عمل النعمة وأنواعها

عمل النعمة وأنواعها[1]
تكلمنا في الأسبوع الماضي عن النعمة، كلمة عامة. ونود في هذا اليوم أن نتكلم عن بعض أنواع من النعمة..
عمل النعمة وأنواعها
نعمة الدعوة:
الدعوة عمل من أعمال النعمة. لذلك يقول الكتاب: “الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ… فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا” (رو8: 29- 30).
ليس الانسان هو الذي يدعو نفسه، بل الدعوة تأتيه من الله، بعمل من النعمة. لهذا قال السيد المسيح لتلاميذه: “لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ” (يو15: 16). وقال الكتاب: “وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُوُّ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا” (عب5: 4).
أعجب نوع من هذه الدعوة الذين دعاهم الله من بطون أمهاتهم..
مثلما دعا يوحنا المعمدان من بطن أمه وملأه من الروح القدس، ومثلما دعا شمشون ونذره لنفسه قبل أن يولد. ومن أجمل الأمثلة لهذه الدعوة، قول الرب لإرميا النبي: “قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوبِ” (ار1: 5).
ماذا كانت إرادة إرميا قبل أن يولد؟ أو ماذا كانت قوته؟ ونفس الكلام يقال عن يعقوب أبى الآباء وغيره. ولكنها الدعوة التي دعت.
لا شك أن النعمة دعت بناء على علم الله السابق، الذي يعرف الناس قبل أن يولدوا، و”الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، ودَعَاهُمْ”. ولكن مع ذلك هناك كثيرون صالحون، ولم يدعهم الله ليكونوا رسلًا أو أنبياء أو كهنة.
إنما النعمة دعت أشخاصًا معينين، بناء على إرادة الله الصالحة وحكمته. كما قال بولس الرسول: “لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ” (غلا1: 15)..
ولعل البعض يسأل: وما ذنبي أن الله لم يدعني؟ نقول له: لا ذنب لك، إلا لو كان هناك عدم صلاحية بسبب أخطاء… وعلى العموم ليست الدعوة إلى الخدمة سوى الدعوة إلى الصليب، وإلى مسئولية، وإلى تعب وجهد وعرق ودموع، وكل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه.
وقد لا تكون رسولًا ولا نبيًا، ولكن “أَجْرَ نَبِيٍّ يَأْخُذُ” (مت10: 41). وماذا قال: “بل أعظم من نبي” (مت11: 9) … الله يهمه القلب والحب أيًا كان الوضع…
إن الخدمة اشتراك مع الله في عمله، في بناء ملكوته، لذلك كانت الدعوة إليها نعمة. والكل يشتاقون إلى هذه النعمة.
فإن كانت الخدمة نعمة، فماذا نقول إذن عن الذين يدعون فيعتذرون؟! يدعون إلى الكهنوت مثلًا، فيرفضون أو ترفض زوجاتهم أو آباؤهم وأمهاتهم!
إن رفض الدعوة أو أهمالها أو الاعتذار عنها، أمر خطير ينبغي أن يعمل له الإنسان ألف حساب. أن الذي يرفض الكهنوت من أجل سبب عالمي، إنما يرفض أن يكون وكيلًا لله، وخادمًا لمذبحه ووسيطًا للأسرار الإلهية، وشفيعًا بين الله والناس…!!
أن الدعوة نعمة تقدم للناس. هناك من يقبلها، وهناك من يرفضها.
لقد سبق للرب أن دعا أشخاصًا. فمنهم من اعتذر بدفن أبيه، ومن اعتذر بأن له خمسة أزواج بقر، أو له زوجة. ودعا الرب الشاب الغني، ومضى الشاب حزينًا..
الذي نقوله عن خدمة الكهنوت ورفضها، نقوله أيضًا عن الرهبنة، إنسان يدعوه الله، فتقوم قائمة أسرته كما لو كان قد هلك… أليست نعمة من الله، أن يسكن إنسان في بيت الرب، ويسمع بركة المزمور: “طوبى لكل السكان في بيتك، يباركونك إلى الأبد”… وبينما يرفض هؤلاء نعمة الدعوة، يقول بولس الرسول:
“لكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ… لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا، وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي” (غل1: 15- 17).
متى دُعي، فترك مكان الجباية، وتبع المسيح للتو. وبطرس وأندراوس لما دعيا تركا السفينة والشباك، والسامرية تركت الجرة، وموسى ترك قصر فرعون، وإبراهيم ترك أهله ووطنه وعشيرته وبيت أبيه.
كل اولئك استجابوا للدعوة، وأطاعوا، وضحوا من أجلها…
وأنتم إن لم تدعوا دعوة كبيرة كهؤلاء، فعلى الأقل دعيتم لتكونوا هياكل للروح القدس ومساكن لله، ليعمل الله فيكم وبكم. فمن منكم يجرؤ أن يرفض هذه الدعوة الإلهية؟!
ليت كل إنسان يصلي إلى الله بدموع أن ينال هذه الدعوة، وأن يراه الله مستحقًا… ولا يكون كالذي تمر به الدعوة فلا يشعر بها!!.. كــالنور الذي أضاء في الظلمة “وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ” (يو1: 5) …
هناك أشخاص يلقون بأنفسهم إلقاءً في طريق الرب، فيدعوهم بنعمته..
