عيد الصعود المجيد

احتفلنا يوم الخميس الماضي بعيد صعود السيد المسيح إلى السماء. ونود أن نتأمل قليلًا في هذا العيد
عيد الصعود المجيد1
كيف كان الصعود……؟
1- قد كان صعود بالجسد، بالناسوت:
فاللاهوت لا يصعد ولا ينزل. إنه مالئ الكل، موجود في السماء وفي الأرض، وفي ما بينهما. فكيف يصعد إلى السماء وهو فيها؟! وكيف يترك الأرض ويصعد إلى السماء، وهو باق في الأرض أثناء صعوده؟! إذن لابد أن نقول ان السيد المسيح قد صعد الجسد (المتحد باللاهوت). وهذا ما نقوله له في صلاة القداس الغريغوري: “وعند صعودك إلى السماء جسديًا… ”
2- وقد يسأل البعض: هل في صعوده قد داس الرب على قانون الجاذبية؟
وللإجابة على هذا السؤال، نذكر نقطتين هامتين وهما:
أ- إن القوانين الطبيعية قد وضعها الله لتخضع لها الطبيعة، وليس ليخضع هو لها! فهل كان في الأمر معجزة؟
ب– إنها معجزة بالنسبة لنا نحن، إذ نرى السيد المسيح صاعدًا بجسده إلى فوق إلى السماء. ولكنها في الواقع أمر طبيعي بالنسبة إلى الجسد الممجد الذي قام به الرب، والذي قيل عنه من جهتنا إنه “الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده” (في3: 21) إذن المعجزة هي في هذا الجسد الممجد الذي صعد به المسيح
هذا الجسد الروحاني الذي على مثاله قال الرسول إن الإنسان يقام جسمًا روحانيًا “وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضًا صورة السماوي”(1كو15: 44، 49) هذا الجسد الروحاني السماوي هو الذي صعد به المسيح إلى السماء.
لم يكن هذا الصعود تعارضًا مع الطبيعة، إنما كان سموًا لطبيعة القيامة واتفاقًا معها
لو أن جسدًا ماديًا صعد إلى السماء، لقلنا إن هذا ضد قوانين الجاذبية الأرضية، أما أن يصعد جسد روحاني سماوي، فهذا امر يتفق مع سمو الطبيعة الجديدة التي يأخذها الجسد في القيامة، فيصير جسدًا روحانيًا” لأن لحمًا ودمًا لا يقدران أن يرثا ملكوت الله” (1كو15: 50)
حقاً إن جسد القيامة أو جسد الصعود: هو المعجزة
المعجزة هي تحويل الجسد المادي إلى جسد روحاني، إلى جسد سماوي، جسد ممجد، يمكنه أن يصعد إلى فوق. وهذا ما سوف يحدث لنا أيضًا في القيامة حينما “نتمجد معه” ونقوم “في عدم فساد”، و”نقوم في قوة” “في مجد” (1كو15: 42-44). الأحياء على الأرض في وقت القيامة، سوف يتغيرون “في لحظة”، “في طرفة عين”، “عند البوق الأخير”، “ويلبس هذا المائت عدم الموت” (1كو15: 52-53). ” ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء. وهكذا نكون كل حين مع الرب” (1تس4: 17) وهنا نقول عن صعود الرب نقطة أخرى وهي:
3- كان صعود الرب في السحاب:
“ارتفع وهم ينظرون. وأخذته سحابة عن أعينهم” (اع1: 9). والسحاب في الكتاب المقدس كان يرمز إلى مجد الرب وحلوله. ففي قصة مباركة السبعين شيخًا كمساعدين لموسى النبي، يقول الرب عن موسى “فنزل الرب في سحابة وتكلم معه… “. وفي الانتهاء من إقامة خيمة الاجتماع، قال الوحي الإلهي “ثم غطت السحابة خيمة الاجتماع، وملأ بها الرب المسكن. فلم يقدر موسى أن يدخل خيمة الاجتماع، لأن السحابة حلت عليها، وبهاء الرب ملأ المسكن” (خر40: 34- 35) وفي العهد الجديد قيل بعد معجزة التجلي ” وإذا سحابة قد ظللتهم. وصار صوت من السحابة: هذا هو أبني الحبيب له اسمعوا” (لو9: 35) (مر9: 7)
