عمل النعمة

عمل النعمة[1]
أحب أن أكلمكم اليوم عن حياة النعمة، النعمة التي حركت قلب العروس في سفر النشيد، لكي تقوم من على فراشها، وتطلب حبيبها…
ما هي هذه النعمة؟ ولماذا يعطينا الله النعمة؟ وماذا ينبغي علينا حيالها؟ وما مجالات عمل هذه النعمة؟ وكيف تظهر؟ ومتى؟
عمل النعمة
ما هي النعمة:
النعمة هي قوة إلهية تحيط بالإنسان، وعمل إلهي يسند الإنسان في حياته، معونة إلهية تسند الإرادة الضعيفة والطبيعة الماثلة. هي المربية الحانية التي تربي القلب والفكر والحس في حياة الروح. والنعمة – لغويًا – هي إنعام من الله، يهب به الإنسان ما تعجز عنه إرادته.
أو نعمة أعطاها لنا الله هي نعمة الوجود، ثم نعمة أخرى هي خلقنا على صورته ومثاله، ثم جميع المواهب التي يهبنا إياها.
من هنا فإن جميع المواهب تدخل في عمل النعمة:
إنسان مثلًا وهبه الله ذكاءً، أو جمالًا، أو خيالًا، أو هدوءًا في الطبع… أو أية موهبة روحية من مواهب الروح، لأن النعمة تُعطي المواهب. وبالاختصار تدخل في النعمة كل الأمور العالية السامية التي هي فوق حدود الإرادة البشرية…
حتى الغنى العالمي، والبركات المادية، يسميها الناس نعمة.
فيقولون إن فلانًا يعيش في نعمة، أو عليه مظاهر النعمة. وينطوي تحت كل ما أنعم الله به على الإنسان.
والنعمة قد تكون عملًا روحيًا: تقود الإنسان إلى التوبة، أو تحرك فيه حنينًا نحو الله، أو تثير فيه حب الله وحب الخير، أو تشجعه في طريق الرب، أو تعطيه حرارة في الصلاة أو حرارة في الخدمة.
لماذا أعطينا النعمة؟
لأن عدونا قوي، وطبيعتنا أضعف منه…
الشيطان له طبيعة ملائكية. كان ملاكًا. وفي سقوطه فقد قداسته، ولكنه لم يفقد طبيعته. أما نحن فيقول عنا المزمور “أنقصته (وضعته) قليلًا عن الملائكة” (مز8: 5).
وبطبيعة الشيطان الملائكية له قوة. قال عنه بطرس الرسول إن “عدونا مثل “أَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ” (1بط5: 8).
وفي قصة أيوب الصديق، نرى كيف أن الشيطان أسقط البيوت، وبدد الخيرات، وتسبب في موت الأولاد. وضرب أيوب بقرح رديء من قمة الرأس إلى أخمص القدمين. وقيل عن الخطية التي يسببها إنها “طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ” (أم7: 26).
فإن كان عدونا بهذه القوة، فلا شك أن طبيعتنا الترابية لا يمكن أن تكفي وحدها. لذلك تحتاج إلى معونة النعمة.
والرب نفسه يعرف هذا، ولذلك قال لنا في صراحة تامة “بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا” (يو15: 5).
ومن أهمية النعمة، أن الكنيسة تطلبها لأجلنا، في البركة التي يعطيها الكاهن للمؤمن في نهاية كل اجتماع، إذ يقول: “محبة الله الآب، ونعمة ابنه الوحيد، وشركة وموهبة الروح القدس، تكون مع جميعكم”.
ومن أجمل العبارات التي تدل على كفاية النعمة وقوتها، قول الرب لبولس الرسول من جهة شوكته: “تَكْفِيكَ نِعْمَتِي” (2كو12: 9).
