عقيدتنا في طبيعة السيد المسيح

يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث في هذه المحاضرة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في طبيعة السيد المسيح، موضحًا جوهر الإيمان بوحدة اللاهوت والناسوت في شخص واحد هو الإله الكلمة المتجسد. كما يستعرض تاريخ البدع التي واجهت هذه العقيدة منذ القرون الأولى، وموقف الكنيسة الأرثوذكسية منها.
الفكرة الأساسية
السيد المسيح بحسب الإيمان الأرثوذكسي هو “الإله الكلمة المتجسد”، كامل في لاهوته وكامل في ناسوته، واللاهوت والناسوت اتحدا اتحادًا أقنوميًا جوهريًا بلا انفصال لحظة واحدة ولا طرفة عين. هذا الاتحاد ليس اختلاطًا أو امتزاجًا أو تغييرًا، بل اتحاد كامل بين الطبيعتين في طبيعة واحدة بعد الاتحاد، تُسمى “طبيعة الإله المتجسد”.
شرح الاتحاد
قداسة البابا يوضح أن هذا الاتحاد تم في بطن العذراء مريم بالروح القدس، فالمسيح تجسد منها وصار إنسانًا كاملاً ذا جسد وروح، واتحد اللاهوت بالناسوت في كيان واحد. ومن ثم لا يجوز أن نتحدث عن “طبيعتين بعد الاتحاد”، بل عن طبيعة واحدة من طبيعتين، أي اتحاد اللاهوت والناسوت معًا.
ويشبّه البابا هذا الاتحاد باتحاد النفس بالجسد في الإنسان، إذ يشكلان طبيعة واحدة هي “الطبيعة البشرية”، دون أن يفقد أي منهما خصائصه، كذلك في المسيح اللاهوت والناسوت اتحدا في طبيعة واحدة دون أن يختلطا أو يتغيرا.
موقف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
الكنيسة القبطية تؤمن بالطبيعة الواحدة، وتشترك معها في ذلك الكنائس الأرثوذكسية الشرقية مثل الإثيوبية والسريانية والهندية والأرمنية، في حين تؤمن الكنائس الخلقيدونية (اليونانية، الروسية، الرومانية، والكاثوليكية) بالطبيعتين. وقد نشأ الخلاف في مجمع خلقيدونية سنة 451م، حيث اعتُبر أصحاب الإيمان بالطبيعة الواحدة “هرطوقيين”، رغم أن تعليمهم هو التعليم الأرثوذكسي الأصيل الذي وضعه القديس كيرلس الكبير.
البدع والهرطقات التي واجهت العقيدة
يستعرض البابا خمس بدع رئيسية:
-
بدعة أريوس: التي أنكرت لاهوت المسيح واعتبرته مخلوقًا، وقد حُكم عليها في مجمع نيقية (325م).
-
بدعة أبوليناريوس: التي أنكرت أن للمسيح روحًا إنسانية، ورفضتها الكنيسة لأنها تُنكر كمال ناسوته.
-
بدعة نسطور: الذي فصل بين اللاهوت والناسوت ورفض لقب “والدة الإله” للعذراء مريم، فحُرم في مجمع أفسس (431م).
-
بدعة أوطيخا: التي ذابت فيها الناسوتية في اللاهوت، فأنكرت بشرية المسيح الكاملة.
-
البدعة الخلقيدونية: التي أكدت وجود طبيعتين منفصلتين بعد الاتحاد، ما يناقض جوهر الفداء ووحدة الكفارة.
العقيدة الأرثوذكسية في اتحاد الطبيعتين
الاتحاد بين اللاهوت والناسوت تم “بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير”، ولم يتحول اللاهوت إلى ناسوت أو العكس. اللاهوت غير قابل للألم، لكن عندما تألم الناسوت كان متحدًا باللاهوت، لذلك نقول إن “الرب المجد صُلب”، لأن الذي تألم هو المسيح الواحد، لا الناسوت وحده ولا اللاهوت وحده.
البعد الفدائي والروحي
يؤكد قداسة البابا أن وحدة الطبيعة ضرورية للفداء، لأن الكفارة لا تكون غير محدودة إلا إذا كان الذي مات هو الإله المتجسد. فلو كانت الطبيعتان منفصلتين، لكان الموت فقط في الطبيعة البشرية المحدودة، وبالتالي لا يكون الفداء غير محدود. أما اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص واحد، فقد منح الذبيحة قيمة غير محدودة، تكفي لغفران خطايا العالم كله.
خلاصة العقيدة
-
المسيح هو “إله كامل وإنسان كامل” في طبيعة واحدة.
-
الاتحاد تم في بطن العذراء مريم بالروح القدس.
-
اللاهوت لم ينفصل عن الناسوت أبدًا، لا في الميلاد ولا في الصليب ولا في الموت ولا في القيامة.
-
وحدة الطبيعة تحفظ سر الفداء وتعلن مجد الله المتجسد.
-
الإيمان بالطبيعة الواحدة هو أساس العقيدة الأرثوذكسية كما سلّمها الآباء.