الصعود يعطى روح الرجاء
من كان يظن أثناء آلام الصلب، وما فيه من إهانات وتحقير، أنه سينتهي إلى هذا المجد في القيامة وفي الصعود وفي الجلوس عن يمين الآب؟! ألا يعطينا هذا ملء الرجاء حينما تحيط بنا الضيقات، فنتذكر أنه بعد أحزان الجلجثة، توجد أفراح القيامة وأمجاد الصعود…
كل ما في المسألة، أن الأمر يحتاج إلى إيمان وثقة وإلى صبر
هناك أشخاص حينما تأتيهم الضيقة تبتلعهم، وتظل نفوسهم داخلها حبيسة داخل الضيقة، كأن لا خلاص!! هؤلاء تنتهي حياتهم عند الجلجثة، في يأس بلا رجاء ولو كانت قصة المسيح قد انتهت بصلبه، لصرنا أشقى الناس
لكننا نفرح لأن قصة الصلب، أعقبها القيامة ثم الصعود. وفي القيامة أمكن تحطيم الموت، ولكن المسيح كان لا يزال على الأرض. أما الصعود، فقد ارتفع عن الأرض – في مجد – إلى السماء…
وكان صعوده دليلًا على قوته وعلى لاهوته. وكان ردًا عمليًا على من قد أعثرهم الصلب
فكما قام بقوته وحده، دون أن يقيمه أحد، هكذا صعد بقوته
كانت فيه قوة الصعود، كما كانت فيه قوة القيامة. وفي كلتيهما ظهر مجده. صعد على سحابة في مجد، كما سيأتي أيضًا في مجيئه الثاني، على السحاب في مجد. وهكذا قال لرؤساء الكهنة أثناء محاكمته قبل الصلب “من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا على سحاب السماء” (مت26: 64). وهذه العبارة تضيف أنه كان من أمجاد الصعود الجلوس عن يمين الآب
الجلوس عن يمين الآب
لهذا الجلوس شواهد في العهد القديم والعهد الجديد:
ففي العهد القديم نقرأ في المزمور “قال الرب لربي اجلس عن يميني، حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك” (مز110: 1) وهنا- في الجلوس- يدعوه ربًا مع مجد الانتصار على أعدائه.
وفي العهد الجديد تروى قصة الصعود في إنجيل مرقس “ثم أن الرب بعد ما كلمهم، ارتفع إلى السماء، وجلس عن يمين الله” (مر16: 19). وظهر هذا الجلوس في قصة استشهاد إسطفانوس أول الشمامسة، إذ قال ” ها أنا أنظر السماوات مفتوحة، وابن الانسان قائمًا عن يمين الله (أع7: 56)
وما أكثر الإشارات إلى جلوسه عن يمين الآب في الرسالة إلى العبرانيين، منها “بعد ما صنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا، جلس في يمين العظمة في الأعالي، صائرًا أعظم من الملائكة” (عب1: 3) {انظر أيضًا (عب8: 1)، (عب12: 2)}
هنا ونسأل: ما معنى الجلوس عن يمين الآب؟
إن الله ليس له يمين وشمال، لأنه غير محدود كما أنه لا يوجد فراغ عن يمينه يجلس فيه أحد، لأنه مالئ الكل. ولكن كلمة يمين تعني القوة والعظمة والبر، كما قيل في المزمور “يمين الرب صنعت قوة، يمين الرب رفعتني” (مز117). والمعنى أن المسيح جلس في عظمة الآب وفي قوته.
