عندما أجلس إلى ذاتي

نحن الآن في أواخر شهر ديسمبر، وسنودع عام 74 بعد أيام قليلة. وقبل أن نبدأ العام الجديد نحتاج إلى جلسة هادئة مع النفس، وإلى حساب، وإلى توبة…
إننا نجلس كثيرًا مع بعضنا البعض، ولكن من المهم أن يجلس كل واحد إلى نفسه…
ولكن لعل بعضكم يسأل: ماذا أفعل عندما أجلس إلى ذاتي؟
عندما أجلس إلى ذاتي1
إنني ألا حظ أن كثيرين قد يحصلون على أيام عطلة، لأجل الراحة أو الترفيه عن النفس، أو لقضاء مصالح معينة، أو لأسباب عائلية…
ولكن يندر أن نجد إنسانًا يطلب يوم عطلة لكي يجلس إلى ذاته، يعتكف، ويفكر في حياته وفي مصيره الأبدي…!!
نحتاج إلى جلسة هادئة مع النفس، أو مع الله لكي نحاسب أنفسنا أمامه، ونرى ماذا عملنا، وماذا ينبغي أن نعمل.
في هذه الجلسة، نذكر خطايانا، إذ قال القديس أنطونيوس الكبير:
“إن ذكرنا خطايانا ينساها لنا الله، وإن نسيناها يذكرها لنا الله”.
نحاسب أنفسنا ونحكم عليها بعدل، كما قال القديس مكاريوس:
“أحكم يا أخي على نفسك، قبل أن يحكموا عليك”.
إنها جلسة حساب، جلسة قاض عادل، جلسة ضمير نزيه، تناقش فيها النفس علاقتها بذاتها، وعلاقاتها مع الله ومع الناس… ويحاول أن يخرج من كل ذلك بخطة حكيمة يسير عليها في حياته.
هناك أشخاص يعيشون في دوامة، أو في متاهة أو غيبوبة…
لا يدرون ما هم فيه. لا يعرفون كيف يسيرون، أو أين يسيرون وإلى أين… يسلمهم الأمس إلى اليوم، ويسلمهم اليوم إلى غد، دون أن يتولوا قيادة أنفسهم، كأنهم في غيبوبة عن أبديتهم، وعن روحياتهم، وعن خط سيرهم. يحتاجون أن يجلسوا ولو قليلًا إلى أنفسهم يتأملون حالهم، ويتدبرون أمورهم…
هناك من يحاسبون أنفسهم في نهاية كل عام، وهناك من يحاسبون أنفسهم في نهاية كل يوم. وهناك من يحاسب نفسه مباشرة بعد كل عمل. وأحكم من هؤلاء جميعًا من يحاسب نفسه على العمل قبل أن يعمله. فإن لم نستطع الوصول إلى هذه الدقة، فعلى الأقل في مناسبة العام الجديد نجلس لنحاسب أنفسنا.
في هذه الجلسة، لا تحاول أن تبرر نفسك أو تلتمس لها الأعذار، أو تنسب أخطاءك إلى الظروف الخارجية المحيطة، أو إلى العوائق، أو العثرات، أو إلى الآخرين وتدخلهم في حياتك…
كل إنسان يملك طاقة غضبية. فالإنسان الحكيم يوجه هذه الطاقة إلى نفسه وأخطائها، والإنسان الجاهل يوجه طاقته الغضبية إلى الناس وإلى الظروف. أما أنت فإن غضبت، قبل كل شيء اغضب على نفسك. وجه إليها اللوم في كل سقطاتها، ولا تعذرها إطلاقًا.
مع نفسك، كن في غاية الحزم ولا تعذرها. ومع الناس كن في غاية التسامح، وحاول أن تلتمس لهم عذرًا…
آفة الإنسان في روحياته؛ أنه يجامل نفسه أزيد مما يجب.
نفسه عزيزة عليه، وجميلة في نظره. ويرى نفسه باستمرار على حق، ويرى العيب كله على غيره. إذا اصطدم بغيره، فلابد أن غيره هو المخطئ…! ما أكثر ما يجامل الإنسان نفسه! ما أكثر شكواه من الناس ومن العالم ومن الأوضاع الخاطئة. حتى إن سقط، فليس هو السبب. إنما السبب يكمن في الظروف المحيطة!!
أما أنت فلا تبرر نفسك. هذا البر الذاتي لن ينفعك.