هم الذين يبدأون، ثم يدعوهم الله، حينما يختبر أمانتهم، أو بعد أن يعدهم… موسى الأمير ألقى بنفسه في طريق الله، ودافع عنه مرتكبًا أخطاء… فأخذه الله، وأعده في البرية، ثم أرسله…
في يوم من الأيام لم يكن يتوقعه موسى، أتاه صوت الله: “أَنَا إِلهُ أَبِيكَ،… فَالآنَ هَلُمَّ فَأُرْسِلُكَ إِلَى فِرْعَوْنَ” (خر3: 6، 10)…
إشعياء النبي مثل من أعجب الأمثلة في الدعوة… سمع صوت الرب قائلا: “مَنْ أُرْسِلُ؟ وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟…” (اش8:6).
فقدم إشعياء نفسه وقال للرب: “هأَنَذَا أَرْسِلْنِي” (إش6: 8).
من منكم سيلقي نفسه في طريق الرب قائلاً: “هأَنَذَا أَرْسِلْنِي”؟
إن الدعوة نعمة من الله، هناك من يسعى إليها، وهناك من تأتيه دون سعي فيقبلها، وهناك من تأتيه فيرفض…
نشكر الله الذي دعانا بنعمته، لنكون أبناء له، أمة مقدسة وكهنوتًا مبررًا، أهل بيت الله، وأعضاء جسده، وشهودًا لاسمه.
هناك أشخاصًا يعقدون الأمور، وكلما تأتيهم الدعوة يشكون، ويتساءلون أحقًا هذه دعوة؟! ولا يميزون صوت الله…
ليتنا نترك هذا التعقيد ونسلك مع الله ببساطة قلب.. قدموا أنفسكم لله، واسلكوا بنقاوة وبساطة واتضاع، وستأتيكم الدعوة…
من هنا كان بعض اللاهوتيين يقسم النعمة إلى نوعين:
نعمة سابقة، وهي التي تسبق إرادة الإنسان، ويبدأ بها الله، مثل الذين دعوا من بطون أمهاتهم. ونعمة مشاركة وهي التي يبدأ فيها الإنسان بأي عمل لأجل الله، فتأتيه النعمة وتشترك في العمل.
النعمة السابقة لا تتوقف على استحقاق الإنسان بل على جود الله وكرمه. والنعمة المشاركة قد تأتي بدون طلب لتقوية الإنسان في جهاده، وقد يصرخ الإنسان إلى الله طالبًا نعمته معترفًا بعجزه، فتأتيه.
على الإنسان أن يلقي شباكه في البحر، ولو يسهر الليل كله دون أن يصطاد شيئًا، فلا بد أن الله سيفتقده أخيرًا. لا بد أن يبدأ الإنسان، أية بداية مهما كانت ضعيفة، لأن الكسل ليس مقدمة لمجيء النعمة، ولكنها إذ ترى جهاده تأتي…
هذه النعمة على أنواع منها: النعمة الحافظة والنعمة المعطية.
النعمة الحافظة:
هي الحفظ الإلهي، هي تحقيق “لاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ” (مت6: 13). “حافظ الأطفال هو الرب” (مز116: 6)، “يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات. وأما أنت فلا يقتربون إليك” (مز91: 7).
ما أكثر اختبارات داود في المزامير عن عمل النعمة معه..
أننا لا نحمي أنفسنا وإنما الله هو الذي يحمينا “إن لم يحرس الرب المدينة، فباطلاً سهر الحارس” (مز127: 1). من أجل هذا يعيش أولاد الله في اطمئنان، معتمدين على هذه النعمة.
يدخل في نطاق هذه النعمة الملاك الحارس، وحفظ الله لدانيال في جب الأسود، وللثلاثة فتية في أتون النار، وبركة علامة الصليب التي اختبرها القديسون، والعذابات التي لم تضر الشهداء…
قد يقول إنسان: “أين هذا الحفظ؟ أنا لم اختبره”! نقول له الحفظ موجود، لكن ربما لضعف إيمانك لم تتمتع به.
ليت كل إنسان يسترجع تاريخ حياته، ويلبس حفظ الله له.. تأكد أنه لولا حفظ الله لك ما كنت تعيش إلى اليوم.
إننا كثيرًا ما نعتمد على عقولنا وقوتنا لتحفظنا، أو نعتمد على الناس وحيلهم ونترك نعمة الله الحافظة فلا نختبرها.
النعمة المعطية:
نعمة الله تُعطى، وبسخاء، ولا تعير. تفتح كوى السماء، وتسكب الخيرات، حتى نقول كفانا كفانا… كانت مع التلاميذ الذين خرجوا بلا كيس ولا مزود، ولم تدعهم معوزين شيئًا.. فجرت الماء من الصخرة، وأنزلت المن من السماء، وباركت القليل فصار كثيرًا..
“كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ” (يع1: 17).
هذه النعمة وهذه العطايا، كل من يطلبها يجدها، ومن يقرع تفتح له. إنما يجب أن يتجه الإنسان إلى الله كمصدر للعطية، حينئذ ينال ولا يحاول أن يعتمد على مصادر عالمية.
ينبغي أن تصر على الأخذ من الله. قل له: لن آخذ إلا منك. ولن أتركك حتى أنال. ولن أطلب من العالم، ولا من الناس، ولن اعتمد على مواهبي بل عليك وحدك.
إننا كثيرًا ما نعيش بعيدًا عن النعمة، ولكنها البركة التي نأخذها من الكنيسة في نهاية كل اجتماع. وما أكثر الحديث عنها في الرسائل الجامعة “نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ” (رو1: 7)، “انْمُوا فِي النِّعْمَةِ” (2بط3: 18)، “لِتُكْثَرْ لَكُمُ النِّعْمَةُ وَالسَّلاَمُ” (1بط1: 2).
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “عمل النعمة وأنواعها”، الكرازة 14 نوفمبر1975م.