أي أن فترة إخلاء الذات (في2: 7) قد انتهت
كان قد ” أخلى نفسه” عندما تجسد “آخذًا صورة عبد، صائرًا في الهيئة كإنسان (في2: 7). أما بعد صعوده، فقد دخل في مجده وعبارة “جلس عن يمين الآب” تعني استقر. أي أنه مجد دائم، لا إخلاء فيه فيما بعد… الإخلاء الذي به وُلِدَ في مزود بقر، وعاش فقيرًا ليس له أين يسند رأسه “رجل أوجاع ومختبر الحزن” (اش53: 3). لذلك حينما يأتي في مجيئه الثاني سيأتي” بقوة ومجد كثير” (مت24: 30)، “في مجده وجميع الملائكة القديسين معه ” (مت25: 31). بل قيل “سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته. وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله” (مت16: 27)
التأمل في مجد الله
كثيرون يتخذون محبة الله وتواضعه ووداعته ومغفرته مجالًا للتأمل. وهذا حسن ونافع. فهل هناك فوائد روحية حينما نتأمل في مجد الله وعظمته؟ بلا شك إنها منابع كثيرة للروحيات.
أ- التأمل في مجد الله يقودنا للخشوع
البعض قد تقودهم مشاعر المحبة غير المنضبطة إلى الاستهتار، قائلين في كل تسيب وتجاوز: إن الله شفوق جدًا وحنون، ولابد سيغفر، كما لوكان الغفران ليس له شروط من التوبة والانسحاق. ونحن نحتاج إلى مشاعر الخشوع حينما نتأمل مجد الله وعظمته… الله غير المحدود، غير المدرك، الذي هو نور لا يدني منه، الذي تخر وتسجد أمامه الملائكة ورؤساء الملائكة… الذي أمامه يخشع الشاروبيم والسارافيم: بجناحين يغطون وجوههم وبجناحين يغطون أرجلهم… إن الصعود يغرس في قلوبنا مشاعر الخشوع
ب- وأيضًا مجد الله يغرس فينا المخافة والطاعة
ونحن محتاجون إلى كليهما، لأنه بدونهما لا يمكن أن نصل إلى المحبة الكاملة التي تنزع الخوف إلى خارج (1يو4: 18) وبدونهما لا نستطيع أن نصل إلى نقاوة القلب التي بها نعاين الله (مت5: 8)
وفي صعود الرب قد يقف أمامنا سؤال محرج وهو: لماذا نفرح بصعود الرب وهو بصعوده فارقنا؟
هل في صعوده فارقنا؟
كلا، لم يفارقنا مطلقًا، فقد وعدنا قائلًا
“ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت28: 20)
وقال لنا أيضًا ” حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم” (مت18: 20). وهو كائن معنا على مائدة الأفخارستيا، “عمانوئيل إلهنا الذي تفسيره الله معنا” (مت1: 23) وهو أيضًا ثابت فينا ونحن فيه (يو17) وهو أيضًا يحل بالإيمان في قلوبنا (أف3: 17) كل ما في الأمر أنه معنا بطريقة غير مرئية
لأننا في مواهب العهد الجديد صرنا في حالة النضوج الروحي، نعيش فيه بقول الرب “طوبى للذين آمنوا ولم يروا” (يو20: 29) إننا نؤمن بوجود الله معنا، دون أن نراه، ونؤمن بوجود الروح القدس فينا، دون أن نراه. يكفي أن نرى عمله ونلمس يده في حياتنا
العشرة أيام:
قبل صعود الرب وعد تلاميذه بأنه سيرسل لهم الروح القدس (لو24: 49). ومرت عشرة أيام، دون أن يرسل الروح… كانت أيامًا فيها انتظار الرب، بإيمان “انتظر الرب. تقو وليتشدد قلبك وانتظر الرب” (مز27: 14). وكانت أيضًا لتهيئة القلوب لاستقبال الروح بفرح…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 22-5-1988



