عظات عيد الميلاد المجيد
| الكتاب | موسوعة الأعياد والمناسبات -عيد الميلاد المجيد |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، مارس2022م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 23650/ 2021م |
| الترقيم الدولي | 978-977-86014-4-2 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم موسوعة الأعياد والمناسبات:
الجزء الثاني – عيد الميلاد المجيد
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
يواصل مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث إصدار موسوعات البابا شنوده، وهذه الموسوعة التاسعة عشر حول "المناسبات والأعياد".
وبين يديك الكتاب الثاني من هذه الموسوعة "عظات عيد الميلاد المجيد" وهو تجميع لكلمات قداسته التي ألقاها في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في أعياد الميلاد منذ عام 1972م وحتى عام 2012م.
كما قمنا بوضع فصل يضم بعض الرسائل البابوية لقداسة البابا شنوده الثالث التي كان يرسلها كل عيد ميلاد لأبنائه في المهجر.
وهذه الموسوعة تتميز بأنها تجمع كل عظات قداسة البابا شنوده التي ألقاها بمناسبة ميلاد السيد المسيح ومعجزة التجسد الإلهي...
كما نحب أن نوضح لك أيها القارئ العزيز أنه تمّ وضع العظات كما هي بدون حذف أو تغيير في أي عبارة من كلمات قداسة البابا شنوده الثالث. كما أننا احتفظنا بكلمات قداسته التاريخية التي كان يقولها في بداية العظة، وهي بمثابة توثيق للتاريخ المعاصر والفترة التي كانت تمر بها الكنيسة والبلاد في ذلك الوقت. ومثلها صلوات قداسته في نهاية كل عظة.
في هذا الكتاب أيضًا قمنا بتسجيل العظة الأخيرة التي ألقاها قداسة البابا شنوده بمناسبة عيد الميلاد في يناير 2012م.. وأثرنا تسميتها بهذا العنوان "العظة الأخيرة"، وفي هذه العظة تحدث قداسة البابا شنوده برؤية إنسان روحي وطني محب لبلده، فطرح تساؤلاً وأجاب عليه، فقال: "مَصرُ.. إلى أين؟" هذا الذي جاء وسط أجواء صعبة يقول فيها الناس جميعًا: "مصر بلادنا العزيزة المحبوبة.. إلى أين؟!".
قطعًا إلى الخير والبركة، لا بلونًا من التفاؤل وإنما بإيماننا بتدخل الله في سائر الأمور لكي يُسَيرها في الطريق السليم. إلهنا الصالح يحب مصر، ويحب المصريين، ويرجو لهم السلام والخير؛ لذلك إيماننا بتدخل الله أن كل الأمور سوف تؤولُ إلى الخير والبركة بمشيئة الله".
أما عن التأملات الروحية المشبعة التي كان يُثري أسماعنا بها فهي كفيلة أن تغرز في النفس معانٍ جديدة عن ميلاد ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي جاء يُعطينا سلامًا يفوق كل عقل وقلب، جاء يصنع خيرًا ورحمة مع كل أحد، جاء يمنح شفاءً ورجاءً لكل مريض ويائس، جاء يحتضن الخاطئ والمحتقر والمرذول من الناس، جاء يعطي أملاً لحياة أفضل لكل أحد "أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ" (يو10: 10).
نتمنى لكم أوقات مباركة بشفاعة العذراء مريم والدة الإله، والبابا شنوده الثالث.. وصلوات قداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث
الفصل الأول – السبعينات (1972 - 1979م)
النور جاء إلى الظلمة[1]
أحب في هذا اليوم المبارك أن أهنئكم جميعًا بعيدِ ميلاد الرَّب يسوع المسيح الذي جاء لنّا خلاصًا وفداءً. عندما جاء السيد المسيح إلى العالم قال عنه الكتاب: "وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ. إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يو1: 5، 11).. لم يفرح الجميع بميلاد المسيح كما نفرح اليوم، وإنما هناك من تضايق!
كان ميلادُ السيد المسيح فرحًا للعالم، ولذلك قالت الملائكة للرعاة: "فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ" (لو2: 10). والمجوس أيضًا فرحوا فرحًا عظيمًا عندما رأوا الصبي. ولكن وسط هذه الأفراح تضايق هيرودس ملك اليهود، ظنَّ في المسيحِ منافسًا له، ظنَّ أن المسيح سيأخذ المُلك منه.
هيرودس ملك اليهود
كان هيرودس يُفكر في ذاته ولا يفكر في خلاص كل الشعب، كان إنسانًا يبحث عن مجد نفسه ولم يكن يبحث عن مجد الله، كان يريدُ أن يكون ملكًا على عرشٍ أرضي، ولم يُرد أن يكون ملكًا على مشاعره وأفكاره وقلبه من الداخل. امتلك عرشًا ولم يمتلك ذاته ولم يمتلك الله! لذلك عندما سمع أن المسيح قد وُلد يقول الكتاب: "فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ" (مت2: 3).
كنا نظن أن أورشليم تفرح بمجيء المسيح، تفرح لأن أيام افتقادها قد جاءت، تفرح بهذا الخلاص العظيم كما فرح سمعان الشيخ وقال: "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ" (لو2: 29، 30) ولكن أورشليم لم تفرح. هيرودس اضطرب وكل الشعب معه لأنه كان يفكر في ذاتِه وليس في المسيح.
ويا ليته كان يفكر في ذاته تفكيرًا سليمًا.. إذًا لفكر في خلاص نفسه، وإذًا لفكر في أن المسيح سيكون بركةً له ولكلِّ الشعب، لكنه فكر في ذاته في مجدٍ أرضي زائل، وفي كرامةٍ عالمية ستنتهي، فكر في نفسه كملكٍ أرضي وخافَ من المسيح..!
كثيرٌ من الناس يأخذون موقف هيرودس نفسه، يخافون من المسيح ويرفضونه.
لأنهم يفكرون في ذواتهم وليس في مجدِ الرَّبِ. إننا نعجبُ عندما نرى أن السيد المسيح قد جاء إلى العالم ورُفِض! إلى خاصته جاء وخاصتهُ لم تقبله! كان المنتظر أن يكون اليهود هم أول من يقبل المسيح لأنه منهم حسب الجسد ولكن الكتاب يقول: "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يو1: 11).
رفض اليهود حنان المسيح وحبه
والعجيبُ أنَّ السيد المسيح الذي كله حب، وكله حنان، وكله شفقة، كان مرفوضًا من كثيرين!
عندما ذهب إلى مدينته "بيت لحم" رفضته أيضًا واستهزئت به وقالت: "هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟!" (مت13: 55). حتى أنه قال لهم: "لَيْسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَةٍ إِلاَّ فِي وَطَنِهِ وَفِي بَيْتِهِ" (مت13: 57). وأيضًا عندما ذهب إلى السامرة أغلقت أبوابها في وجهه، وقام عليه اليهود وقالوا لبيلاطس: "اصلبه، اصلبه". هذا هو المسيح الذي رُفض من الخطاة، والذي رُفض من شعبه، والذي رُفض من خاصته، ولا نحب أن يكون المسيح مرفوضًا من واحدٍ منّا.
"النُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ... وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ" (يو1: 5، 12).
أشخاص رفضوا المسيح
كثيرٌ منا في بعض الأوقات يرفض المسيح عندما يجيء، يشعر أن السيد المسيح سيحرمه من رغبة معينة أو من شهوة خاصة. عندما وقف الشاب الغني أمام المسيح وسأله عن الخلاص قال له الرب: "اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ... فمَضَى حَزِينًا" (مر10: 21، 22) أحزنته كلمة الله لأنه كان ذا أموال كثيرة.
كثيرٌ من الناس يرفضون المسيح لأنه يحرمهم من رغبة، أو من شهوة، أو من عادة، أو من لذةٍ عالمية، يشعرون أن طريقه صعب!! وهكذا أيضًا كل وصايا الله بنفس الوضع. هناك من يقبلها بفرح كما قبل المجوس المسيح بفرح، وهناك من يرفضها ويتضايق منها مثلما رفض هيرودس المسيح.
شخصٌ مثل داود النبي يقول: فرحتُ بكلامك كمن وجدَ غنائم كثيرة، "أَبْتَهِجُ أَنَا بِكَلاَمِكَ كَمَنْ وَجَدَ غَنِيمَةً وَافِرَةً" (مز119: 162) وجدتُ كلامك كالشهد فأكلته.. وهناك أشخاص عندما تقف أمامهم وصية الله يتعبون ويتضايقون لأن هذه الوصية تكشف خطاياهم فيتعبون!!
فليكن لنا الفرح الكثير بالرب، ليكن لنا الفرح بوصايا الله، وليكن لنا الفرح بالعبادة. وصية الله هي هي ولكنها مُفرحة للبعض ومحزنة للبعض الآخر..
مفرحة لمن يقبلها لكي تُضيء حياته..
ومحزنة لمن يستصعب السلوك فيها ويشعر إنها تُتعب ضميره.
ونحن في هذا اليوم نريد أن نقبل المسيح بفرح، نريد أن نشعر بلذةً في الوجود معه، نريد أن نقبله داخل قلوبنا ولا نرفضه مثلما رفضه الخطاة. نريد أن نشعر أن مولد المسيح هو مولدٌ لحياةٍ جديدةٍ في تاريخنا الشخصي، نُريدُ أن نقدم الذات تضحيةً في سبيل محبته ولا نحب أن نتمركز حول ذواتنا مثلما تمركز هيرودس..!
العظمة الحقيقية
السيدُ المسيحُ كان يعلم أن هيرودس سيحسده وسيخاف منه ولذلك لم يأتِ منافسًا له..
جاء السيد المسيح فوُلد في مذود، في قرية تُدعى "بيت لحم"، لو أنه وُلد في قصرٍ كبير وفي بذخٍ وفي ترف، وفي غنى، لكان ممكنًا أن يكون لهيرودس حُجة. أما وقد وُلد المسيح في مذود بقر، فماذا بقيَ إذًا؟
السيد المسيح كان يرفض تلك العظمة التي يتمسك بها هيرودس الملك، كان يرفض تلك المملكة التي يهتم بها هيرودس. لم يكن يبحث عن العظمةِ الخارجية، فالعظمة كانت كامنةً داخل قلبه، وداخل حياته، ولم يكن ينقصه عظمة من الخارج. كان هذا المُلك الذي يتمسك به هيرودس هو شيء تافه عند السيد المسيح. ما هو مُلك العالم؟ وما هو العالم كله؟ كله تافه، يشتهيه التافهون!! ولذلك لم يهتم بهذه المملكة.
جاء متواضعًا وُلد في قرية حقيرة تُدعى "بيت لحم"، ووُلد في مكانٍ حقيرٍ هو مذود بقر، ووُلد من أمٍ فقيرةٍ لم تجد من يعولها إلاَّ ذلك النجار الفقير هي السيدة العذراء.. وأظهر لنا أن العظمة ليست عظمة المظاهر إنما عظمة القلب الثابت في محبة الله، القلب النقي القدوس.
وهكذا استطاع السيد المسيح أن يحول مذود البقر إلى مزارٍ يسجدُ فيه الملوك والأباطرة ويجدون كل البركة في أن يقبلوا التراب الذي فيه. ووضع لنا السيد المسيح مثالًا للعظمةِ الحقيقية البعيدة عن المظاهر، البعيدة عن الغنى، البعيدة عن الألقاب. العظمة التي تتركز في نقاوةِ القلب وفي الصلّة بالله.
وهكذا عاش السيد المسيح على الأرض ليس له أين يسند رأسه، ليس له مكانٌ أو بيت، ليس له لقبٌ ولا وظيفة في وسط الناس، وليس له مالٌ ولا غنى، وإنما كان له كل التأثير على الناس بشخصهِ القوي العميق بسلطانه الداخلي.
تمتع هيرودس بالمُلك ومات... ورفض السيد المسيح المُلك الأرضي ولكنه استطاع أن يملك على قلوب الناس، واستطاع أن يملك على أفكار الناس، واستطاع أن يُكَون مملكةً روحية هي ملكوت الله على الأرض. وهذا هو المُلك الذي بشر به المسيح.
السيد المسيح لم يوافق على مملكةٍ أرضية وإنما أراد المُلك الروحي، المُلك الذي يملك فيه الإنسان على ذاته، ويملك فيه الله على قلب الإنسان. وهذا هو المُلك الذي نريده اليوم ونريدُ أن نحيا فيه حينما نتذكر ميلاد المسيح. نبعد عن المظاهر الخارجية، ونهتم بحالة القلب الداخلية.
أرجو لكم في هذا اليوم عيدًا سعيدًا مباركًا، أرجو أن تستقبلوه بكل قداسةٍ تليقُ بهذا اليوم المقدس، وأن تعيشوا فيه في فرحٍ روحي يليق بأولاد الله.
وأرجو أن يعيد الله عليكم هذا اليوم وأنتم في كامل الفرح وفي كامل البهجة، ويجعله فاتحة خير وسلام. كونوا بخير، عيدٌ سعيدٌ لكم جميعًا.. لإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1972م
مثالية السيد المسيح
مثالية السيد المسيح[1]
في هذا اليوم الذي نحتفلُ فيه بميلادِ السيد المسيح له المجد، إنما نذكر المعاني الروحية الجميلة التي يشملها هذا العيد السعيد.. فقد جاء السيدُ المسيح لكي يخلص العالم من الخطيئة.. وجاء أيضًا حبًا وسلامًا للأرض كلها.. وجاء كذلك نورًا للجالسين في الظلمة..
العبادات الوثنية
كان العالم قد فقد الحقَّ.. ولم يعرف الطريق إليه..
في ذلك الحين كانت العبادات الوثنية قد انتشرت في الأرضِ كلها، وزهد الناس الله.. حتى الفلسفات الكثيرة لحكماء الأرض تركت الناس في متاهةٍ فلم يعرفوا الحق أين هو؟!
الديانة اليهودية
وحتى ديانة الله التي كانت معروفة وقتذاك، الديانة اليهودية، فقد أخطأ اليهود في تفسير الشريعة حتى قال لهم السيد المسيح: "تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ" (مر7: 8).
وجاء السيد المسيح نورٌ للناس.. ينشر بينهم التعليم الصحيح، ويعطيهم الصورة المثالية للحياة المقدسة الحقة.
المثالية العجيبة
وعلى الرغم من فساد العالم وقتذاك، إلاَّ أن السيد المسيح نشر وسط الناس مثالية عجيبة عميقة.. مثالية في التعليم.. في السيرة.. في الحياة.. في السلوك.
لم يشأ المسيح أن يكون الناس في مستوى أقل من الكمالِ، بل أراد أن يكونوا كاملين في كل شيء، فقال لهم: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48). وقال لهم أيضًا: "كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (1بط1: 16).
السيد المسيح لم يرد أن يعيشَ الناس في المستوى العادي، وإنما أرادهم أن يعيشوا في سموٍ، يتفق مع الطبيعة الجميلة التي خلقهم الله بها..
لقد خلقنا الله صورةً ومثالًا له، وأعطانا كل الإمكانيات لكي نعيش في "الْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ" (عب12: 14).
مثالية الأخلاق
السيد المسيح نشر مثالية عميقة، على الرغم من الفسادِ الموجود وقتذاك لم يعطهم مستوى معين يتفق مع الحالة الرديئة التي كان الناس يعيشون فيها وسأضرب لكم أمثلة عدة:
من الناحية الأخلاقية؛ كان الفسادُ الخلقي منتشرًا إلى حدٍ بشع.. حتى أن بعض أنواع الفجور كانت جزءًا من الطقوس الوثنية في بعض الديانات..
ومع ذلك نرى السيد المسيح لا يقول: "لاَ تَزْنِ"، وإنما يقول: "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" (مت5: 27، 28).
ارتفع المستوى الخلاقي فوق مستوى العمل، إلى إدانةِ الفكر الخاطئ.. والشهوة الخاطئة.. والنظرة الخاطئة.
مثالية التواضع
كانت الكبرياء مسيطرةً في ذلك الجيل، سواء في ذلك غطرسة اليهود أو غطرسة الرومان..
غطرسة اليهود، إذ كانوا يعتقدون أنهم هم وحدهم شعب الله.. والله لهم فقط دون سائرِ البشر وكانوا يفتخرون بأنهم أولاد إبراهيم، لذلك عاشوا في كبرياء النسب والدم. متحوصلين حول أنفسهم.. منعزلين عن باقي العالم.. شاعرين أنهم أسمى من الكل.
وغطرسة الرومان؛ والشعب الحاكم في ذلك الوقت.. إذ كانوا مفتخرين بجنسيتهم وحكمهم وسلطتهم.. يعتبرون جميع الناس غير الرومان أنهم برابرة (كانت كلمة بارباروس
Barbaric في اللغة الرومانية معاهنا أجنبي، أي أن كل أجنبي يعتبر بربريًا في نظر الرومان).
وسط هذه الغطرسة الكبيرة بين الرومان واليهود، جاء السيد المسيح لينشر مثالية عجيبة في التواضع.. وفي إنكارِ الذاتِ وفي الاِنسحاقِ.. وفي المعيشةِ الهادئة البعيدة عن كل مظهر منتفخ أو متكبر.
مثالية الحب
والمسيح أيضًا أعطى الناس مثالية عجيبة في الحب، فطلب من الناس لا أن يحبوا أصدقاءهم فقط، بل يحبوا أعداءهم أيضًا فقال: "إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟... وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أيضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟.. أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 43- 47).
مثالية السلام
وقدم السيد المسيح مثالية عجيبة في السلام بين الناس، إذ كان ينشر السلام في كل مكان.
السلام بين الله والإنسان.. والسلام بين الناس بعضهم لبعض. والسلام بين الروح والجسد في الإنسان الواحد..
أما السلام بين الناس فوضع مثالية عجيبة.. قال: "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أيضًا.. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أيضًا.. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلًا وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ.." (مت5: 39- 42).
أراد للناس أن يكسبوا بعضهم البعض، وأن يعيشوا في سلام، وأن يرتفعوا فوق مستوى الخلافات..
وهكذا قالت المسيحية: "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" (رو12: 21).. إن أخطأ إليك إنسان فأخطات إليه، أو رددت بالمثل صرت مثله مخطئًا ولكن إن أخطأ إليك أحد، فأحببته من كل قلبك، وبذلت ذاتك عنه، حينئذ تكون مثاليًا في تصرفك، ولذلك قال الكتاب: "فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ" (أم25: 21)، (رو12: 20).
هكذا كانت المثالية التي قدمها السيد المسيح في كل شيء، بل قدم أيضًا مثالية في العطاء ووضع أسسًا في الحياة الاشتراكية على أساس من الحب والتعاون فقال: "مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ" (مت5: 42)، وهكذا ارتفع كثيرًا فوق مستوى العشور الذي كان موجودًا في الديانة اليهودية.. بل قال: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ.. وَتَعَالَ اتْبَعْنِي" (مت19: 21).
وهكذا لامَ السيد المسيح الأغنياء الذين يكنزون كنوزًا على الأرض "حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ" (مت6: 19)..
وهكذا نرى نتيجة لذلك أن عاشت الكنيسة الأولى المثل الأعلى للحياة الاشتراكية في مبدأ القرن الأول للمسيحية، ويقول الكتاب: "كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا" (أع2: 44). "ولَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا" (أع 4: 32).
الحياة الحقيقية
هذه هي المثالية التي قدمها السيد المسيح في كل شيء.. ويعوزنا الوقت لو فحصنا في كل جوانب الحياة لكي نرى وجه المثالية فيها، وإنما قدم المسيح هذه المثالية للناس مهما كانت ضعفاتهم.. كان يعرف أن في قلب كل إنسان طاقة عجيبة نحو الخير إن أحسن استغلالها، وإن أحسن توجيهها..
ليس الإنسان مخلوقًا عاجزًا.. وليس الإنسان ميالًا للشر بطبيعته.. فالله الحكيم القدوس القادر على كل شيء لم يخلق شيئًا شريرًا، إنما خلق الإنسان على أحسن وضع ممكن، وزوده بروحه لحب الخير.. يبقى أن توجه هذه الروح نحو الخير، فتنفجر طاقة خيرة من الإنسان..
نحو عالم أفضل
وهكذا وجدنا أن العالم وقتذاك أحب المثالية العجيبة التي دعا إليها المسيح، وبدأ الناس يسيرون في هذا الركب المثالي، ويرفضون عنهم فلسفة اليونان، وغطرسة الرومان، وتقاليد اليهود الخاطئة.. وشعروا بأن حياة اليهود والرومان إنما هي عالمية أرضية مادية فانية.. واتجهوا بكل قلوبهم نحو السماء.. نحو عالم أفضل.
وهكذا وجدنا المسيحية بدأت في حياة الزهد والتجرد، شاعرة بأن العالم يزول وشهوته معه.. وانتصرت المثالية على المادية..
ونحن في هذا الزمن نحتاج في حياتنا إلى المثاليات.. نحتاج إلى أن نرجع إلى قوة الروح التي وضعها الله في أعماق الإنسان.. أن نرتفع فوق مستوى المادة ومستوى العالم، وفوق إغراءات هذا التراب..
يحتاج الإنسان أن يعلم أنه ليس مجرد تراب من الأرض، وإنما فيه روح غالية.. عالية ترتفع فوق مستوى التراب والمادة..
لذلك نطلب في هذه الأيام أن ينشر الله روح القداسة والكمال بين الجميع.. في هذا الزمان الذي انتشرت فيه الإباحية والمادية والإلحاد والبعد عن الله..
نطلب أن نعيش في مثالية.. مرتفعين عن الوسط العالمي.. عائشين بالروح العجيب الذي وضعه الله فينا..
وكما نشر السيد المسيح المثالية على الأرض.. نشر الحب والسلام...
ونحن في يوم ميلاده نصلي أن ينشر الله السلام على الأرض، وينشر الهدوء في كل موقع، وأن ينقذ بلادنا العزيزة ويحفظها من كلِّ شرٍ.. ويحفظ قادتها وقواتها وأرضها، وأيضًا مقدساتنا في القدس وفي كل موضع.
[1] عظة عيد الميلاد نُشرت في السجل التاريخي لقداسة البابا شنوده جـ3، يناير1973م
مشتهى الأجيال
مشتهى الأجيال[1]
أهنئكم جميعًا يا إخوتي بعيد ميلاد المسيح له المجد.. هذا الَّذي جاء إلى العالم مُخلصًا ومنقذًا وهاديًا للبشرية كلها..
مشتهى الأجيال
لقد كان ميلادُ المسيح هو الحلم السعيد الذي يحلم به كل إنسان في ذلك الزمان.. لقد كان ميلاده هو شهوة الأجيال جميعًا..
إنَّ العالمَ الذي كان يرضخ تحت أثقال الخطية وتحت حكم الموت، كان ينتظر ذلك المخلص الفادي الذي ينقذه من الخطية ومن الموت، ومن فساد الطبيعة البشرية.
كانت البشرية كلها تنتظر ميلاده.. فجميع النبوات تُشير إليه، وكانت جميع الرموز في الكتاب المقدس تتحدث عنه.. فالله وعد آدم أن نسل المرأة يسحق رأس الحيّة، "هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ" (تك 3: 15).. فكان ذلك الوعد ينتظره الكل.. ذلك المخلص الذي يسحق رأس الحية أي الشيطان، والذي فيه تتبارك جميع قبائل الأرض..
البشرى المفرحة
لذلك عندما أيضًا أتى المسيح فرحت البشرية كلها بمجيئه، بل فرحت أيضًا السماء ورنمت الملائكة قائلين: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لو2: 14).
والملائكة نقلوا هذه البشرى المفرحة إلى الرعاة الذين كانوا يحرسون حراسات الليل على رعيتهم. فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: "لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ.. أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 10، 11).
هذا المخلص فرح به الكل، وفرح به المجوس أيضًا، وأتوا من أقاصي الأرض ليقدموا له هداياهم "ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا" (مت2: 11).
وإنما الوحيدون الذين لم يفرحوا بمجيء السيد المسيح كانوا هم اليهود.. وملك اليهود هيرودس!!
لقد سمعتم في فصل إنجيل اليوم أنه عندما سمع هيرودس بميلاد المسيح اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ (مت2: 3).
كان ينبغي أن يفرح ويسر، ولكنه اضطرب وقلق.. خاف على مُلكه من الضياع، وخاف من تعاليم السيد المسيح التي تكشف زيف اليهود..
ولذلك وقع هذا الملك.. ملك اليهود.. وقع في أخطاءٍ كثيرة.
الخطأ الأول: أنه كذب وخدع المجوس.. طلب إليهم أن يذهبوا إلى هناك وإذا رأوا الصبي يخبروه لكي يذهب هو أيضًا ليسجد له، وهو في الواقع لم يكن يريد هذا الأمر إطلاقًا.. لم يكن هدفه أن يذهب ويسجد للمسيح، إنما عندما سمع بميلاده خاف من هذا الشخص الآتي.. خاف من جبروت السيد المسيح ومُلكه، فقتل جميع الأطفال في بيتِ لحم، لعل المسيح يكون واحد منهم.. وهكذا حدثت مذبحة ضخمة في بيت لحم اليهودية.
الخطأ الثاني: حيث قتل جميع الأطفال من ابن يوم إلى ابن سنتين، أما المسيح فذهب إلى مصر بعيدًا عن وجه هيرودس، وعن غضب هذا الملك اليهودي.. سَفَّاك الدماءِ..
التعاليم السامية
وهكذا وجدنا أن ميلاد المسيح كان فرحًا لمجموعة من الناس، وكان سبب حزن واضطراب وقلق لهيرودس وللهيود..
أما البشرية كلها ففرحت بمجيئه.. فرحت بالمسيح المخلص الفادي.. فرحت بهذا الكمال وهذا السمو الذي نشره السيد المسيح.. فرحت بالتعاليم السامية العميقة التي وصل بها السيد المسيح إلى أعماق القلب.. فرحت البشرية بالروح الذي تكلم بها المسيح، بعيدًا عن كلام الجسد الذي كان يتكلم به الكتبة والفريسيون..
فرحوا بالفداء العظيم.. فرحوا بهذا الذي يموت عنهم حاملًا خطاياهم.. لكي يخلصهم ويفديهم ويعطي لهم خلاصًا أبديًا..
أما اليهود فلم يفرحوا، لذلك يقول الكتاب المقدس: "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يو1: 11).. من أجل هذا اتجه السيد المسيح إلى الأمم جميعًا، وقال لتلاميذه: "..وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15) وقال لهم أيضًا: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت28: 19).
وانتشرت رسالة المسيح في كل موضع، ووصلت تعاليمه إلى كل بلد وضاعت فكرة الشعب المختار، فأصبح الشعب المختار هو كل من يؤمن بالمسيح، وبرسالته وبعلمه.. وبهذا الشكل وجدنا أن العالم حاليًا يفرح كله بميلاد المسيح.. من أقصاء الأرض إلى أقاصيها.. في كل قارة.. في كل دولة.. في كل مدينة.. في كل قرية..
أما اليهود فهم الوحيدون الذين لم يفرحوا بميلاده بسببٍ بسيط هو أنهم لا يؤمنون أن المسيح قد ولد، وأن المسيح قد جاء..
الوحدة الوطنية
المسيحيون يحتفلون بميلاد المسيح، والمسلمون يشاركون المسيحيون في أفراحهم، عارفين أن المسيح قد جاء، ومؤمنين أنه قد ولد من عذراء وبأنه قد أعطانا الإنجيل..
فلنفرح جميعًا بميلاد المسيح.. مسيحيين ومسلمين على السواء.. نفرح بهذا الخلاص العجيب الذي قدمه لنا.. لنفرح بأنه قد جاء لكي يموت عنا ويحمل خطايانا على الخشبة.. نفرح بتعاليمه العميقة، وبقيادته للبشرية.. وكل عام وأنتم بخير.
ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد أمين.
[1] عظة عيد الميلاد نُشرت في السجل التاريخي لقداسة البابا شنوده جـ3، يناير 1974م
الفرح العظيم
الفرح العظيم[1]
يسرني في هذه الليلة المباركة أن أهنئكم جميعًا بعيد ميلاد السيد المسيح له المجد. عندما ظهر الملاك للرعاة قال لهم: "فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 10، 11)، فكان ميلادُ المسيح سبب فرحٍ كبيرٍ للعالم كله لأنه ولدَّ لهم المخلص الذي كان ينتظره الجميع...
المُخَلِّص
العالمُ كله في ذلك الحين كان ينتظرُ خلاصًا..
خلاصًا من الناحية الدينية وخلاصًا من الناحية الروحية، وخلاصًا من جهة الفكر أيضًا. والسيد المسيح عندما بَشرَ به الملاك قال: "وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (مت1: 21).
كلمة يسوع معناها مخلص. فكان الناسُ ينتظرون هذا الخلاص.
هذا الخلاص الذي أشارت إليه النبوات، وتكلّمَ عنه الوحي في العالم القديم، وكانت ترمزُ إليه الذبائح، والمحرقات وكان كل الناس ينتظرونه. فقال لهم: "فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 10، 11). السيدُ المسيح كان مخلصًا للعالم وفاديًا له، خلصهم من خطاياهم ففرحوا بهذا الخلاص، وخلصهم من عبادة الأصنام التي كانت موجودة في ذلك الحين.
فرحٌ لأرضِ مصر
بل إننا نرى هناك فرحًا آخر بالنسبة لمصر، أن السيد المسيح جاء إلى مصر في طفولته. وكان أول من حطم عبادة الأصنام فيها، فتساقطت الأصنام في المعابد، وتباركت أرضُ مصر بمجيء المسيح وتقدست أماكن عديدة بحلوله فيها وزيارته لها مع السيدة العذراء مريم ويوسف النجار.
ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب إنه ولد لكم اليوم مخلص...
الفرح العظيم
فرحَ العالم بهذا الخلاص، وفرحوا أيضًا بشخصية المسيح العجيبة. هذا الكائن العجيب الذي وُلد بطريقةٍ عجيبة لم يُولد بها أحدٌ من قبل إذ وُلد من عذراء ولن يوُلد بها أحدٌ من بعد. هذا العجيب الذي أقام الموتى والذي صنع معجزاتٍ لم يحدث أن شخصًا صنعها من قبلٍ أو من بعد. هكذا شعر الناسُ بفرحٍ عظيم أن هذا المسيح العجيب الذي دُعيَ اسمه عجيبًا قد وُلد لهم.
الذي كان عجيبًا في ميلاده وعجيبًا في تواضعه، إذ وُلد في مذود بقر. واحتقر جميع المظاهر العالمية وجميع المجد البشري. ولم يستنكف إطلاقًا من أن يوُلد من أمٍ فقيرة، ويعيش في بيتِ نجار ويكون ميلاده في مذود بقر.
"أبشركم بفرحٍ عظيم يكونُ لجميع الشعب"...
فرح لآدم الذي يدخل الفردوس لأول مرة، وفرح للص اليمين الذي سيكون مع الرَّبِ في الفردوس، وفرح لجميع الخطاة.. الذين فُتح لهم باب من الرجاء يعيشون فيه.
ولذلك فإن المسيح عندما قدم للناس الإنجيل، كلمة إنجيل هي بشارة مُفرحة. فقدم لهم بشارة مُفرحة هي بشارة الخلاص.
المملكة الروحية
جاء السيد المسيح ليُكَون مملكةً روحية على الأرض، لم يكن يهتم بمملكة العالم لأنه أكبر من العالم وهو نفسه قال: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" (يو18: 36). ولكن هذه المملكة الروحية التي دُعي بسببها ملكًا.. أحزنت هيرودس ملك اليهود في ذلك الحين. بينما فرح الرعاةُ بمجيء المسيح، وبينما فرحت نفوس الراقدين على رجاء، وبينما فرح العالم كله نرى أن هيرودس تعب جدًا لميلاد المسيح وظنه منافسًا له في مُلكه!
يقول الكتاب: إنَّ هيرودس ملك اليهود عندما سمع بميلاد المسيح "اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ" (مت2: 3).
عجيبٌ أن ميلاد المسيح يكون مفرحًا لبعض الناس، ويكونُ سبب اضطراب لبعض الناس أيضًا الذين يخافون من المسيح ومجيئه!
وهكذا لم يرحب اليهود بالمسيح "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ" (يو1: 5-11).. كان العالم قد أحب الظلمة أكثر من النور. أما الذين قبلوه فكما يقول الكتاب: "أَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ" (يو1: 12).
تعب هيرودس جدًا لأنه كان متمركزًا حول ذاته، لم يكن يفكر في الخلاص، لم يكن يفكر في الملكوت لم يكن يفكر في الفداء. لم يكن يفكر تفكيرًا روحيًا، كان كل تفكيره مُركزًا في ذاته، مركزًا في الأرض، ومملكة الأرضِ التي تفنى في هذا الزمان وفي الزمان الآتي.
لذلك فكر أن يقتل الصبي، والذي حدث أنه قتل جميع أطفال بيتِ لحم من ابن أُشهر إلى ابن سنتين لعل المسيح يكون واحدًا من هؤلاء المقتولين! أما المسيحُ الذي فكر هيرودس أن يقتله فكان قد ذهب إلى مصر هاربًا من اليهود، وجاء وعاش في بلادنا فترةٍ قدس فيها هذه الأرض الطيبة وملأها بركة، وملأها نعمة، وقال الكتاب: "يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا" (إش19: 19).
نحن نشكرُ الله إذ أنه أعطانا هذا الفرح أن نفرح في هذا اليوم بالميلاد العجيب.
ونفرح باستقبال المسيح في بلادنا، ونفرح بالبركة التي أعطاها لمصر. أما اليهود الذين لم يقبلوه فقد تشتتوا من تلك البلاد التي لم يقبلوه بها، ولا نستطيع أن نقول أنها خطية اليهود الذين عاشوا في ذلك الزمان وحدهم لأن اليهود في أيامنا أيضًا لا يعترفون بالمسيح، ولا يعترفون بمجيئه، وما زالوا ينتظرون مسيا آخر يحكم حكمًا علمانيًا بعيدًا عن الحكم الروحي الذي وضعه المسيح.
نحن نطلب من الرب أن يُعطينا بركة هذا العيد، نطلب أن يعطينا أن نستقبله في قلوبنا، ونستقبله في أفكارنا وفي بلادنا، ولا نرفضه مثلما رفضه البعض، لا نضطرب لمجيئه إنما نفرح كل الفرح. فليكن هذا العام مُفرحًا وَمُبهجًا لنا جميعًا ولتكن فيه بركة الرَّبِ ونعمته، وليكن فيه خلاصه العجيبن وليعطينا الرب هذه النعمة.