حقًا أن هذه النعمة تكفي، ولا يعوزنا معها شيء…
النعمة تُعطى للخطاة لكي تساعدهم على التوبة، تُعطى لغير المؤمنين لكي يقبلوا الإيمان. تُعطى للضعفاء لكي تمنحهم قوة. ولكنها ليست قاصرة على أن تسند الضعفاء والخطاة فحسب…
النعمة لازمة أيضًا للقديسين. بها ينمو القديسون في البر والقداسة. وبهذه النعمة يخدم الأبرار رسالة الملكوت…
النعمة تُعطي إمكانيات أزيد، وطاقات جديدة، ودفعات إلى قدام. وهي سر قوة الأقوياء. وإن لم يثبت الأقوياء في النعمة، فإنهم يفقدون قوتهم… كما حدث لشمشون…
مجالات عمل النعمة:
النعمة تعمل في كل سر من أسرار الكنيسة، وتعطي كل من ينال السر، موهبة غير منظورة…
من أجل هذا نحن نعمد الأطفال، ليس فقط من أجل أبديتهم، وإنما أيضًا لكي لا نحرمهم من نعمة الأسرار المقدسة.
ولهذا أيضًا كان المواظب على الكنيسة وأسرارها، ينال نعمًا عظيمة يحس فعلها في حياته ونموه…
في سر المعمودية ننال نعمة التبني، نعمة الميلاد الجديد والاغتسال من خطايانا، والتجديد والتطهير، ونصير أعضاء في جسد المسيح.
وفي سر الميرون ننال مسحة الروح والثبات فيها.
وفي سر الاعتراف ننال نعمة المغفرة والتوبة.
وفي سر التناول ننال غفرانًا وخلاصًا وثباتًا في الرب.
وفي سر الكهنوت ننال نعمة الحل والربط وسلطانًا من الرب.
وهكذا في كل سر، نأخذ نعمة خاصة، بركة خاصة، تسري فينا قوة خفية من الله…
وكما تأتينا النعمة بالأسرار الكنسية، تأتينا أيضًا بشفاعات القديسين، وبصلوات الكنيسة، وبرضى الوالدين، ورضى الآباء الروحيين، وبصلوات الفقراء الذين نحسن إليهم…
وتأتينا النعمة بالصلاة، وتأتينا كهبة مجانية دون أن نطلبها…
كثيرًا ما تأتينا النعمة دون أن نطلبها.
ومن أمثلة هذا الأمر الخروف الضال، الذي وهو في عمق الضلال، وجد قلبًا حنونًا يمسكه ويحمله على منكبيه فرحًا.
شاول الطرسوسي، وهو في عمق الاضطهاد للكنيسة، دون أن يصلي أو أن يطلب النعمة، قابلته النعمة في الطريق، وسمع صوت الرب يقول له: “صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ” (أع9: 5)…
إبراهيم وهو يمد يده ليذبح اسحق أتته النعمة دون أن يطلب، ومنعت يده من أن تفعل بالغلام شرًا.
لاوي (متى)، وهو في مكان الجباية، افتقدته النعمة دون أي طلب، وأخرجته من ذلك المكان ليصير رسولًا. وموسى وهو سائر في البرية، افتقدته النعمة ودعته ليكون نبيًا.
هكذا أنت، في لحظة لا تعرفها، تجد شعورًا في قلبك يدعوك إلى الله، وتجد نفسك قد التهبت بغير إرادتك.
في لحظة من اللحظات تسمع صوت الله في قلبك، تجد نفسك قد تخلصت من محبة الخطية، ولم تعد تشتاق إليها…
فما موقفك من هذه النعمة؟
موقفنا من النعمة
أولا: أطلب هذه النعمة بكل قوتك، وبكل اقتناعك…
تمسك بالرب وقل له: أنا بدونك يا رب لا أستطيع شيئًا. أعطني نعمتك. أعطني نعمة لكي أنتصر، ونعمة لكي أخدمك، نعمة تقويني، ونعمة تطهرني.