خطاياك التي تعترف بها، هي التي تغفر لك. أما إن قلت إنك لم تخطيء، فقد أبعدت نفسك عن المغفرة التي أعدها الرب للخطاة.
لقد قال الرب: “ما جئت لأدعو أبرارًا، بل خطاة إلى التوبة” “لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى”. إن كنت من هؤلاء الخطاة، أو من هؤلاء المرضى، إذن يكون لك نصيب في عمل المسيح الخلاصي. أما إن كنت بارًا فأنت إذن غير محتاج إلى المسيح، لكي يشفيك ويقويك… ما علاقتك بدم المسيح إن كنت بارًا؟! لا علاقة على الإطلاق…
إن اعترفت- ولو فيما بينك وبين نفسك- بأنك خاطئ، فستعمل على إصلاح أخطائك. أما إن اعتقدت أنك بار وغير مخطئ، فستبقى حيث أنت، لا تنصلح…
تفتيشك على أخطائك هو علامة من علامات الصحة الروحية. كل نقطة تكتشف الخطأ فيها، هي قريبة من التصويب. إذن لا تبرر ذاتك. ابحث عن أخطائك ادرسها، اكشفها، اعرضها على الطبيب السماوي. بكت نفسك عليها، لكي لا تعود إليها مرة أخرى.
قل لنفسك: إن تبريري لذاتي سوف لا يفيدني، وسوف لا يجعلني أتقدم في حياتي الروحية. لذلك لا تجامل نفسك حين تجلس إليها. حتى إن كانت هناك عوائق، فما مدى استسلامك لهذه العوائق؟ وإن كانت هناك عثرات، فما مدى استجابتك لهذه العثرات؟ وإن كانت هناك ظروف خارجية معطلة، فما مدى جهادك وصراعك وتعبك، لكي تنتصر عليها؟ …
اجلس إلى نفسك. استعرض حياتك كلها: خطاياك، عبادتك، مدى نموك الروحي، أسباب سقوطك، طرق العلاج.
وكن حازمًا، ابعد عن الأسباب التي تقودك إلى الخطية. وكما قال الكتاب: “إن كانت عينك اليمنى تعثرك، فأقلعها وألقها عنك… وإن كانت يدك اليمنى تعثرك، فأقطعها وألقها عنك”(متى 29:5و30) … إن كان من يعثرك أصدقاء، أو أحباء، أقارب، فأذكر قول الرب: “من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني”… وبالجملة “أذكر من أين سقطت وتنبه”(رؤ5:2).
اجلس مع نفسك جلسة مصيرية، تحدد فيها أهدافك ووسائلك، وتقيم فيها أعمالك ومبادئك، وتضع لنفسك خطة عمل.
الابن الضال ظل في ضياع حتى جلس مع نفسه جلسة مصيرية، استعرض فيها سوء حالته، وقرر الرجوع إلى أبية، ورجع. القديس أوغسطينوس كانت له مع نفسه جلسة مصيرية غيرت مجرى حياته إلى العكس، فتحول من شاب فاسد بعيد عن الله إلى قائد روحي عميق… وهكذا أنت اجلس مع نفسك هذه الجلسة المصيرية…
لا تكن جلستك مع نفسك للمحاسبة فقط، وإنما للعقوبة أيضًا…
هناك أشخاص يفهمون الغفران فهمًا خاطئًا، بحيث أنهم يخطئون ولا يريدون أن يتحملوا تبعة أخطائهم، ونتائج ومسئولية أعمالهم، يخطئون ولا يحتملون العقوبة. لا يريد الواحد منهم أن، يتعب بسبب ماضيه، ولا أن يقاسي بسبب أخطائه. يظن أن الغفران مجرد تنازل من الله عن عقوبة الخطية… وهذا كله لا يتمشى مع المفهوم الروحي أو اللاهوتي. فلو كان الغفران هو مجرد تنازل من الله عن حقوقه. فلماذا إذن التجسد؟ ولماذا الصلب والفداء؟! لابد إذًا أن تنال الخطية عقوبتها فإن كنا لا نحتمل العقوبة الأبدية، وسيمحوها الرب بدمه، فعلى الأقل ينبغي أن ننال عقوبة على الأرض.