أهنئكم جميعًا بميلاد السيد المسيح وببركة ميلاده نطلب سلامًا للأرض كلها، نطلب سلامًا لبلادنا مصر، ونطلب سلامًا لأرض فلسطين التي وُلد فيه المسيح، وأيضًا لأورشليم القدس الشريف. نطلب سلامًا للجميع، سلامًا في الداخل والخارج، سلامًا في الحياة وفي القلب وفي الفكر، ونطلب أيضًا سلامًا لإثيوبيا وهدوءً في بلادها. ونشكر جميع الذين حضروا في هذا اليوم والذين اشتركوا في تهنئة المسيحيين بالميلاد.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1975م
ملك السلام
ملك السلام[1]
في ميلاد السيد المسيح هَتفَ الملائكةُ قائلين: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لو2: 14)، لقد جاء السيدُ المسيح إلى الأرض لكي ينشر السلامَ على الأرض، ويدعو بدعوة السلام، ولذلك كان يُلقب أيضًا بملك السلام ورئيس السلام.
وهو نفسه قال لتلاميذه الأطهار: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ." (يو14: 27). وقال لهم أيضًا: "وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلًا: سَلاَمٌ لِهذَا الْبَيْتِ. فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ ابْنُ السَّلاَمِ يَحُلُّ سَلاَمُكُمْ عَلَيْهِ، وَإِّلاَّ فَيَرْجعُ إِلَيْكُمْ" (لو10: 5، 6).
ودعاهم جميعًا إلى أن يعيشوا في سلامٍ دائم سواء السلام الداخلي داخل القلب، أو السلام مع الناس، أو أن يعيشوا في سلامٍ مع الله.
والرسول بولس يذكرُ أنَّ السلام من ثمار عمل الروح القدسِ في القلب... فيقول إن من ثمار عمل الروح القدس "مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ" (غلا5: 22). هذا السلام الذي يريد أن ينتشر في كل مكان لا بد أن يبدأ في القلب أولًا.
الذي يعيش في سلام مع نفسه، يمكنه أن يعيش في سلام مع الناس وبهذا يعيش في سلام مع الله.
المحبة والسلام
والسلامُ بين الناس لا يمكن أن يحدث إلاَّ إذا قامت المحبةُ بين الناس، فإن أحببت شخصًا لا بد أن تسالمه، وإن فقدت السلام بينك وبين أحد.. فلعل المحبة قد فُقدت أيضًا ونتيجةً لفقدان المحبة فُقد السلام أيضًا!
ولهذا جاء المسيح ليدعو أيضًا إلى المحبةِ بين الجميع، وقال للناس أن: "اللهَ مَحَبَّةٌ" (1يو4: 8) وقال لهم: "هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ" (يو15: 12).. "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (يو13: 35). ونشرَ السيد المسيح رسالة المحبة على أطول مدى لها وأيضًا في أعمق عمقٍ لها. طلب منا أن نُحب الجميع بلا تفريق وبلا مقابل. وإن أحببنا الناس سنعيش في سلامٍ مع الكل.
ونحنُ نطلب من الله أن تنتشر المحبة، وأن ينتشر السلام في كل مكان.. أن تزول من العالم كل دواعي العداء والكراهية، والتنابذ والتشاحن، وتسودُ المحبة، ويسود السلام، كما بشر المسيح وكما دعا.
السلام الداخلي
ولكن قد يحدث في بعض الأوقات أن لا يستطيع إنسان أن يعيش في سلامٍ مع الكل.. ليس لسببٍ راجع إليه، إنما لسببٍ راجع إلى مقاوميه. وهكذا قال الكتاب: "إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ" (رو12: 18).
قد يكرهُك إنسان حسدًا منه أو غَيرة، وقد يوجدُ إنسان شرير يحب شخصًا ويكره آخر، ويعادي ذلك الآخر. ولهذا كان أولادُ الله يعاملون الناس بسلام حتى إن عوملوا منهم بغير هذا السلام. وحتى في الاضطراب الذي يحدثُ لإنسان من الخارج يكون الاضطراب حوله من الخارج، والسلام يملك قلبه من الداخل، ولا يمكن أن الخارج يُتعب الداخل في شيء. تمامًا مثل السفينة التي تحيط بها المياه من كل ناحية، وما دامت المياه خارجها لا يصيبها أي ضرر، أما إذا دخلت المياه إلى داخلها حينئذ تتعب السفينة وقد تغرق!
فليعش كلُّ إنسانٍ في سلام، محتفظًا بسلامه الداخلي مع كل أحد.. يحبُ الجميع ولا يسمح لسببٍ خارجي أن يُضيع سلامه القلبي. فرسالة السلام هي رسالة المسيح وهي أغنية الملائكة في وقت ميلاده.
إننا نطلب للعالمِ كله سلامًا وبركة، نطلبُ أن يضع الله حدًا للحروب التي تجتاح العالم، وللشقاقات التي توجد في مناطق معينة، نطلبُ سلامًا لبلادنا مصر التي أتى إليها السيد المسيح في طفولته عندما أراد هيرودس ملك اليهود أن يقتله.
مباركةٌ أرض مصر
مصرُ التي أضافت الأنبياء؛ فزارها إبراهيم أبو الآباء والأنبياء، وحفيده يعقوب، وعاش فيها يوسف الصديق فترة من الزمن.. وعاش فيها موسى النبي أكثر من أربعين سنة.
مصر هذه التي أضافت الأسرة المقدسة، وعاش فيها السيد المسيح أكثر من ثلاثِ سنوات أو بضعة سنوات على الأقل.. ولعله في ذلك الوقت تكلم لغة المصريين، وعرف عاداتهم وصنع بينهم معجزاتٍ عديدة.
مصر هذه التي باركها الرَّبُ وقال: "مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ" (إش19: 25)، نطلبُ لها سلامًا من كل ناحية، ونطلب من الرب أن يُكمل تحرير أراضيها.
ونطلب أيضًا السلام لبلاد لُبنان، وأن يقضي الرب على الخلافات السياسية الموجودة فيها، التي تُثير الحرب بين الإخوة المُتحابين.
ونطلبُ سلامًا لمنطقة الشرق الأوسط كلها وسلامًا للعالم كله، فسلام العالم يرتبط بعضه بالبعض الآخر، وأية ضيقةً تحدث في بلد تترك أثارها في غيره، فنحن نطلبُ سلامًا للعالم كله وأن تسوده المحبة.
ونطلبُ في هذا اليوم المبارك أن يحفظ الله بلادنا، ويحفظ هذا الشعب المبارك، وأن يملأ بلادنا بالرخاء وأن يبارك قادتها وحكومتها ورئيسها المحبوب أنور السادات وكل صحبه العاملين معه.. ونطلب بركة لجميعكم وحياةً مقدسةً ثابتة في الرب، وسلامًا وبنيانًا للكنيسة المقدسة آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1976م
التعاليم السامية
التعاليم السامية[1]
قال الملاك للرعاة: "فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ، أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 10، 11).. ونحن نشكر الرب في هذا اليوم.. لأنه اليوم الذي ولد فيه المخلص والفادي الذي حمل خطايانا جميعًا، ونشكره لأنه في هذا اليوم ولِدَ القلب المحب، الذي أحبنا من أعماقه، ونقشنا على كفهِ.. وقال: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت28: 20) في هذا اليوم ولد المعلم الصالح الذي أنار عقولنا بأسمى تعاليم عرفها قلب البشرية..
التعاليم السامية..
جاء المسيح وألقى العظة على الجبل، رمزًا إلى سمو هذه التعاليم وعلوها.. علم الناس الحب والفرح والسلام والاتضاع والتسامح والكمال، قال: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48).
وقال بطرس الرسول: "كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (1بط1: 16، وأيضًا لا11: 44).
وهكذا لم يعد مطلوبًا من الإنسان أن يكون بارًا عاديًا، وإنما المطلوب من كل أحدٍ، أن يكون كاملًا وقديسًا، وصورة لله الذي خلقه على شبهه ومثاله..
هذا هو الكمال الذي نسعى إليه جميعًا، وبهذا الكمال يسير كلُ إنسان في طريق الله، ومهما بلغ من سمو يرى أنه لم يفعل شيئًا، وبينه وبين الكمال مسافات طويلة..
علمنا السيد المسيح الحب... الحب الكامل للجميع، المحبة أولًا نحو الله فقال: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ" (لو10: 27).
وهكذا صارت علاقتنا بالله علاقة حب وليست علاقة سيد بعبيد.. وإنما علاقة أب شفوق بأبنائه المحبين، وأصبحت العبادة كلها حبًا..
ليست الصلاة فرضًا وإنما حبًا...
لا تصلي تنفيذًا لوصية، وإنما تصلي اشتياق إلى الله، كما قال المرتل: "كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ" (مز42: 1).
أصبحنا نُحب الله لأنه أحبنا قبلًا، نضع الله في قلوبنا ونعيش في قلبه ونحاول باستمرار أن نحيا في هذا الحب الإلهي...
إنه قال أنا: "لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا.. لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ" (يو15: 15). وصرنا أحباء لله، وصرنا أبناء لله، لذلك قال يوحنا الرسول: "اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ!" (1يو3: 1).
بهذا الحب الذي أحبنا به الله حتى فدانا وخلصنا.. حتى صار راعيًا لنفوسنًا.. يرعانا في الأرض الخضراء ويوردنا إلى موارد الماء، بهذا الحب نحيا ونعيش ونتحرك...
نحب الله من كل القلب، ولا نجعل لأمور العالم مكانًا في قلوبنا، كما قال الكتاب: "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ؟ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِلْعَالَمِ، فَقَدْ صَارَ عَدُوًّا ِللهِ" (يع4: 4) والمقصود بالعالم هو الماديات التي في العالم.
حياة المحبة..
بسط أمامنا السيد المسيح، المعلم الصالح حياة المحبة نحو الله ونحو الناس...
أما نحو الناس فكان في المفهوم اليهودي "تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ"...
ولكن في المفهوم المسيحي تحب كل الناس "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 43، 44)...
لا يوجد حبٌ أعظم من هذا أن يحب أحد أعدائه ومقاوميه! وأراد أن نعيش بهذا الحب مع كل أحد فقال: "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أيضًا.. مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ" (لو6: 40- 42)..
أعطانا شريعة الحب والكمال بكل ما يحمل الحب من كمالٍ.
بل إنَّ الحبَ اسمٌ من أسماءِ الله، "..اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ" (1يو4: 16). وأعطانا أن نحب الجميع بدون مقابل دون أن نطلب منهم أجرًا لمحبتنا حب.. حبًا من الناحية الإخوية، نحب الناس لأن طبيعتنا الحب، كالماء الجاري الذي يسقي كل أرض، وكالبلبل المُغرد الذي يشنف (يمتع) كل أذن.
بسط السيد المسيح هذه الوصية أن تعيش قلوبنا بالمحبة، نحب الله والناس "لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟" (1يو4: 20). وأعطانا ذاته مثالًا بهذا الحب الذي أحب به العالم كله، وبهذه المحبة استراحت قلوب الناس وامتلأت نقاءً وصفاءً، وامتلأت بالمشاعر الطيبة.
حياة السلام..
وأعطانا السيد المسيح حياة السلام، فعندما بشر به الملائكة قالوا: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لو2: 14). والسيد المسيح بشر بالسلام على الأرض قائلًا: "سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ" (يو14: 27). وقال للتلاميذ: "وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلًا: سَلاَمٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو10: 5).
حياة الفرح
وأعطانا حياة الفرح والبهجة فقال: "في الناس المسرة".. في الناس السرورِ والفرح، وأصبحت حياتنا فرحًا في الرب.. فرحًا مستمرًا.. فرحًا بالله الذي أحبنا.. فرحًا بوصايا الله، وبالأبدية السعيدة التي سينقلنا إليها..
الله وضع الإنسان عندما خلقه في الفردوس في جنةٍ مملوءة بالثمار وكل ما هو مفرح يملأ الإنسان بالفرح، وعندما اختار الإنسان الخطيئة دخل الحزنُ إلى العالمِ، وجاء السيدُ المسيح لكي ينقينا من الخطية ونرجع إلى حياة الفرح، ونحيا مع الله وفي محبة لكل الناس.
في هذا اليوم المبارك نطلب من الرب سلامًا في كل مكان وكل موضع، ونطلب سلامًا للعالم كله.. نطلب أن ينجي العالم من الحروب والكروب ومن المخاصمات والمنازعات، ويجعل سلامه على كل شعب، وكل دولة وكل أمة على الأرض.
السلام لكل العالم..
في هذا العيد المبارك نطلب من الرَّب السلام لبلادنا في داخلها وخارجها، في علاقة أبنائها ببعضهم، وعلاقة دولتنا بكل دولة خارجية..
نطلب سلامًا للشرق الأوسط، ولفلسطين، وسلامًا للبنان ولإثيوبيا.. وسلامًا في كل مكان، سلامًا للأرض التي ولد فيها السيد المسيح له المجد. ونصلي لكي نعود مرة أخرى إلى هذه الأرض لكي نتمتع بمزاراتها المقدسة بركة لأنفسنا وحياتنا وأرواحنا..
ونطلب سلامًا لكل الشعوب المُحبة لنا.. ونطلب منه أن يعطينا نعمة في أعين الذين لا يحبوننا لكي يغرس المحبة في قلوبهم..
سلامًا لمصر التي نحبها من أعماقنا، والتي زارها السيد المسيح له المجد وباركها قائلًا: "مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ" (إش19: 25) ولتكن بركة الرب معكم جميعًا.. ولربنا المجد إلى الأبد آمين.
[1] عظة عيد الميلاد نُشرت في السجل التاريخي لقداسة البابا شنوده جـ3، يناير 1977م
الصلح
الصلح[1]
يسرني أن أهنئكم جميعًا بعيدِ الميلاد المجيد، وأيضًا ببدءِ عامٍ ميلادي جديد.
نرجو أن يكون هذا العام عامًا مباركًا سعيدًا على بلادنا مصر، التي شرفها السيد المسيح بزيارته في سني طفولته الأولى، والتي بارك مواضعَ كثيرة منها بُنيت فيها كنائس.
وأيضًا نرجو أن يكون هذا العام سعيدًا على بلادِ الشرقِ الأوسط كله وعلى العالم أجمع. نرجو أن يكون عام سلامًا وطمأنينة لكل أقطار المسكونة. نقول هذا متذكرين مبادرة السلام التي قام بها السيد الرئيس أنور السادات والتي نرجو أن يتمم الله فعلها لتأتي بثمارها في نشر السلام في بلادنا وكل المنطقة.
السلام والصلح
إنَّ ميلاد السيد المسيح كان سلامًا وكان صُلحًا، به صالح السماء والأرض وأوجد سلامًا في قلوب البشر جميعًا وكان سلامًا مبنيًا على العدل بفدائه العظيم.
والسيد المسيح حينما وُلدَ غَنت الملائكة بهذا النشيد العظيم: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لو2: 14). فكأنها بشرت بالسلام على الأرض، وبالفرح يملأ قلوب الناس نتيجةً لهذا السلام.
وكان السيد المسيح باستمرار يدعو إلى السلام وقبل صعوده قال لتلاميذه: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ" (يو14: 27). وحينما أرسل تلاميذه في الخدمة قال لهم: "وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلًا: سَلاَمٌ لِهذَا الْبَيْتِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ ابْنُ السَّلاَمِ يَحُلُّ سَلاَمُكُمْ عَلَيْهِ.." (لو10: 5، 6).
ودعا السيد المسيح إلى المصالحة بين جميع الناس وقال: "فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ" (مت5: 23، 24). ولهذا نحنُ نشترط الصلح في صلواتنا لكي تكون صلوات نابعةً من قلب يملأه الصفاء بيننا وبين الناس، ونصلي صلاة الصُلح قبل بداية القداس.
وقد نشر السيد المسيح السلام بين جميع الناس ودعانا في تواضعٍ، وفي وداعةٍ.. أن نُسالم حتى أعدائنا.
فقال: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44) وقال الكتاب: "إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ" (أم25: 21)، (رو12: 20) وقال أيضًا: "إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ" (رو12: 18).
السلام والعدل
ونحن ندعو إلى السلام المبني على الحق والمبني على العدل.. وإلاَّ كان السلامُ رضوخًا من ضعيف إلى قوي. والله يدعونا إلى السلام المبني على الوداعة، والاتضاع، والهدوء، والصُلح فيقول بولس الرسول: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ.. جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أيضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ.." (أف4: 1- 5).
نحن نرجو من الرب أن يعطينا سلامًا دائمًا، يُعطينا سلامًا معه..
والسلام مع الله لا بد أن يُبنى على حياة البرِّ والقداسة لأن الكتاب يقول: "لاَ سَلاَمَ، قَالَ الرَّبُّ لِلأَشْرَارِ" (إش48: 22). فبالتوبة يوجد السلام بيننا وبين الله. وندعو إلى سلام بيننا وبين الناس برباط الصُلح الدائم، وندعو إلى سلام بين الشعوب والأمم مهما اختلفت أجناسها ومذاهبها. وندعو إلى سلامٍ داخلي في أعماقِ قلب الإنسان.. فلا ينقسم الإنسان على ذاته ولا يكون هناك صراعٌ بين الجسدِ والروح.
وفي هذه المناسبة الطيبة - عيد الميلاد المجيد الذي يذكرنا بالسلام - نطلبُ سلامًا للأرض كلها، نطلب سلامًا لمنطقة الشرق الأوسط ولبلادنا العزيزة مصر.
ونطلب سلامًا أيضًا في القرن الأفريقي في بلاد أثيوبيا والصومال وإريتريا.
ونطلب سلامًا مبنيًا على العدل في منع التفرقةِ العنصرية في جنوب إفريقيا وفي غيرها.
نطلب إلى الله أن يتحابب الناس، وأن ينتشر التعايش السلمي في كل مكان ويعيش الناس إخوةً، لأن جميعهم أولاد أبٍ واحد هو آدم، وأولاد أمٍ واحدة هي حواء فكل الناس إخوة.
ونطلبُ لبلادنا الرخاء والطمأنينة، ونطلب أن تتعمق الوحدة الوطنية باستمرار بين أبنائها وتزيد رسوخًا يومًا بعد يوم..
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1978م
المحبة
المحبة[1]
أهنئكم جميعًا بعيد الميلاد المجيد وببدء هذا العام راجيًا لكم حياةً مباركة مقدسةً في الرب.
العهد الجديد
إنَّ ميلاد السيد المسيح هو من الناحية التاريخية فاصلٌ كبير بين عصرين متمايزين تمامًا، ما قبل الميلاد وما بعد الميلاد. ذلك لأن السيد المسيح أتى بشيء جديد على العالم جعل عصره يكون متمايزًا جدًا. كان كل ما أتى به السيد المسيح شيئًا جديدًا لم يعرفه العالم من قبل سواءً في تعاليمه أو كرازته أو عمله أو رسالته.
لقد جاء إلى العالم الخلاص وجاء إلى العالم ببشارةِ الحب والسلام. وبدأ الناس يسمعون شيئًا جديدًا حتى بُهتوا من تعليمه..
الله محبة
لأولِ مرة يرى الناس أن الله محبة، وأن الله ليس ذلك الإله الجبار الذي يخافه جميع مخلوقاته ويرتعشون منه، وإنما الله هو الأبُ الحنون الذي يقول لأولاده: لا أُسميكم بعد عبيدًا بل أبناء (يو15: 15). والذي نناديه قائلين: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت6: 9). وإذا بالمسيحيةِ تقول لنا: "إنَّ اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ" (1يو4: 16). وبالمحبةِ بيننا وبين الله لم يعد هناك خوف كما يقول الكتاب: "لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ" (1يو4: 18) وأصبحنا نعامل الله كأب بعاطفة الأبوة نسعى إليه.. وبعاطفة الأبوة يقضي جميع احتياجاتنا حتى دون أن نطلب.
إنه تعليمٌ جديد ولذلك عندما سُئل السيد المسيح عن أعظم الوصايا قال: "المحبة" أعظم وصية هي: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ" (لو10: 27).. "بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ" (مت22: 40).
جاء المسيحُ إذًا يدعو إلى الحب، الحب بين جميع الناس بلا فارق، الحب للكل حتى للأعداء والمسيئين فقال: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44).
ونشرَ رسالة الحب بين الجميع.. فقالت المسيحية: "فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ" (أم25: 21)، (رو12: 20). إنه حبٌ للكل بلا مقابل.. وكان هذا شيئًا جديدًا على الناس ولذلك قال المسيحُ لتلاميذه: "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنا.. بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (يو13: 34، 35).
الديانة الطاهرة
الديانةُ الطاهرة النقية المقبولة عند الله هي الديانة المملوءة حبًا، وكل تدين خالي من الحب لا يقبله الله، صلاتنا هي حبٌ لله.. اشتياقٌ إلى الله.. نقول لله في صلاتنا: "عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي، يَشْتَاقُ إِلَيْكَ جَسَدِي فِي أَرْضٍ نَاشِفَةٍ وَيَابِسَةٍ بِلاَ مَاءٍ" (مز63: 1).
قراءتنا للكتاب المقدس هي حبٌ لكلمات الله.. كما يقول الكتاب: "وجدتُ كلامك كالشهد فأكلته". مَجيئنا إلى الكنيسة هو حبٌ لبيت الله، كما يقول المزمور: "فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ" (مز122: 1).
كلُ مَا في التدين هو حب.. وكل فضيلةٍ تخلو من الحب ليست فضيلةٍ على الإطلاق... جاء المسيح ليعلمنا الحب، ويعلمنا الحب للجميع، وفي الحبِ يدعو الناس إلى السلام، وإلى الصلح، وإلى الاحتمال.
إنه يريد العالم أن يعيش في محبة، وأن يكون هناك سلامٌ بين الجميع، ولذلك حينما وُلد المسيح قيل: "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ" (لو2: 14). وقال لتلاميذه: "وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلًا: سَلاَمٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو10: 5)، وقال لهم: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا" (يو14: 27). إنه سلامٌ يفوقُ كل عقل...
المسيحيةُ تدعونا إلى سلامٍ من أنواعٍ ثلاثة
سلام بين الله والناس، سلام بين الناس وبعضهم البعض، سلام داخلي داخل القلب، سلام بين العقلِ والنفسِ والروح والجسد يريدنا الله أن نحيا في سلام، وإذا عاش الناسُ في سلام تكون هذه هي الخطة الإلهية التي وضعها الله للكون منذ البدء...
فعندما خلق الله آدم وحواء كان العالمُ في سلام، وكان آدم وحواء يعيشان في الجنة مع الحيوانات والوحوش في سلام، ما كان هناك اعتداء ولا كانت هناك وحشية! وتكررت القصةُ مع أبينا نوح فكان في الفلك مع جميع الوحوش، ويحيا مع الوحوش في سلام.. لا اعتداء ولا افتراس ولا عداوة، العداوة بين الإنسان والحيوان جاءت فيما بعد. فإن كان الله عندما خَلق البشرية جعل سلامًا حتى بين الإنسان والوحوش، أفلا يكون بالأولى أن يوجد سلامٌ بين الناس وبعضهم البعض؟!
ولهذا دعا المسيحُ إلى السلام، فقال: "كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ" (مت5: 25) "فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ. فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ" (مت5: 24). الله يريد صلحًا وسلامًا أكثر من القرابين والذبائح، يريد محبة بين الناس وبعضهم البعض.
ودعا المسيح إلى هذا الصلح الدائم فقال: "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ" (مت5: 39). أرادنا أن نعيش في سلامٍ مع الكل لأن السلام نتيجة طبيعية للمحبة في قلب الإنسان. وهكذا الصلح الذي دعا إليه السيد المسيح.
الحب والاحتمال
ولهذا جاء السيد المسيح ببشارة مفرحة، وكلمة "الإنجيل" كلمة يونانية معناها "بشارة مفرحة". جاء ببشارة مفرحةٍ للناس يقول لهم: إن الله يحبكم.. ويريدكم أن تحبوا بعضكم بعضًا كما أحبكم الله، بهذا الحب تعيشون.. وبهذا الحب يتنقى القلب. والحب يحتاج إلى احتمال ولذلك قال: ".. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلًا وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ.." (مت5: 41). "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أيضًا" (مت5: 39). إن الحب يحتاج إلى احتمال..
والاحتمالُ ليس ضعفًا وإنما الاحتمال قوة. الشخص المعتدي شخص ضعيف لأنه عجز عن مقاومة الخطية، ولم يستطع أن يدرك الحب..! أما الذي يحتمل فهو القوي، ولهذا قال الكتاب المقدس: "فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ" (رو15: 1)، القلب الكبير المملوء بالحب هو الذي يستطيعُ أن يحتمل ضعفات الآخرين، والله صاحب القلب الأكبر المملوء من الحب اللانهائي يحتمل ضعف البشريةِ كلها، يحتمل جميع الخطايا لجميع الناس في جميع الأمكنة في جميع العصور، مهما كانت خطايا بشعة، ومهما كانت تكسيرًا لوصاياه، ما دامت هناك توبة.
المفهوم الصحيح للقوة
بهذا نعيشُ في الحب، ونعيش في السلام، ونعيشُ في الصلح، ونعيشُ في مفهومٍ جديدٍ للقوة.. فالقوة كما علمها المسيح.. ليست قوة خارجية يبطش بها الإنسان بغيره! إنما هي قوةٌ داخلية ينتصرُ فيها الإنسان على نفسه، فقال الكتاب: إنَّ مَن ينتصر على نفسه خيرٌ ممن ينتصر على مدينة، "مَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً" (أم16: 32).
القوةُ الحقيقيةُ هي داخل الإنسان، قوة الحب، قوة الاحتمال، قوة الشخصية، قوة الإرادة، قوة المحبة التي لا تسقط أبدًا، "اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا" (1كو13: 8).
الذي يرد الإساءة بإساءة هو إنسان مغلوبٌ من نفسه، وإذا رُدت الإساءة بالإساءة ينتصر الشر. أما المسيحيةُ فقالت: "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" (رو12: 21). وهكذا دائمًا جميع الكبار يحتملون ضعفات الآخرين. نحن نريد في العالمِ كله سلامًا مبنيًا على الحب، وسلامًا مبنيًا على مفهومٍ جديدٍ للقوة، هذه بعضُ مفاهيمٍ جديدة قدمها المسيح.. لأنه بَسطَ أمامنا عهدًا جديدًا والإنجيلُ نسميه "العهد الجديد"، عهدٌ جديد بين الله والناس فيه الحب، والبذل، والسلام، وفيه العطاء، والنقاوة والقداسة. نذكر هذه المعاني الجديدة ونحن نبدأ عامًا جديدًا.. نرجو أن يكون جديدًا في كل شيء، وأن يكون بشارة خيرٍ للعالم كله، وإن كان هذا العام عام للطفولة.. والطفولة فيها البراءة، وفيها السلام، وفيها نقاوة القلب، فنطلب أن يكون عامًا مملوءًا من البراءة، ومن البساطة، ومن الحب، ومن نقاوة القلب.
سياسة السلام
ونطلب أن يكون عام سلام أيضًا، وفيما نذكر هذه المفاهيم الجديدة نُحيي الفهم السياسي الجديد الذي سارت عليه بلادنا في نهجٍ جديدٍ في السياسة لم يُعرف من قبل.
نذكرُ الجدة في العمل السياسي التي دعت الرئيس السادات أن يسافر بنفسه إلى بلاد خصمه ليعرض السلام، ويناقش رأيًا برأي، ويبسط سياسيته في صراحةٍ وفي وضوح، وما سمعنا من قبل أن شخصًا يذهب إلى بلاد أعدائه ويكلمهم مواجهةً! كان نهجًا جديدًا في السياسة. وكانت سياسةُ انفتاح أيضًا نهجًا جديدًا، وكان العمل السياسي الديمقراطي الجديد داخل بلادنا هو نهجٌ جديدٌ أيضًا يعتمد على الوعي، وعلى النقاوة في السياسة، والأخلاقيات في السياسة.. وليس الأمر مجرد ذكاء أو دهاء إنما هو نقاء وحُسن تصرف.
نذكرُ أيضًا في هذا العام الذي نريده أن يكون عام سلام، نذكر المجهودات المُخلصة العملية التي بذلتها بلادنا حتى وصلت إلى اتفاقية كامب ديفيد. نذكر العمل المُخلص الذي سافر به كثيرٌ من ساستنا إلى عديدٍ من البلاد من أجل السلام، ونحن نثق تمامًا أن كل هذا الجهد المُخلص لا بد أن يباركه الرَّب وينتهي بخير. إن الخير ينتصر أخيرًا وإن تعب أولًا، الشرُ له ضوضاء في الأول وينهزم في الآخر أما الخير فدائمًا ينتصر في الآخر وإن لم يبدو أولًا ذا قوة.
نطلب من الرب أن يبارك سياسة السلام، وأن يتمم هذا السلام وأن يُنعم به على العالم كله. ينعم به على بلاد الشرق الأوسط، على بلاد فلسطين التي وُلد فيها المسيح، وعلى بلاد مصر التي زارها المسيح في طفولته. على الشرق الأوسط بلاد الأنبياء جميعًا، ونطلب من الرَّبِ أن يُنعم على بلادنا بالرخاء، وأن يديم المحبة تربطُ بين جميع أبنائها. ونرجو لكم جميعًا حياة مقدسة مصلين إلى بلادنا أن يحفظها الرب في يمينه الحصينة، وأن يجعل هذا العيد سعيدًا عليكم وعلى الكل، وكل عام وجميعكم بخير.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1979م
الفصل الثاني الثمانينات (1980م - 1989م)
السلام والمحبة[1]
أهنئكم يا إخوتي ببدء العام الجديد وبعيد الميلاد الجديد.. وأرجو لكم حياةً سعيدةً مباركةً ثابتةً في الرَّب.. نحن نبدأ عامًا جديدًا، ونطلبُ من الرب أن يجعله عامًا سعيدًا علينا وعلى العالمِ كله. ونحن ننظر إلى العالم في هذا الوقت الحاضر فنجد الحروب منتشرةً في كل مكانٍ من الأرض، ونجد المشاحنات والخصومات والقلاقل والاضطرابات حتى لا نسمع كلمة السيد المسيح حينما قال: "تَسْمَعُونَ بِحُرُوبٍ وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ.. وَلكِنْ لَيْسَ الْمُنْتَهَى بَعْدُ" (مت24: 6).
ونحن وسط هذه الحروب المنتشرة هنا وهناك.. إنما نصلي في بداية العام الجديد، ونصلي في هذا العيد طالبين سلامًا للعالم. إنَّ العالم لم يكن في حاجةٍ إلى السلام قدر ما هو محتاج إلى السلام في ظروفنا الحاضرة. لأن الاضطرابات القائمة، والصراع حتى بين الدولتين العظميين في العالم، تخيفُ الكثيرين بأن هذا يبدو كما لو كان شبحًا لحربٍ عالميةٍ ثالثة، ولا نجدُ إلا أن نصلي إلى الله أن ينشر السلام على الأرض.
رسالة السلام
إن السيد المسيح حينما جاء إنما جاء إلى الأرض برسالة السلام، السلام بين الله والناس، والسلام بين الناس مع بعضهم البعض، وغنت الملائكة وهي تقول: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لو2: 14).. هذا السلام نرجوه منحةً من الله في العام الجديد، نشعر بقيمته ونصلي من أجله ليل نهار، ووسط هذه الاضطرابات التي تسود العالم نشعرُ تمامًا في أعماقنا بقيمة "مبادرة السلام" التي قام بها الرئيس السادات مُعطيًا مثالًا طيبًا عن كيف تحل المشاكل بالتفاهم، بالتراضي، بالإقناع، بالصبر، بالاحتمال، بغير حرب، بغير قتال.
ونذكرُ بالخير في هذا اليوم كل الذين وقعوا اتفاقية "كامب ديفيد"، ونشكر الله على الخطوات التي تمت في سبيل السلام من جهة استعادة كثيرٍ من أراضينا..
لقد كنا في غاية التأثر القلبي ونحن نرى أعلامنا المصرية تُرفع في العريش وفي منطقة سانت كاترين، وفي مناطق البترول، وكل ذلك بدون حرب وبدون قتال وبدون سفك دم.
وهكذا أعطت مصر أمثولةً طيبةً لجدوى التفاهم السلمي ووصوله إلى نتائج.
ونحنُ نطلبُ هذا بالنسبة إلى كل إخوتنا في البلاد العربية الذين احتُلَت أجزاء من أراضيهم، نطلبُ أن تعاد إليهم أراضيهم، وأن يسود السلام في بلادهم جميعًا، ونطلبُ سلامًا لإخوتنا الفلسطينيين ومُستقرًا هادئًا لهم كوطنٍ يعيشون فيه.
ونصلي من أجل السلام في إفريقيا؛ في القرن الإفريقي وفي روديسيا، وفي كثيرٍ من البلاد التي كانت موضع صراع.
نصلي في هذا اليوم أيضًا من أجل الرهائن الأمريكيين في إيران، وكنَا نود أن يعيدوا عيد الميلاد مع إخوتهم، الرَّب قادرٌ أن يحل هذا الإشكال بنعمته وقدرته مُحيين روح السلام الطيبة التي تصرف بها الرئيس كارتر في هذا الموضوع دون أن يحاول أن يسفك دمًا من دماء معارضيه.
ونحن نصلي أيضًا من أجل إخوتنا المسلمين في أفغانستان؛ وقد تأثرنا جدًا من الاعتداء على بلادهم وعلى استقلالهم الخاص، نطلبُ من الرَّب أن ترجع أفغانستان كما كانت، ترجع الحرية إلى البلاد والاستقلال أيضًا ويحميها الرب من الاحتلال، ومن الإلحاد، وتعيشُ تحت راية الله. ونحن في هذا اليوم أيضًا نشكر الله على السلام الذي ساد مدينة مكة في السعودية بعد الاعتداء على المسجدِ الحرَام الذي تأثرنا له جدًا، لأن الاعتداء على أماكن العبادة هو جريمةٌ لا يرضاها ضميرٌ بشري، فأماكن العبادة أماكنٌ يُسجد فيها لله، ويذكرُ فيها اسمُ الله كثيرًا.
فليعطي الله سلامًا لكل أحد، وليعطي سلامًا لكل دولة، وليمنع عن العالم شبح الحروب، وليحمي أيضًا جيران أفغانستان كباكستان مثلًا..
إن السلام إن كان صعبًا على كثيرٍ من البشر لتضارب الرغبات والأهواء، وحب التوسع والاستيلاء ولكنَ "غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ" (لو18: 27)، الله الذي خلق العالم في سلام حينما خلقه.. هو أيضًا قادرٌ أن يرجع السلام إليه.
لقد كان العالمُ يعيشُ في سلام حينما كان في طاعةِ الله.. حتى أن آدم كان يعيشُ في سلام مع الوحوشِ في الجنة، وكان نوح يعيش مع الوحوشِ في الفلك في سلام.
ونحن لا يمكن أن نحصل على السلام إلاَّ إذا كنا ملتصقين بالرب، إلاَّ إذا عشنا في برٍ وفي قداسةٍ نُمجد الله على الأرض.. ولذلك جميل جدًا أن الملائكة قبل أن تقول وعلى الأرض السلام قالت: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي..." (لو2: 14).