أشعر بقيمة النعمة في حياتك. ورتل مع داود مزمور النعمة:
“لولا أن الرب كان معنا، حين قام الناس علينا، لابتلعونا ونحن أحياء… مبارك هو الرب الذي لم يسلمنا فريسة لأسنانهم. نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين. الفخ أنكسر ونحن نجونا. عوننا من عند الرب الذي صنع السماء والأرض” (مز124).
نعم، ماذا بإمكان هذا العصفور المسكين أن يفعل؟ هل يستطيع أن يكسر الفخ؟! أو أن يقاوم؟ كلا…
لذلك لم يقل “لولا أنني قاومت…”، وإنما قال “لولا أن الرب كان معنا”. أنا؟ من أنا؟ أنا “دفعت لأسقط، والرب عضدني”، “على ظهري جلدني الخطاة، وأطالوا إثمهم”، وأنا لم انتصر عليهم بقوتي، وإنما “الرب صديق هو، يقطع أعناق الخطاة”.
لولا نعمة الله لهلكنا جميعًا، لولا أن الله أبقى لنا بقية، لشابهنا سدوم وعمورة، بقية من حياة، وبقية من حياء، وبقية من عدد…
النعمة هي أكبر سلاح ضد الضعف وضد اليأس…
هي معين من ليس له معين، ورجاء من ليس له رجاء، عزاء صغيري القلوب، ميناء الذين في العاصف.
هذه النعمة تفتقد كل إنسان. ولا يوجد أحد لم تفتقده النعمة. إنها تزور الكل. تجول تصنع خيرًا.
المهم، إذا أتتك النعمة، استسلم لها افتح لها قلبك، اشترك معها. في العمل. لا تطفئ الروح، ولا تحزن الروح. وكما يقول لنا الرسول:
“إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ“ (عب3: 15).
لا تفعل مثل السامرة في أول عهدها التي عندما أتاها المسيح، أغلقت أبوابها في وجهه. ولا تفعل مثل عروس النشيد التي تكاسلت عن الفتح لحبيبها عندما قرع بابها، فندمت كثيرًا وقالت: “حَبِيبِي تَحَوَّلَ وَعَبَرَ. نَفْسِي خَرَجَتْ عِنْدَمَا أَدْبَرَ” (نش5: 6) …
كم من أناس زارتهم النعمة، ولم يستجيبوا لها، وضاعت الفرصة. طرق الله بابهم، ولم يشعروا به، أو شعروا ولم يهتموا. مثلما قال الكتاب: “النُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ” (يو1: 5). هؤلاء لم يحسوا.. أما أولئك فقال عنهم الكتاب: “أَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً.” (يو3: 19) …
كثيرون لم يقبلوا النعمة حينما أتتهم. وعن هؤلاء قيل: “إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ” (يو1: 11).
النعمة تأتيك، ولكنها لا تلغي إرادتك. ما زلت حرًا، تقبلها أو لا تقبل. هي تقرع على بابك، وأنت تفتح أو لا تفتح..
ومع ذلك فكثيرون من الذين رفضوا عمل النعمة، رجعت إليهم النعمة مرة أخرى… السامرة عندما أغلقت أبوابها في وجه المسيح، لم يرفضها إلى الأبد. بل رجع إليها مرة أخرى وخلصها. وأوصى تلاميذه أن يشهدوا له في السامرة…
النعمة افتقدت اللص اليمين وهو معلق على الصليب. كان ممكنًا أن يهلك. ولكن النعمة افتقدته في آخر فرصة…
كثيرون انتشلتهم النعمة من النار، فلم يحترقوا…
حتى الذي يتجاهلها تقول له: “صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ” (أع9: 5). نعم إن النعمة تنخس القلب والضمير، فيتحرك. كما قيل عن الذين سمعوا بطرس يوم الخمسين، أنهم “نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ” (أع2: 37).
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “عمل النعمة”، مجلة الكرازة 7 نوفمبر1975م.



