علاقة المسيح مع تلاميذه

يشرح قداسة البابا شنوده الثالث في هذه العظة عمق العلاقة بين السيد المسيح وتلاميذه، والتي تلخَّصها الآية: “إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم أحبهم إلى المنتهى.” هذه المحبة ليست مجرد علاقة مع الاثني عشر فقط، بل تمتد إلى كل من يتبع المسيح في كل جيل. كانت علاقة المسيح معهم مبنية على الحب، التعليم، الثقة، والرعاية حتى النهاية.
🔸 أولاً: محبة المسيح الكاملة لتلاميذه
المسيح أحبهم محبة خاصة، إذ اختارهم من بين العالم، دعاهم باسمه، وغسل أرجلهم ليُعلّمهم التواضع والخدمة. كما دافع عنهم أمام الكتبة والفريسيين حين اتهموهم، ووقف إلى جانبهم في ضعفهم، قائلاً لهم: “لا أعود أسميكم عبيدًا، بل أحبّاء.” ثم سمّاهم “إخوتي”، مؤكدًا بنوّتهم الروحية له.
🔸 ثانيًا: اختيار المسيح لتلاميذه
اختارهم المسيح من خلفيات متنوعة — صيادين، عشارين، وأناس بسطاء — ليُظهر أن قوته هي العاملة في الضعفاء. لم يختر الحكماء أو العظماء، بل “جهال العالم ليخزي بهم الحكماء”، حتى يكون فضل القوة لله لا لهم. هؤلاء البسطاء أخذوا التعليم من فم المسيح مباشرة، لا من فكرهم الخاص.
🔸 ثالثًا: التعليم الرسولي وتسليم الإيمان
المسيح أوصاهم قائلًا: “علّموهم جميع ما أوصيتكم به.” أي أن ما تسلموه منه هو الذي يسلمونه للعالم دون زيادة أو تحريف. وهذا ما حافظ عليه بولس الرسول بقوله: “تسلّمت من الرب ما سلّمتكم.” وهكذا انتقل الإيمان الرسولي من جيل إلى جيل بالتسليم، وليس بالآراء الشخصية أو الاجتهادات الخاصة.
🔸 رابعًا: علاقة المسيح اليومية معهم
عاش التلاميذ مع المسيح أكثر من ثلاث سنوات، يسمعون تعليمه، ويرون معجزاته، ويعاينون سلوكه الإلهي في الوداعة والمحبة. كان لهم تعليم خاص، وجلسات خاصة، بل حتى بعد القيامة، ظل يعلمهم الأمور المختصة بملكوت الله. هذه التعاليم، وإن لم تُكتب كلها، صارت حياةً في الكنيسة وتقاليد مقدسة.
🔸 خامسًا: المسيح في حنانه ودفاعه
كان السيد المسيح يحنو عليهم ويدافع عنهم حين يُنتقدون، مثلما فعل حين قالوا: “لماذا لا يصوم تلاميذك؟” فشرح لهم المعنى الروحي للصوم. وعندما اتهموهم بتعدي السبت، دافع عنهم وأوضح روح الشريعة. كانت علاقته بهم علاقة الأب بأبنائه، يصحح ويُعلّم بحب.
🔸 سادسًا: الصراحة في الوعد والضيق
كان المسيح صريحًا معهم، لم يعدهم براحة زمنية، بل قال لهم: “في العالم سيكون لكم ضيق.” لكنه في المقابل وعدهم بالمعونة قائلاً: “ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر.” هذه الصراحة جعلتهم لا يخافون الاضطهاد، بل فرحوا لأنهم وُجدوا مستأهلين أن يُهانوا من أجل اسمه.
🔸 سابعًا: محبتهم المتبادلة له
كما أحبهم المسيح حتى المنتهى، أحبوه هم أيضًا حتى المنتهى. تركوا كل شيء وتبعوه دون أن يعرفوا إلى أين يذهبون، وقالوا له: “تركنا كل شيء وتبعناك.” واحتمَلوا المشقات والاضطهاد، وكرّسوا حياتهم للبشارة بالمسيح حتى الاستشهاد.
🔸 ثامنًا: كمال العلاقة في المجد
أعطاهم المسيح الروح القدس والسلطان على التعليم والمغفرة، ووعدهم بمكان معه في مجده قائلاً: “حيث أكون أنا، تكونون أنتم أيضًا.” وفي صلاته إلى الآب قال: “ليكون الذين أعطيتني معي حيث أكون.” تلك هي غاية العلاقة: الاتحاد الأبدي بالمسيح في المحبة والقداسة.