فنحن إن أعطينا مجد لله، وإن عشنا في محبته، وعشنا في إرشاده الإلهي، إنما ينعم الله علينا بالسلام.. لهذا كان الإيمانُ وسيلة من وسائل السلام. الإنسان المؤمن يحب الله ويحب الناس، وإذا أحب الله وأحب الناس يعيشُ في سلامٍ مع الله، وفي سلام مع الناس. وإذا حلت به مشكلةٌ من المشاكل يحاول أن يحل المشكلة في سلامٍ أيضًا.
المحبة
ليت الله يعطي سلامًا للعالم، ليته يفتقد بنعمته هذه الشعوب التي تتطاحن، والتي لا تتفاهم إلا بالطائرةِ وبالصاروخِ وبالمدفع، ليت الله يعطي سلامًا للأممِ والشعوب، يُعلّم الكلَّ طريقه ويعلمهم أن طريقَ الله هو المحبة.
الذي يخلو قلبه من المحبة إنما يخلو قلبه من الله نفسه لأن الله محبة.
إن السلام بمعناه السلبي الذي هو ضد الحروب ليس هو كل ما نطلب، إنما نطلب السلام بمعناه الإيجابي، الحب والود بين الناس بعضهم بعضًا. ليت العالم يذكر أنه كله عبارة عن أسرةٍ واحدة أبوها آدم وأمها حواء، ليتنا ندرك تمامًا أننا واحد، أسرة واحدة مهما اختلفنا في الجنس أو في اللون أو في اللغة أو في الدين، وليت العالم يعيش بأسلوب الأسرةِ الواحدة التي يسودها السلام ويسودها الحب.
صلاة
إننا نصلي من أجل بلادنا مصر أن تحيا في سلام، وأن تكمل مسيرة السلام التي بدأتها. وأن يسود فيها الرخاء نتيجةً للسلام، ويسود فيها الحب نتيجةً للسلام، ويعيشُ الناس في المودة، وفي المحبة، وفي السماحة التي عرفت بها مصر خلال الأجيال الطويلة على مدى تاريخٍ مديد.
ونطلب في هذا العيد السعيد أن يبارك الله بلادنا، وأن يكمل استرجاعها لأراضيها، وأن يكمل مشروعاتها من أجل التنمية، ومن أجل سعادة أبنائها جميعًا.
وأن يبارك رئيسها وحكومتها وكل العاملين فيها من أجل خيرها ومن أجل نمائها.
ونصلي من أجل كل بلدٍ يحتاج إلى سلام، نصلي من أجل لبنان ومن أجل الشرق الأوسط كله، ومن أجل شمال أفريقيا ومن أجل بلادها الأخرى، ومن أجل العالم لأن كل سكان العالم هم إخوة لنا في البشرية.
فليبارك الرب هذا العام وليجعله خيرًا، وإن كانت بدايته شديدةً بعض الشيء.. فالله قادر أن يحول الشر إلى خير.
هو الذي يدبر الكون كله وكل أرواح الناس، وكل عقول الناس في يديه الإلهيتين.
فليكن الله مباركًا، ولتكن المحبة هي القانون الأول الذي نعيش به، يدبر حياتنا ويسيرها في رفقٍ وفي ودٍ، وفي لين.. وتهنئتي لكم جميعًا بميلاد المسيح للمسلمين وللمسيحيين لأن المسيح قد جاء للكل وجاء من أجل سلام الكل ومحبة الكل. ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1980م
المحبة والوداعة
المحبة والوداعة[1]
نحن نحتفل اليوم بعيد الميلاد المجيد، وبداية عام جديد أحب أن أهنئكم جميعًا بهذا اليوم المبارك. ونحن نصلي من أجل بلادنا المحبوبة أن يهبها الله باستمرار السلام والرخاء ونصلي من أجل العالم أجمع أن يهبه الله باستمرار السلام والهدوء ويمنع عنه الحروب ونكابتها.
نطلب من الله أن يجعل عام 1981 عامًا مباركًا على بلادنا وعلى العالم أجمع. يعمل فيه الله بقوته، وقدرته، ونعمته من أجل كل مكان، ومن أجل كل شخص، ومن أجل خليقته التي خلقها وأحبها.
قيمة المحبة
وعيدُ الميلاد باستمرار يطلع علينا بقيمٍ عميقةٍ روحية قوية، أولُ قيمةٍ فيها هي المحبة..
فقصة الميلاد أولها في الكتاب المقدس عبارة: "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ" (يو3: 16). لولا محبة الله للعالم ما وُلدَ المسيح وما بذل ذاته عنا. والسيد المسيح جاء إلى العالم لكي ينشر فيه الحب، ولم يكن الحب هو فقط جزءًا من عظاته، ولا كل عظاته، ولم يكن أيضًا جزءًا من حياته فقط، إنما كان كل حياته وكان مماته أيضًا عنا...
السيد المسيح جاء محبًا ينشر الحب في كل مكان ويقول: "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (يو13: 35).
معنى قريب، عدو
وقديمًا كان يُقال: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ" (مت5: 43)، وكانت كلمة "قريب" تُفهم في معنىٍ ضيق.. أما السيد المسيح فجاء ليشرح معنى كلمة "قريب" أنها تعني "كل أخٍ لكَ في البشرية"، فكلنا إخوة، وكلنا أقرباء، وكلنا أولاد أب واحد هو آدم، وأم واحدة هي حواء.. يجري فينا جميعًا دمٌ واحد من هذين الأبوين.
أما كلمة "عدو" فقد شرحها المسيح بأنها لا تعني سوى "الشيطان عدو الخير" هو الوحيد الذي يكرهه البشر لا لذاته وإنما لأفعاله التي تُبعد الناس عن الله! وقد صارت ذاته أيضًا خاطئةً تدعو إلى الكراهية.
الناسُ يعيشون بالحب لأن الله هو المحبة، مَن يسكن الحبُ في قلبه يسكن الله فيه..
ومن يخلو قلبه من الحب فلا وجود لله في قلبه لأن الله محبة...
وقد قال الكتاب المقدس: "لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟" (1يو4: 20).. أعطانا السيدُ المسيح مثالًا قويًا عن الحب في حياته الخاصة إذ كان يحب الجميع بلا استثناء، ووسع فهم الناس في كل ناحية، وبدأ أولًا بأن ينشر المحبة خارج النطاق الإقليمي الذي كان يعيشُ فيه الشعب وقتذاك.
وعلم المؤمنين به أن يحبوا جميع الأمم، وجميع الشعوب لا فرق بين هذا وذاك، ولأول مرة في الفكر اليهودي تأتي محبة الأمم الأخرى، ويأتي قبول الأمم الأخرى، وتأتي فكرة شعب الله أنها كل من يؤمن باسمه القدوس غير مقتصر على مكان معين. وهكذا قال السيد المسيح لتلاميذه: "وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15) لا لشعبٍ معين إنما لكل الناس.
المحبة للجميع
وأحب المسيح الكل وقال: "سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ.." (مت8: 11) وقال: إن أولاد إبراهيم هم كل من يؤمن بإيمان إبراهيم، "أجَابُوا وَقَالُوا لَهُ: «أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ». قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ!" (يو 8: 39) وعاش المسيحُ بين الناس، بين العامة، بين الشعب، يختلط بالجماهير ويحبهم جميعًا فيحبونه.
لم تكن ترهبهم مهابته إنما كانت تجذبهم محبته...
ولم تكن محبته عظاتٍ تُلقى إنما كانت حياةً تُعاش. كان الناس يرون الحبَ فيه، ولا يرون الحبَ ألفاظًا تخرج من فيه، كان الحبُ هو حياة المسيح، وكانت حياة المسيح هي الحب. حتى الفئات التي كانت منبوذة من الشعب كان المسيح يحبها، كان يحب البار من أجل بره، وكان يحب الخاطئ لكي ينقذه من خطيئته. وهكذا كان المسيح يزور الهيئات التي كان يشمئز الشعب من خطاياها في ذلك الزمان كالعشارين والخطاة، ويمد يده الشفوقة لكي يجذبهم إليه فيتبعونه جميعًا. حتى أعدائه أيضًا كان يحبهم وكان يقول: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44).
وفي إحدى المرات زار رجلًا من الفريسيين الذين يبغضونه اسمه سمعان الفريسي، ذلك الرجل الذي استقبله في بيته ولم يستقبله في قلبه! وكان المسيحُ وهو جالسٌ عنده يرقب هذا الفريسي ما يفعله لكي يصطاده بكلمة. ولكن المسيح أحب هذا وذاك.. بل أحب أيضًا الذين صلبوه، وقال: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو23: 34).
كان المسيحُ حبًا ملتهبًا من نحو الكل لا يفرق بين شخصٍ وآخر، ولا بين شعبٍ وآخر، ولا بين محسنٍ ومُسيء الكل أحبائه. ومن محبة المسيح لنا جعل علاقتنا بالله هي الحب، كان الناسُ قديمًا يخافون الله ويتقونه أو يتقون عقوبته ويرون هذا تقوى، أما المسيح فربط بين الله والناس بعلاقات الحب، وعلمنا أن ندعو الله "أبانا" ونُصلي إليه قائلين: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت6: 9) وأرانا أن الله يحبنا كأولاده فهو الأب للبشريةِ كلها، يحب الجميع ونحن نحب الله لأنه أحبنا قبلًا ولأنه يحبنا باستمرار وسيحبنا إلى أبد الآبدين.
وداعة السيد المسيح
السيد المسيح عاش بالحب، وفي حبه للناس عاش وديعًا طيبًا هادئًا، كنسيمٍ رقيقٍ مرَّ على البشرية وعلى العالم، قيل عنه إنه "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ، قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 19، 20).
بهذه الرقة العجيبة فاض المسيح من حبه على الناس.. حتى المرأة الخاطئة التي نجاها المسيح من راجميها قال لها: "يَا امْرَأَةُ، أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟ وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ.. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أيضًا" (يو8: 10).
لذلك أحبه الكل وكان المسيح أينما سار يلتف حوله الناس حبًا، جماهير كثيرة كانت تتبعه حتى حسده شيوخ اليهود وقالوا: "هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ" (يو12: 19). ساروا وراءه من أجل محبته التي لم يكن يعبر عنها، من أجل شفقته، ورقته، ووداعته، وحنانه، حتى أن الكتاب المقدس حينما يطلبُ إلينا أن نقتضي بالسيد المسيح يطلبُ إلينا أن نقتضي به أولًا لأنه "وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ" (مت11: 29).
وكان المسيح يجولُ في العالم يصنع خيرًا، يطوف من مدينةٍ إلى أخرى، ومن قرية إلى أخرى، يصنع خيرًا بالناس ويفيض من حبه على الناس، هكذا عاش. حتى الأطفال الذين كان يطردهم تلاميذه أحيانًا من أمامه بسبب ضوضائهم أو ضجيجهم، كان يجذبهم إليه ويحتضنهم ويقول: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت19: 14).
كان المسيح يحب الكل حتى أورشليم التي أخطأت وقتلت الأنبياء والمرسلين إليها.. جلس المسيح على الجبل، وبكى على أورشليم وقال لها: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا!" (لو13: 34). كان قلبًا عطوفًا محبًا. وبحبه نشرَ الحب، وبحبه نشر السلام، وبحبه صالح بين السماء والأرض، وبحبه بذل ذاته عن خطايا الناس.
هذا المسيح الذي نحبه والذي نحب فيه محبته، نطلب من الله أن يعطينا هذه الأمثولة في حياتنا. ونطلبُ من الرب أن ينشر الحب في كل مكان، وأن يجعل الحب هو الدعامة القوية التي يرتفع عليها كل بُناء، نطلب من الله أن يُعمق المحبة في قلوب المحبين، وأن يعطي الحب للذين يحتاجونه ويفتقدونه، ونطلب من الرَّب أن ينشر الحب بين الشعوب، وبين الدول فيسود السلام في أرجاء العالم ولا يكون هناك كراهية أو ضغينة أو حرب أو قتال.
إلهنا الذي أحبنا حتى المنتهى، هو أيضًا فليعطنا جميعًا من محبته، وهو أيضًا فليبارك بلادنا ويحفظها في سلام. له المجد الدائم إلى الأبد آمين وكل عام وأنتم بخير.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1981م
أنشودة السلام
أنشودة السلام[1]
أهنئكم جميعًا ببدء عام جديد، جعله الله عامًا مباركًا سعيدًا عليكم جميعًا وعلى بلادنا العزيزة، وعلى البشرية جمعاء.
كما أهنئكم بعيدِ ميلادِ المسيح له المجد راجيًا لكم فيه بركة خاصة من الرَّب، وراجيًا لوطننا مصر كل سلامٍ وسلامة.
لقد ظهرت في ميلاد المسيح جمهرة من الملائكة، وهي تنشد قائلة: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ (أي الفرح)" (لو2: 14).
أي أن الملائكة بشروا بالسلام على الأرض، وبالفرح في قلوب الناس.
أنشودة السلام..
وظلت أنشودة السلام والفرح أغنية للأجيال، بل هي حلمُ البشريةِ في كلِّ موضع، ولقد جاء المسيحُ ينشر السلامَ على الأرضِ.
جاء ينشر سلامًا بين الله والناس، وسلامًا بين الناس بعضهم وبعض، وسلامًا داخليًا في أعماق قلب كل واحد، وقال لتلاميذه: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ" (يو14: 27).
ولما أرسلهم لنشر الإيمان قال لهم: "وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلًا: سَلاَمٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو10: 5)، وقال أيضًا: "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ" (مت5: 9).
وصارت عبارة السلام هي التحية التي يتبادلها الناس حينما يتلاقون وهي العبارة التي يبدأ بها كل خطاب يكتبه إنسانًا لآخر، بل صارت الشهوة التي يشتهيها كل شخص، وكل بيت، وكل شعب.. أن يحيا في سلام.. وإننا نصلي باستمرار ونقول في تسابيحنا "يا ملك السلام، أعطنا سلامك قرر لنا سلامك".
والسلام الذي يمنحه الله هو "يَفُوقُ كُلَّ عَقْل" (في4: 7)...
ولقد جاء المسيح أولًا، ليوجد سلامًا بين الله والبشر.. جاء ليعقد صلحًا بين السماء والأرض.. لأن الخطية هي خصومة من الإنسان لله.. قال القديس بولس الرسول: "إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 20).
والذي يصطلح مع الله، ويمتلئ قلبه بالحب، ويخلو داخله من كل عداوة وخصومة.. ومن كل غضب وسخط على غيره.. حينئذ سيعيش في سلام مع الكل وحتى إن عاداه أحد، لا يعاديه هو..
والله حينما خلق البشرية خلقها أسرة واحدة، من أبٍ واحد هو آدم، ومن أمٍ واحدة هي حواء.. وأراد الله لهذه الأسرة أن تحيا في سلام.
ملك السلام..
ولقد جاء السيد المسيح، ليدعو إلى السلام بين الناس..
وهكذا علمنا الإنجيل هذه العبارة الجميلة "إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ" (رو12: 18).. وتسمى الله بعبارة "رئيس السلام، وملك السلام".
والسلام الذي قصده السيد المسيح، ليس هو علاقات شكلية، ليس هو مجرد شعارات أو ألفاظ يتحدث عنها الناس، وليس هو هدنة مؤقتة بين دول أو شعوب أو جماعات.
السلام والحب
أما السلام الحقيقي هو تعبير عن الحب، ونتيجة طبيعية للمودة القلبية.
فالأسرة المتحابة تحيا في سلام، وكل جماعات مرتبطة بالود والحب تعيش في سلام متبادل، وحينما يُفقد الحب، يُفقد السلام أيضًا.
وقد يفقد الحب والسلام إذا سيطرت الذات، وفضل الإنسان محبته لذاته على محبته للآخرين. أو إذا أحب الإنسان ذاته محبة خاطئة غير روحية.. لأنه إن أحب ذاته محبة حقيقية، لصار يهتم بأبديته.. ويعد نفسه للحياة الأخرى بالحب ونقاوة القلب نحو الآخرين، بل نحو كل أحد.. ونحو كل الكائنات، ويتدفق منه العطف والحنو والإشفاق.. باستمرار.
المحبة الحقيقية..
والمسيح جاء ينشر الحب، ويدعو إلى إنكار الذات، وبهذا يضع أساسًا لسلام سليم.
جاء يعلم أن الله محبة، ويقول: "هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ" (يو15: 12).. بل وصل إلى العمق في الدعوة إلى هذا الحب، حينما قال: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44).. إنه حبٌ بلا مقابل، حبٌ نحو الجميع. وقال السيد المسيح في ذلك: "لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟.. وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟" (مت5: 46، 47).
إنه حبٌ يرتفع فوق الذاتِ.. حب قلب لا يستطيع إلاَّ أن يحب.
السلام الداخلي..
والنوع الثالث من السلام الذي دعا إليه السيد المسيح هو السلام الداخلي. السلام الذي يملأ القلب من الداخل، فيصبح قلبًا مملوءًا بالهدوء والاطمئنان مؤمنًا برعاية الله وعنايته. لا تعكره الأخبار ولا الأحداث ولا أية أسباب خارجية.. قلبًا بعيدًا عن القلق والاضطراب والانزعاج والخوف.
سلامه مبني على الإيمان بمحبة الله وعمله، وهكذا كانت قلوب الصديقين قلوبًا عامرة بالسلام، بل تفيض سلامًا على الآخرين.
هذا السلام هو هبة الروح القدس للمؤمنين، وقد قال الكتاب: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ.." (غل5: 22).
ونحن نصلي من أجل السلام في بداية هذا العام الجديد..
نصلي من أجل سلام العالم كله.. هذا العالم الذي وهبه الله عقلًا جبارًا تفتق عن اختراعات مذهلة، ووصل إلى القمر، ودار حول الأرض مرات ومع ذلك ليس فيه من الحبِ ما يجعله يحيا في سلام، بل نسمع دومًا عن حروب وأخبار حروب في مواضع عديدة من هذه الأرض التي تخضبت بالدماء، بطريقة لعل السماء متعجبة لها، ولعل الملائكة الذين أنشدوا أنشودتهم الحلوة وقت ميلاد المسيح يقولون الآن: "أين السلام على الأرض"؟!!
إن عقل العالم ينمو كل يوم، ويزداد في العلم والمعرفة، ولكن قلب العالم ليس متكافئًا مع عقله. إننا نصلي إلى الله من أجل سلام العالم.. نصلي من أجل المُصالحة في كل مكان، ومن أجل أن يرجع الهدوء إلى البلاد المتقاتلة والجماعات المتقاتلة، بدلًا من الحروب والنزاعات والخصومات.. نصلي أن يحل التفاهم محل الطائرات والصواريخ والمدافع والقنابل وكل معدات الحرب.
المصالحة العامة..
ليت هذا العام الجديد يكون عام المصالحة بين الجميع..
إننا نصلي من أجل رجوع السلام بين العراق وإيران.. ونصلي من أجل السلام في لبنان، وفي أفغانستان، ومن أجل السلام بين أثيوبيا والصومال.
نصلي من أجل السلام في تشاد، وفي جنوب أفريقيا، وفي بولندا، وفي جزر المحيط.. وفي كل الأماكن الأخرى الملتهبة..
مصرنا المحبوبة..
ونصلي قبل الكل من أجل بلادنا المحبوبة مصر، أن يديم الله بركته عليها ويجعلها تعيش كل حين في أمن وأمان، في وحدة القلب ووحدة العمل ويمنحها الرخاء، وأن يبارك الله كل يد مخلصة تعمل فيها، ويبارك أولًا حياة الرئيس محمد حسني مبارك، ويكلل بالنجاح عمله، من أجل مصر في الداخل وفي الخارج.
وفي بداية هذا العام نرسل من أعماق قلوبنا كل الحب لإخوتنا المسلمين في مصر، وخارجها.
كما نرسل تحياتنا إلى كل إخوتنا في الخارج، ونهنئ بعيد الميلاد المجيد كل كنائس العالم. وليكن هذا العام مباركًا، يمسكه الله بيده المملوءة حبًا، وينشر فيه الحب كعطية للقلوب من الله ذاته مصدر كل حب، الذي له المجد والكرامة والسجود من كل أحد.. آمين.
[1] عظة عيد الميلاد نُشرت في السجل التاريخي لقداسة البابا شنوده جـ3، يناير 1984م
التدين الحقيقي
التدين الحقيقي[1]
أشكركم جميعًا وأشكر أيضًا الآباء الأساقفة الذين فضلوا أن يحضروا معنا هذا العيد، وأيضًا نيافة الأسقف غايس أسقف الكنيسة الإنجليكانية في مصر، وأرى أن حضور هذا الجمع كله من جميع أحزاب مصر ومن مسلميها ومسيحيها.. إنما هو مظهر يندر أن يوجد وهو تعبير عن وحدة مصر القوية برجالها الثابتة. وأشكر نيابة عن إخوتنا شيوخ المسلمين فضيلة الشيخ حسن الباقوري الذي حضر لزيارة اليوم، وأشكر معه جمعية الشبان المسلمين في شخصه.
رسالة حب
إنَّ اجتماعنا اليوم هو اجتماعٌ عجيب في محبته، المحبةُ هي التي جمعت كل هؤلاء في مكانٍ واحد، والمحبة هي التي جعلتنا نشترك في فرحة هذا اليوم الذي أعده لكم الرئيس حسني مبارك[2].
إننا في احتفالنا بعيد ميلاد المسيح إنما نذكر أن السيد المسيح جاء يحمل إلى العالم رسالة حب. المحبةُ هي الفضيلة الأولى التي قدمها المسيح للعالم، والفضيلةُ التي نود أن نتعلمها ونتعمق فيها في هذا اليوم المبارك. فقد قال السيد المسيح لتلاميذه: "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ" (يو13: 34)، وقال: "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (يو13: 35). وقيل عنه إنه: "إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى" (يو13: 1). وكان حبُّ المسيح هو حبٌ عملي يجولُ في المدن والقرى يكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرضٍ وكل ضعفٍ في الشعب. كان مصدرًا للحنان لجميع الناس، للصغار والكبار، للرجال وللنساء، للأحباء وللأعداء. كان يحب الجميع، وعَلّم الجميع المحبة.
وفي إحدى المرات سأله أحد الناس: "أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟" (مت22: 36). فقال له: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ.. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (مت22: 37-39)، ويقصد بالقريب أخاك في البشرية. ثم قال: "بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ" (مت22: 40)، في وصية المحبة تتجمع جميع الوصايا. المحبة لله والمحبة للناس، والإنسان الذي لا يحب هو إنسان لا يعرف الله، والإنسان الذي يحب لا تعرف البغضة سبيلًا إلى قلبه لأنه لا يجتمع النور والظلمة في مكانٍ واحد.
المحبة يا إخوتي هي محبةٌ لله وللناس، ونحن نحب الله لأنه أحبنا قبلًا...
أحبنا لأنه خلقنا من العدم، أعطانا نعمة الوجود حيث لم نكن موجودين. في الأزل كان يوجد الله وحده لا أحد معه ولا شريك له، وكان الله مكتفيًا بذاته، ولكنه أحبنا قبل أن نوجد ومن أجل ذلك أوجدنا.
وكيف يُقال أحبنا قبل أن نوجد؟
قبل أن يكون لنا كيان في الوجود كان لنا كيانٌ في فكر الله منذ الأزل، لأنه الله لا يجدَّ على فكره شيء. كنا في عقل الله فكرة وفي قلبه مسرة.
وخلق الله الملائكة وكانت المحبة هي لغة الملائكة، وكما قال البعض: إذا اجتمع عشرة آلاف ملاك في مكانٍ واحد لا يختلفون إطلاقًا ويكون لهم فكرٌ واحد، أما البشر فقد يختلفون. ومع ذلك فعندما خلق الله البشر كانت المحبة موجودة هناك، بل أقول إن المحبة كانت موجودة ليس فقط ما بين آدم وحواء، إنما المحبة كانت موجودة بين آدم ووحوش الأرض، لأنه حيث يوجد الحب لا تكون وحشية. كان آدم يرعى الوحوش في الجنة، وكانوا أحبائه وكان يناديهم بأسماء، ومثله تمامًا كان أبونا نوح في الفُلك يعيش بالحب مع الوحوش يعتني بهم.
التدين الحقيقي
الحبُ هو كل شيء في الوجود، وبغير الحب لا يستقيم هذا الوجود إطلاقًا. والحبُّ هو الرابطة التي تربطنا بالله.. لأن الدين ليس ممارسات ولا مجادلات.
الدينُ هو رحلةٌ إلى قلب الله تعبر في طريقها على قلوب الناس.
لذلك لا نعتبر الإنسان متدينًا إذا كان يصلي مجرد صلاة، إنما المهم في الحب الذي يوجد في هذه الصلاة، في اليوم الأخير سيُجمع الله أعمالنا كلها، ويكافئنا على ما فيها من حبٍ فقط وباقي الأعمال كإنها لا شيء. هذا هو مقياس الدينونة في اليوم الأخير، الحب الذي فينا.
حينما نصلي ما هو حبنا نحو الله؟!
داود النبي يقول للرب: "مَحبوبٌ هوَ اسْمِكَ يا رَبّ فهو طولُ النّهارِ تِلاوتي" (مز119: 97) ويقول لله: اشتاقت نفسي إليك كما تشتاق الأرض العطشانة إلى الماء، "يَا اَللهُ، إِلهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي" (مز63: 1). أيضًا في كل فضيلة نبحث عن الحب الذي فيها. إن كان الحب في بداية الكون فيكون أيضًا في آخر العالم... لأن هناك في الأبدية التي لا نهاية لها في الفردوس في الملكوت في العالم الآخر لا يوجد سوى الحب.
رابطة الحبِ
ونحن نود أيضًا أن يكون الحب هو الرابطة التي تربطنا جميعًا، كل إنسان يفكر أن يعيش بالحب مع الآخرين.. ولكي يعيش بالحب مع الآخرين عليه أن ينطلق من الذات، من الأنا، ينسى نفسه ويذكر غيره. لا يعيش ممركزًا في ذاته، إنما يعيشُ في قلوب الآخرين.
يعيش الإنسان الطاهر وهو يهتم بغيره أكثر مما يهتم بنفسه.. ويكون شعاره محبة الخير ومحبة الغير.
يرى خير غيره كإنه خيره الخاص، يعيش الإنسان من أجل الناس وليس من أجل نفسه، وسعيدٌ من يبذل ذاته عن الآخرين، وسعيدٌ من ينسى كرامته ويتذكر كرامة غيره. كما قال الكتاب: "مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْكَرَامَةِ" (رو12: 10). كلما عاش الإنسان متواضع القلب استطاع أن يحب الآخرين، وكلما ارتفع في قلبه صغرُ الآخرون في عينيه. إن النخلة كلما ترتفع في الفضاء يبعد عنك جناها.
فلنعش جميعًا بالحب..
والحب تأتي معه الثقة ويأتي معه التعاون ويأتي معه السلام، بل يأتي معه البذل والتضحية ونكران الذات، وفضائل كثيرة جدًا تتجمع في الحب. والكتاب يعلمنا أننا نحب الجميع بلا تفريق، ونحب كل الناس بلا مقابل، ونحب محبة حقيقية من أعماق القلب، ونعيش بهذا الحب في طمأنينةٍ مع الناسِ جميعًا.
الطبيعة تعلمنا
إن الطبيعة نفسها تعلمنا هذا الحب، الشجرة تنمو لكي تعطيك ثمرها وفي كل هذا لا تطلب شيئًا لنفسها، وأنت تقطف هذا الثمر فتعود الشجرةُ مرة أخرى لكي تنمو وتعطيك ثمرًا جديدًا، حياتها كلها بذل لأجل الآخرين. والنحلةُ تطوف بكل نشاط تجمع الرحيق وتصنع منه شهدًا لتعطيه لك، وتجد لذة في أن تأكل من فيها كل ما كان فيها. والطبيعةُ باستمرار تعطينا هذا الدرس في العطاء، الشمس تشرقُ عليك ولا تنتظر منك شكرًا، والمطرُ يروي لك الأرض ولا ينتظر منك مقابل، والطبيعة تخدمك بكل ما فيها وتجد لذة في خدمتك.
هكذا فليكن شعارنا أن نحيا بالحب للجميع. ومصر عاشت بهذا الحب طول زمانها وعاشت بالمودة والسلام كل هذه القرون التي عشناها معًا، ونحن نرجو لبلادنا في هذه الأيام أن يسودها الحب، وأن يسودها السلام. ونرجو للعالم أيضًا أن يسوده الحب.
نصلي من أجل إخوتنا المتحاربين لكي تبطل الحروب بينهم، نصلي من أجل وحدة العالم وطمأنينته، نصلي من أجل السلام بين العراق وإيران، ونصلي من أجل السلام في لبنان، ونصلي من أجل السلام في كل موضعٍ في الأرض، ونصلي من أجل البلاد التي اجتاحتها المجاعات، ونطلب من أجل كل نفسٍ متضايقة... ونشعر أننا جميعًا جسد واحد إذا تألم عضوٌ منه تتألم باقي الأعضاء، ونرجو أن نكون روحًا واحدًا، وفكرًا واحدًا، وعملًا واحدًا من أجل بلادنا مصر المحبوبة. وفي هذه المناسبة يفتح الأقباطُ جميعهم قلوبهم لكل إخوتهم المسلمين، نشعر أن إخوتنا المسلمين هم لحمنا ودمنا وعظامنا وإخوتنا في هذا الوطن المحبوب.
نرسل لهم جميعًا تحيةً من أعماق قلوبنا، ونطلب لمصر كل رفاهية، وكل تقدم، وكل توفيق.. ونصلي من أجل رئيس دولتنا محمد حسني مبارك ومن أجل صحبه وكل العاملين معه... ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1985م
[2] بسبب عودة قداسة البابا شنوده الثالث من فترة التحفظ التي قضاها بدير الأنبا بيشوي من 5 سبتمبر 1981م، وانتهت في 5 يناير 1985م
رسالة المسيح
رسالة المسيح[1]
يسرني يا أبنائي وإخوتي الأحباء أن أهنئكم بعيد الميلاد المجيد راجيًا لكم فيه جميعًا حياة مباركة مقدسة ثابتة في الرَّبِ.
مصر وفلسطين..
إننا يا إخوتي الأحباء في عيد ميلاد المسيح نتذكر شعبين عاش المسيحُ بينهما، نتذكر أرض فلسطين التي ولدَ فيها ونتذكر أرض مصر التي زارها في طفولته. ونرجو لفلسطين ومصر حياةً مباركةً ناجحة، ونطلب أن يحل الرَّب مشكلة القضية الفلسطينية بصلواتكم جميعًا.
إنَّ السيد المسيح في مجيئه إلى مصر قد بارك الكثير من بلادها، وصنع الكثير من المعجزات فيها، وتحطمت كثيرٌ من الأصنام من قدسيةِ هذه الزيارة، ولقد بارك مواقع متعددة في بلادنا مصر نذكرُ من بينها مصر القديمة، والمعادي، والمطرية حيث توجد شجرة مريم، وبعض بلاد الوجه البحري، وبلاد الوجه القبلي، ولذلك فإن مصر لها نصيبٌ كبيرٌ في ميلاد المسيح، فمصر هي البلد الوحيد الذي زاره السيد المسيح خارج أرض مولده.
الحياة بالروح
وكان ميلادُ المسيح ميلاد مبادئ وقيم وروحيات لم تكن معروفةً من قبل.. السيد المسيح جاء إلى عالمٍ مادي لكي ينشر فيه حياة الروح. ولذلك اهتم بروحيات الناس ورفعها إلى أعلى مستوى يمكن أن تصل إليه، وأصبح الإنسان الذي يسير في طريق الله هو الإنسان الروحي الذي لا يهتم بالمادة، ولا بالعالم وإنما يهتمُ بأبديته وأن يكون له مكان هناك عند الله.
أتى إلى عالمٍ تشغله أمورٌ كثيرة، وأفكار متناقضة فقال عبارته الخالدة: "مَاذَا يَنْتَفِعُ الإنسان لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟" (مت16: 26). وهكذا أعطانا أهميةً للروح لكي يسلك الإنسان بحسب الروح وليس بحسب الجسد، ولكي يهتم بحياته الأبدية أكثر مما يهتم بأمور العالم التي على الأرض. هذه الأمور يرعاها بروحيات، ويهتمُ بها من أجل الخير والفضيلة، ولكن ليس لكي تسيطر عليه في داخل قلبه.
المُلكُ الروحي
السيد المسيح جاء في بلادٍ كان اليهود يحلمون فيها بملكٍ أرضي، وبسلطان عالمي!! وظنوه يأتي لكي يخلصهم من عبودية الرومان ويعيد إليهم إمبراطورية داود وسليمان... أما السيد المسيح فتكلَّم معهم عن ملكوت الله، وعن ملكوت السموات وعن كيف يملك الله على قلوبهم وعلى أفكارهم وعلى مشاعرهم، ودعاهم أن يهتموا بحرية القلب من الداخل، وليس بحريةٍ خارجية يكونون فيها مستعبدين من قلوبهم ومن أفكارهم.
ويبدو أن حديث المسيح عن ملكوت السموات لم يكن يروقهم ولا حديثه عن ملكوت الله كان يروقهم، ولكن المسيح باستمرار كان يدعو إلى هذا الملكوت السماوي.
كان معلمًا صالحًا وكانت تتبعه الألوف وعشرات الألوف أحيانًا، وكان الشعب كله قد سار وراءه وكانوا مبهوتين من تعليمه، ومن معجزاته، وظن اليهود أن يقيموا المسيح ملكًا أرضيًا.. ولكنه قال لهم: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" (يو18: 36).
كان يتكلم عن المملكةِ الروحية وهي ملكوت الله في القلب.
وما زالت عبارة المسيح عن ملكوت الله وعن ملكوت السموات تبدو غريبةً في كثيرٍ من المجتمعات في عصرنا الحاضر، مَن الذي يفكر في مملكة الله على قلبه؟ ومَن الذي يفكر في ملكوت السموات وفي كيف يحيا له، ويحيا به، ويحيا فيه؟
المعلم الصالح
والسيد المسيح كمعلمٍ أصلح الكثير من المفاهيم التي كانت موجودة في أيامهن، وأراد الناس أن يكون لهم عمق في الحياة، وجاء لكي ينشر المحبةَ والسلام بين الناس.
في المجتمع اليهودي كان يتمسكون بعبارة: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ" (مت5: 43). فجاء السيد المسيح ليشرح معنى كلمة القريب ومعنى كلمة العدو. فقريبك ليس هو الإنسان اليهودي الذي يتشابه معك في الجنس إنما قريبك هو كل إنسان على وجه الأرض، كل إنسان في الدنيا هو قريبك، هو ابن لآدم وابن لحواء. فتحب قريبك معناها تحب العالم كله...
وتبغض عدوك الذي هو الشيطان وحده، إذ ليس للإنسان عدوٌ سوى الشيطان.. أما باقي الناس وإن هاجموه فهم ضحايا لعدو الخير وليسوا أعداء مباشرين.
