علاقة الله مع الإنسان منذ البدء وفي كل جيل – العطاء

يشرح قداسة البابا شنوده الثالث أن أول علاقة لله مع الإنسان هي علاقة العطاء. فالله في جوهره معطٍ بطبعه، يعطي دون أن يُطلب منه، ويعطي أكثر مما نطلب أو نفتكر. ومنذ بداية الخليقة، لم تكن علاقة الله بالإنسان مبنية على حاجة الله إلى الإنسان، بل على محبته وكرمه وجوده. خلق الله الإنسان لا ليستفيد منه، بل ليعطيه نعمة الوجود والحياة والخلود والعقل والبركة.
🔸 أولاً: الله أعطى الإنسان الوجود والكرامة
الله منح الإنسان أولًا نعمة الوجود، كما نقول في القداس الغريغوري: “كونتني إذ لم أكن.” فالخالق لم يكن محتاجًا لعبادة الإنسان أو تمجيده، لأن صفاته ومجده الأزلي يسبحانه قبل وجود الخليقة. خلق الإنسان من فيض محبته، لا عن احتياج، وأعطاه أن يوجد وأن يعيش في شركة مع الله.
🔸 ثانيًا: عطاء الله في الخلق والطبيعة
الله خلق للإنسان كل ما يحتاجه قبل أن يوجده — السماء سقفًا، والأرض ممهدة، والشمس والقمر لخدمته، والنبات والماء والطبيعة كلها لراحته. أعطاه طعامه، والثمار، والهواء، والجمال في الكون. كما نقول في القداس: “لم تدعني معوزًا شيئًا من أعمال كرامتك.” كل ما في الطبيعة هو عطية حبّ من الله للإنسان.
🔸 ثالثًا: عطاء الصورة والعقل والخلود
خلق الله الإنسان على صورته ومثاله، أي في البرّ والعقل والحرية، وأعطاه روحًا خالدة وعقلاً ناطقًا قادرًا على الفهم والإبداع والاستنتاج. بذلك جعله شريكًا في التفكير والحكمة، لا مجرد مخلوق خاضع.
🔸 رابعًا: عطاء السلطان والبركة
أعطى الله الإنسان سلطانًا على الخليقة كلها: “تسلّطوا على السمك والطيور وكل الحيوانات.” فكان آدم كاهن الخليقة وحاكمها، والكل خاضع له بسلام. كما بارك الله الإنسان وقال له: “أثمروا واكثروا واملأوا الأرض.” وكانت البركة أول عطية روحية ترافق الإنسان قبل أي لعنة أو تعب.
🔸 خامسًا: عطاء الصداقة والبنوة
من كرم الله أنه لم يكتفِ بعلاقة الخالق والمخلوق، بل دعا الإنسان إلى الصداقة معه، كما كان مع إبراهيم وموسى وأخنوخ. وفي العهد الجديد ارتفعت العلاقة أكثر، فأعطانا نعمة البنوة، إذ قال السيد المسيح لتلاميذه: “لا أعود أسميكم عبيدًا بل أحباء.” البنوة هي قمة العطاء الإلهي لأنها شركة في المحبة الأبدية.
🔸 سادسًا: عطاء الفداء والنعمة
لمّا سقط الإنسان، لم يتوقف عطاء الله، بل زاد عطاؤه، فقدم نفسه فداءً عن البشرية. أعطانا الأسرار المقدسة، والتوبة، والغفران، والروح القدس الساكن فينا، والتبرير بدمه الكريم. فالله في عطائه لا يكتفي أن يعفو، بل يعيدنا إلى صورته الأولى.
🔸 سابعًا: عطاء المجد الأبدي
الله لا يعطي فقط في الأرض، بل يمتد عطاؤه إلى الأبدية، إذ وعدنا بالمجد الذي له: “والمجد الذي أعطيتني أعطيتهم.” في القيامة يقيمنا في مجد، كما أقيم هو في مجده، ليكون عطاؤه كاملًا لا نهاية له.
🔸 ثامنًا: دعوة البابا الروحية
يختم البابا شنوده بتأمل جميل: الله في صفاته هو “العطاء الدائم”، وكل من يريد أن يكون على صورته يجب أن يكون معطيًا. فالعطاء ليس واجبًا بل هو طبيعة إلهية نقتدي بها. المؤمن الحقيقي يعطي من محبته، لأن الله أولًا أحبنا وأعطانا كل شيء.