عاقب نفسك إذًا، لا تغفر لنفسك بسهولة. واعلم إن الخطية التي لا تنال عقوبتها كما ينبغي، ولا تنسحق بسببها النفس وتذل، ما أسهل أن يرجع إليها الإنسان مرة أخرى…
لا تقل إن هذه الخطية قد عملتها في الماضي، ومرت وانتهت، ونلت عليها حلًا ومغفرة!! كلا، بل بكت نفسك باستمرار. وتذكر أن داود النبي بلل فراشه بدموعه فترات طويلة، بعد أن سمع حكم المغفرة من الله على فم ناثان… لكنه على الرغم من هذه المغفرة صارت دموعه له شرابًا نهارًا وليلًا، وصغرت نفسه في عينيه، وظل يبكتها زمانًا هو العمر كله، وهو يقول: “خطيئتي أمامي في كل حين”.
وأنت كذلك، لا تدلل نفسك، ولا تجامل نفسك، ولا تتساهل معها، ولا تسامحها بسهولة، كن شديدًا وحازمًا معها…
لا تقل إن هذه خطية بسيطة، وهذه خطية تافهة أو ضئيلة، فكل خطية هي ثورة ضد الله، وهي تمرد عليه، وخيانة له، وهي انفصال عنه، وعدم محبة. كل خطية هي نجاسة ودنس وسقوط وضعف، لا تظن أن الزنى فقط أو الفسق هو الذي ينجس الإنسان، فإن مجرد زلة اللسان تنجسه، لأن الرب قد قال: “بل ما يخرج من الفم هو ينجس الإنسان”…
إذن كن قويًا، ولا تسمح للخطية أن تنتصر عليك…
لا تضعف أمام محاربات الشيطان. كن رجلًا، وحارب حروب الرب في بسالة وفي صمود، ليس فقط في خطايا العمل واللسان، بل حتى في الفكر أيضًا، كما قال بولس الرسول: “مستأسرين كل فكر لطاعة المسيح”…
وإن أخطأت بكت نفسك. لا تنتظر حتى يأتيك التبكيت من الخارج، وإنما ابدأ أنت به. وكن شديدًا.
ولكن في تبكيتك وفي تأديبك لنفسك، احترس من شيطان اليأس:
إن الشيطان إذا وجدك في حالة توبة، سيدخل لعرقلة طريقك. فهو إما أن يخفف من شأن الخطية، ويهون الأمر عليك، لكي يقودك إلى الاستهتار واللامبالاة، وإما أن يأخذ طريقًا عكسيًا. فإن وجدك تبكت نفسك بشدة وتلوم نفسك بعنف، ما أسهل أن يدخل معك، ويساعدك بطريقته الخاصة، ويضخم في الخطية وعقوبتها، وفي مقدار مسئوليتك، وفي الحديث عن ضعفك واستهتارك، حتى يقودك إلى اليأس، ويشعرك لا فائدة منك، أو لا مغفرة لك، أو لا قيام من سقطتك. كما صرخ داود النبي في المزمور: “كثيرون يقولون لنفسي: ليس له خلاص بإلهه”(مز3).
إن يهوذا الإسخريوطي ندم على خطيئته، وارجع المال، واعترف قائلًا: “أخطأت إذ أسلمت دما بريئًا. ولكن الشيطان لم يتركه، بل حول الندم إلى يأس، فانتحار، وأهلك بذلك نفسه.
إذن حاسبوا أنفسكم، وعاقبوها، وبكتوها، في حدود الرجاء والفداء وإن وجدتم اليأس سيتطرق إليكم، اعلموا أن الشيطان قد دخل معكم في المحاسبة والمعاقبة.
في هذه السنة أقول لكم إن الكنيسة تحتاج إلى قديسين يكون وجودهم بركة لها. يرضى الرب على الكنيسة بسبهم.
نحن محتاجون إلى أمثال هؤلاء ليكونوا بركة للكنيسة وللشعب.
عندنا وعاظ كثيرون، ومعلمون وباحثون كثيرون. ومصلحون وخدام كثيرون. ولكننا محتاجون إلى قديسين يكونون بركة…
اجعلوا هذا العام جديدًا عليكم في كل شيء، عيشوه بقلب جديد وفكر جديد. ولا تهتموا فقط بأن تكونوا فيه مجرد تائبين، وإنما سيروا نحو الكمال.
إن التوبة هي الخطوة الأولى، ولكنها ليست كل شيء. هي مجرد بداءة لحياة القداسة التي لا تنتهي. لا يصح أن تقضوا عمركم كله صراعًا مع الخطية. انتهوا من هذا الصراع وادخلوا في طريق الكمال. وليكن الرب معكم. وكل عام وجميعكم بخير.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الأول) 3-1-1975م