وهكذا دعا المسيح إلى محبة العالم كله، دعا إلى محبة كل الشعوب التي على وجه الأرض، كان اليهود يؤمنون بأنهم هم شعب الله المختار، فآراهم المسيح أن شعب الله هو كل إنسان مؤمنٍ على وجه الأرض، كل من يؤمن بالله هو شعبه. وليس من المعقول أن يترك الرَّب ملايين الناس في جهات الأرض كلها لكي يكون إلهًا لقلةٍ بسيطة على وجه الأرض هي شعبٌ معين.
وهكذا دعا السيد المسيح إلى محبة الأمم الأخرى، وبارك المرأة الكنعانية وكانت من شعبٍ يلعنه اليهود. ودعا المرأة السامرية وكانت نجسةً بالنسبة لليهود، وقال لهم: "سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ" (مت8: 11). وضرب لهم مثل السامري الصالح وعلمهم أن يحبوا جميع الناس على وجه الأرض.
كان السيد المسيح رسالته إلى العالم أجمع، يفتح أبواب الله لجميع الشعوب والأمم ولذلك قال لتلاميذه: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15)، وقال لهم: "وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8)، وقال لهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ" (مت28: 19) وعلموهم كل ما استلمتوه مني.
كانت هذه رسالة المسيح، رسالة لكل شعوب الأرض نذكرها فنذكر العالم كله بكل ما فيه من آلام وبكل ما فيه من أوجاع.
صلاة..
نذكرها في يوم عيد الميلاد فنصلي من أجل شعوب العالم، نصلي من أجل مصر بلادنا ونصلي من أجل إخوتنا في الشرق الأوسط، ونصلي من أجل العالم كله. نصلي أن يرفع الله الحروب من الأرض، نصلي لكي يضع الله حدًا للحرب التي بين العراق وإيران والحرب التي في وسط لبنان بين الإخوة بعضهم البعض.
نصلي لكي يوقف الله كل حربٍ على الأرض، وأن يمنع من العالم كل اعتداء وأن يمنع العالم كل عنف، ويعلم البشرية أن يحبوا بعضهم بعضًا، وأن يتعاملون حتى إذا اختلفوا بروح التفاهم والود وليس بروح الخصومة أو بروح العنف.
يحتاج العالم أن يفهم بعضه بعضًا، وأن يتفاهموا ويعيشوا بالمحبة وبالأُلفة، نحن نصلي أيضًا في هذا العيد من أجل البلاد التي داهمتها الزلازل، والبلاد التي اتعبتها المجاعات أو اتعبها الجفاف، أو اتعبتها مشاكل اقتصادية أو اجتماعية أو خلقية. نصلي أن يكون العالم نقيًا طاهرًا مقبولًا أمام الله.
نصلي من أجل الشعوب المقهورة والأجناس التي لا تجد احترامًا من أحد، نصلي أن يرفع الله التمايز العنصري من كل بلدٍ على وجه الأرض، وأن يعطي كل بلد مقهورة الحرية والسلام والمحبة.
في هذا العام الجديد أيضًا نصلي من أجل ديون مصر، واتحاد الكل من أجل سدادها. فإن وُجد دين لمصر هو دينٌ خاص، على كل فرد منا علينا أن نساهم جميعًا في سداده. أصحاب الكثير، أصحاب الملايين يدفعون بسعة، وحتى الذي يدفع قرشًا واحدًا إنما بهذا القرش يدل على انتمائه لمصر، وعلى مشاركته في آلامها، وعلى تأيده للعمل الشعبي في سداد هذه الديون.
نطلب إلى الله من أجل كل المشاكل الاقتصادية التي توجد في بلادنا ونصلي من أجل السلام والحب أن ينتشر في كل موضع، ونشكر قادة بلادنا وعلى رأسهم الرئيس حسني مبارك على ما نتمتع به في مصر من أمنٍ واطمئنان، ومن حرية وعلى رفعه لمستوى الديمقراطية رفعًا كبيرًا لم يكن موجودًا من قبل عهده المبارك.
نطلب إلى الله من أجلكم جميعًا، من أجل كل قلب أن يتحد بالله وبمحبته، وأن يعيش حياةً مباركة ونشكر الله لأنه وضع لنا هذه الأعياد التي نجتمع فيها كلنا من مختلف الأحزاب، ومن مختلف التيارات الفكرية، لكي نكون قلبًا واحدًا وروحًا واحدًا يتحدُ بمحبةٍ وتآلفٍ تُعبر عنه هذه الصلاة في يوم العيد.
نشكركم جميعًا ونطلب لكم حياة مباركة مقدسة ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1986م
السلام الداخلي
السلام الداخلي[1]
أهنئكم يا إخوتي جميعًا بعيد ميلاد السيد المسيح له المجد.. نرجو لكم في هذا اليوم بركة من الله لكي يبارك هذا العام الجديد ويجعله عام سعادة بالنسبة لبلادنا مصر وللعالم أجمع ونرجو لكم أيضًا بركةً في عيد ميلاد السيد المسيح له المجد.
السلام
وفي ذكرى ميلاد السيد المسيح نذكرُ معاني كثيرة يعوزنا أن نُلم بها واحدةً فواحدة، ولكننا نذكر في يوم ميلاده أن الملائكة قد غنوا قائلين: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لو2: 14) وهنا يحلو لنا أن نتأمل في عبارة السلام على الأرض، لأننا نعيشُ في عصر.. العالم يحتاج فيه إلى سلام وكل نفس نحتاج أيضًا إلى سلام. والسيد المسيح حينما تكلم عن السلام، إنما كان يقصد ثلاثة أنواعٍ من السلام. سلام بين الله والناس، وسلام بين الناس بعضهم مع بعض، وسلام داخل النفس بين الإنسان وذاته.
السلام مع الله
أول شيءٌ يسعى إليه كل إنسان هو أن يكون بينه وبين الله سلام. ويحدثُ هذا السلام إن كان الإنسان يحيا في حياةٍ طيبة مع الله، في حياة التوبة والنقاوة، وفي حياة الحب الإلهي الذي يملأ قلبه. يعيشُ الإنسان في سلامٍ مع الله إن بعُد عن الخطية، وبعُد عن كل أنواع الإثم والشر. ذلك لأن الخطية هي انفصالٌ عن الله، وهي عداوةٌ لله، وهي ثورةٌ وتمردٌ على الله وعصيان. والخطية فيها تستقل النفس عن الله ولا تختلط به، لذلك لا يكون بين الإنسان وبين الله سلام في حالة الخطية.
وحينما نذكر السلام مع الله لا نُركز فقط كما يفعل البعض على السلام بين الشعوب الخاص بزوال الحروب إلى آخره... وإنما نحنُ نريدُ نفوس تعيش في العالم وبينها وبين الله سلام. إن عاش الإنسان في سلامٍ مع الله، يستطيع تمامًا وتلقائيًا أن يعيش في سلامٍ مع الناس. لأن الذي يعيش في سلام مع الله يكون له قلب نقي، ويكون سائرًا في وصايا الله وأوامره، وتكون علاقته مع الجميع علاقةٍ طيبة.
وحينما نقصد السلام مع الله ونقاوة القلب.. لا نقصد أن يعيش الإنسان في خوف الله ينفذ الوصايا على الرغم منه. فالخيرُ هو أن يسعى القلب إليه وليس الخيرُ أن تُرغم الإرادة عليه.
الخير في قلب الإنسان فضيلة داخلية تشمل القلب والفكر والحياة كلها، ولا يمكن أن يكون الخير شيئًا خارج الإنسان.. لأن الخير ليس رداءً نرتديه إنما الخيرُ يكون إذا ما القلب كان يحتويه!
ندعو كل إنسان في هذا اليوم أن يصطلح مع الله وقد جاء المسيح يقيم صُلحًا بين الله والناس. وقد كلف تلاميذه ورُسله في كل مكان أن يُنادوا: "أن تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 20). هذا هو النوع الأول من السلام.
سلام مع الناس
والنوعُ الثاني سلامٌ بين الناس بعضهم البعض.
سلامٌ بين الأفراد، وسلامٌ بين الشعوب والأمم والأقطار. نذكر هذا فنصلي أن يسود السلام في أرض لبنان، وأن يسود السلام بين العراق وإيران، وأن يسود السلام بين شمال وجنوب السودان، وأن يسود السلام في كل مكان.
نذكر هذا اليوم الذي نادى فيه الملائكة بالسلام والذي لُقب فيه المسيح برئيس السلام وملك السلام، فنطلبُ من أجل الشعوب المرهقة والمضغوط عليها، والتي تُوجد فيها تفرقة عنصرية مثل جنوب أفريقيا ومثل معاملة السودِ من البيض. نطلب سلامًا لكل هؤلاء..
ونطلب سلامًا لكل الذين دافعوا عن بلادهم في أفريقيا وألقوا في السجون. نطلب سلامًا بين الناس فيعيش الناسُ في حب، ويعيش الناس بعيدين عن العنف وبعيدين عن الإرهاب، يعيش الناسُ متآلفين محبين بعضهم بعضًا. فعدم الاعتداء فضيلةٌ سلبية، ولكن الحب والتعاون والآخاء فضائل إيجابية.
نحن نريد عالم يعيش فيه الحب ويسكن في قلوب الناس، ويوجد الحب في التعامل بين كل إنسان وآخر بين كل شعبٍ وآخر. ولهذا فإن السيد المسيح لم يُشجع فقط على السلام وإنما قال: "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ" (مت5: 9)، فلا يكفي أن تعيش في سلامٍ مع الناس، وإنما يجب أن تصنع السلام مع الآخرين. فتكون مصدرًا يشعُ سلامًا في كل مكان، ولذلك قال السيد المسيح: "كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا" (مت5: 25)، وقال أيضًا: "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ" (مت5: 39) وقال: "وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلًا وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ.." (مت5: 41). وقال: "لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ" (مت5: 39).
أراد أن يسود السلام بين الناس وأن يجعل السلام في المرتبة الأولى في مرتبة المحبة التي لا تطلب ما لنفسها. ودعانا إلى هذا السلام في كل معاملاتنا، أن نعيش في الحب مع جميع الناس. وأيضًا دعا الشعوب والأمم إلى كل هذه العلاقات الطيبة التي تسود بينهم. وقال: "وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلًا: سَلاَمٌ لِهذَا الْبَيْتِ. فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ ابْنُ السَّلاَمِ يَحُلُّ سَلاَمُكُمْ عَلَيْهِ، وَإِّلاَّ فَيَرْجعُ إِلَيْكُمْ" (لو10: 5، 6). عيشوا هكذا مسالمين ومتسامحين، الإنسان المسالم لا يعتدي على أحد وإن أُعتدي عليه يحتمل ويغفر. وقد اشترط الرَّبُّ مغفرتنا للآخرين لكي ننال بها المغفرة منه. فقيل في الإنجيل: "اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ" (لو6: 37)، "وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أيضًا زَّلاَتِكُمْ" (مت6: 15).
الوداعة
ودعتنا الروحيات إلى حياة الوداعة والطيبة لكي تكون سببًا من أسباب السلام وهكذا قيل في الكتاب المقدس: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ" (أف4: 1-3).
الإنسان الوديع هو إنسان مُسالم وهو إنسان طيب القلب، وهو إنسان لا يقيم ضوضاء من أجل حقوقه الخاصة، إنما هو مستعد أن يتنازل من أجل محبته لأخيه. ولذلك قيل في الكتاب: "فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ" (أم25: 21)، (رو12: 20). نطلبُ أن يكون هذا السلام في كل مكانٍ وفي كل موضع، وأن ينجو العالم من العنف.. وأن ينجو العالم من الاضطراب ومن القلاقل. وأن ينجو أيضًا من حوادث الخطف، وحوادث القرصنة، وأن يكون العالم طيب القلب. بهذا يُعرف الإنسان المتدين إن كان طيبًا لطيفًا مع جميع الناس.
السلام الداخلي
وأيضًا ينبغي أن يكون هناك سلامٌ داخل القلب.
الله الذي دعانا إلى السلام يريدنا أن نعيش في سلامٍ داخلي، فيعيش الإنسان بعيدًا عن القلق، بعيدًا عن الاضطراب، بعيدًا عن الحيرة والشك والكآبة، يعيش في سلامٍ داخلي.
ولا يمكن أن يعيش الإنسان في سلام إذا عاش في الخطية ولهذا قال الكتاب المقدس: "لاَ سَلاَمَ، قَالَ الرَّبُّ لِلأَشْرَارِ" (إش48: 22) فالإنسان الذي يُخطئ يفقد سلامه الداخلي. الذي يفقد سلامه مع الله، يفقد سلامه مع ذاته.
وإن أراد الإنسان أن يعيش مع الله، سيحيا أيضًا في سلامٍ داخلي ويتخلص من كل أمراض النفس جميعها.
النفس المملوءة من عمل المحبة ومن عمل الروح القدس، هي نفس تعيش هادئة مطمئنة لا تضايق من شيء، ولا تخشى شيئًا.
والنفس الطاهرة النقية التي تزهد العالم تحيا باستمرارٍ في طمأنينة، ولذلك قال القديس أغسطينوس: "جلستُ على قمة العالم، حينما أحسست في نفسي أني لا أشتهي شيئًا ولا أخاف شيئًا". فالإنسان الذي يجري وراء الرغبات تتعبه رغباته، إن لم ينل هذه الرغبات يتعب ويفقد سلامه، وإنَّ لبعض الرغبات تتعبه شهوته في توال رغبات أخرى بعدها...
أما الإنسان القانع الزاهد فيعيشُ باستمرار في سلام. وعلى رأي من قال: "خيرُ الناس مَن لا يُبالي بالدنيا في يدِ من كانت".
هو إنسان ارتفع فوق مستوى الدنيا، وارتفع فوق مستوى الرغبات، وارتفع فوق مستوى الماديات جميعًا.. لذلك يحيا في سلام.
فليكن السلامُ بيننا باستمرار، نطلب من أجل بلادنا مصر ومن أجل سلامها وسلامتها. ونطلب من أجل الشرق الأوسط جميعه لكي يحيا أيضًا في سلام، ونطلب من أجل العالم كله وليكن هذا العام عامًا مباركًا عليكم جميعًا، ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1987م
السيد المسيح المعلِّم
السيد المسيح المعلِّم[1]
أريد في تهنئتي لكم اليوم بعيد الميلاد أن أحدثكم عن جانبٍ من حياة السيد المسيح، وقد حدثتكم في العامين الماضيين عن المسيح ورسالته في المحبة، والمسيح في رسالته في السلام. وأريد اليوم أن أتكلم عن: "السيد المسيح كمعلم".
حياة السيد المسيح
اهتم السيد المسيح بالتعليم اهتمامًا فائقًا وبخاصةٍ لأنه كانت هناك أفكارٌ خاطئةٌ كثيرة في أيامه وانحرافات في فهم الدين. وقد قال الله في العهد القديم: "هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ" (هو4: 6)، لذلك كانت مهمة السيد المسيح هي توعية الشعب بالتعليم السليم وتقديم المفاهيم العميقة الروحية لهم جميعًا. وكانوا يدعونه المعلم وينادونه: "أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ" (مت19: 16)، ومريم المجدلية نادته مرة قائلةً: "رَبُّونِي!" (يو20: 16) الذي تفسيره "يا معلم".
كان السيد المسيح يجولُ المدن والقرى "وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب" (مت4: 23)، وكان يعطي التعليم أهميةً كبيرة جدًا حتى كان الناس يزدحمون حوله ازدحامًا هائلًا.
في معجزة الخمس خبزات والسمكتين، كان عدد الرجال فقط الذين يسمعون عظته خمسة آلاف رجل غير النساء والأطفال، وعندما شفى المفلوج في كفر ناحوم سُمع إنه في بيت فاجتمع الناس حوله من كل مكان، حتى لم يكن البيت يسع أحدًا. وفي هدايته لزكا رئيس العشارين كان الزحامُ شديدًا جدًا حتى صعد زكا فوق جميزة لكي يراه.
كان السيد المسيح رجل جماهير ورجل شعب حيثما يتكلم يُصغي إليه الألوف، وكان له تأثيرٌ قويٌ في تعليمه حتى قيل إنه كان يتكلم كمن له سلطان وليس كالكتبة، وكان الناس يُبهتون من تعليمه!
وقد جعل التعليم أساسًا في هداية الناس وأوكل بهذه المهمةِ إلى تلاميذه فقال لهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ.. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ" (مت28: 19، 20) على أن تعليم السيد المسيح كان يتميز بخصائص هامة جدًا، كان يقدم مفاهيم جديدة، كان يصحح مفاهيم الناس، كان يهتم بالجوهر وبالقلب من الداخل، وليس بالمظاهر الخارجية وكان يتحدث كثيرًا عن الوداعةِ وعن السلام والمحبة، كان السيد المسيح يفضل أن يكون نسيمًا هادئًا وليس عاصفةً تعصف بالغير.
ملكوت الله
السيدُ المسيح في تعليمه قدم للناس بعض مفاهيم، لعل في أولها فكرة ملكوت الله.
فعلم الناس أن الله هو الملك الذي يملك على القلوب، يملك على الأفكار، يملك على المشاعر، وألغى فكرة الملكوت الأرضي الذي كان يسعى إليه اليهودُ في ذلك الزمان، ويلتمسون مملكة مثل مملكة داود وسليمان، وحكمًا أرضيًا.
أما المسيح فكلمهم عن ملكوت الله وحينما أُعجب به الناس وأرادوا أن ينصبوه ملكًا هرب منهم وقال لهم: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" (يو18: 36). إنه يعلم بمملكةٍ روحية يملك فيها الله على القلب والفكر والإرادة، ويملك أيضًا على الوقت كما يملك على العاطفة كما قال: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ" (لو10: 27).
كان هذا التعليم غريبًا في ذلك الحين لكن المسيح ظلَّ ينشر ملكوت الله على الأرض.
إنكار الذات
ومن الأشياء التي نشرها السيد المسيح وكانت غريبةً في ذلك الزمان، فكرة إنكار الذات. فقال: "أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ.. وَيَتْبَعْنِي" (مت16: 24) وكانت الذاتية تملك على ذلك الشعب فأراد أن يخلصهم من الذات، لأن كل خطايا الإنسان تتركز حول ذاته.
بذل الذات
ولم يكتفِ المسيح فقط بأن يدعو إلى إنكار الذات.. إنما دعا أيضًا إلى بذل الذات. وهو قد جاء كما قال: "أَنَّ ابْنَ الإنسان لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مت20: 28) علم الناس بذل الذات، وكيف أنهم لا يتركزون حول أنفسهم إنما يعيشون للخير ويعيشون للغير.
أبوة الله
وقدم السيد المسيح للناس فكرة أبوة الله، قدم الله كأبٍ يحب الناس جميعًا، يعاملهم بالحب وبالرعاية ويحطم حاجز الخوف الذي بينه وبين خليقته.
روح الوصية
السيد المسيح في تعاليمه أراد بالنسبة للناس أن ينقلهم من الحرف إلى الجوهر، كما يقول الكتاب: "الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي" (2كو3: 6) فنقلهم من حرفية الوصية إلى روح الوصية.
اليهودُ في ذلك الزمان كانوا ينفذون الدين حرفيًا بلا روح، حتى أن وصية السبت بالنسبة إليهم أخذت حرفيةً عجيبة. فكانوا يعتبرون الشخص قد أخطأ إذا حمل في يوم السبت شيئًا يزيدُ عن معدلٍ معين، أو إذا مشي خطوات أزيد مما يجب، بل حتى كانوا يمنعون الخير في السبت! وكثيرًا ما ثاروا على السيد المسيح لأنه كان يجري معجزات في يوم سبت!!
في إحدى المرات منح البصر لرجلٍ قد وُلد أعمى، فقابله هذا الرجل وقالوا له: ألاَّ تعرف أن الذي شفاك هو رجلٌ خاطئ؟ لأنه صنع المعجزة في سبت (يو9). وهكذا السيد المسيح نقلهم من الحرفيةِ إلى الروح، وعلمهم كيف أنه يحل فعل الخير في السبوت، وكان يتعمد في بعض الأحيان أن يصنع معجزات في يوم سبت. إن يوم الرَّبِّ هو يوم راحة، وإذا أراح الإنسان شخصًا غيره في هذا اليوم يكون قد فعل خيرًا، ويكون هذا متفقًا مع وصية الراحة.
القلب من الداخل
السيدُ المسيح أيضًا اهتم بالقلب وليس بالمظاهر، فجعل كل وصية أساسها القلب من الداخل. فمثلًا من جهة العفة قال: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" (مت5: 27، 28)! فأراد أن يُرينا أن الخطية تنبع من القلب كما أن الفضيلة تنبع من القلب.
وعلمنا أيضًا في القلب أن نحب الله، من كلِّ القلب.. لسنا كمجرد عبيد يخافون عقوبة سيدهم فنحن مع كوننا عبيد لله إلاَّ أننا نحبه، ونحبه من كل القلب ونطيع وصاياه عن حب وليس عن خوفِ.
السيد المسيح لم يهتم إطلاقًا بالمظهر وإنما بمشاعر القلب من الداخل، على اعتبار أن الممارسات هي نتيجة حب القلب لله وليست مجرد ممارسات مقصودة لذاتها. وهكذا قال: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلًا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ" (مت5: 21، 22).
فأصبح ينزع الخطيئة من أساسها في داخل القلب.. وحتى خطايا اللسان علمنا أنه من فيض القلب يتكلم اللسان. "اَلإنسان الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ، وَالإنسان الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ" (لو6: 45). إذًا الأساس في التعليم هو نقاوة القلب أولًا، وإذا تنقى القلب تنقى اللسان أيضًا وتنقت الحواس، وعاش الإنسان في حياةٍ بارةٍ طاهرةٍ أمام الله.
وكان ينتقد العبادة التي تهتم بالشكليات، ولا تهتم بمشاعر القلب. وذكرَ الشعب بما ورد من قول الرَّب في سفر إشعياء النبي: "هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدً" (مر7: 6) (إش29: 13). هو يريدُ دائمًا لنا أن تكون قلوبنا ملتصقة بالله، وإذا صارت القلوب نقية ستكون كل التصرفات وكل الممارسات نقية تبعًا لذلك.
الحب والقداسة
والسيد المسيح قدم للناس مُثلًا عُليا، حياةً مثالية، في مستوٍ رفيع من التصرف.
فقال لهم: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48) طبعًا الكمال المطلوب هو الكمال النسبي، نسبةً لمقدرة الإنسان وإمكاناته ومقدار النعمة الموهوبة له. قال: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48).. وقيل أيضًا في الكتاب: "نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أيضًا قِدِّيسِينَ" (1بط1: 15). فدعا الناس إلى الكمال وإلى قدسية الحياة.
ولذلك حينما كلمهم عن الحب لم يقتصر على محبة القريب فقط، كل إنسان في الدنيا حتى لو كان وثنيًا يستطيع أن يحب قريبه.
إنما السيد المسيح دعا الناس إلى محبة القريب ومحبة الغريب، بل أكثر من هذا إلى محبة العدو أيضًا.
فقال: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44). أراد أن يكون الحب للكل وقال في ذلك: "وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أيضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟" (مت5: 47).
"وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أيضًا يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ" (لو6: 32) أما أنتم "فأَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ". جعل المحبة لا حدود لها على الإطلاق.
وحينما تكلم عن العطاء لم يرد أن يقتصر الناس على وصية العشور، ويعتبر الإنسان أنه إذا ما دفع هذا فقد أبرأ زمته أمام الله، بل قال لهم: "مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ" (مت5: 42). وقال للشاب الغني الذي يحب المال: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ... وَتَعَالَ اتْبَعْنِي" (مت19: 21).
الحب للجميع
السيد المسيح لم يجعل الحب له قيود ولا حدود، وعلم الناس أن يعطوا كل من يسألهم.
علمهم القلب الطيب الشفوق على الكل. وهو نفسه أحب الجميع، ولم يجعل الرسالة قاصرة على اليهودِ فقط، بل تكلم أيضًا في صالح السامريين وضرب مثل السامري الصالح. وطَوَب المرأة الفينيقية الكنعانية، وقال عن قائد المائة الأممي: "لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!" (مت8: 10). وقال لليهود المعتزين بشعبيتهم أو بشعبهم أو جنسهم: "سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ" (مت8: 11). وجعل الرسالة للكل، وعندما أرسل تلاميذه قال لهم: "وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ" (مت28: 19)، وقال لهم: "اكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15).
بدأ يُعلم الناس أن الله يريد جميع الشعوب، وجميع الألسنة، وجميع الأمم وجميع الأجناس.
الله هو إله الكل، هو خالق الكل، وهو يحب الكل، "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي2: 4). ولذلك جعل السيد المسيح الناس يهتمون بنقاوة قلوبهم وبمحبتهم لله، ولم يجعل بالنسبة للناس التوبة هي ترك الخطية كلا، فكل إنسان يمكن أن يترك الخطية وربما يشتهيها في داخله إنما التوبة الحقيقية ليست فقط ترك الخطية وإنما كراهية الخطية.
والخيرُ ليس هو مجرد عمل الخير وإنما هو حب الخير، فقد يصنع الإنسان الخير خوفًا وقد يصنعه اضطرارًا، وقد يصنعه مجاملة، وقد يصنع الخير حبًا في المديح، أو خوفًا من عقوبة ولا يكون في هذا خَيرًا بالحقيقة. إنما الخير هو أن يحب الإنسان الفضيلة من كل قلبه، ويفعل الفضيلة بكامل إرادته حبًا لها وليس خوفًا من عقوبة.
وهكذا دعا الناس إلى كمال الحياة وكمال الصلة بالله، وكان باستمرار يدعو إلى الوداعة، وإلى التواضع، وإلى السلام، وكان في كل تعليمه يقدم نفسه أمثولةً وقدوة للناس.
ومن جهة السلام الذي دعا إليه السيد المسيح قال: "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ" (مت5: 39)، ".. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلًا وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ.." (مت5: 41). هو يريدنا أن نكسب الناس لا أن نكسب شيئًا من أشياء العالم فكسب الناس هو خيرٌ كبير.
دعا للسلامِ بين الله والناس، ودعا للسلام بين الناس وبعضهم البعض، ودعا إلى سلام داخل النفس.
ونحن في هذه الأيام التي يفتقرُ فيها العالم إلى السلام، إنما نصلي إلى الله أن ينشر السلام في الأرض وفي ألحاننا نقول: "يا ملك السلام أعطنا سلامك".
نطلب من الله سلامًا في الحرب الطاحنة التي بين العراق وإيران، نصلي من أجل السلام بينهما. ونطلب أيضًا سلامًا في أرض لبنان التي تحتاج إلى وحدةٍ وطنية، وسلام محبة بين الأخوة. ونطلب سلامًا لإخوتنا الفلسطينيين الذين من حقهم كشعب أن يكون لهم وطن يعيشون فيه.. فلنصلي جميعًا من أجلهم.
نطلب سلامًا في كل بلدٍ ملتهبة بالحرب سواء في أفريقيا أو بلاد الغرب، نطلب أن ينشر الرب السلام إن عجز البشرُ عن الوصول إليهم.
ونطلب سلامًا لأرضنا مصر التي باركها الله وقال: "مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ" (إش19: 25).
ونطلب نجاحًا وتوفيقًا لدولتنا في كل مشاكلها، ونحيي كل إخوتنا العرب الذين ارجعوا علاقاتهم مع مصر، ونرجو توفيقًا ونجاحًا لرئيس دولتنا محمد حسني مبارك، ونطلب لكم حياة مباركة ثابتة في الله، وكل عام وجميعكم بخير.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1988م
حياة الشكر
حياة الشكر[1]
أهنئكم يا إخوتي جميعًا بعيد الميلاد المجيد...
وفي الحقيقة بميلاد السيد المسيح ولدت لنا مبادئ وقيم عظيمة من جهة الحبِّ والسلام. في عيد ميلاد السيد المسيح أُهنئ إخوتي المسلمين، كما أهنئ إخوتي المسيحيين بميلاده فقد جاء للكل، والقيم والمثل التي أرساها المسيح إنما كانت للبشريةِ جمعاء.
وما أجمل ما قيل عن السيد المسيح أو ما قاله عن نفسه في نبوءة إشعياء النبي: "لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ" (لو4: 18). جاء السيد المسيح من أجل كلِّ نفسٍ متعبة ومن أجل كل نفس مثقلةً بالخطايا، وجاء ينشر الحب والسلام في كل موضع ولكل شعبٍ من الشعوب.
ونحن في ذكرى هذا السلام العجيب الذي نشره السيد المسيح وبشر به، والذي غنّت به الملائكة قائلةً: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ.." (لو2: 14)، إنما نصلي أن يكون على الأرض سلام.. سلامٌ على الأرض في كل مكان، سلامٌ لإخوتنا الفلسطينيين حيث يستقرون في دولتهم بمشيئة الله.. وسلام لإخوتنا في لبنان طالبين أن تنتهي بينهم الحروب والانقسامات، وسلامٌ لإخوتنا في أفغانستان، وسلامٌ للعالمِ في كل مكان. نطلبُ سلامًا للعالم وسلامًا للأفراد.. ونطلب ببركة هذا العيد بهجةٍ لكل قلب وتعزيةٍ لكل نفس.
حياة الشكر
ولكننا قبل أن نطلب طلبات كثيرة كعهدنا باستمرار حينما نقف أمام الله.. إنما يجب علينا بالأكثر أن نشكر الله على كلِّ إحساناته إلينا في العام الماضي وفي كل عام مضى.
يُعوزُنَا أن نجلس إلى نفوسنا ونبدأ هذا العام الجديد بالشكر.. نشكر على كلِّ خيرٍ أتانا وعلى كل خيرٍ لم نشكر عليه من قبل. لأنه من عيوبِ كثيرٍ من الناس إن أتاهم خيرٌ من الله أن يفرحوا بهذا الخير، وفي فرحهم يكون نسيان الشكر بالنسبة لمعطي الخير.. نحن دائمًا نفرح دون أن نشكر!
وهناك أمورٌ عديدة جدًا تحتاج منا أن نشكر الله عليها، وقد قال أحد الآباء: "ليست موهبةٌ بلا زيادة إلاَّ التي بلا شكر"، ونحن لسنا نشكر لكي تزيد المواهب لنا، وإنما عرفانًا بجميلِ الخالق الذي أعطانا الكثير كأفراد وكشعب وكأمة. يكفي أن الله خلقنا وأنعم علينا بالوجود دون أن نشكره إطلاقًا على هذا الوجود.
حينما نشكر الله تزداد الرابطة بيننا وبينه ونعرف أننا لسنا وحدنا...
إنما يوجد إلهٌ قويٌ قادرٌ على كل شيء، يقف إلى جوارنا ليعين ويعطي ويكون عزاءً لصغيري النفوس، وميناءً للذين في العاصفة.
نشكر الله ونود أن نتعود هذا الشكر فيصبح طبيعةً فينا، وليكن شكرنا لله من عمق قلبنا ونحن نعلم ذلك، لأنه كثيرًا ما يستخدم الناس ألفاظ الشكر دون أن توجد عندهم مشاعر الشكر، مثال ذلك... قد يأتي قريبٌ لك من سفر فتقل له: "حمد لله على السلامة" ولكنك لا تعني إطلاقًا إنك تحمد الله على سلامته، وتشكر الله لأنه كان معه وأتى به بسلام.. مجرد تعبير يُقال بطريقةٍ روتينية! يلزمنا أن نشكر الله من عمق قلوبنا، ومن عمق مشاعرنا، ونفرح بعمله معنا وبعمله فينا.
درجات الشكر
والشكرُ يا إخوتي على درجات.. أقل الدرجات أن نشكر الله على الأمور العظيمة الكبيرة، على المعجزات، على المواهب، على الحياة! هناك من يشكرون على الأمور العظيمة ويرون أمورًا أخرى لا تستحق الشكر، تمرُ عليهم في عبورٍ دون أن يستوقفوها ليشكروا الله عليها.
لذلك هناك درجة أكبر وهي الشكر على القليل...
كل إنسان يمكن أن يشكر على الأمور الهائلة، وعلى العطايا الضخمة، ولكن يندر أن يشكر على القليل. الشكر على القليل يمنح القلب قناعةً في الداخل ويدل على أن الإنسان مُخلص لله في كل شيء، ولا ينسى صغيرة إلاَّ ويشكر عليها.
قد يشكر الإنسان على شفاء من مرض خطير كالسرطان مثلًا، أو من عملية جراحية بالقلب أو في المخ، ولكن يندر أن يوجد إنسان يشكر الله إنه شفاه من نوبة برد أو من زكام أو من دور أنفلونزا، نحن كما لو كنا نشكر على كنز كبير يفتح لنا أو على مظاهر فخمة أو على شهرة وجاه، ولكن يُختبر شكرنا لله عندما نشكر على كل شيء مهما بدا صغيرًا أمامنا...
فالذي يتعود الشكر على القليل لا بد أنه سيشكر على الكثير.
الشكر على الخفيات
هناك درجة أخرى وهي أننا نشكر على الخفيات التي لم ترى؛ ربما نشكر على المتاعب التي أنقذنا منها ونحن نعرفها جيدًا، ولكن يندر أن يشكر إنسان على متاعب كانت واصلة إليه في الطريق، ومنعها الله عنه قبل أن تصل هي من الأشياء الخفية.
ولذلك بالنسبة للضيقات والمتاعب هناك نوعان من الضيقات نشكر عليهما.. نشكر على إنقاذنا من الضيقات، ونشكر على حفظنا من الضيقات التي منعها الله قبل أن تصل. صدقوني لو أن الله كشف لنا كل عمله من أجلنا وكل إنقاذه من أجلنا لما كانت حياتنا كلها تكفي لشكره.
عجيبٌ أن الله يعطي باستمرار والإنسان ينسى باستمرار ولا يشكر!
الإنسان البار يشكر على كل شيء كما قيل في الكتاب المقدس: "شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" (أف5: 20)، نحن يمكننا أن نشكر الله على الحياة التي نحياها، نشكره على الصحة، نشكره على العمل، نشكره على المواهب، نشكره على عطيةٍ صالحة يُقدمها لنا، بل كل عملٍ صالح تعمله أنت، ينبغي أن تشكر الله عليه، لأنه لولا معونة من الله ما كنت تستطيع أن تعمل عملًا صالحًا، وهو الذي قال في الكتاب المقدس: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو15: 5).
قد يعمل الإنسان عملًا صالحًا فإن سألته يقول: (عملت هذا العمل بذكائي، بعقلي، بجهدي، بعرقي)! وهنا أسأله سؤالًا بسيطًا: "ومَن الذي منحك هذا الذكاء والعقل والجهد؟"، لولا أن الله منحك عقلًا وذكاءً وجهدًا ما كنت تستطيع أن تفعل شيئًا.
نحن نفتخر كثيرًا بأعمال نعملها ولا ننسب القوة لله الذي أعطانا أن نعمل، وكثيرون لهم ذكاء أيضًا ولهم عقل ولا يستطيعون أن يعملوا ربما لأجل عوائق، ربما لأجل ظروف، ربما نقص في الإمكانيات فالعقل وحده لا يكفي بدون معونة الله.
