذا بالنسبة إلى برنابا وشاول، إذ ورد في سفر أعمال الرسل “وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: “أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ” (أع13: 2) وكان الامتلاء من الروح القدس شرطًا للخدام، كما رأينا في اختيار الشماسة السبعة (أع6: 3).
وكان الروح القدس أيضًا هو الذي يقود مجامعهم.
حدث هذا في أول مجمع عقده الآباء الرسل، وكان من أجل بحث موضوع قبول الأمم. ففي القرار الذي أصدره الآباء الرسل، قالوا فيه: “قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ أَنْ..” (أع15: 28).
ومن أسباب انتشار الكنيسة أن الكلمة كان لها قوة وتأثير.
كان “مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ” حسب وعد الرب لهم من قبل (مر9: 1). وقيل: “وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ” (أع33:4). وقيل عن اسطفانوس الشماس إنه: “.. إِذْ كَانَ مَمْلُؤًا إِيمَانًا وَقُوَّةً، كَانَ يَصْنَعُ عَجَائِبَ وَآيَاتٍ عَظِيمَةً فِي الشَّعْبِ” (أع6: 8).
وقيل عن بولس الرسول وهو يكرز في المجامع إنه “بُهِتَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ” “أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَزْدَادُ قُوَّةً، وَيُحَيِّرُ الْيَهُودَ السَّاكِنِينَ فِي دِمَشْقَ” (أع9: 21، 22). وقال القديس بولس عن نفسه: “مُنْذِرِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، وَمُعَلِّمِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، بِكُلِّ حِكْمَةٍ، لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلاً فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ الأَمْرُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَتْعَبُ أَيْضًا مُجَاهِدًا، بِحَسَبِ عَمَلِهِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيَّ بِقُوَّةٍ” (كو1: 28، 29).
ويظهر تأثير قوة كرازة بولس في أنه “بَيْنَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَكُونَ، ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ” (أع24: 25). ونفس تأثيره كان على أغريباس الملك الذي لما سمعه قال له: “بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا” (أع26: 28).
كان للكنيسة أيضًا قوة الصلاة، كما كانت لها قوة الكلمة.
ولذلك نسمع أنهم “لَمَّا صَلَّوْا تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهِ، وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع4: 31).
كانت الكنيسة أيام الرسل كنيسة شجاعة.
شجاعة مهما قوبلت باضطهادات أو عذابات. أمروا القديس بطرس ويوحنا “أَنْ لاَ يَنْطِقَا الْبَتَّةَ، وَلاَ يُعَلِّمَا بِاسْمِ يَسُوعَ” فأجاب: “إِنْ كَانَ حَقًّا أَمَامَ اللهِ أَنْ نَسْمَعَ لَكُمْ أَكْثَرَ مِنَ اللهِ، فَاحْكُمُوا لأَنَّنَا نَحْنُ لاَ يُمْكِنُنَا أَنْ لاَ نَتَكَلَّمَ بِمَا رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا” (أع4: 18-20). وفي مرة أخرى، “أَجَابَ بُطْرُسُ وَالرُّسُلُ وَقَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ” (أع5: 29).
وكانت الكنيسة أيام الرسل تحتمل الاضطهادات في فرح.
دعوهم إلى المجمع، وجلدوهم وسجنوهم ثم أطلقوهم “أَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ. وَكَانُوا لاَ يَزَالُونَ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ وَفِي الْبُيُوتِ مُعَلِّمِينَ وَمُبَشِّرِينَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ” (أع40:5-42).
ألقى بطرس في السجن بواسطة هيرودس، ناويًا أن يقدمه بعد ذلك إلى الشعب. أما بطرس فلم يخف من قتله، بل نام في السجن، حتى إن الملاك الذي جاء لينقذه، ضرب جنبه وأيقظه (أع3:12-7). وبولس الرسول سجن أيضًا في فيلبي (أع16). وقال: “غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يَشْهَدُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ قَائِلاً: إِنَّ وُثُقًا وَشَدَائِدَ تَنْتَظِرُنِي” (أع20: 23). وقال عن خدمته هو وزملائه: “فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ: فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ” (2كو6: 4، 5). وشرح في (2كو11) أنواع الآلام التي احتملها في الخدمة. في الجلد، في السجن، في الضرب، في الأخطار المتنوعة.
ويوحنا الرسول نُفي إلى جزيرة بطمس… وكل ذلك لم ينقص خدمتهم في شيء.
الكنيسة في أيام الرسل عاشت حياة الشركة.
هي التي قدمت للعالم الاشتراكية الحقيقية. وهي اشتراكية بملء إرادة الإنسان، وليست كنظام مفروض عليه: “لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا”.
“لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا، لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُول أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ، وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ” (أع4: 32-35) (أع2: 44، 45).
وكما كانت لهم شركة في الأمور المادية، كانت لهم شركة روحية.
“كَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ” (أع4: 32). “كَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ، مُسَبِّحِينَ اللهَ، وَلَهُمْ نِعْمَةٌ لَدَى جَمِيعِ الشَّعْبِ” (أع2: 43-46).
تلاميذ الرسل
أشهر التلاميذ الذين ذكرهم العهد الجديد، كانوا تلاميذ القديس بولس الرسول: مثل تيموثاوس أسقف أفسس، وتيطس أسقف كريت. وهناك أسماء أخرى لتلاميذ ذكروا في رسائله: منهم لوقا الإنجيلي (2تي4: 11) ويقول في نفس الرسالة: “أَرَاسْتُسُ بَقِيَ فِي كُورِنْثُوسَ. وَأَمَّا تُرُوفِيمُسُ فَتَرَكْتُهُ فِي مِيلِيتُسَ مَرِيضًا” (2تي4: 20). ومن تلاميذه أيضًا تيخيكس، وأرسترخس، وأنسيمُس، ويسوع المدعو يسطس. وقد ذكر كل هؤلاء في رسالته إلى كولوسي (كو4: 7-12).
ويذكر التاريخ بوليكاربوس أسقف أزمير، تلميذًا للقديس يوحنا الإنجيلي.. كذلك ذكر سفر أعمال الرسل إكليمندس الروماني (أع15).
وغير هذا تلاميذ كثيرون، كانوا مساعدين للآباء الرسل. والبعض كانوا شركاء للرسل في الخدمة. مثل برنابا زميل بولس الرسول في تبشير أنطاكية (أع11، أع15: 35). ومثل أبُلوس زميله في تبشير كورنثوس (1كو3: 5-9).
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الخامسة والعشرون – العددان 2، 3 (31-1-1997م)