نشكر - كما قلت - على الأمور العظيمة، وعلى الأمور التي تبدو بسيطة، وعلى الخفيات، وعلى كل عملٍ نعمله.. ونستطيع أيضًا أن نشكر على الطبيعة التي لنا..
مَن خَطر بذهنه هذه الليلة أن يشكر الله على الدفئ، وعلى الجو الجميل الذي نتمتع به، مَن منكم يشكر الله على الشمس المشرقة! وبعض البلاد التي يكتنفها الضباب ولا ترى الشمس إن أشرقت الشمسُ يومًا يعتبرونه كعيد يعيدون فيه، ونحن أعطانا الله شمسًا مشرقة، وطبيعة جميلة يأتي إليها السواح ليتمتعوا بها في الشتاء، ونحن أصحاب هذه الطبيعة لا نشكر.
خطأٌ في الإنسان أنه باستمرار يطلب وقليلًا ما يشكر...
عيب الإنسان إنه باستمرار يبحث عما ليس عنده لكي يطلبه، ولا يشكر عما في يديه من الخيرات التي أعطاه الله. يطلب الإمكانيات غير المتاحة، وينسى الإمكانيات المتاحة التي وهبت له ولا يشكر عليها!
هناك أمور عديدة جدًا في الحياة نشكر الله عليها، يكفي أنه أعطانا أن نعرفه، هناك أممٌ ملحدة لا تعرف الله وتشتهي الإيمان بالله الذي لك، الذي أخذته دون مجهود، ولذلك نحنُ نصلي في القداس الغريغوري ونقول: "أعطيتني علم معرفتك".
نشكر الله الذي أرسل إلينا الأنبياء والرسل وقدم لنا الوحي الإلهي، وكشف لنا عن سمائه وملائكته وعن نعمه المتعددة، لو أردنا أن نُحصي كل شيء من الصعب أن نعد كل الخيرات.
الشكر في الضيقات
هناك درجة أعلى من هذا، وهي أن نشكر الله على الضيقات والتجارب والمتاعب. لأن الذي يشكر على النعم فقط كأنه لا يحب الله لذاته وإنما يحب نعمه وعطاياه. إننا نشكر الله ونحبه ولو من غير أي عطية ولو وسط الضيق.
الضيقات التي تصيب الناس ومواقفهم منها فيه درجات أيضًا. احتمال الضيقة والصبر عليها هو فضيلة، ولكن قبول الضيقة والرضا بها فضيلة أكبر، والفرح بالضيقة والشكر عليها فضيلة أعظم من الفضيلتين، هكذا يقول لنا الكتاب: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ" (يع1: 2).
الإنسان الشكور يشكر على الضيقة لأنه في الضيقة تكون صلواته أعمق، وأصوامه أعمق، وصلته بالله تكون أكثر من ذي قبل، وفي الضيقة ينال خبرات روحية، ويرى يد الله وهي تمتد إليه لتنقذه، والذين عاشوا في الضيقات تعلموا أن يكونوا عصاميين، وكانت لهم نفوسٌ قوية غير الذين تربوا في النعيم وفي السعة، في الرحب.
والضيقات أيضًا تؤلف القلوب وتوحد الشمل... ونحن نعرف كيف أن الضيقات جعلتنا نتحد جميعًا في ثورة 1919م ونصبح أمة قوية متراصة، لأن الضيقة كانت تتعبها في احتلال أجنبي وفي بُعدٍ عن الحكم الديمقراطي وعن الدستور، وكانت النتيجة إننا نلنا بركات عديدة. الضيقات ليست شرًا في ذاتها وإنما يمكن أن ينال منها الإنسان بركات، وممكن أحيانًا تغربل وتظهر العنصر الطيب من العنصر الرديء، على رأي الشاعر..
جزى الله الشدائدَ كلَّ خيرٍ | عرفتُ بها عدوي من صديقي |
الإنسان الروحي يشكر على كل شيء يقول لله: "لولا إنك ترى هذا الأمر خيرًا لي ما كنت تسمح به"، الأمور التي تأتيك إما أن يأتيك خير فيصل إليك خير، وإما أن يأتيك شر وإذا الله محب ضابط الكل يحول الشر إلى خير، فيصل إليك أيضًا خير.
ولعل قصة يوسف الصديق برهان عميق لهذا الأمر، حول الله الشر إلى خير في حياته.
الإنسان الروحي يشكر على كل شيء "شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" (أف5: 20)، حتى إن أتاه خير من إنسان آخر، يشكر هذا الإنسان ويشكر الله الذي أرسل هذا الإنسان في طريقه، أو يشكر الله الذي قدم له خيرًا بواسطة هذا الإنسان ولكن لا ينسى الله مطلقًا.
أمور تستحق الشكر
ليس الإيمان هو ألفاظٍ نرددها.. إنما الإيمان هو إيمان عميق بالله ووجوده، وعمله، وحفظه وحكمته، وتدبيره للكون. في هذا الشكر الذي نشكر الله عليه إنما نتذكر أيضًا أن هناك أمورٍ جميلة جدًا قدمها الله تستحق الشكر، مثال ذلك...
نشكر الله الذي أرجع إلينا سيناء وأرجع إلينا طابا، وأصبحت لنا رقعة واسعة من الأرض يمكن أن تُستخدم في الزراعة ولاستخراج المعادن وللإسكان وللسياحة، نشكره على هذا الأمر في بدء هذا العام.
نشكر الله أيضًا الذي جعل مياه النيل تصعد كمقدارها.. كدنا نخاف خوفًا دائم من الجفاف وتأثيره على ري الأرض وتأثيره على الكهرباء، وإذا بالله الذي يستجيب للصلوات والدعاء يجعل مياه النيل ليست عاديةٌ فقط، وإنما غزيرة وبمنسوبٍ عالٍ ما كنا نتصوره إطلاقًا! إنها نعمة من الله يجب أن نشكر عليها.
نشكر الله أيضًا الذي يفجر لنا من الأرض آبار بترول، وكل حين وآخر يُعلن في الجرائد عن اكتشاف بئر أو آبار جديدة، وأصبح البترول في مصر... ويمكننا أن نصدر ونحصل على عملة صعبة؛ أليس هذا الأمر يستحق الشكر؟
نشكر الله أيضًا الذي أعطانا أراضي صالحة، أمكن أن تتحول الصحراء فيها إلى أرضٍ زراعية، وزادت رقعة الأراضي الزراعية مئات الآلاف من الفدادين في السنوات الماضية وأصبح الطريق الصحراوي يمكن أن يتغير إلى طريقٍ زراعي بعد حين هذا أمرٌ نشكر عليه.
نشكر الله أيضًا على أنه جعلنا نعيشُ في بلادٍ لها تاريخٌ عجيب، ولها آثار يمكن أن تفتخر بها أية أمة في العالم، يأتيها السياح من كل أرض وأصبحت السياحة في بلادنا هذه ذات التاريخ مجيد، أصبحت موردًا أساسيًا لمالية مصر. هناك بعض بلاد إن وجد فيها معلم له مائتان من السنين في العمر يعتبرونه أثر.. فكم بالأولى ونحن لنا حضارة ترجع إلى ما يزيد عن خمسة آلاف أو ستة آلاف أو سبعة آلاف سنة!!
في إحدى المرات وأنا طالب أخذت موضوعًا عن "صناعات الزجاج في عصور ما قبل التاريخ"، يعني قبل الأسرة الأولى، الصناعات العجيبة التي عرفتها مصر وأصبحت آثارًا.
نشكر الله لأننا أول أمة في العالم عرفت الكتابة.. وكانوا يستخدمون في الكتابة أوراق البردي التي تسمى Papyrus ومن كلمة Papyrus أتت كلمةPaper وPapier و Pipi الأرمنية لأننا نحن الذين اخترعنا الورق في العالم.
نشكر الله إننا في مصر بلد الكيمياء، والكلمة كيمياء مأخوذة من اسم مصري "كيمي" اسمها كيمي باللغة القبطية، وكيمت باللغة الهيروغليفية وأخذوا الكيمياء في البلاد.
نشكر الله لأن بلادنا هي أول بلد عرفت الطب كما ينبغي، باللغة القبطية كلمة طبيب معناها سيمي والمصدر منها ميت سيمي؛ ومنها كلمة Medicine التي تعني علم الطب، كلمة قبطية وراءها أصل هيروغليفي وأُخذت في اللغات أخرى.
نشكر الله أننا أبناء حضارة عجيبة ونفتخر بهذا البلد، على رأي الزعيم مصطفى كامل حينما قال: "لو لم أكن مصريًا لوددت أن أكون مصريًا".
نشكر الله أيضًا من أجل الظروف الخارجية، من أجل توقف الحرب بين العراق وإيران أمر سعى له العالم من حوالي ثماني سنوات، وأنعم الله به في العام الماضي. نشكره عليه من عمق قلوبنا ونصلي تكملةً له أن يتم الإفراج عن الأسرى - أسرى الحرب العراقية الإيرانية -، ويعودوا إلى بلادهم إلى بيوتهم فرحين.
نشكر الله على الخطوات التي تمت في حل المشكلة الفلسطينية. وعلى أن الزعيم ياسر عرفات استطاع أن يقف أمام هيئة الأمم المتحدة في جينيف، وسط تأييدًا عالميًا كبير.
نشكر الجهود التي بذلها السيد الرئيس مبارك، والتي بذلها جلالة الملك حسين، والتي بذلها جلالة الملك فهد في حلِ المشكلة الفلسطينية.
نشكر الله أيضًا الذي جعل قادة الأمم الكبرى يتفقون على خطواتٍ في السلام أو في منع الحروب المدمرة للكون، فالاتفاق على نزع الأسلحة النووية - الصواريخ النووية متوسطة المدى أمر نشكر عليه، ونرجو أن يتم نزع باقي الأسلحة وينجو العالم من الدمار ومن الهلاك.
نشكر أيضًا على الحركات الجليلة في حرية الضمير في روسيا، التي يتولاها الزعيم جورباتشوف، ومن أجل حرية الدين التي أعطيت للناس والتغييرات الجديدة التي نراها.
العالم يتطور في كثيرٍ من الأمور إلى أفضل، صدقوني لو جعلنا أمامنا النقط السوداء فقط لتحولت حياتنا إلى ألم وقلق ويأس وتعب واضطراب...إلخ.
ولكن في بدء العام نذكر النقط الجميلة الموجودة في تاريخنا وفي تاريخ العالم.. ونصلي ونقول لله: يا مَن باركت في ذلك الزمان الآن أيضًا بارك، يا من أعطيتنا نعمًا في العام الماضي أعطنا الآن وكل أوان.. أنت وحدك صانع الخيرات وأنت وحدك المعطي)...
نشكر الله أيضًا على الجهد الذي بذله الرئيس مبارك من أجل بلده وتعبه المستمر في خدمتها.. ونطلب لكم جميعًا حياة مباركة طاهرة ثابتة في كل عمل مقدس. ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير1989م
الفصل الثالث التسعينات (1990م - 1999م)
صانع الخيرات[1]
ميلاد المسيح
في هذا اليوم المبارك نذكرُ ميلاد السيد المسيح له المجد.. وفي ميلاد المسيح نذكرُ أشياء كثيرة، تُعطينا إيحاءاتٍ روحية في حياتنا. ولعل من أجمل العبارات التي قيلت عن السيد المسيح أنه: "كان يجول يصنع خيرًا".. باستمرار كان الخيرُ يصاحبه حيثما انتقل وأينما حل. يعمل خيرًا للجميع، وقد قيل عنه في سفر إشعياء النبي أنه جاء يبشر المساكين، ويعصب منكسري القلوب، وينادي للمأسورين بالعتق، وللمسبين بالإطلاق.. "الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ" (إش61: 1).
جاء خيرًا للناس ورأفةً وشفقةً على كلِّ أحد.
صانع الخيرات
وكان يصنع الخير للروح كما يصنع الخير للجسد، يصنع خيرًا للإنسان كله روحًا ونفسًا وجسدًا. ولذلك قيل عنه في إنجيل القديس متى إنه كان: "يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب" (مت4: 23) يهتم بالروح وبالجسد. وهكذا لما أرسل تلاميذه القديسين قال لهم: "اكرزوا بالملكوت" وأيضًا "اِشْفُوا مَرْضَى. طَهِّرُوا بُرْصًا. أَقِيمُوا مَوْتَى. أَخْرِجُوا شَيَاطِينَ. مَجَّانًا أَخَذْتُمْ، مَجَّانًا أَعْطُوا" (مت10: 8).
هكذا كان يفعل الخير ويوصي بصنع الخير، ونجد أنه كان يهتم بالذات بالمعوزين والمساكين والذين في مشقةٍ وفي ألم، كان يهتم بهؤلاء ويواسيهم وكان يهتم بكل مُتعب وهكذا قال: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28).
المحب الشفوق
ليس فقط الاهتمام بالمتعبين في حياتهم المادية أو العادية وإنما حتى أيضًا في المتعبين روحيًا.
كان يقول من جهة الخطاة الذين يهتم بهم، وكان اليهود يلومونه على الاهتمام بهؤلاء الخطاة كان يقول: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (مت2: 17)، وورد في الكتاب المقدس: "شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ. أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ" (1تس5: 14)، بهذا الشكل كان المسيح قلبًا شفوقًا طيبًا على كل أحد. يفعل الخير أينما سار، ويعلم الناس كيف يسلكون في الخير.
وكان يشفق على الخطاة... لدرجة أن اليهود حينما أرادوا أن يرجموا المرأة الخاطئة التي ضُبطت في ذات الفعل أنقذها من أيديهم وقال لهم: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!" (يو8: 7). عاش المسيح هكذا.. كل من يتصل به يأخذ خيرًا منه، يصنع الخير للكل، صنع الخير مع اليهود ومع الأمم الغرباء، مع الصغار ومع الكبار، مع القريب والغريب. وكان يقول: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44).
العطاء
وكان السيد المسيح أيضًا يُعلم الناس العطاء بأنهم باستمرار يعطون للكل، يتعلم الإنسان كيف يعطي، وكيف يعطي بسخاء، ويعطي باستمرار، ويعطي لكل أحد.
وكان يُعَلم الناس أنهم حينما يَعطون لا يُعطون من مالهم الخاص، فكل ما نملكه هو ملكٌ لله ونحن مجرد وكلاء على ما في أيدينا.
ولذلك جميلة تلك العبارة التي قالها داود النبي للرَّب، قال له: "وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ" (1أي29: 14)، فالذي يفعل الخير.. إنما يفعل الخير الذي يرشده الله إليه، حتى ما نعمله لا نعمله من ذواتنا، وإنما الله يضع في قلوبنا أن نفعل ذلك ويقوي إرادتنا.
كان يُعَلم الناس أن يعطوا وارتفع بهم فوق وصية العشور التي جاءت في العهد القديم، وقال: "مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ" (مت5: 42) بغير حدود، بغير قياس!
بل أيضًا مدح الأرملة التي أعطت من أعوازها، فقال إن الإنسان يُعطي ويعطي بلا حساب ويعطي من أعوازه، ويعطي للكل. وقال في ذلك إن الله: "يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ" (مت5: 45).. الله يعطي الكل حتى الدودة البسيطة التي تسعى تحت حجر يعطيها الله ما تحتاج إليه.
هكذا عَلم السيد المسيح تلاميذه أن يعطوا بسخاء، وأن يعطوا لكل أحد، وأن يعطوا حتى من الأعواز، وأيضًا أن يعطوا في الخفاء لئلا ينالوا أجرًا من الناس.
حب الخير والنمو فيه
علمهم أن يصنعوا الخير والذي يصنع الخير يجد سعادة فيه، الذي لا يجد سعادة في صنع الخير ليس ما يعمله خيرًا بالحقيقة. لأنه ليس المهم عند الإنسان أن يعمل الخير إنما المهم بالأكثر أن يحب الخير... فهناك أشخاصٌ يفعلون الخير اضطرارًا أو خوفًا، أو طاعةً لقانون، أو لوصية أو خوفًا من انتقاد الناس، أو خوفًا من نتائج الخطيئة، أو ابتغاءً لمديح، أو لتقدير، أو لشهرة، أو لترقية.. وكل ذلك لا يفعلون الخير بالحقيقة!
الخير بالحقيقة إن الإنسان في أعماقه من الداخل يحب الخير.. وكل الأعمال الخيرة التي نعملها في اليوم الأخير سيزنها الله بمقدار ما فيها من حب، بمقدار ما فيها من حبٍ للخير وحب للغير.
هذا هو الخير في حقيقته، أن الإنسان يصنع الخير تلقائيًا وبالفطرة وبدون تعب، لأنه ما أسهل أن يعطي الإنسان لغيره وكأنه يدفع ضريبة! ولكن الإنسان المحب للخير هو الذي ينفذ الوصية القائلة: "الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ" (2كو9: 7) "مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ" (أع20: 25).
والذي يحب الخير يتعب من أجل الخير ويبذل...
وإن لم يجد إمكانيات أمامه يجاهد لكي يحصل على إمكانيات، ولا يعتذر بعَقَبَات أمامه في طريق الخير. الذي يعتذر بالعقَبَات هو إنسان لا يحب الخير بالحقيقة، فإذا وجد عذرًا يركن إليه.
السيد المسيح أعطانا أن نعمل الخير وأن نحب الخير، وأيضًا نصحنا أن ننمو في هذا الخير، نصنع الخير، نحبه، ندعو الناس إليه، ننمو فيه إلى غير حدود. وكلما صنعنا الخير ولم نجد له أجرًا على الأرض.. فالأجر محفوظٌ في السماء. وإذا الإنسان صنع خيرًا حتى لو قوبل بأذى لا تمنعه محبته للخير أن يستمر في هذا الخير حتى لو أُذيَ بسببه، يضحي من أجل هذا وينمو.
والخير ينبغي أن يكون خيرًا في ذاته، وفي وسيلته، وفي هدفه، وبقدر الإمكان في نتائجه.
يكون خيرًا في ذاته لأن بعض الناس يظنون أنهم يصنعون خيرًا في الوقت الذي يكون ما يصنعونه بعيدًا عن الخير كل البُعد. ولذلك صُنع الخير يحتاج إلى فهم، وإلى حكمة، أو على الأقل يحتاج إلى توعية، وإرشاد، ونسك، وتبصرة، بمعنى الخير وطريق الخير، ووسيلة الخير يجب أن تكون وسيلة خَيرة وإلاَّ كان الإنسان يخلط خيرًا بشر.
ونحن نذكر أنَّ السيد المسيح جاء ينشر الخير ويدعو إليه، إنما نطلب من الله أن يُسبغ علينا بخيراته في كل حين، أن يعطي خيرًا للعالم كله، يعطيهم خيرًا في روحياتهم، وخيرًا في حياتهم العادية وخيرًا في كل ناحية. الله الذي كان معنا في الماضي يكون معنا الآن وكل أوان.
الذي خلق العالم وأعطاه خيرًا.. خلق إنسانين آدم وحواء، وأعطاهما جنةً واسعةً مملوءةً بالخيرات فوق ما يحتاجون هو أيضًا فليعطي العالم هذا الخير...
وليكن هذا العام عامًا مباركًا يعيده الله علينا وعليكم بكل خير، نطلب الخير للعالم كله، ونطلب الخير لبلادنا مصر، ونطلب الخير لمنطقة الشرق الأوسط، نطلب الخير لفلسطين ولبنان ولكل البلاد التي تحتاج إلى معونة من الرَّب، ونطلب لبلادنا العزيزة أن يجعلها الله نامية في كل شيء مملوءة بالخيرات، ويعطي حكمة لرئيسها الرئيس مبارك ولكل العاملين معه وكل عام وجميعكم بخير.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير1990م
الصفحة البيضاء
الصفحة البيضاء[1]
أشكر الله الذي أعاد علينا هذه الأيام المقدسة وأود يا إخوتي جميعًا أن أهنئكم بالسنةِ الجديدة وبعيد الميلاد المجيد..
في الواقع إن سنة جديدة يُعطيها لنا الله من عمرنا إنما هي صفحة بيضاء يعرضها الله علينا لنكتب ما نشاء فيها بحريتنا، فتُرى ماذا ترانا سنكتب في هذا العام الجديد؟ وماذا تُرى التاريخ ينتظر منا ليقرأ؟!
نرجو أن يكون عامًا سعيدًا كله بر وتقوى في حياة الأفراد، وسلام أيضًا في حياة الدول.
ونحن نستقبل هذا العام الجديد.. نستقبله والعالم كله يتسائل ترى ماذا سيكون؟ هل ستكون هناك حربٌ مدمرة لا نعرف مداها ولا مقدار ضحاياها، أم سينجح العالم في أن يحل الإشكال بأسلوبٍ سلمي، نحن نصلي من أجل السلام. ونرجو بكل قلوبنا ونحن نرفع صلواتنا في هذه الليلة أن ينشر الله السلام في المنطقة، ونُقدر الجهود الكبيرة التي قام بها رئيس جمهوريتنا حسني مبارك من أجل حفظ السلام على قدر ما يستطيع.
السلام هو القاعدة الأصلية
نحنُ نذكر السلام في تذكار ميلاد السيد المسيح الذي جاء ينشر رسالة السلام، والذي في مولده صاح أحد الملائكة قائلًا: "فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ" (لو2: 10)، وأنشدت بعده جوقةٌ من الملائكة قائلةً: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لو2: 14). والسيد المسيح كان يقول لتلاميذه القديسين: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ" (يو14: 27).
نحن نريدُ هذا السلام والله أيضًا يريده...
لأن السلام كان القاعدة الأصلية التي عاشت فيها البشرية، كان السلامُ هو السائد في الكون قبل الخليقة، كان الله وحده مكتفيًا بذاته وكان هناك سلام. ثم خلق الله خليقةً لها حرية الإرادة.. وبحرية الإرادة أخطأ البعض وفقدت الأرض سلامها!
عندما خلق الله الكون وعندما خلق البشرية كان أبونا آدم يعيش مع الوحوش ولا تؤذيه، وكذلك كان أبونا نوح في الفلك هو وأولاده وزوجاتهم، يعيشون مع الوحوش ولا تؤذيهم. لم تكن الوحوش قد دخلها الطبع الوحشي بعد، نحن نستعمل عبارة وحوش الآن بعد الخطيئة لكن عندما خلق الله الكون لم يكن هناك طبع وحشي، ولم يكن هناك افتراس ولا اعتداء، كان هناك سلام. العجيب أن أول قتيل على الأرض هابيل البار قتله أخوه للأسف الشديد، لم يقتله حيوان ولا وحش ولكن قتله أخٌ له وشقيق من نفسِ الأب ونفس الأم! وكان هذا بدء القتال في العالم، وبدء الحروب، وبدء اعتداء الإنسان على أخيه الإنسان.
أتذكرُ بهذه المناسبة أحد الشعراء العرب حينما تصور فتك الإنسان بالإنسان فقال:
عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عوى | .:. | وصوَتَ إنسان فكدتُ أطيرُ |
ما أصعب الإنسان إذا انفرد بأخيه الإنسان ليقتله!!
الله يريدُ السلام على الأرض، وقد وضع السلام كقاعدةٍ يعيش بها الناس. والعجيب أن السيد المسيح الذي جاء ينشر السلام.. في مولده تآمر هيرودس الملك على قتله، وقتل كل أطفال بيت لحم لعله يكون بينهم! ولكنه عاش وجاء إلى مصر يعيش في أمنها، كان القتل هناك وكان الأمنُ في مصر بالنسبة للسيد المسيح ولعل هذا كان رمزًا. ثم بدأ السيد المسيح ينشر رسالته، فقال في العظة على الجبل التي تعتبر دستورًا روحيًا للمسيحية.. قال: "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ" (مت5: 9)، وقال: "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ" (مت5: 40)، وقال: "فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ" (مت5: 23، 24). بل قال أكثر من هذا: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44).
أنواع السلام
جاء السيد المسيح ينشرُ رسالةً للسلام في الأرض...
وقيل في الكتاب المقدس إن من ثمر الروح "مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ" (غلا5: 22). وهكذا نرى أن السلام الحقيقي يكونُ على أساسٍ من المحبة، إذا وجدت المحبة، وجد السلام وإذا وجدت المحبة والسلام وجد الفرح، من ثمر الروح محبة وفرح وسلام.
لذلك فالأشخاص الروحيون يعيشون في سلامٍ مع الكل، ولهم أيضًا سلام داخل قلوبهم، ويعيشون أيضًا في سلامٍ مع الله وهذه هي العناصر الثلاثة للسلام: سلام مع الله، سلام مع الناس، سلام داخل النفس.
على الرغم من الكلام الكثير الذي قيل عن السلام... البشريةُ تتقاتل وتتقاسم!!
دول ضد دول وشعوب ضد شعوب، بل يوجد أيضًا انقسام وحروب حتى داخل الوطن الواحد، حتى داخل الأسرة الواحدة، حتى بين الإخوة!! بل قد يوجد انقسام بين الإنسان وبين نفسه منقسم على ذاته! والله يريدنا أن نعيش في سلام.. والسلام الذي يريده الله هو سلام حقيقي وليس مظهرية من الخارج، سلام مبني على الحب، على الود، على التآلف، على الأخوة. هل يمكن أن يوجد هذا في الكون بأسره؟!
هي مشيئة الله، الله أعطانا حرية وأرادنا أن نستغل الحرية حسنًا في علاقات طيبة مع جميع الناس.
التعاون
إذا لم يوجد عند الناس حب فعلى الأقل يوجد تعاون، وكثير من الدول تتعاون معًا. تعاون يُبنى على الفكر الواحد، والغرض الواحد والمصلحة المشتركة، ربما عن طريق التعاون يصل الناس إلى الحب.. فإن لم يكن هناك فكرٌ واحد فيأتي السلام عن طريق التفاهم، وتبادل الفكر وهكذا يعيش الناس معًا، يتبادلون الفكر معًا في مودة وليس في عراك.
البشر أحيانًا يفقدون سلامهم إذا اختلفت آرائهم بينما الخلاف في الرأي يدعو إلى مزيدٍ من التفاهم، ومزيدٍ من التقارب لإيجاد الفكر الواحد. على الأقل إذا لم يوجد فكرٌ واحد، وإذا لم يوجد تفاهم فلا داعي لأن توجد عداوة، كلمة جميلة جدًا قالها القديس يوحنا ذهبي الفم قال: "مَن لا توافقك صداقته.. لا تتخذه لك عدوًا". هناك مرحلةٌ متوسطة.. مرحلة حياد بين الناس، مرحلة هُدنة بين الناس. يُعيد كل إنسان التفكير داخل نفسه كيف يستطيع أن يكسب غيره؟ إذا اختلف معك إنسان في الرأي.. حاول أن تكسبه لا أن تحطمه، والكتاب المقدس يقول: "وَرَابحُ النُّفُوسِ حَكِيمٌ" (أم11: 30).
الهدوء
والسلامُ يحتاجُ إلى هدوءٍ في الأعصاب، وهدوء في الطبع..
الإنسان السريع الغضب لا يستطيع أن يعيش مع الناس في سلام...
الإنسان السهل الاستثارة لا يستطيع أن يعيش في سلام مع الناس... يحتاج الإنسان لكي يعيش مسالمًا للكل أن يكون هادئًا في طبعه، بعيدًا عن الغضب.
والكتاب يقول: "لِيَكُنْ كُلُّ إنسان مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ، لأَنَّ غَضَبَ الإنسان لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ" (يع1: 19، 20)، الناس الذين يفقدون سلامهم هم المعرضون للغضبِ بسرعة، وللانفعال وللتصرف العنيف في حالة الغضب.
والسلام أيضًا يحتاج إلى حكمة، الرجل الحكيم يمكن أن يكون مسالمًا. هناك إنسان يحاول أن يحل إشكالاته بأعصابه، وإنسان آخر إذا صادفه إشكال مع الناس يحله بحكمة، بهدوء، بلطف بوداعة، بغير تصادم.. ويعيشُ مع الناس في سلام.
لا تظن أنك إذا كنت تعيش في سلام مع أصدقائك أنك اكتسبت فضيلة السلام، الذي يعيشُ في فضيلة السلام هو الذي يستطيع أن يحيا في سلامٍ حتى مع أعدائه، حتى مع الذين يسيئون إليه! والسيد المسيح يقول في العظة على الجبل كلامًا كثيرًا عن حياة المصالحة ويقول الكتاب: "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" (رو12: 21) لو استطاع إنسان أن يثيرك فثُرت يكون الشر قد غلبك، ولكنك بالحب تستطيع أن تغلب الشر.
يقول الآباء حكمةً لطيفة يقولون: "النار لا تطفئها النار، بل يطفئها الماء"، نحتاج في السلام إلى هدوء، وإلى حكمة، وإلى وداعة، وإلى تفاهم، وإلى حب يربط بين الجميع، وأحيانًا يحتاج السلام إلى صبر واحتمال إن كنت في موقف المعتدى عليه، لأن أخاك الذي يعتدى عليك هو مقهورٌ من خطية يحتاج أن تصلي من أجله، وتحتمله في وقت سقطته إلى أن ينقذه الله من خطية الاعتداء.
السلام والاستسلام
على أننا في حديثنا عن السلام نفرق بين السلام والاستسلام، لا نقصد بالسلام أن المعتدي يستمر في عدوانه ويعيش الناس معه في سلام! إنما لا بد من أن توجد مصالحة على أساسٍ من العدل والحق وعدم شعور أحد بالظلم، لأن الظلم لا يرضاه الله.
فيما نصلي من أجل السلام نصلي من أجل العدل والحق، ونصلي من أجل أن أحدًا لا يشعر بالظلم إطلاقًا. يعيش الناس في سلام، وفي حب، وفي عدل وعلى أساسٍ من الحق.
السلام الكامل
العالم فيه اضطرابات كثيرة... السلام الحقيقي الذي سيتكامل بالنسبة للكل هو السلام في الأبدية.. حيث يعيش الناس في العالم الآخر في سلامٍ بعيدًا عن شرور الأرض، وعما في الأرض من ظلم واعتداء وفتك الشخص بأخيه.
هناك السلام الحقيقي السلام الكامل.
إننا نصلي من أجل السلام في منطقة الخليج، ونصلي من أجل السلام في لبنان، ونصلي من أجل السلام في الصومال، ونصلي من أجل السلام في الأراضي المحتلة، ونصلي من أجل السلام في جنوب أفريقيا، ونصلي من أجل السلام في كل موضع، نريدُ أن نرى الناس يعيشون في حب، وفي أُلفة، وفي تفاهم وفي ود.
وإذا وُجدت مشكلة تُحَل بروح الأخوة، وعلى أسسٍ سليمةٍ من الحق، ولو بفسحة من الوقت لأن التروي والبطء هو وسيلةٌ أيضًا للسلام. فليجعل الرَّب هذا العام عامًا سعيدًا عليكم جميعًا وعلى هذه المنطقة، وليبارك كل الذين يجاهدون من أجل السلام وليحفظ الله بلادنا مصر ورئيسها وقادتها جميعًا.. ولكم منا جزيل الشكر وكل عام وجميعكم بخير.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير1991م
السلام العملي
السلام العملي[1]
أهنئكم يا إخوتي بالعيد وما يحملُ هذا العيد من معنى السلام، الذي غنى به الملائكةُ في ميلاد السيد المسيح.
العالم يحتاج السلام
وفي الواقع العالم حاليًا يحتاج إلى هذا السلام... نحن الآن ننتظر مؤتمر السلام الذي عُقد من أجل قضية الشرق الأوسط، ونرجو له النجاح وأن يأتي بنتائج طيبة، ونصلي من أجل المشكلة الفلسطينية أن يكون لها حل.
سلام للشرق وإفريقيا
أيضًا العالم يحتاج إلى سلام في البلاد الشرقية والجمهوريات التي تخلفت عن الإتحاد السوفيتي وخلفته في الإدراة، نرجو أن يوفق الله الجميع ونطلب سلامًا للمنطقة.
نطلبُ أيضًا سلامًا لمنطقة القرن الإفريقي، ونطلب أيضًا سلامًا للبلاد الكثيرة المديونة، والتي ترزح تحت أعباء اقتصادية ضخمة، ونرجو أن يعمل الرَّب في قلوب الدول الدائنة لكي تحل مشكلة كل هؤلاء ليكون لهم سلام.
سلام للطبيعة
العالم أيضًا يحتاج إلى سلام من أجل الثقب الموجود في منطقة الأوزون، والذي تحدث عنه اضطرابات في الطبيعة، وكما ترون الكثير من السيول في مناطق متعددة.. نطلب سلامًا لكل تلك المناطق.. وللمناطق أيضًا التي توجد فيها الزلازل، والكوارث الأرضية الطبيعية.
سلام من الأمراض
نطلب أيضًا سلامًا للعالم من الأمراض التي انتشرت كثيرًا ولم تكن معروفة في الماضي القريب، أمثال أمراض الإيدز ونتائجه الخطيرة وانتشاره في كثير من المناطق، أمراض السرطان، أمراض الفشل الكلوي، كل تلك الأمراض الصعبة التي تتعب الناس وتفقدهم سلامهم الداخلي، وتكلفهم الكثير من المصروفات نطلب لكل هؤلاء سلامًا.
سلام للشباب
نطلب سلامًا للشباب الذي وقع في مشكلة الإدمان، أو غرر به البعض وأصبح في وضعٍ يؤسف له كثيرًا، الرب يعالج كل هؤلاء ويوفق بلادنا في علاجهم أيضًا.
سلام للجميع
نطلب سلامًا للجميع.. وفيما نذكر المشاكل المتعددة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والخُلقية أيضًا والفكرية.. إنما نذكر معها أغنية الملائكة يوم ميلاد المسيح: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لو2: 14). نعم ما أحوج العالم حاليًا إلى السلام وإلى المسرة.
السلام في الكتاب المقدس
جاء السيد المسيح ينادي بالسلام وكان يقول: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ" (يو14: 27). وكان يقول: "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ" (مت5: 9) وكان يقول لتلاميذه: "وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلًا: سَلاَمٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو10: 5، 6).
والكتاب المقدس يذكر السلام كثمر من ثمار الروح، فيقول: "من ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ" (غلا5: 22).
إن الله حينما خلق العالم كان السلام يسود العالم، أو كان السلام يسود العالم أيضًا قبل الخلق، قبل الخلق لم يكن سوى واحد فقط هو الله، والله محبة فكان هو الحب الأزلي الموجود في الكون وكان الكونُ في سلام.
ولما خلق الله آدم وحواء عاشا في سلامٍ فترة من الزمن لا ندريها قبل الخطيئة، وكان في سلام حتى مع الوحوش، بل لم تكن الوحوش وحوشًا في ذلك الحين، كان لها مع الناس سلام! وكان آدم يرعاها في الجنة وكان يقيتها وكان يدعوها بأسماء. ونفس السلام كان في فُلك نوح.
ثم بدأ الناس يفقدون السلام حينما قُتل هابيل الصديق بواسطة أخيه. وظل هذا الأمرُ موجودًا في الكون.. كل هابيل في الأرض يخشى من أخٍ يقتله وتُلعن الأرض بسببه. إن الله يريد لنا السلام ولكن هل الناس يريدونه لأنفسهم أم لا؟
دائمًا السلام يرتبط بالحب حيثما يوجد الحب يوجد سلام.. إذا فقد الناسُ محبتهم بعضهم للبعض فقدوا السلام أيضًا. والمحبةُ هي الوضع الأصيل للكون، الكراهيةُ دخيلةٌ على هذا العالم، والعداوة دخيلةٌ على العالم، كان الحب أولًا ولم يكن هناك غير الحب. جميع الناس يتحدثون عن السلام ولكنهم لا يعيشونه، صدقوني حتى البلاد المتحاربة كلُّ طرفٍ من الأطراف المتحاربة يتحدث عن السلام وحب السلام وعظمة السلام، ولكن فرق بين الكلام وبين الحياة.
الذي نريده في رسالة الميلاد أن يسود الحب هذه الأرض حبٌ نحو الله، وحبٌ نحو الناس، وحب للخير والبر والفضيلة.
الصلاة حديث حب
حتى الصلاة ما هي إلاَّ حديث حب مع الله داود النبي يقول: "مَحبوبٌ هوَ اسْمِكَ يا رَبّ فهو طولُ النّهارِ تِلاوتي" (مز119: 97)، ويقول أيضًا: "باسْمِكَ أرْفَع يَدِي. فتَشَبعُ نَفْسِي كَما مِنْ شَحْمٍ ودَسَمٍ" (مز63: 4، 5)، ويقول لله في مزاميره: "كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا الله" (مز42: 1).
صدقوني يا إخوتي الدينُ ما هو إلاَّ رحلة حب نحو قلب الله، تعبرُ في طريقها لتعمر قلوب الناس أيضًا. لأن الذي لا يحب الناس لا يستطيع أن يحب الله مهما ادعى ذلك، الكتاب المقدس يقول: "مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟" (1يو4: 20)، إنه تدريبٌ لنا أن نحب بعضنا بعضًا لكي نصل إلى محبة الله، والذي يحب الله لا يُعادي أحدًا، والقلب الذي يسكنه الحب لا تسكنه العداوة، لأنه لا يجتمع النور والظلمة معًا في قلبٍ واحد.
الإنسان المُحب
الإنسان الذي يحب المفروض أن يحب جميع الناس ويكون في سلام مع جميع الناس، وقد علمنا الكتاب قائلًا: "إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ" (رو12: 18) ولماذا قال على قدر طاقتكم إن استطعتم؟
لأن عدم المسالمة ربما تأتي من الناس الآخرين، أما أنت فعلى قدر طاقتك عِش في سلامٍ مع الناس. بل علمنا السيد المسيح أن تحب حتى الأعداء والمقاومين، وقال: "لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أيضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟ وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟" (مت5: 46، 47) أي فضل لكم الخطاة أيضًا يفعلون هكذا. ولكن: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44).
هذا الحب الذي للجميع لقنه الله حتى للطبيعة..!
انظر إلى الشمس مثلًا إنها تشرق على الأبرار وعلى الأشرار، تُعطي الكل من حرارتها ومن ضوئها، تعطي دون أن يطلب أحد منها، وتعطي ولا تسأل من تعطيه هل هو مستحق أم غير مستحق؟ الطبيعة من عادتها الحب والعطاء.
الشجرة مثلًا تبذُل كل جهدها لكي تعطيك ثمرًا.. فهي تعمل من أجل سعادة الغير وليس من أجل سعادتها الشخصية، كل ما عندها من إنتاج، من إثمار، من تعب إنما لكي تقدم لك ثمرًا تأكله. والعجيب أننا نأكل ثمر الشجرة دون أن نأخذ منها درسًا نأخذ الثمر وننسى الرمز.. الرمز هو محبة الكل والعطاء للجميع والتعب والحياة لأجل الكل.
صدقوني ممكن أن نأخذ درسًا حتى من النحلة، النحلة التي تتعب، وتدبر، وتشتغل بكل نشاط، وبكل جهد، وبكل نظام وتأخذ رحيقًا من كل زهرة وتصنعه، كل ذلك لكي تقدم لك شهدًا تأكله أنت، فهي تعمل من أجل غيرها ولا تعمل من أجل نفسها وظيفتها أن تُسعد الغير.
هذا هو الدرس الذي ينبغي أن نعرفه جميعًا لكي نحيا في سلامٍ مع الناس، نعيش لأجل الناس، نخدم الناس، نعطي كل أحد، نبذل من أجل الكل، كل من يقابلك المفروض أن ينال منك خيرًا. وهكذا كان السيد المسيح قيل عنه إنه كان يجول يصنع خيرًا "وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب" (مت4: 23).
نصلي لأجل...
إننا حينما نحتفل بالعيد ليس فقط لكي نفرح بأيامٍ سعيدة، إنما لكي نأخذ المعاني الروحية التي يقدمها العيدُ لنا ونحياها ونسلك فيها.
وفي مناسبة هذا العيد نصلي من أجل الجميع..
نصلي من أجل الكل أفرادًا وشعوبًا ودولًا وأمم، نصلي من أجل البلاد المتحاربة لكي يسود فيها السلام، ومن أجل المناطق المضطربة لكي يسود فيها الهدوء، ومن أجل البلاد المنكوبة بالكوارث لكي يصلح الله من أمرها.
نصلي من أجل بلادنا مصر أن تستمر كما هي صورةً مشرقةً مضيئةً أمام العالم تنادي بالسلام وتعمل من أجله.
نصلي من أجل رئيس بلادنا محمد حسني مبارك أن يحفظه الله ويقويه، ونصلي من أجل كل العاملين في هذا البلد الأمين.
ونصلي من أجل غير العاملين لكي يعملوا، ولكي يعطيهم الرَّب قوة ونشاطًا.. نصلي من أجلكم جميعًا وكل عام وجميعكم بخير... ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد أمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1992م
تصحيح المفاهيم
تصحيح المفاهيم[1]
أحب أهنئكم بعيد الميلاد المجيد وببدء عامٍ جديد، أحب أن يكون سعيدًا عليكم جميعًا.
في الواقع عندما وُلِد السيد المسيح كان هناك ظلمةٌ داكنة في التعليم، وفي المبادئ، وفي الأفكار. لم يكن ذلك لنقصٍ في التعليم، وإنما كان لنقصٍ في فهم الشريعة، وفهم الوحي الإلهي وماذا يُريد؟
وكان يُسيطر على التعليم في ذلك الحين الكتبة والفريسيون، وكانوا حَرفْيين في تعليمهم وسطحيين، لا يدخلون إلى أعماق الفكر الإلهي لكي يقدموه للناس. ولذلك وصفهم بأنهم قادة عميان، وأنهم أمسكوا بمفاتيح المعرفة فلا هم دخلوا ولا جعلوا الداخلين يدخلون (لو11: 52). وبدأ السيد المسيح يُصحح الأفكار التي كانت سائدة في الأمة اليهودية في عصره، أي أصبح يصحح الأفكار ويدع المفاهيم السليمة.
أولًا: فكرة اليهود عن الملكوت
كان اليهود يريدون مملكةً أرضية ويريدون حاكمًا لهم من نوع جدعون أو شمشون، يعيُد لهم مملكة داود وسليمان. أما السيد المسيح فقدم لهم تعليمًا جديدًا عن المُلك الروحي وقال لهم: "هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ" (لو17: 21).
ملكوت الله داخلكم أي أن يملك الله على القلب، يملك على المشاعر، يملك على الفكر، يملك على حياة الإنسان كلها.
ولذلك لما أرادوا أن ينصبوه ملكًا هرب من هذا المُلك ولم يستجب لهم، وعندما دخل أورشليم واستقبلوه كملكٍ أرضي وقالوا: "أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي!" (مر11: 9، 10). رفض منهم هذا الموضوع ولم يشأ إطلاقًا أن يكون ملكًا أرضيًا وقال عبارته المشهورة: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" (يو18: 36).
أيضًا وجد السيد المسيح أن اليهود يسيئون فهم بعض آياتٍ الكتاب أو بعض التعاليم القديمة، فقال لهم: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ" (مت5: 43)، هذا الأمر فهمه اليهودُ بطريقة عنصرية أي أن يحبوا أخوتهم اليهود، ويكرهوا الأمم الباقية التي اسموها الأمم Gentiles يعني الأجناس الأخرى، أما السيد المسيح فأراهم أن كلمة قريب معناها كل إنسان على وجه الأرض. لأن جميع الناس أقرباء، كلهم من نسل أسرةٍ واحدة أبوهم آدم وأمهم حواء.
فتُحب قريبك أي تحب الإنسانية كلها، تحب كل إنسان على وجه الأرض.
كانوا في عنصريتهم يكرهون السامريين مثلًا ولا يتعاملون معهم. فضرب لهم السيد المسيح مثل السامري الصالح الذي كان أكثر رفقًا، وحنوًا، وعطفًا على الآخرين من الكاهن واللاوي اليهوديين! وقال: هذا هو القريب. ودخل إلى مدينة السامرة وهدى المرأة السامرية، وكان اليهود يكرهون الأمم ويعتبرونهم غرباء عن وعود الله، وعن مملكته فإذا بالسيد المسيح حينما شفى ابن قائد المائة قال لهم: "لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!" (مت8: 10) وقال لهم: "سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ" (مت8: 11، 12).
ومن هنا ألغى السيد المسيح فكرة وجود شعب مختار وأظهر لهم أن الله يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. وحينما أرسل تلاميذه قال لهم: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15)، "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ" (مت28: 19) "وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8) وهكذا صحح المفهوم القديم في شعب الله.
الطهارة والنقاوة
كان السيد المسيح يتابع الأخطاء الموجودة ويُحاول أن يعالجها من كل ناحية، حتى الوصايا الخاصة بالطهارةِ والنقاوة، فمثلًا قال لهم: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ، وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" (مت5: 27، 28)، وهنا أظهر لهم السيد المسيح أن الطهارة الحقيقية تكون طهارة القلب من الداخل، وطهارة الحواس وليس مجرد الخطأ بالفعل.
وقال: "فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ" (مت5: 29)، يقصد إن أعثرتك شهوة عينك.. فخطأ الإنسان لا يكون في المرأة وإنما في شهوة قلبه الخاطئة. لأن الشخص الذي لا يُعثر بالحواس.. شهوة قلبه تقوده إلى الخطية، ليست المسألة العوامل الخارجية إنما نقاوة القلب من الداخل، لذلك قال: "إِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَاقْلَعْهَا" (مت18: 19)، ولم يقُل إذا أعثرك منظرٌ خارجي.
في إحدى المرات وقف كوبٌ من الكحول خائفًا ومرتعشًا وقال: إن النار تُريد أن تحرقني! فأتى إليه كوبٌ من الماء وقال له: إن النار لا تحرقني أنا وإنما أنا الذي أطفئها، والمهم الآن هل أنت كحول أم ماء؟ إن وُجدت نارٌ في الخارج فهل أنت مادة قابلة للاشتعال أم لست كذلك؟ إن كنت مادة قابلة للاشتعال فلُم نفسك ولا تلُم النار التي في الخارج.
هكذا أظهر لهم السيد المسيح إن الفضيلة تكون في القلب، القلب الذي لا يتأثر بالعوامل الخارجية. يوسف الصديق كانت تُحيطه الخطية من الخارج وتضغط عليه بإلحاح يومًا بعد يوم، ومع ذلك لم يسقط لأن قلبه كان نقيًا في الداخل.
لا تقتل
وهكذا أيضًا السيد المسيح بدأ يُعالج الخطايا الموجودة عند الناس بمعالجة الخطوة الأولى، قال لهم: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ" (مت5: 21) أما أنا فأحذركم من البُغضة "مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ" (1يو3: 15) لأن خطية القتل تبدأ بالبغضاء وعدم المحبة، حينما نلوم جريمة القتل إنما نلوم آخر خطوة وصلت إليها الخطية. وكان ينبغي أن نقاوم الخطوة الأولى وهي الكراهية.
السيد المسيح جاء لكي يعطي فكرةً للناس عن الله، إنهم لا يخافون الله وإنما يحبونه ووصف الله بأنه الأب السماوي وعلمنا أن نقول أبانا الذي في السموات. وربط بين الله والناس بمشاعر من الحب والعاطفة وليس بخوف العبيد أو الأُجراء.
ومن جهة الوصايا، أراد أن ينقذهم من الكبرياء التي يفتخرون بها، وشرح مثل الفريسي والعشار، وكيف أن الرب رفض الفريسي الذي وقف يفتخر بفضائله، فأمرنا أن جميع الفضائل تُعمل في الخفاء. قال: "فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ" وإلا تكون قد استوفيت خيراتك على الأرض (مت6: 3) إنما ينبغي أن تصنع الصدقة في الخفاء. وهكذا في الصلاة، وهكذا في باقي الفضائل. جاء المسيح يُصحح مفاهيم الناس وينشر المحبة بين الناس، يُصالح اليهود مع الأمم، ويُصالح الأرضيين مع السماء، ويُصالح الجسد مع الروح، وينشر المحبة لكي يعرف الناس أن الله محبة.
ونحن في هذه الأيام التي يضطرب فيها العالم بمشاكل متعددة إنما نُصلي إلى الله أن يسود السلام وتسود المحبة في كل الأرجاء.
نُصلي من أجل إخوتنا في البوسنة والهرسك لكي يوقف الله تيار الدماء هناك، ونُصلي من أجل إخوتنا في الصومال أن ينقذهم الله من الانقسام، ومن المجاعة ويسود السلام بينهم.
ونُصلي من أجل كل البلاد التي تعوزها الاتفاقات حول الحدود المتاخمة نُصلي من أرض الخليج، ونصلي من أجل البيض والسود، نُصلي من أجل العالم كله أن يعطيه الرب سلامًا.
نُصلي من أجل بلادنا أن يسودها السلام، ويسودها الحب وأن يُعين الله الرئيس حسني مبارك ويملأه من الحكمة لإدارة هذا البلد.
كما نُصلي أيضًا من أجل منظمة الأمم المتحدة أن تقوم بواجبها في هذه الظروف الدقيقة، نُصلي من أجل العاملين في هذا البلد. ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1993م
معرفة الله
معرفة الله[1]
بالإصالة عن نفسي وباسم المجمع المقدس لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية، وهيئة الأوقاف القبطية والمجلس الملي العام والمجالس الفرعية، والهيئات القبطية والإكليروس وكل الشعب في مصر والخارج وبلاد المهجر، أحب أن أهنئكم جميعًا ببدء هذا العام الجديد وبعيد الميلاد السعيد.
في احتفالنا بعيد الميلاد المجيد نود أن نعرف شيئًا من التأمل في أسباب مجيء السيد المسيح إلينا. طبعًا كان الغرض الأول هو الفداء والخلاص، ولكن هناك أسبابٌ أخرى من ضمنها التعليم السليم للناس، وأيضًا كان من أغراضه تعريفنا جميعًا بالله نفسه، جاء يُعرفنا بالله تبارك اسمه.
لا شك أن اليهود في أيامه كانوا يعرفون مَن هو الله؟
كانوا يعرفون له أسماء مثل يهوة أي الكائن الذي يكون، وألوهيم يعني الله، وأدوناي يعني الرب. ولكن هذا التعريف لم يكن كافيًا، هم كانوا يعرفون الله شكلًا واسمًا، ولكنهم لا يعرفونه من جهة الحب ومن جهة العلاقة الشخصية.
إن معرفة الله أيها الإخوة الأحباء ليست بالأمر السهل... كلنا نقول إننا نعرف الله، وغالبيتنا لا يعرفوه كما ينبغي. لأننا بشر معرفتنا محدودة والله غير محدود، وكيف يمكن للإنسان المحدود أن يدرك الله غير المحدود؟
إننا نعرف عن الله بعض الشيء ولكن ما لا نعرفه هو أكثر بكثيرٍ جدًا مما نعرفه. وصدقوني ليس هذا الأمر فقط في حياتنا على الأرض بل حينما نرتفع أيضًا إلى السماء وتتنقى أرواحنا بعد انفصالها من هذا الجسد المادي، حينئذٍ سنعرف الله أكثر.. ومع معرفتنا بالله يبقى الله أيضًا غير محدود ومعرفتنا تبقى قاصرة عن إدراكه!
ويظل الله يوسع في مداركنا، ويوسع في معرفتنا، ويكشف لنا شيئًا من ذاته.. حتى نقول: كفانا كفانا! طبيعتنا ما عادت تحتمل أكثر! ونبقى أيضًا محدودين والله تبارك اسمه غير محدود ولا نعرفه كما ينبغي.
إذًا متى سنعرف الله المعرفة الكاملة لو أمكن؟
يقول السيد المسيح: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ" (يو17: 3). الأبدية بكل ما لا نهائيتها نحاول فيها أن نعرف الله. لكن على أية الحالات بدأ السيد المسيح يُعَرف الناس بصفات أخرى من الله...
محبة الله
بدأ يعرفهم أن الله محبة، الذي يدرك المحبة يدرك شيئًا عن الله، والإنسان البعيد عن المحبة، هو بعيدٌ تمامًا عن الله لأن الله محبة. نقترب إلى الله بالحب ولذلك السيد المسيح قال لتلاميذه: "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا" (يو13: 34)، واعتبر أن هذه المحبة هي علامة الإيمان المسيحي لهم فقال لهم: "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (يو13: 35) فقدم الله للناس على اعتبار أنه الحب، الحب المطلق، إذا حل الله في قلب إنسان، يحل الحب في هذا القلب ولا يعرف الكراهية فيما بعد. إن كان الله محبة فنحن نقترب إليه أيضًا بالمحبة.
الصلاة مثلًا ليست مجرد حديث مع الله، وليست مجرد فرض أو أمر، الصلاةُ هي اشتياقٌ إلى الله.. اشتياقٌ إلى عشرة الله والوجود في حضرته. ولذلك يقول المزمور: "كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ. عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ؟" (مز42: 1، 2) المسألة مسألة حب.
اليهود في أيام السيد المسيح كانوا يظنون أن العلاقة مع الله هي علاقة فرائض ونواميس ووصايا، ويظنون أنهم قد أدركوا الحياة الروحية بهذا الوضع، أما السيد المسيح الذي تكلم عن المحبة في الصلاة إنما أراد أن يوجههم إلى قول الرب في العهد القديم: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ" (أم23: 26)، الله يريد القلب وليس مجرد الشكليات ليس مجرد أن ترفع يديك بالصلاة أو تحني ركبتيك في الصلاة.
قال الله في العهد القديم في سفر إشعياء النبي: "حِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا" (إش1: 15)، الله يريد القلب النقي الذي يحبه، والذي يحب الناس، يحب الله، يحب وصاياه، يحب كتابه، يحب سماءه، يحب ملائكته، يحب أنبياءه، يحب العشرة الإلهية في سماء الله.
الأب السمائي
أول اسم قدمه السيد المسيح للناس عن الله هو المحبة، وثاني اسم أنه الأب... قدم لهم الله على اعتبار أنه أب.
كان الناس يرتعشون من ذكر اسم الله، يخافونه، ولذلك عندما سَلم الله الشريعة لموسى النبي على الجبل الشعب قالوا: لا نستطيع إننا نحتمل، ممكن أن يوَصل إليهم موسى رسالة الله لكن هم أنفسهم يخافون. المسيح قال لهم: الله أب، أب سمائي.. هو الأب السمائي بكل ما تحمل الأبوة من حب، ومن رفق، ومن حنان، ومن عطاء. الله الذي يعطينا دون أن نطلب ويعطينا فوق ما نطلب، الله المحب الحنون هو أب، أب للبشرية جمعاء. كما يقول داود النبي: "كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ" (مز103: 13)، وهكذا السيد المسيح علمنا أن نصلّي ونقول: أبانا الذي في السموات، نُكلم الله كأب، الأمر يحتمل العاطفة والحب والحنو.
مخافة الله
ولكن محبتنا لله لا تدعو إلى الاستهتار واللامبالاة، إنما نحب الله ونهابه مثل أي ابن يحب أباه ويهابه. يُقَبل يديه ويطيع أوامره وفي نفس الوقت يحترمه.. يوجد الحب والتوقير والمهابة والاحترام، لكن ليس بشعور العبد الذي يخاف سيده إنما شعور الابن الذي يوقر أباه المحب.
الراعي
أعطاهم أيضًا مثلًا آخر عن الله واسمًا آخر هو اسم الراعي، الراعي الذي يرعى خرافه ويهتم بها ونسميه في الكتاب الراعي الصالح، وإن أُطلق لقب الراعي على بعض المسئولين في البشر، إنما يُسمى الله "راعي الرعاة" لأنه يرعى شعبه رعاية طيبة كما يقول داود النبي: "فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ.." (مز23: 2، 3).
وكما قال الرَّبُ في سفر حزقيال: "أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ" (حز34: 15، 16).. هذه هي طريقة ربنا إن هو الراعي لنا. لو أحس الإنسان برعاية الله يحبه أكثر، ويقول مع المزمور: "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ" (مز23: 1).
الله القدوس
أعطاهم أيضًا اسمًا جديدًا عن الله يعرفوه به وهو القدوس، ولذلك نحن حينما نصلي ونقول: "أجيوس أجيوس أجيوس أي قدوس قدوس قدوس"، إنما ننحني أمام عظمة الله القدوس.
قداسة الله.. قداسة طبيعية، قداسة من طبيعة ذاته، أما البشر فحينما يسعون إلى القداسة إنما يكون هذا الأمر بجهادٍ منهم لكي يُقَوِمُوا طبيعتهم، حينما نذكر أن الله قدوس نتذكر أن الخطيئة خاطئة جدًا.. وأن الذي يُخطئ إنما يتحدى أوامر الله، ويتمرد على وصايا الله.
فالخطيةُ إذًا هي ضد الله، ولذلك تعتبر خطية غير محدودة لأنها عصيان لذات الله غير المحدود.
الله الكامل
في نفس الوقت الذي علمهم إن الله قدوس وكامل بل هو القدوس وحده، قال لهم: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48). الذي يعيش مع الله لا بد أن يدرك أن الله قدوس، ويحيا معه بالقداسة والبر وقال لهم السيد المسيح: "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ" (مت5: 8).
صفات الله وأسماؤه إنما تدعونا إلى علاقةٍ معينة مع الله.
الحَقُّ
علمهم أيضًا أن الله هو الحَقّ فقال لهم: "وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يو8: 32) وقال أن الله هو الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ (يو14: 6). الذي يبعدُ عن الحقِّ يبعدُ عن الله من كل ناحية...
الذي يكذب بعيد عن الحقِّ، والذي يشهد بالزورِ بعيد عن الحقِّ، والذي يتهم أحد ظلمًا بعيد عن الحقِّ، ويكونُ أيضًا بعيد عن الله. بل الكتاب المقدس يقول أكثر من هذا، يقول: "مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم17: 15) لماذا؟ لأن كليهما بعيدٌ عن الحق.
ربما إنسان يعتبر إنه حينما يبرئ المذنب تكون هذه فضيلة، لا أبدًا. هناك فرقٌ بين أن يكون المذنب مذنبًا ونخفف إدانته شفقةً ورحمة مع الاعتراف بذنبه، أما تبرئة المذنب فهي ضد الحق وبالتالي ضد الله. فإن كان الذي يبرئ المذنب مذنبًا، فكم بالأولى الذي يُذَنِّب بريئًا؟!! إنما ندرك صفاته الجميلة، وطبعًا ليس سهلًا أن نذكر كلَّ صفات الله وأسمائه...
لكن لماذا عرفهم بصفات الله وبأسمائه؟
قال السيد المسيح عبارةً جميلة قال: "وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ" (يو17: 26). إذًا معرفة الله من المفروض أن تقوده إلى محبته. كلما تعرف الله وتعرف صفاته الجميلة، وتعرف مجد الله، وعظمة الله، وقدسية الله، ومحبة الله، ورعاية الله على هذا القدر تقترب منه وتحبه.. فإذا عرفته تحبه، وإذا أحببته يُعَرِفك بذاته بالأكثر.. وإذا عرفته أكثر تحبه أكثر.. وهكذا دواليك محبة الله تقود إلى معرفته، ومعرفة الله تقود إلى محبته.
نحن نريد أن نعرف الله لنحبه، لا لمجرد نخشاه ونرتعب! إنما لنحبه ونحب البر الذي يدعونا إليه، البعض يفعلون الخير اضطرارًا، أو خوفًا، أو مجاملةً، أو لمجرد الطاعة، بينما قلوبهم من الداخل بعيدة عن البرِّ وعن الخير، أما الله الذي نحبه يُعلمنا أن نحب الخير ونحب الغير.. نحب البر ونفعله باشتياق قلوبنا، لا باضطرار ولا بتغصب ولا بشهوةٍ مكتومة لا تُعلن عن نفسها! وإنما نحب الله ونحب البر الذي يدعونا إليه.
فليكن الله موضع شهوة قلوبنا جميعًا.. نحبه ونفتح قلوبنا له لكي يسكن فيها وحده، وكل محبة أخرى تكون داخل محبة الله وليست إلى جواره أو ضده.
وننتهز هذه الفرصة لكي نطلب إلى الله من أجل خير بلادنا ورفعتها، ومن أجل اقتصاد بلادنا ورخائها، ومن أجل أمن بلادنا وهدوئها.
ونصلي إليه أيضًا في بداية العام من أجل إخوتنا الفلسطينيين، لكي يدبر الرَّبُ أمورهم في وطنٍ له سيادته يحتضنهم جميعًا، نصلي أيضًا في بداية العام من أجل إخوتنا الفلسطينيين، لكي يدبر الرب أمورهم في وطنٍ له سيادته يحتضنهم جميعًا.
نصلي أيضًا من أجل إخوتنا في البوسنة والهرسك لكي يسود السلام هناك ويقف نزيف الدماء، نصلي من أجل إخوتنا في الصومال لكي يزول الانقسام هناك. وكذلك من أجل إخوتنا في أفغانستان لكي يسود السلام أيضًا ولا يتناحر الإخوةُ معًا.
نصلي من أجل العالم من أجل الكل، أن ينشر الله السلام على الأرض وينشر المحبة بين الناس، ونصلي من أجل رئيس دولتنا الرئيس حسني مبارك وكل العاملين معه. ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1994م
الحياة الروحية
الحياة الروحية[1]
أهنئكم جميعًا ببدء عامٍ جديد وبعيد الميلاد المجيد.. وبالإصالةِ عن نفسي وباسم المجمع المقدس لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية وهيئة الأوقاف القبطية والمجلس الملي العام ومجالسه الفرعية، وكافة الهيئات القبطية، والإكليروس وكل الشعب في مصر والخارج وبلاد المهجر.
حياة الروح
إننا إذ نفرح جميعًا بعيد الميلاد المجيد، إنما نذكر أنه في مقدمة الأمور التي قام بها السيد المسيح له المجد، هو أنه جاء مرتفعًا بمستوى الإنسان، جاء لكي يجعل البشرية تسلك في حياة الروح وتتسامى عن الأمور المادية بكل نوع، بل تتسامى أيضًا عن الجسد وشهواته ورغباته.
نحن نعلم أن الإنسان قد خُلق جسده من تراب الأرض، ثم نفخ الله فيه نسمة حياة فصار الإنسان نفسًا حية (تك2: 7).
وأتذكر أنني كنتُ في بدءِ علاقتي بالشعر العربي، كتبتُ أبياتًا أركز فيها على تواضع الإنسان في نشأته وفي خلقه، أنه خُلق من تراب الأرض..! فقلت في ذلك:
يا تراب الأرضِ يا جدّي |
| وجدّ الناسِ طُرّا |
ثم بمضي الوقت وبمدى دخولي في معرفة الله، ورفعه لشأنِ الإنسان قلتُ أشياءً أخرى ربما تضيف إلى مفهومي الأول مفهوماتٍ أكبر، فقلتُ:
ما أنا طينٌ ولكن |
| أنَا في الطينِ سكنتُ |
الجسد والروح
هذا هو الإنسان جسدٌ وروح، ويوجد بين الروحِ والجسدِ صراع.. ولكنه صراع للمبتدئين. الجسد يقاوم الروح والروح تقاوم الجسد. أما بالنسبة للناضجين روحيًا فلا يوجد صراعٌ بين الجسد والروح، بل يوجد مبدأ هام هو: جسدُ الإنسان يخضع لروحِ الإنسان، وروح الإنسان تخضع لروح الله...
روحُ الله يقود الروح البشرية، والروح البشرية تقود الجسد البشري.. ولا تصبح هناك ثنائية فيما بعد. إنما هي وحدة روحية لا صراع فيها بين الجسدِ والروح.
انتصار الروح
هذا ما جاء المسيح يعملُ من أجله، أن يصير الإنسان واحدًا.. روحٌ تقود جسدًا والاثنان يسيران في وحدةٍ في طريق الخير وفي بناء ملكوت الله على الأرض.
ولكن كيف يتمُ هذا؟
لقد ركز السيد المسيح على العمل الروحي باستمرار، وفي حديثه مع المرأة السامرية التي سألت: "هل السجود يكون في جبل السامرة أم في جبل أورشليم؟"، قال لها: ينبغي أن يكون السجود بالروح والحق.. "اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا" (يو4).
السيد المسيح أرادنا أن نحيا في الروح وتكون كل تصرفاتنا روحية...
إن صلينا تكون صلاة روحية، وإن صمنا يكون صومًا روحيًا. بل إن الإنسان الروحي تجد أن كلامه كلام روحي، وحركاته حركات روحية، وملامحه أيضًا لها مسحة روحية.. وإذا كانت له مشاكل يحل مشاكله بطريقة روحية. هذا هو الجو الروحي الذي أراده السيد المسيح لنا.
والإنسان الروحي قوته من الداخل...
في روحه، في قلبه، لا تؤثر عليه الإغراءات الخارجية ولا المشاكل الخارجية. روحه في سلام كامل لا تهزها أبدًا المشاكل الخارجية، وروحه في قداسة كاملة لا تُؤثر عليها الإغراءات الخارجية.
كثيرون يعملون كل ما يستطيعون في البعدِ عن مغريات العالم وتأثيراته، وهذا حسن ولكن الأفضل أن تكون لهم القوة الداخلية في الروح التي ترفض كل تأثير خارجي، مهما كانت مغريات العالم أمامهم، لا يتأثرون بها لأنهم لا يهربون من التأثيرات إنما ينتصرون على التأثيرات.
مثال ذلك القديس يوسف الصديق، الخطية أحاطت به من الخارج في عنف وفي إغراء ومع ذلك انتصر، لماذا؟ لأنه كان قويًا في الداخل، كانت روحه في الداخل أقوى من إغراءات العالم في الخارج.
وهكذا أيضًا كل شخص نبيل، وكل شخص أمين، وكل شخص مخلص، مهما ضغطت عليه الأمور من الخارج.. فداخله القوي وروحه القوية تنتصر.
السلوك بالروح
السيد المسيح أرادنا أن نسلك بالروح، وأراد لروحنا باستمرار أن تكون منتصرة في كل حروبها مع المادة، مع العالم ضد الشيطان في كل شيء.
الشخص القوي بالروح لا يسقط معتذرًا عن سقطاته بضغوط خارجية، لو كان قويًا لَنتصر على الضغوط الخارجية! والعيبُ ليس في خارج الإنسان إنما في داخله.
الإنسان القوي بالروح هو إنسان منتصرٌ باستمرار، الإنسان الذي ينتصر على نفسه يستطيع أن ينتصر على كل شيء. هذا من جهة الروح وحروبها...
السيد المسيح أراد لأرواحنا أن تكون أرواحًا طاهرة.. تسيرُ في حياة القداسة، وتسيرُ في حياة الكمال وأقصد الكمال النسبي نسبة لمقدرة الإنسان وما يستطيعه. فقد ورد في الكتاب المقدس "بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أيضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (1بط1: 16، 17)، وقال السيد المسيح: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48).
هذا ما يعمله الإنسان الذي يسير في طريق الروح.. لا يكتفي فقط بحياة التوبة وإنما ينمو في حياة الروح لكي يصل إلى القداسة وإلى الكمال على قدر ما يستطيع.
العبادة الروحية
الإنسان الروحي هو إنسان روحي أيضًا في عبادته.
لأنَّ البعض قد يُصلي، ويصوم، ويحضر الاجتماعات الروحية، ويذهب إلى بيتِ الله.. وفي كل ذلك لا علاقة له بالله. كلمة صلاة في اللغة العربية أجمل بكثير من معناها في اللغات الأجنبية، لأن كلمة صلاة تحمل معنى الصِّلة أيضًا، إنسان له صِّلة بالله فيما يتحدث إليه. لأن كثيرين قد يصلون وتقف الملائكة في عجبٍ: لماذا لم يصلَّي هؤلاء؟ صلاتهم لم ترتفع إلى فوق لأنه لا يوجد صلّة بينهم وبين الله.
الإنسان الروحي صلاته..
عبارة عن سُلم واصل بين الأرض والسماء..
عبارة عن جسر بينه وبين ملكوت الله..
صلاته عبارة عن حب، عبارة عن خشوع، عبارة عن إيمان، تبدأ في القلب وفي الروح وتترجم إلى كلمات.
وربما لا يلفظ لفظةً واحدة ويكون مُصليًا.. خفقات قلبه تُصلي، نبضاته تُصلي، فكره يُصلي، عواطفه تصلي، والله فاحص القلوب والكُلى يسمع خفقات القلب، ويسمع نبضاته، ويرى فكر الإنسان، ويعرف مشاعره، ويقبل صلاته الصامتة.
وإنسان آخر قد يصلي بالساعات.. وهو لم يصلي بعد لأن روحه لم تكن موجودة!!
لذلك فإن الرَّب قد لامَ أولئك اليهود الذين كانوا يحفظون فروضًا وشرائع معينة بدون روح، وبدون قلب.. وقال عنهم: "هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مر7: 6).
الله يريد روحك ليس مجرد الجسد..
يوجد إنسان يدخل إلى بيت الله ويسجد، جسمه قد انحنى أمام الله ولكن روحه لم تنحني بعد، وقد تكون في قلبه كبرياء وعجرفة، لأنه سجد بالجسدِ فقط دون أن يسجد بالروح، وركع بالجسدِ فقط دون أن تركع روحه أمام الله. الأرضُ قد لامست رأسه ولكن لم تُلامس نفسه! المسألة مسألة روح.
الصوم الروحي
علمنا الرَّب أيضًا أن نصوم بالروح. إذا صُمنا لا يكون الجسد فقط صائمًا إنما تكون النفس أيضًا صائمة. النفسُ صائمة عن شهوات الجسد من كل ناحية، والنفسُ صائمة عن الطعام وشهوات الطعام، يكون صائمًا بجسده وصائمًا بعقله عن كل فكرٍ رديء، وصائمًا بقلبه عن كل شهوةٍ خاطئة، وصائمًا بلسانه عن كل كلمة ردية.. هذا هو الصوم بالروح.
الحياة الروحية ليست مجرد شكليات...
ليست فروضًا في الخارج أو طقوسًا وإنما هي روح.. يحيا بالروح. وحياة الروح هذه ستصحبنا حتى في السماء. تصوروا مثلًا حينما ينتقل البشر إلى السماء بأي لغةٍ يتكلمون؟! والعالم فيه مئات من اللغات، إنه في السماء يتكلمون بلغة الروح التي يفهمها البشر وتفهمها الملائكة، وتفهمها كل أجناس الأرض التي كانت تتكلم بلغات متنوعة.
جاء المسيح يعلمنا حياة الروح، يعلمنا أن الدين ليس شكليات، ووصايا الله أيضًا ليست شكليات فقد قال: "اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ" (يو6: 63).. تعرفون روح الكلمة وتحولون الكلمة إلى حياة.
يا إخوتي ينبغي أن نهتم بها كما نهتم بالجسد، نحن نُعطي الجسد غذاءه كل يوم، ومرات في اليوم الواحد وعناصر متعددة.. فهل نحن نعطي الروح غذاءها كل يوم وبعناصر متعددة، غذاء الروح هو كلمة الله أولًا فقد قال السيد المسيح: "لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإنسان، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ" (مت4: 4) لماذا؟! لأن الخبز هو غذاء الجسد والإنسان ليس مجرد جسد.. هو جسدٌ وروح والروح تتغذى بكلام الله.
الروحُ أيضًا تتغذى بالصلاة، داود النبي يقول لله: "باسْمِكَ أرْفَع يَدِي فتَشَبعُ نَفْسِي كَما مِنْ شَحْمٍ ودَسَمٍ" (مز63: 4، 5)، يقول: "عطشت نفسي إليك يا الله" لأنه يرتوي بمحبة الله.
والله قال في سفر إرميا النبي: "تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً" (إر2: 13)، فنحن نرتوي بمحبة الله، ونتغذى بمحبة الله لأن الروح لا بد أن تتغذى. إذا لم يتغذى الجسد قد يضعف، والروح إذا لم تتغذى تضعف.
لماذا تجد إنسانًا فاترًا في حياته الروحية؟
لأنه بعُد عن الغذاء الروحي، بعُد عن كلمة الله، بعُد عن الصلاة، بعُد عن التراتيل والتسابيح، بعُد عن الاجتماعات الروحية، بعُد عن كل مؤثرٍ روحي فيضعف.
الروح تضعف كما يضعف الجسد، وتتقوى كما يتقوى الجسد لكن بطرق مختلفة.
الجسدُ إذا ضعف قد يمرض، والروح أيضًا إذا ضعفت قد تمرض. والجسد إذا استبد به المرض قد يموت، والروح إذا استمرت فيها الخطية تعتبر ميتةً أمام الله! كما قال الرَّبُ لراعي كنيسة ساردس: "أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ" (رؤ3: 1)! يُعتبر ميتًا لأنه بعيد عن الله. فالحياة الحقيقية تكون بارتباط الروح بالله، والإنسان الذي تحيا روحه بعيدًا عن الله يعتبرُ إنسانًا ميتًا من الناحية الروحية، ولذلك ما أسهل أن يسأل الناس أنفسهم أحقًا نحن أحياءُ؟ الحياةُ في الله والذي يرتبط بالله يرتبط بالحياة.
الرياضة الروحية
الروحُ - كما أن الجسد يقوى بالرياضة - هناك رياضات روحية أيضًا. الروحُ ينبغي أن تنمو في محبة الله، وتنمو في حياة الفضيلة وتنمو في البر، النمو الروحي الحياة بالروح شيء والنمو الروحي شيء آخر، والكمال الروحي شيء ثالث. تنمو كالشجرة التي باستمرار تنمو وترتفع إلى فوق كالنخلة التي تعلو باستمرار متجهةً إلى فوق، كما يقول الكتاب: "اَلصِّدِّيقُ كَالنَّخْلَةِ يَزْهُو، كَالأَرْزِ فِي لُبْنَانَ يَنْمُو" (مز92: 12)، فهل أنت تنمو كل يوم في حياتك الروحية؟ أرجو ذلك.
نرجو ببركة هذا العيد أن يعطينا الرَّبُ جميعًا حياةً روحيةً ثابتةً في محبته..
ونرجو في مناسبة هذا العيد أن نصلي من أجل السلام في العالم كله، ومن أجل السلام في الشرق الأوسط، ومن أجل فلسطين.. ونصلي أيضًا من أجل الشيشان أن تُوقَف الحرب الدامية المهلكة التي فيها، إن كانت بين الناس خلافاتٌ سياسية يحلونها بطريقة روحية، ولا يحلونها بطريقةٍ دامية هي حربُ إفناء!
ونرجو لبلادنا مصر كل خير وبركة وسلام وطمأنينة، ونرجو أن يحفظ الرب حياة الرئيس حسني مبارك وكل العاملين في البلاد.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1995م
شخصية السيد المسيح
شخصية السيد المسيح[1]
إن أهم ما في عيد الميلاد هو شخصية السيد المسيح نفسه. السيد المسيح يقدمُ لنا الشخصية المتكاملة والقداسة العملية.
ما معنى الشخصية المتكاملة؟
البعض يركزون على فضيلة معينة وينسون باقي الفضائل فترتبك حياتهم الروحية.
مثال ذلك: إنسان يهتم بفضيلة الوداعة ويركز عليها والوداعة معناها الهدوء، ولكنه في وداعته وهدوئه ينسى فضائل أخرى، مثل النخوة، والغيرة المقدسة، والشجاعة ويصبح وكأنه جُثة لا تتحرك لاسم الوداعة.. وهنا يكون قد أخطأ. ولكن السيد المسيح كان وديعًا جدًا، قيل عنه في الإنجيل: إنه "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ، قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 19، 20).
ومع ذلك نرى أن السيد المسيح لما وجد اليهود قد أساءوا إلى كرامة الهيكل، ووُجد فيه الباعة والصيارفة طرد الباعة من الهيكل بقوة، وقلبَ موائد الصيارفة وانتهرهم جميعًا.. وقال لهم: "بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!" (مت21: 13)، بحزم، بقوة طهر الهيكل. الوداعة لا تمنع أن يأخذ الإنسان موقفًا شجاعًا حينما يحين الوقت لذلك.
إنسان مثلًا يركز على فضيلة الطيبة، وفي الطيبة يفقد كرامته، ويفقد احترام الناس له باسم الطيبة ويهزأُ الناسُ به! ولكن المسيح لم يعلمنا مثل هذا كان طيب القلب جدًا، ولكنه أيضًا كان حازمًا وقويًا، وكان الناس يهابونه مع طيبته.
كان قلبًا عطوفًا على الخاطئين
كان له القلب الحاني على الجميع، بالذات كان يحنو على الخطاة المساكين التائبين. وفي نفس الوقت يكون شديدًا وقويًا على الذين يتظاهرون بالدين، ويسلكون في الرياء، ويتكبرون على الخطاة. لذلك نجدهُ قد قَبِلَ إليه زكا العشار، والعشارون كانوا طائفةً مكروهةً من الناس، لأنهم كانوا يجمعون العشور في قسوةٍ وفي ظلم وينهبون ويظلمون. قبل إليه زكا العشار قبل توبته ودخل بيته، ولما انتقده رؤساء اليهود على دخوله بيت رجلٍ خاطئ قال لهم: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ، إِذْ هُوَ أيضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ" (لو19: 9) ثم قال لهم: "لأَنَّ ابْنَ الإنسان قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (مت18: 11) كان يحنو على الخطاة التائبين، وكان يقول للناس: "إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ" (لو15: 7).
كان قلبًا عطوفًا على الخطاة التائبين...
حينما قدم له اليهود امرأة خاطئة قد ضُبطت في ذات الفعل، وطلبوا منه تنفيذ شريعة موسى في أن تُرجم هذه المرأة، نظرَ إلى الأرض وكان يكتب عليها ويبدو أنه كان يكتب لكل واحد منهم اسم خطيئته، ثم قال لهم: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!" (يو8: 7)، وعَرِفوا أنهم مكشوفون أمامه فانسحبوا واحدًا تلو الآخر. ثم نظرَ إلى المرأة وقال لها: "يَا امْرَأَةُ، أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟ أَحَدَ، يَا سَيِّدُ! فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أيضًا" (مت8: 10، 11).
وبنفس الرَّقة عامل المرأة السامرية دون أن يخدش شعورها...
كان السامريون منبوذين من اليهود، ولما ذهب السيد المسيح إلى أورشليم ورأوا وجهه متجهًا ناحية أورشليم أغلقوا مدينة السامرة في وجهه فتحمس اثنان من تلاميذه وقالوا له: "أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ...؟ فَالْتَفَتَ وَانْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإنسان لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ" (لو9: 54- 56)، كان السيد المسيح ينظر إلى الخطاة على اعتبار أنهم مرضى يحتاجون إلى علاج، وكان يقول: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (مر2: 17).
حزم المسيح على الفريسيين
في نفس الوقت الذي كان حَانيًا فيه على الخطاة التائبين، كان شديدًا على الكتبة والفريسيين، الذين يتمسكون بالدين أو بشكلياته بدقةٍ أو بحَرْفية، ويحتقرون غيرهم ويعتبرون أن الغير خطاة! انتهرهم بشدة وقال لهم: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ" (مت23: 13)، وكان يلومهم لأنهم يحملون الناس أحمالًا ثقيلة عسرة الحمل، هم لا يستطيعون أن يحركوها بأصابعهم!
كان رقيقًا على الضعفاء وكان شديدًا على المتكبرين المتعجرفين.
الخاطئ التائب يحتاج إلى كلمة رقيقة، لكي تُريح نفسه لكي يقبله الله. أما الخاطئ المتعجرف فكان يحتاج من المسيح الطيب الحاني على الناس، يحتاج منه إلى كلمة شديدة توقفه عند حده. رأينا الأمرين معًا في حياته الحنو والحزم، الطيبة والرقة، وأيضًا الشدة حينما يلزم الأمر. يذكرنا هذا بقول الكتاب المقدس: "لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ" (جا3: 1)، لكل شيء وقت...
كان المسيح في شخصيته المتكاملة يتكلم حين يجد أن الكلام هو الذي يحل الموضوع، ويصمت حينما يجد الصمت أصلح.
كانت في شخصيته محبة الجماهير وأيضًا محبة الهدوء والسكون والوحدة..
كانت تتبعه الجماهير بالألوف في معجزة الخمس خبزات، حيثُ كان الذين وعظهم ثم أطعمهم خمسة آلاف من الرجال غير النسوة والأطفال. محاط بالجماهير من كل ناحية.. لدرجة أنه في مرة دخل بيت لكي يعظ فيه، اشتدَّ الزحام جدًا حتى لم يوجد موضع في البيت... ورجلٌ مفلوجٌ أرادوا أن يقدموه إليه لكي يشفيه، اضطروا أن ينقبوا السقف ويدلوه من السقف! هكذا كانت الجماهير تُزحمه.. ومع محبته للجماهير ومع خدمته لهم ومع أنه "يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْبِ" (مت9: 35)، إلاَّ أنه أيضًا كان يحب الهدوء والسكون وكثيرًا ما كان يذهب إلى جبل الزيتون للخلوة، وإلى بستان جسثيماني لكي يُقضي فترةً هادئة في التأمل.
ولذلك قيلت عبارة عجيبة في أول الإصحاح الثامن من إنجيل يوحنا قيل: "فَمَضَى كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ أَمَّا يَسُوعُ فَمَضَى إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ" (يو7: 53) (يو8: 1)، مكان الخلوة عنده سكنى الجبال والهدوء، الشخصية المتكاملة التي تستطيع أن تعيش وسط جماهير الناس، وفي نفس الوقت تستطيع أن تعيش في الخلوة والوحدة والتأمل وتجمع الأمرين معًا.
كانت له العظمة الجبارة التي يقيمُ بها الموتى، ويصنع المعجزات، ويُخرج الشياطين، وفي نفس الوقت كان فيه التواضع الذي استطاع به أن يغسل أرجل تلاميذه بالماء وينشفها بمنشفة. وقال لهم: "لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالًا، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أيضًا" (يو13: 15).
ضرر الفضيلة الواحدة
إنه أعطانا مثالًا أن الفضيلة الواحدة لا تكفي، التمسك بفضيلة واحدة قد يضر الإنسان ضررًا بليغًا.. إنما الأمرُ السليم هو تكامل الفضائل معًا. مثال ذلك ربما أب وأم يوزعان المعاملة بينهم فاللأم الحنو وللأب الحزم، ولكن الإنسان المتكامل يكون حانيًا حين يجب الحنو، وحازمًا حين يجب الحزم ويستعمل الأمرين معًا.
الفضيلة الواحدة ربما تضر، ربما يقرأ أحدٌ منكم على الطاعة مثلًا فضيلة الطاعة. طاعة الأب أو المرشد ومن أجل الطاعة ينفذ بلا وعي، وقد يكسر وصايا الله باسم الطاعة إن كان مرشده لا يرشد بطريقةٍ سليمة. أما لو أضاف إلى فضيلة الطاعة فضيلة الحكمة أيضًا لعرف أن الطاعة أولًا هي لله، وكل طاعةٍ أخرى هي داخل طاعة الله، فإن أمره أبوه مثلًا أن يكذب لا يُطيع أباه، وإن أمره مرشده أن يخطئ لا يُطيع مرشده.
مفروض إن الإنسان لا يستعمل فضيلةً واحدة، لأنه كل فضيلة من الفضائل أيًا كانت لا بد أن ترتبط بفضيلة الحكمة.. وكل فضيلة خالية من الحكمة ليست فضيلة بالحقيقة. إذًا أسلك في طريق الفضائل كما شئت ولكن اربط كل فضيلةٍ منها بالحكمة، وأيضًا اربط كل فضيلة بالاتضاع.. لأن هناك فضائل بسببها يقع الإنسان في الكبرياء، وفي المجد الباطل ولكن لو ربطها بالاتضاع يسلك حسنًا.
السيد المسيح كانت تتركز فيه كل الفضائل...
كان يحتمل الكل، كان يحتمل المديح ويحتمل الإهانة... كان يعطي بسخاء لكل أحد وفي نفس الوقت كان يحتمل الفقر والحاجة، ولم يكن له أين يسند رأسه.
قدم لنا الفضائل العملية وكان في قداسةٍ لا يُعبّر عنها.. واستطاع أن يتحدى كل قادة جيله بقوله: "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟" (يو8: 46)، عاش قدوسًا بلا عيب وفي نفس الوقت يشفق على الخطاة التائبين.
هكذا كان المسيح كشخصيةٍ متكاملة يجتمعُ فيها الحنو مع الحزم، وتجتمع فيها العظمة مع التواضع، وتجتمعُ فيها الطيبة مع الحزم والانتهار.. وهكذا أعطانا هذا المثال في قداسته.
نحن نشكر الرب الذي أعطانا بركة هذا اليوم، وأعطانا أن نُعيد لميلاد المسيح وأن نتذكر فضائله التي تركها لنا.
أهنئكم جميعًا بهذا العيد وأرجو ببركته أن يبارك الله مصر التي عاش فيها المسيح سنوات، والتي باركها هو والقديسة مريم خلال سنواتٍ قضاها فيها.
نطلب من الرب في هذه الأونة أن ينتشر السلام في العالم وبخاصةٍ في المناطق الملتهبة، ونطلب أن يبارك الرَّب جهود الرئيس مبارك في نشر السلام، ويعطي قوة لحكومته ولكل العاملين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1996م
القلب الداخلي
القلب الداخلي[1]
أود أن أهنئكم يا أخوتي جميعًا ببدء عام جديد، جعله الله عامًا سعيدًا مباركًا على بلادنا، وعلى كل الشرق الأوسط وعلى كل العالم أيضًا، وأهنئكم أيضًا بعيد ميلاد السيد المسيح له المجد، وأود أن نأخذ بعض تأملات بسيطة في فاعلية هذا العيد.
السيدُ المسيح اهتم جدًا بحالة القلب الداخلية، ولم يهتم إطلاقًا بالمظاهر الخارجية والممارسات الخارجية، بل على العكس وبخ الكتبة والفريسيين المُرائيين، لأنهم كانوا كالقبور المُبيَّضَةِ من الخارج كما قال عنهم وفي داخلها عظامٌ نتنة (مت23: 27). كانوا يهتمون بالمظهر الخارجي أما هو فأراد القلب من الداخل. كل المظاهر الخارجية لا تدل إطلاقًا على التدين ولا على القداسة، إنها نوعٌ من المظهرية.
أما جميع الفضائل فهي تنبعُ من القلب، وكل فضيلة لا تنبع من القلب لا تعتبر فضيلة. كذلك جميع الخطايا تنبعُ من القلب أيضًا، فالقلب هو مصدر جميع المشاعر والأحاسيس بل هو أيضًا مصدر الأفكار ومصدر النيات، كل فضيلة من الفضائل هي من القلب. الإيمان طبعًا فضيلة من القلب، المحبة فضيلة من القلب، التواضع، الوداعة كل ثمار الروح كلها فضائل من القلب، وأيضًا القوة والشجاعة هي أيضًا نابعة من القلب، الدقة، الجدية كلها فضائل من القلب تأتي.
وبنفس الوضع جميع الخطايا وجميع النقائص تنبعُ من القلبِ أيضًا. الحسد، الغيرة، الحقد، الكراهية، الشماتة، الزنا، جميع الخطايا تنبع من القلب!! ولذلك قال السيد المسيح: "اَلإنسان الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْب يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ، وَالإنسان الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشُّرُورَ" (مت12: 35)، فإذا أراد الإنسان أن يُصلح نفسه لا يهتم بالمظاهر الخارجية، إنما عليه أن يهتم بالقلب من الداخل. ولذلك قال الكتاب المقدس: "فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ" (أم 4: 23) وقال السيد الرَّب: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ، وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي" (أم23: 26). في الأول تعطي ربنا قلبك وإذا أعطيته القلب حينئذٍ ستلاحظ عيناك طرقه، لكن لا بد القلب أولًا وهكذا السيد المسيح سألوه مرة ما هي الوصية العُظمى في الناموس؟ أي في الشريعة فقال لهم: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ.. تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (مت22: 37-39)، المحبة هذه هي نابعة من القلب كل فضيلة تعملها وليست فيها محبة الله ليست هي فضيلة بالحق، لا تعتبر فضيلة.
علاقتك بالله تبدأ بالإيمان وتستمر بالمحبة، ونتيجة المحبة تعيش في حياة التوبة.
التوبة ليست تغيير منهج بمنهج إنما هي تغيير شهوة بشهوة، بدلًا من شهوة الجسد وشهوة المادة تكون لك شهوة الروح، وشهوة الإلهيات، ومحبة الله ومحبة العالم الآخر. القديسون قالوا هكذا: "التوبة هي استبدال شهوة بشهوة لكي تكون توبة من القلب".
خذوا مثلًا خطايا اللسان... هل تظنون أن خطايا اللسان هي خاصة باللسان؟! خطية اللسان هي خطية ثانية، أما الخطية الأولى فكانت في القلب قبل اللسان.. ولذلك قال السيد المسيح: "مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ الْفَمُ" (مت12: 34).
خطية الغضب مثلًا.. وكلام الغضب في الأول بدأ الغضب داخل القلب ثم عَبر عنه اللسان، كلام التهديد والانتقام في البدء دخل أولًا في القلب، ومن القلب عَبر عنه اللسان. فخطية اللسان هي خطية ثانية، إذا أردت أن تعالجها عليك أن تُعالج القلب أولًا الذي هو مصدر كل خطايا اللسان. القلب هو كل شيء لذلك قال الرَّب: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ" (أم23: 26).
الفضائل ليست مظاهر، ليست ممارسات خارجية!
الصلاة الجادة
خذوا مثلًا الصلاة، هل الصلاة كما يُعبر عنها بطريقةٍ سطحية الصلاة هي الحديث مع الله؟ صدقوني لا.. فقد يقف إنسان للصلاة ويتكلم كثيرًا ولا يُصلي إطلاقًا. تُعجبني كلمة الصلاة في اللغة العربية أكثر من اللغات الأخرى لأن كلمة صلاة تعني صلة، صلة بين الإنسان والله، وليس مجرد طلب كما في الإنجليزية مثلًا prayer to pray يطلب أو يتوسل لكن لا توجد صلة. الصلاة ليست مجرد كلام.. إنما هي مشاعر في القلب عَبر عنها كلام الصلاة.. وإذا لم توجد مشاعر في القلب لا تكون الصلاة صلاة.
صفات الصلاة الجادة
الصلاةُ لكي تكون صلاة جادة يكون فيها الخشوع، والخشوع عاطفة في القلب..
يكون فيها الإيمان والإيمان عاطفة في القلب..
تكون فيها الحرارة الروحية وهي أيضًا صادرة من القلب..
تكون فيها مشاعر عديدة بين الإنسان والله...
أما لو ظننت إن الصلاة مجرد كلام فاستمع إلى مار إسحاق حينما يقول: "أنا ما وقفتُ أمام الله لكي أعد ألفاظًا"! بعض الأشخاص كانوا يظنون أن الصلاة تقوى إذا ما طالت، وقضى الإنسان وقتًا طويلًا مع الله، ربما يُقضي وقتًا طويلًا في الكلام وليست له مشاعر.
الصلاة الحقيقية هي التي تخرج من القلب بكل المشاعر اللائقة بإنسان يكلم خالقه وإلهه.
خطية مثل الزنا.. كيف عالجها السيد المسيح؟ قال: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" (مت5: 27، 28) إذًا الخطية تبدأ في الأول في القلب ثم بعد ذلك تتناولها الحواس، لكن القلب أولًا هو الذي أخطأ وهو الذي يُخطئ باستمرار.
حارب السيد المسيح الرياء الموجود عند الناس الذين يتظاهرون بالتقوى، وليست لهم قوتها وليست لهم مشاعرها التي في القلب، هو يريد القلب. على رأي القديس أُغسطينوس حينما قال: "عليك أن تحب الله ثم بعد ذلك افعل ما تشاء". طبعًا كل ما تفعله يكون متفقًا مع هذا الحب الإلهي.
ولذلك العبادة ليست مجرد صوم وصلاة هذه مجرد مظاهر لحالة القلب الداخلية، العبادة في حقيقتها هي محبة الله، والزهد في محبة العالم لأن محبة العالم عداوة لله. الحياة الروحية هي علاقة شخصية بين الإنسان وبين الله.. علاقة قلبية قبل كل شيء.
فالإنسان عليه أن يتأمل في أداء واجباته الروحية، هل هي مجرد ممارسات أم هي مشاعر قلبية بين الإنسان والله؟
يكونُ أمرًا عجيبًا جدًا حينما يقف إنسان للصلاة ويتكلم كثيرًا، ولكن الله غير موجود في صلاته أو يسجد والله غير موجود في سجوده!! السجود ليس مجرد انحناء الجسد إنما هو انحناء الروح من الداخل يعَبرُ عنها الجسد بانحنائه وسجوده. لكن لا بد أن تكون في داخل القلب.. لذلك كل سجود خالي من التخشع ليس هو سجودًا بالحقيقة. لأن الحقيقة أن يوجد الخشوع في القلب، ويعبر الجسد عن هذا الخشوع بالسجود.
القلب القوي لا يغلبه العالم
ربما إنسان يقول: أنا أريد أن أحب الله ولكن لا أعرف كيف أحبه، فالعالم يغلبني! أقول له: لو كنت قويًا في محبتك فلن يغلبك العالم. يقول: إن عثرات الخطية وإغراءات الخطية تسقطني! نقول له: لو كانت محبتك جادة لربنا لا تستطيع الإغراءات الجسدية الخارجية أن تُسقطك! الذي يُسقطك هو إن قلبك ضعيف وليست الإغراءات الخارجية، لو قلبك قوي لن تسقط.
يوسف الصديق عُرضت عليه الخطية في قوتها وعنفها ومع ذلك لم يسقط، لأن قلبه كان قوي من الداخل.
السيد المسيح من أجل هذا الأمر ضرب مثل البيتين؛ قال في بيت مبني على الصخر هبّت الرياح والعواصف، وسقطت الأمطار وصدمت ذلك البيت فلم يسقط لأنه مبني على الصخر، وفي بيت آخر مبني على الرمل صدمته الزوابع والرياح فسقط. ليس بسبب الرياح والزوابع إنما بسبب إن لم يكن له أساس قوي.. لذلك على الإنسان أن يُقَوّي حياته الروحية بأن يكون قلبه من الداخل قلبًا قويًا يستطيع أن يصمد، ويستطيع أن ينتصر. الحروب الروحية يتعرض لها كل إنسان، لكن ينتصر فيها الإنسان صاحب القلب القوي الطاهر النقي من الداخل.
إنسان يقول: الشكوك اتعبتني! نقول له: لو قلبك قوي في إيمانه لا تتعبه الشكوك.. إنسان يقول: التجارب اتعبتني، الأعداء اتعبوني، الخصوم اتعبوني، نقول له: لو قلبك قوي تستطيع أن تنتصر على المشاكل، وعلى الخصوم، وعلى التجارب. القديس يوحنا ذهبي الفم قال كلمة جميلة جدًا قال: "هناك طريقة تستطيع بها أن تقضي على عدوك وهي أن تحول العدو إلى صديق"، لم يعد عدو وتكون قضيت على العداوة الموجودة فيه.
علاقة القلب بالتجارب
الإنسان صاحب القلب القوي إذا مرت عليه تجربة يفكر في حلها.. فإذا لم يستطع، يعطيها مدىً زمنيًا وفي المدى الزمني يتدخل الله.. إما يعطيه الصبر، إما يعطيه الاحتمال، يا إما يعطيه حلًا للمشكلة.
أو على الأقل الإنسان صاحب القلب النقي يأخذ من التجربة ما فيها من بركة، وما فيها من أكاليل، ولا يجعلها تنتصر عليه. هناك شخصان شخص تنتصر عليه المشكلة وشخص ينتصر هو على المشكلة، حسب القلب، القلب من أي نوع؟ من نوع الذي ينتصر على المشكلة ولا من نوع المشكلة تنتصر عليه؟! كله يتوقف على القلب.
علاقة القلب بالسلام
أقول نقطةٌ أخيرة وهي مسألة علاقة القلب بالسلام، السلام الداخلي، السلام مع الله، السلام مع الناس. وخصوصًا في هذه الأيام التي تُثارُ فيها قضية السلام، إن لم يكن الإنسان محبًا للسلام فباطلًا كل اتفاقاته، المهم يحب السلام أم لا. الإنسان المحب للسلام سيجد طرقًا عديدة للوصول إلى السلام، أما الذي لا يحب السلام فمهما تقابلت معه لا يمكن أن يأتي بنتيجة.
نحن نطلب من الرب في هذه الأيام أن يتكلم بالسلام في قلوب الناس لأنه "إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلًا يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ" (مز127: 1)، يغير الله القلوب ويعطيها محبةً للسلام، ومحبةً للآخرين. لهذا يمكن إن الناس يصلوا إلى السلام.
بهذه المناسبة نشكر الجهود الكبيرة التي يقومُ بها السيد الرئيس مبارك من أجل السلام، ليس في مصر فقط إنما في كثير من ربوع العالم. نطلب من الله أن يبارك مصر وأن يمنحها السلام والخير والرخاء بشفاعة جميع القديسين آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1997م
الملكوت الروحي
الملكوت الروحي[1]
أبنائي وإخوتي الأحباء أحب أن أهنئكم ببدء عام جديد وبعيد الميلاد المجيد، وأهنئ إخوتي المسلمين ببدء شهر رمضان للصوم، وما يحمله هذا الشهر من ذكريات روحية كثيرة، ومن حفلات إفطار يحضرها المسلمون والمسيحيون ويتناولون الطعام معًا ويتبادلون عبارات المودة والإخاء، مما يترك أثرًا كبيرًا في باقي أفراد الشعب، جعله الله صومًا مباركًا لهم جميعًا.
وبمناسبةِ بدء العام أشكر الله على التعمير الكبير الذي تقومُ به بلادنا، في جنوب الوادي مشروع توشكى العملاق، وفي الشمال؛ التعمير في سيناء، وفي جوانب النيل عوامل التعمير في استصلاح الأراضي الصحراوية وتحويلها إلى أراضي زراعية، إلى جوار ما يقدمه لنا باطن الأرض من آبار البترول والغاز الطبيعي، وما تقدمه لنا بعض الجبال من خام الحديد. نرجو أن يكون هذا بدء رخاء لمصر في مشروعاتٍ تزدادُ بها العمالة وتقل البطالة ويحسنُ الاقتصاد.
الملكوت الروحي
أما عن الموضوع الذي اخترته لعيد الميلاد فهو أن السيد المسيح جاء يؤسس ملكوتًا روحيًا على الأرض، في الوقت الذي وُلدَ فيه السيد المسيح له المجد كان اليهود تحت حكم الرومان، وكانوا يشتهون أن يتخلصون من حكم الرومان، وأن تعود إليهم مملكة داود وسليمان، وينتظرون مخلصًا من نوع شمشون الجبار أو جدعون لكي يخلصهم من هذا الاحتلال الأجنبي، وفي هذا الوقت وُلد المسيح. وكان السيد المسيح ينادي بملكوتٍ من نوعٍ آخر، ملكوت روحي، ملكوت الله، ملكوت بعيد عن المادة، وبعيد عن هذه الأمور السياسية.
وطبعًا اليهود لم يعجبهم هذا الأمر.. لم يفهموا ما معنى الملكوت الروحي ولم يقبلوه! وحاولوا بكافة الطرق أن يُنَصبوا المسيح ملكًا عليهم، ولكن المسيح رفض الملكوت الأرضي. رفضه أولًا في التجربة على الجبل، ورفضه ثانيًا بعد معجزة إشباع الجموع من الخمس خبزات والسمكتين.. يقول إنجيل يوحنا: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أيضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ" (يو6: 15).
ورفض المُلك الأرضي أيضًا حينما دخل أورشليم يوم أحد الشعانين أي يوم أحد الزعف وهتف الشعب له قائلين: "أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي" (مر11: 9، 10) فتركهم ومضى إلى بيت عنيا ورفض الهتاف له كملك.
لذلك خَابَ رجاءُ اليهودِ فيه كملك، وبدأوا يفكرون في تقديمه ليُصلب.. ولما قدموه إلى بيلاطس الوالي الروماني ليصلبه قال لهم: "أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ؟ أَجَابَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ: لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرَ" (يو19: 15)، عجيبٌ هؤلاء الذين كانوا ينتظرون مسيحًا يخلصهم من حكم قيصر، وهم يهتفون الآن "ليس لنا ملكٌ إلاَّ قيصر" كنوعٍ من النفاق وإغراء الوالي بصلبه!
على أن السيد المسيح بدأ رسالته بتلك العبارة التي ذكرها إنجيل مرقس في الإصحاح الأول قال لهم: "قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ" (مر1: 15).
معنى ليأتِ ملكوتك
الملكوت الذي كان يريد السيد المسيح تأسيسه.. عَبر عنه أيضًا في أنه علمنا في الصلاة الربية أن نقول: "لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ" (مت6: 10). وكان لهذه العبارة ليأتِ ملكوتك ثلاثة معاني.
المعنى الأول: أن يملك الله على القلب، يملك على الفكر، على المشاعر، على الأحاسيس، على النيات.. وقد عبر السيد المسيح عن هذا الأمر بقوله: "مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ" (لو17: 21) ملكوت الله داخلكم أي أن الله يملك على قلوبكم في الداخل وهذا هو الذي أراده.
والمعنى الثاني: في ملكوت الله أن يملك الله بالإيمان على العالم كله فينتشر الإيمان في أرجاء الأرض، ولا يكون قاصرًا على شعب معين ينتمي إلى الله، وهكذا قال السيد المسيح: "وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15) وقال لهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ" (مت28: 19).
والمعنى الثالث: للملكوت هو الملكوت الأبدي حيث يملك الله في الأبديةِ السعيدة على جميع الناس، طبعًا بعد القيامة. لا تكون هناك خطيةٌ، ولا يكون هناك موت، إنما يكون الله ومعه المؤمنون به من أحبائه.
تعليم السيد المسيح
السيد المسيح أخذ ينشر هذا الملكوت على الأرض، نشره بالكلمة، بالتعليم، واشتهر بتعليمه حتى إنهم كانوا يلقبونه بكلمة المُعلم أو يقولون له أيها المُعلم الصالح. وملأ الدنيا تعليمًا، وفي هذا التعليم صحح المفاهيم الخاطئة التي كانت عند الشعب اليهودي.. ويقول الكتاب: "لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ" (مت7: 29)، وكان لكلامه تأثيرٌ كبيرٌ في النفوس، وكان تعليمه أساسًا لنشر ملكوت الله على الأرض.
كما أن الله كان يملك على الفكر بالكلمة.. كذلك كان يملك على القلوب بالحب، وقد اتبع السيد المسيح هذه الطريقة فعاش مع الناس بكل حب.
قيل عنه أنه: "أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى" (يو13: 1)، أحبهم حتى بذل ذاته عنهم!
وقال لله الآب: "وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ" (يو17: 26). نشر الحب بالنسبة للجميع حتى قال: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44). وهكذا عرفت المسيحية عبارة "الله محبة". بالحب بدأ ينتشر ملكوت الله لأن الناس إذا أحبوا الله يعبدونه، ويلتصقون به.
أتذكرُ بهذه المناسبة بعض أبياتٍ في قصيدةٍ كتبتُها قديمًا أقول فيها لله:
في سماءٍ أنتَ حقًا إنما | كلُّ قلبٍ عاشَ بالحبِّ سماك |
الذي يحب الله لا يُخطئ، وإذا كان ملكوت الله على القلب إذًا فملكوته يكونُ بالحب.
التحنن
والسيد المسيح نشرَ ملكوت الله بالحنوِ والإشفاقِ على الناس قيل أنه تحنن لما رأى الشعب "مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا" (مت9: 36)، وأكثر من مرة بكى تأثرًا.
وفي حنوه وإشفاقه على الناس، قال عنه الوحي الإلهي في سفر إشعياء النبي: "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ" (إش61: 1). وهكذا عاش يحنو على الكل وبخاصةٍ على المظلومين والمحتقرين من المجتمع، والمطرودين من جماعة كهنة اليهود والكتبة والفريسيين.
في إحدى المرات ضبطوا امرأة خاطئة زانية وأرادوا أن يرجموها بحسب الشريعة اليهودية التي تُنادي برجم الزانية، وسألوا السيد المسيح في ذلك فقال لهم عبارته المشهورة: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!" (يو8: 7) وأحسوا بخطاياهم فانصرفوا.. فقال للمرأة: "يَا امْرَأَةُ، أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟ ... اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أيضًا" (يو8: 7- 11) وأنقذها منهم.
هنا وأتذكر بيتًا شعريًا كتبه أحد الشعراء غير المعروفين إليكم.. قال عن مثل هذه المرأة:
ودَعوكِ بائعة الأثيم من الهوى |
| كذبوا فإن الذنبَ ذنبُ المشتري! |
هذه المرأة الخاطئة قطعًا وُجدَ رجلًا قد أخطأ معها، ولكنهم تركوا الرجل وأمسكوا هذه المرأة فأنقذها المسيح من مخالبهم!!
أيضًا كان يقود العشارين والخطاة إلى التوبة، وكان يحضر موائدهم ويجلس معهم.. فكانوا يلومونه على هذا كيف يجلس مع بعض الخطاة؟! فقال لهم: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (مر2: 17). عاش بالإشفاق على الناس، وبالشفقةِ جمع قلوب الناس إليه وقادهم إلى ملكوت الله.
وهكذا كان السيد المسيح له شعبية كبيرة جدًا حيثما يحلّ يكونُ زحامُ الناس حوله.
في معجزة إشباع الجموع من الخمس خبزات والسمكتين، كان عدد الذين سمعوا عظاته في ذلك اليوم خمسة آلاف رجل غير النساء والأطفال. وفي بعض الأوقات كان إذا دخل بيت يزدحم الناس حوله كما في معجزة شفاء المفلوج، فلا يستطيع أحد أن يدخل من زحام الناس الشديد. وفي بعض الأوقات من زحام الناس كان يدخل إلى سفينة يعظُ منها، والناسُ وقوفٌ على الشاطئ من زحامهم يستمعون إليه.
كان يعلم وهو سائر في الطريق، ويعلم في مكان خلاء، ويعلم من على الجبل كعظته المشهورة على الجبل والجموع حوله، وبهذا التعليم أسسَ ملكوت الله لأن الشعب يحتاج باستمرارٍ إلى توعية مستمرة، وأن يعرف الخير من الشر، والصالح من الطالح، وما يليق وما لا يليق.
والسيد المسيح أيضًا في نشره للملكوت جذبَ الناس إليه بالوداعة والتواضع..
فقيل في وداعته: "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ، قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 19، 20)، وفي تواضعه غسل أرجل تلاميذه وطلب إليهم أن يفعلوا هكذا مع بعضهم البعض وقال لهم: "إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ" (مر9: 35). بهذا عمل السيد المسيح على أن ينشر ملكوت الله وسط الناس، وعلمنا أيضًا أن يكون لنا مثل هذا الملكوت في داخلنا، فنملك أنفسنا أولًا كما يقول الكتاب: "وَمَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً" (أم 16: 32).
عَلمَ الناس ضبط النفس بحيث يضبط الإنسان أعصابه فلا يثور ويضبط لسانه فلا يُخطئ بألفاظه ويضبط حواسه ومشاعره، ويضبط أيضًا أمواله فيمكن أن يملك المال ولا يدع المال يملكه. بهذا ينتشر الملكوت في حياةٍ قدسية، وقد قاد السيد المسيح الناس إلى هذه القدسية بأمثولته الطيبة، وقدوته الصالحة حتى كان نورًا وسط الناس، من يتبعه لا يمشي في الظلمة. نحن بهذه المناسبة نطلبُ الخير لبلادنا، ونطلب لها الأمن والسلام، ونطلبُ حل مشكلة الشرق الأوسط وكل الشعوب المقهورة وكل عام وجميعكم بخير.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1998م
يجول يصنع خير!!
يجول يصنع خير!![1]
أهنئكم يا إخوتي بميلاد السيد المسيح، ونذكرُ بهذه المناسبة مجيئه إلى مصر مع العائلة المقدسة، وقد زاروا كثيرًا من مدن الوجه البحري والوجه القبلي والقاهرة وباركوها جميعًا. ونحنُ بهذه المناسبةِ أيضًا نُعد للاحتفال بالعيد الألفي الثاني لميلاد السيد المسيح، وهي مناسبةٌ يحتفل بها العالم كله، ولكن لنا في مصر بالإضافةِ إلى الاحتفال بميلاد المسيح نحتفل بزيارته لمصر.
الألفية الثانية لميلاد المسيح
والعجيب أن السيد المسيح والعائلة المقدسة لم يزوروا بلادًا أخرى غير موطن مَولدهم إلاَّ مصر فقط، وهذا شرفٌ عظيم نفتخرُ به.. ونفتخرُ أيضًا بأن سفر إشعياء النبي الذي ذكرَ في أول آيةٍ منه مجيء العائلة المقدسة إلى مصر، ذكر في آخر آية عبارة جميلة جدًا هي "مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ" (إش19: 25)..
وهذه الآية تُفرحنا في أمرين..
الأمر الأول أن الرَّب دعانا شعبه من دون شعوب العالم الأخرى، إن كان اليهود يقولون إنهم شعب الله! فهنا الوحي الإلهي يُثبت أن الرَّب قد قال في سفر إشعياء النبي: "مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ" (إش19: 25).
والناحية الأخرى غير إننا شعبه إنه باركنا وبارك هذا الشعب، وطبعًا لا نستطيع أن نشرح الجهود الكبيرة التي قامت بها مصر من جهة حضارة العالم، ومن جهة الإيمان، ويكفي أنه قيل عن موسى النبي في سفر أعمال الرسل: "فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ" (أع7: 22).
إننا نستعد للاحتفال بالألفية الثانية لميلاد المسيح متعاونين مع وزارة السياحة. ووزارة السياحة تبذل كل جهدها في تنظيم هذا الاحتفال بما يناسبه. ونرجو أن ندعو جميع كنائس العالم للمجيء إلى مصر للتبرك بالمواضع المقدسة التي زارتها العائلة المقدسة.
في ميلاد المسيح لا نستطيع أن نذكر كل شيء يختص بحياته ولكن يكفيني في هذه المناسبة أن أذكر عبارةً واحدةً قيلت عنه أنه كان يجول صنع خيرًا: "جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا" (أع10: 38).
جال يشفي الأمراض
قيل عنه في الإنجيل إنه "كَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب" (مت4: 23) وإنهم كانوا يحملون إليه جميع السقماء والمرضى فيشفيهم، وقيل في الإنجيل أيضًا: "وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ سُقَمَاءُ بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّمُوهُمْ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ" (لو4: 40).
إن معجزات الشفاء التي وردت في الإنجيل ليست هي كل شيء مجرد أمثلة، ولكن معجزات الشفاء على أيدي المسيح كانت كثيرة ولا نحصيها. هذا نوعٌ من الخير الذي كان يعمله للناس، خيرٌ يمَسُ العقل من جهة الكرازة بالملكوت، ويمثل جسد من جهة شفاء المرضى.
جال يحتضن كل الفئات
والسيدُ المسيحُ أيضًا كان يجول يصنع خيرًا في نواحٍ أخرى.. كان يحتضن كل الفئات التي نبذها المجتمع اليهودي وكان يشفق عليهم جميعًا ويتولاهم بعنايته.
زكا العشار
فمثلًا العشارون والخطاة كانوا فئة مكروهة من الشعب... فإذا بالسيد المسيح يقبل إليه زكا العشار ويدخل إلى بيته، ولما تذمر اليهود من أجل هذا الأمر قال لهم: "ابْنَ الإنسان قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (مت18: 11).
متى العشار
وأيضًا قبل إليه متى العشار وصار من خاصته، وأقام له هذا العشار حفلًا جمع فيه كثيرًا من العشارين وأكل المسيح معهم.. فتضايق اليهود وتذمروا فقال لهم السيد المسيح: "لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ"، وقال لهم: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى" (مر2: 17)، اعتبروهم مرضى ولي خدمة بالنسبة لهم اهتمَّ بهم..
جال يُشفق على الأمم والسامريين
وأيضًا كان يفعل خيرًا مع الأمم والسامريين، اليهود كانوا يحتقرون كل شعبٍ آخر وكانوا يسمون الشعوب الأخرى بالأمم Gentiles يعني الأجناس الأخرى. فإذا بالسيد المسيح يُكرم هؤلاء فلما شفى غلام قائد المئة قال لهم: "لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!" (لو7: 9)، وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ" (مت8: 11، 12).
كان المسيحُ يصنع خيرًا حتى مع الأطفال...
ولما كان التلاميذ ينتهرونهم كان يقول لهم: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت19: 14). ولما حورب تلاميذه بالعظمة أخذ طفلًا وأقامه وسطهم وقال لهم: "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ.." أي في البساطةِ والبراءة "فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت18: 3).
يهتم بالذين ليس لهم رجاء أو معين
السيد المسيح كان رجاءً للذين ليس لهم رجاء، وكان معينًا للذين ليس لهم معين، وكان يهتم بصغار النفوس ويقويهم، وكان يهتم بالضعفاء وأخذ تلاميذه من فئةٍ مستضعفةٍ وسط الناس هي فئة الصيادين، غالبيتهم. وهكذا نقرأ في الكتاب المقدس: "شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ. أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ" (1تس5: 14). السيد المسيح كان يجول يصنع خيرًا ولعل هذا درسٌ لنا في الحياة؛ أن يكون هذا شعارنا في العام الجديد أننا نجول نصنعُ خيرًا.
ما هو الخير؟
والخير يا إخوتي ليس هو مجرد ترك الخطية بالتوبة، هذا هو الجانب السلبي.. لكن الخير له جانبٌ إيجابي عملي في محبة الناس والعناية بهم. الذي لا يعمل خيرًا يعتبر هذا خطية له، فليست الخطية هي فقط عمل الشرور، والخطايا، والآثام إنما أيضًا الخطية هي عدم عمل الخير. وهكذا يقول الكتاب المقدس: "فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ" (يع4: 17).
ويقولُ أيضًا الكتاب: "لاَ تَمْنَعِ الْخَيْرَ عَنْ أَهْلِهِ، حِينَ يَكُونُ فِي طَاقَةِ يَدِكَ أَنْ تَفْعَلَهُ" (أم3: 27).. عن أهله يعني عن الذين يحتاجون إليه، لا تمنع الخير عن أهله حين يكون في طاقة يدك أن تفعله. "لاَ تَقُلْ لِصَاحِبِكَ: «اذْهَبْ وَعُدْ فَأُعْطِيَكَ غَدًا» وَمَوْجُودٌ عِنْدَكَ" (أم3: 28).
ليس الخيرُ فقط في العطاء وإنما في طريقة العطاءِ نفسها، لا تنتظر حتى يطلب منك الناسُ خيرًا تفعله لأجلهم، وإنما ينبغي أن تكون عند الإنسان الحساسية التي يفهم بها احتياجات الناس فيعطيهم دون أن يطلبوا. الله أيضًا تبارك اسمه يعاملنا بهذه الطريقة، يعطينا دون أن نطلب ويعطينا فوق ما نطلب.
والخيرُ لمن يريد أن يفعل الخير لا يقتصر على العطاء المادي فقط إنما العطاء الروحي، كل كلمة نصيحة، وكل كلمة منفعة تقولها لإنسان هي نوعٌ من العطاء، وهي أيضًا فعلٌ للخير. كل مواساة، كل تعزية، كل تشجيع، كل ما تُفرح به قلوب الناس، الإنسان الروحي الذي يباركه الرَّب.. كلُّ يومٍ من حياته لا يفعل فيه خيرًا لا يعتبره يومًا من حياته. هذا يومٌ ضائع لا يُحسب في عداد الأيام لأنه لا يفعل فيه خيرًا.
إنه درسٌ نأخذه من حياة السيد المسيح الذي كان يجول يصنع خيرًا، وكلمة "يجول" معناها إنه لم يقتصر في فعل الخير على مكانٍ واحد، ولا على مجموعةٍ معينةٍ من الناس إنما كان يجول...
كلُّ إنسان التقى بالمسيح نال منه خيرًا...
كلُّ إنسان تصادف أنه قابل المسيح أخذ منه خيرًا، أو أخذ درسًا، أو أخذ تعليمًا نافعًا لحياته...
لذلك كان محبوبًا من الكل، وكانت له شعبيةٌ فوق العادة، الكل يجرون وراءه ويحبونه لأنه يصنع خيرًا مع الكل. وإن كان البعض قد خانه فهذه نفسيةٌ مريضة ولكن عامة الشعب كانوا يحبونه.
تدريب..
أريدُ أن نأخذ هذا التدريب في حياتنا، كل يوم يمر بنا يجب أن نفعل فيه خيرًا وإلاَّ يكون يومًا ميتًا لا يُحسب.
وأخيرًا أطلبُ من الله الخير لبلادنا، وأطلب له الخير لكل هذه المنطقة التي وُلد فيها السيد المسيح له المجد.
نطلب الخير لشعب العراق، ونطلب الخير للبنان ولسوريا، ونشكر المجهود الذي قام به السيد الرئيس في الصلح بين سوريا وتركيا، نرجو أن يستمر هذا ونرجو الخير لإخوتنا الفلسطينيين لكي تكون لهم دولة مستقلة ذات سيادة.
ونشكركم جميعًا وكل عام وأنتم بخير.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 1999م
الفصل الرابع الألفينات (2000- 2012م)
صانع الخير[1]
أهنئكم يا إخوتي وأبنائي ببدءِ عامٍ جديد، وبدءِ قرنٍ جديد، وبدءِ ألفيةٍ جديدة، أعاد الله عليكم هذه الأيام بالخير والبركة، فهي أيامٌ لا تتكرر في حياةِ جيلٍ من الأجيال مرةً أخرى.
كما أهنئكم بعيد الميلاد المجيد، وأهنئ إخوتي المسلمين بعيد الفطر ونشكر الله إذ أتى هذان العيدان معًا متجاورين ولعل في ذلك رمز معين للوحدة الوطنية التي نعيشها. نحن عشنا معًا مسلمين ومسيحيين أربعة عشر قرنًا من الزمان، متلازمين ومتزاملين نقطفُ الورد معًا ونُجرح من الشوك معًا، وبهذا سادت المحبةُ بيننا نرجو من الله أن يُديمها باستمرار.
وإذ نُعيد بعيد الميلاد المجيد إنما نذكرُ عبارة وردت عن السيد المسيح في سفر الأعمال: إنه "جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا" (أع10: 38)، كان يصنع الخير مع كل أحد مع كل من يقابله ويصادفه في الطريق، مع كل الهيئات وأصبحت هذه ميزة تُميز المسيح أنه صانع خير مع الجميع.
القدوة الصالحة
لعل في مقدمة الخير الذي صنعه ما قدمه للبشريةِ من قدوةٍ صالحة في كل نواحي الفضيلةِ والبر وقال لهم: "لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالًا، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أيضًا" (يو13: 15). قدم لهم صورةَ الحياة المثالية عمليًا لكي يتبعوه.
تنقية التعليم
ومن الخير أيضًا الذي عمله التعليم السليم وتنقية التعليم في أيامه من كل شوائب خاطئة، ومن كل مفاهيم مغلوطة فسرها رؤساء اليهود أنذاك. ولذلك في عظته على الجبل كررَ عبارته المشهورة: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ... وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ.." (مت5: 21، 22). وهكذا وضح الشريعة بمفهومها السليم بالروح وليس بالحرف.
ولعل من التعليم الخير الذي قدمه للبشرية قوله: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44).
ولعل من تعليمه الجميل الخير الذي قدمه للناس، دعوته إلى حياة الكمال.
فقال: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48) وقال: "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ" (مت5: 8)، "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ" (مت5: 9).
السيد المسيح صانع الخير قدم القدوة، وقدم التعليم، ولذلك كانوا يسمونه المُعلم الصالح وينادونه بعبارة "يا مُعلم". وكَوَنَ تلاميذ له يحملون رسالة تعليمه للأجيال المقبلة.
السيدُ المسيح أيضًا في صُنعه للخير كان يشفق على المساكين جميعًا، وعلى الهيئات المطحونةِ في المجتمع، ولذلك انطبقت عليه تلك النبوة التي وردت في سفر إشعياء: "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ" (إش61: 1).
وأيضًا في شفقته على المساكين اهتم بالخطاة الذين تخلى المجتمعُ اليهودي عنهم، لم ينظر إلى خطاياهم إنما نظر إلى محبته للجميع في كيف ينقذهم من الخطية، ويدعوهم إلى التوبة.
وهكذا في عمله الخير كان يجلس مع العشارين المكروهين من المجتمع اليهودي وحينما كانوا يلومونه على ذلك كان يقول لهم: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (مر2: 17)، وهكذا كل إنسان وجد في السيد المسيح عطفًا.. وحنوًا يسنده في حياته.
كان يشفق على الأطفال ويحنو عليهم ويحتضنهم ويباركهم ويقول للناس: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ" (مر10: 14).
وأعطى المرأة مكانة كبيرة وقد كان المجتمع اليهودي يتجاهلها، وصارت له تلميذات كثيرات من هنَّ مريم المجدلية، وأيضًا مريم أم القديس مار مرقس الرسول الذي صار بيتها أول كنيسةً في المسيحية.
والسيد المسيح في عمله للخير اشتهر بالعطف على المرضى، وكل ذوي الحاجات وقيل عنه: "يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْبِ" (مت9: 35)، فذاع صيته في كل سورية وأتوا إليه بجميع السقماء من أنواع أمراض مختلفة، والمصروعين والمتسلط عليهم إبليس، فكان يضع يديه على الجميع ويشفيهم (مت4: 24).
وقيل أيضًا: "وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ سُقَمَاءُ بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّمُوهُمْ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ. وَكَانَتْ شَيَاطِينُ أيضًا تَخْرُجُ مِنْ كَثِيرِينَ وَهِيَ تَصْرُخُ.." (لو4: 40، 41).
كان يعطي حنوًا للكل.. لم يحدث أن إنسانًا لم ينل من محبة المسيحِ، ومن عطفه، ومن إشفاقه.
لقد دافع عن المرأة الخاطئة التي ضُبطت في ذات الفعل وقال لمن طلبوا رجمها: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!" (يو8: 7).
ودافع عن امرأةٍ خاطئةٍ أخرى وفَضَلها على سمعان الفريسي لأنها تابت وقال لها: "مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ" (لو7: 48).
كان يحب الكل ويشفق على الكل.. وقيل عنه: "وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا" (مت9: 36).
وقال لتلاميذه: "إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ" (لو10: 2).
العطاء
وفي صنعه للخير اشتهر بالعطاء وكان يُعَلم تلاميذه العطاء، وقال: "مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ" (مت5: 42)، بل قال: "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ.. اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ.." (مت6: 19، 20).
وقال للشاب الغني: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي" (مت19: 21)، ولعل هذه الآية هي التي تأثر بها الشاب أنطونيوس فيما بعد وترك كل شيء وصار أبًا لجميع الرهبان.
وهكذا يقول لنا الكتاب المقدس عن العطاء: "لاَ تَمْنَعِ الْخَيْرَ عَنْ أَهْلِهِ، حِينَ يَكُونُ فِي طَاقَةِ يَدِكَ أَنْ تَفْعَلَهُ" (أم3: 27) "لاَ تَقُلْ لِصَاحِبِكَ: «اذْهَبْ وَعُدْ فَأُعْطِيَكَ غَدًا» وَمَوْجُودٌ عِنْدَكَ" (أم3: 28). كان السيدُ المسيح معطاءً، يُعطي الكل.. ومعروفةٌ قصة مباركة الخمس خبزات والسمكتين، وإشباع الجموع وقول السيد المسيح لتلاميذه: "وَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصْرِفَهُمْ صَائِمِينَ لِئَلاَّ يُخَوِّرُوا فِي الطَّرِيقِ" (مت15: 32).
كان قلبًا مُحبًا حنونًا يعطف على كل محتاج، ويعطي دون أن يسأله الناس عطاءً..
يُعطي دون أن يُطلب منه ويُعطي أكثر مما يُطلب منه، هكذا كان السيد المسيح يجول يصنع خيرًا.
ونحن علينا أن نتمثل به ونفعل خيرًا في حياتنا، وأقول لكل أحد كل يوم يمر عليك ولا تصنع فيه خيرًا: لا تحسب هذا اليوم من أيام حياتك، إن حياتنا تُقاس بمقدار الخير الذي نقدمه، وحينما يزن الله إنسانيتنا إنما يزنها بالخير الذي نفعله.
فلنفعل الخير مع كل أحد، ونفعل الخير في كل يوم. ونطلب من الله أن يُعطينا الخير في حياتنا وأن يبارك حياتنا.. وأن يبارك في الجهود التي يبذلها رئيس دولتنا الرئيس مبارك من أجل خير مصر والشرق الأوسط، ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير2000م
السيد المسيح قاد ثورة تغيير وإصلاح
السيد المسيح قاد ثورة تغيير وإصلاح[1]
أهنئكم يا إخوتي الأحباء بعيد الميلاد المجيد، وببدءِ عام جديد جعله الله عام مبارك علينا، وعلى بلادنا مصر المحبوبة، وعلى إخوتنا الفلسطنيين، وعلى الشرق الأوسط وعلى العالمِ أجمع.
المسيح بين الوداعة والشجاعة
السيد المسيح في ميلاده.. وفي حياته على الأرض، اتصفَ بالوداعة وبالشجاعة. وكان يستخدم الوداعة حين تَحسُن الوداعة، ويستخدم الشجاعة حين تلزم الشجاعة. ويستعمل الاثنين معًا في تكاملٍ لشخصيته.
أما من جهة الوداعة؛ فقد قيل عنه: "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ، قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ.." (مت12، 19، 20)، ومع ذلك كان شجاعًا جدًّا في تعامله وخصوصًا إذا لمس الأمر حقًّا للرَّب.
فلما وجد اليهود يسيئون إلى كرامة الهيكل، بكلِّ قوة طرد الباعة من الهيكل، وقلب موائد الصيارفة، ومنع باعة الحمام وقال لهم في جُرأةٍ: "مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!" (مت21: 13)، ولم يجرؤ أحد أن يكلمه!
ولما رأى الكتبة والفريسيين من معلمي الشعب اليهودي يُحَمِّلُونَ الناس في الدين أحمالًا عسرة الحمل لا يستطيعون هم أن يحركوها بأصابعهم، قال لهم في قوة: "لكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ" (مت23: 13).
كانت له بالشعب محبة كبيرة...
يعامل الشعب في حنان، ولكنه كان ضد قادتهم في الدين لخروجهم على مبادئ الدين من جهة الشعب يقول الإنجيل أنه: "لَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا. حِينَئِذٍ قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: الْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ" (مت9: 36، 37).
كان يُحب الناس ويحبهم محبةً عملية.. لأن المحبة ليس مجرد مشاعر مبهمة إنما تظهر المحبةُ في العمل..
ولذلك قيل عنه: "وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْبِ" (مت9: 35)، وقيل عنه أيضًا: "الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ" (أع10: 38)، هكذا كان في حنانه، وفي تعامله مع الشعب.
رسالة المسيح الرعوية
وفي رسالته الرعوية أحدث ثورةً من التغيير والإصلاح...
لأن حالة اليهود في ذلك الوقت في ذلك الحين كانت مؤسفةً للغاية! وقد وصفهم السيد المسيح بقوله: "جِيلٌ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ" (مت16: 4).
بدأ يغير الأنظمة، ويعطي مفاهيم جديدة يغيّر بها المفاهيم القديمة التي تركها القادة الدينيون. ولذلك في عظته على الجبل نرى عبارةً تتكرر في مواضعٍ عديدة: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ.. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ" (مت5: 21، 22).
بدأ السيد المسيح يعلم الناس الروحيات كما ينبغي أن تكون.
مفهوم الطهارة والعثرة
مثلًا قال لهم: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ: وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" (مت5: 27، 28)، وهكذا أرانا وأظهر لذلك الجيل أن الخطيئة تبدأ أولًا في القلب، وقد تكون وسيلتها الحواس ثم بعد ذلك تتدرج إلى العمل.
وقال: "إِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ" من جهة هذه الخطية، ولم يقل: "إن أعثرتك امرأة"! لأن الخطيئة تكمنُ في قلب الإنسان وفي مشاعره، وبعد ذلك يُمكن أن يعثره منظرٌ خارجي، أما الشخص القوي النقي في قلبه فإنه لا تعثره كل نساء العالم!! العيبُ في القلب غير النقي..
كان المسيح يبحث دائمًا عن القلب، ويبحث عن الخطوةِ الأولى عن الخطيئة لكي يقاومها. ولذلك قال لهم: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ.. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلًا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ" (مت5: 21، 22)، فأراد أن يعالج الخطوة الأولى وهي الغضب الباطل الذي يؤدي إلى القتل.
أمور عديدة جدًّا دخَل في عمقها، ولم يسمح بالسطحية في فهمها.
تغيير مفهوم السبت
ولعل من الأمور التي اصطدم فيها مع اليهود مشكلة السبت. كان اليهود متأثرين بعبارةٍ في الوصايا العشر عن تقديس يوم السبت تقول: "عَمَلًا مَا لاَ تَعْمَلُوا" (لا23: 3)، ونفذوا هذه الوصية بطريقةٍ حرفية.. حتى أنهم كانوا لا يعملون شيئًا من الضروريات، وحتى إذا سافروا كان هناك مقياسٌ لاستثناء السفر في السبت يقولون عبارة: "سفر سبت".
وإذا بالسيد المسيح تحدى هؤلاء الناس في تعليمهم الخاطئ.. وأصبح يُجري معجزات عظيمة جدًا في يوم سبت. رجلٌ مولودٌ أعمى شفاه المسيح في يوم سبت، أو مَنح له البصر في يوم سبت.. كان يمكن أن يعطيه البصر في أي يوم، ولكن أراد بإجراءِ المعجزة في سبت أن يلقي على اليهود درسًا.
مريضٌ آخر في بيت حسدا كانت له ثماني وثلاثون سنة وهو طريح مقعد أو مشلول فشفاه المسيح في يوم سبت، وهاج اليهودُ عن المسيح.
بالنسبة للرجل المولود أعمى الذي منحه المسيح البصر.. قالوا له: "أَعْطِ مَجْدًا ِللهِ. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هذَا الإنسان خَاطِئٌ.."، فبَكَتهم الأعمى وقال: "مُنْذُ الدَّهْرِ لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى"، فقالوا له: أتريد أن تكون له تلميذًا؟! وطردوه خارج المجمع (يو9). والشخص الذي شُفي بعد ثمانية وثلاثين سنة، أرادوا أن يقتلوا المسيح بهذا السبب. كذلك أقام لعازر من الموت بعد أربعة أيام من موته في يوم سبت، لهذا تشاوروا عليه لكي يهلكوه.
أيضًا اصطدم بهم من جهة الهيكل، الذي كانوا يفرحون به جدًا، ويقدّسونه ويعجبون بما فيه من زينةٍ وذهبٍ ومن فضةٍ فقال لهم السيد المسيح: "إِنَّهُ لاَ يُتْرَكُ ههُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ!" (مت24: 2).
وقال لأورشليم: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا" (مت23: 37، 38).
كان في الأول يُقنع، ولما التزم الأمر أن يتكلَّم بقوة، تكلَّم بقوة. وهكذا كان حكمه على الهيكل، وعلى أورشليم، وعلى يوم السبت، كذلك وجد أنَّ الإصلاحات الروحية لا يمكن أن تتم إلاَ بتغيير القادة الذين يقومون على تنفيذ تلك المبادئ والوصايا!
الكهنوت الجديد
فوقف ضد كهنة اليهود وقال لهم: "إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ" (مت10: 43). وألغى الكهنوت الهاروني الذي كان الكهنةُ فيه يأخذون الكهنوت بالوراثة، ومن سبطٍ واحد هو سبط لاوي، ومن فرعٍ من هذا السبط هو هارون.
وأوجد كهنوت آخر هو كهنوت ملكي صادق، الذي قيل عنه في الكتاب أنه كان من جهة الكهنوت: "بِلاَ أَبٍ، بِلاَ أُمٍّ، بِلاَ نَسَبٍ" (عب7: 3)، أي لم يأخذ الكهنوت عن أبٍ، أو أمٍ، أو نسب.
تغيير لمفهوم العشور
كانوا يطالبون الناس بدفع العشورِ والبكور، وإذا بالسيد المسيح يقول إن هذا لا يكفي! لا يستطيع إنسان أن يدفع العشور والبكور ويقول لله: حسابك معي قد انتهى.. فقال لهم: "مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ" (مت5: 42)، بل أنه طوَب الذي يعطي من أعوازه وهو محتاجٌ إلى الضروريات.
وبكت المسيح قادة اليهود الكتبة والفريسيين وقال لهم: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلًا وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا" (مت23: 15).
وبَكَت أيضًا الصدوقيين الذين كانوا يقولون إن لا قيامة ولا أرواح. وقال لهم: "تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ" (مت22: 29)، أراد أن يُزيح القيادات الموجودة لكي يقيم قيادات أخرى من تلاميذه تعرف الحقَّ وتَثبت فيه.
وطبعًا دَفع ثمن كل هذا.. وهكذا نرى أن ذلك الوديع والمتواضع القلب الذي عاش في زهدٍ ولم يكن له أين يسند رأسه؟
قام بحركة تطهير واسعة النطاق، وحركة تغيير لكل ما هو باطل، وعَلمَ الناس الحق فتآمروا عليه وقالوا لبيلاطس: "اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!" (لو23: 21).. "دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا" (مت27: 5).
كان المسيحُ مثالًا للحق والدفاع عنه...
وعلمنا أن الوداعة ليس طراوة في الطبع إنما الوداعة هي الهدوء. وعلى الإنسان أيضًا أن يدافع عن الحق بقدر ما يستطيع كما دافع عنه السيد المسيح.
نحنُ في هذه المناسبة نرجو كل خير لبلادنا العزيزة بقيادة الرئيس حسني مبارك، وجميع العاملين معه، ونرجو له سلامًا ورخاءً.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير2001م
المصالحة مع الله
المصالحة مع الله[1]
أحبُ أن أهنئكم يا إخوتي وأبنائي جميعًا بعيد الميلاد المجيد، وببدءِ عامٍ جديد جعل الله هذه المناسبة مباركةً علينا وعلى مصرنا المحبوبة. ونحن نُصلي من أجل الأرض المقدسة التي وُلد فيها السيد المسيح، وقدم فيها تعاليمه ومعجزاته ومات وقام.
مبدأ المصالحة
السيد المسيح بشرَ بالحبِ والسلام، ومن ضمن هذا الحب مبدأ المصالحة. فهو في العظة على الجبل قال: "فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ" (مت5: 23، 24). وهكذا جعل المُصالحة أهم من تقديم القرابين.
وبنفس الوضع كان رسله أيضًا فقد قال القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل أفسس: "مُسرعين إلى حفظ وحدانية الروح برباطِ الصلح الكامل" (أف4: 3). ومن أجل هذه الملاحظةِ أيضًا نحن نبدأ القداس الإلهي بصلاة الصُلح ونقول في ذلك: "اجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا أن نُقَبل بعضنا بعضًا بقبلة مقدسة".
والقبلة هي إشارة إلى عمق الحب وليس إلى مجرد المُصالحة، وهذا الجزءُ نقرأه باستمرار في أول اليوم في أول صلاة باكر لكي نتذكر الصُلح والسلام والمحبة الأخوية.
حينما نتكلم عن المُصالحة إنما نذكر ثلاثة أنواع من المصالحة...
النوع الأول هو المصالحة بين الله والناس، والنوع الثاني هو المصالحة بين الناس بعضهم والبعض الآخر، والنوع الثالث هو المُصالحة بين الإنسان ونفسه في داخله.
المصالحة بين الله والناس
أما عن المُصالحة بين الله والناس فقد جاء السيد المسيح ليُقيم هذا الصُلح كما نقول له في القداس الغريغوري: صالحت السمائيين والأرضيين.
كان البشرُ في خصومةٍ مع الله. ولا شك أن كل خطيئة توجد خصومة بين الإنسان وخالقه لأن في الخطيئة الإنسان يتجاهل وصايا الله ويعصاها ويسلك حسب هواه، وهكذا يستحق عقوبة الله ويحتاجُ إلى المصالحة.
وقبل مجيء السيد المسيح كانت هناك خصومة فعلًا بين الله وهؤلاء الناس أقصد اليهود، بسبب الوثنية التي عاشوا فيها، وبسبب عصيان الرب إلههم، وهكذا نتيجةً لهذه الخصومة مرت فترةٌ طويلة قبل ميلاد المسيح، لا أنبياء فيها، ولا ملائكة يظهرون للناس، ولا عمل للروح القدس فيها.
ولما جاء السيد المسيح كانت تباشير الصلح بين الله والناس. إذا بملاكٍ يُبشر السيدة العذراء بميلاد المسيح، وملاك يُبشر زكريا الكاهن بميلاد يوحنا المعمدان، وملاكٌ يُطمئن يوسف النجار على الميلاد العذراوي للسيد المسيح من القديسة مريم، وملاكٌ هتفَ للرعاة قائلًا: "هَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ.. أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 10، 11)، وإذا جمهرةٌ من الملائكة تهتف وتقول: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لو2: 14). وتوالى ظهور الملائكة، فظهر ملاكٌ ليوسف النجار يأمره بالذهاب إلى مصر مع العائلة المقدسة.
بدأ الصلحُ بين الله والناس.. ولكن عمومًا لا يمكن أن يتم صلح بين الإنسان وخالقه إلاَ بواسطة الإيمان والتوبة. المسيحُ فتح الطريق ولكن على الإنسان أن يفعل ما يصالحه مع الرَّب خالقه.
مصالحة بين الناس وبعضهم
السيد المسيح لم يقم أيضًا بعمل المصالحة بين الله والناس. إنما عمل مصالحة أخرى بين الناس وبعضهم البعض، مصالحة بين اليهود والأمم، وبين اليهود والسامريين، وكان اليهود يحتقرون الأمم ويحتقرون السامريين ولا يتعاملون معهم إطلاقًا.
وإذا بالسيد المسيح يقبل إيمان أهل السامرة، وإذا به أيضًا يقول عن قائدِ المائة الأممي: "لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!" (مت8: 10)، وإذا به يقول لتلاميذه: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8) ويقول: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ" (مت28: 19) ويقول أيضًا: "وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15)...
وهكذا فتح المسيح باب الإيمان، وباب الملكوت أمام الأمم المكروهة من اليهود. كانوا يسموهم Gentiles يعني الأجناس الأخرى أو الأمم، وفتح أمامهم أبواب الملكوت وقال: "سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مت8: 11) أقام هذه المُصالحة.. وإن كان اليهود في قساوة قلوبهم لم يسلكوا في دعوة المسيح للمصالحة!
فالمصالحة الحقيقية ليست مجرد قوي يستبد بمن يشعر أنه أضعف منه، أو يرغم شخصًا بشروطٍ معينة أن يخضع له أو يستسلم له، فهذا صُلحٌ ظاهري ليس من القلب.
أما المسيحية فلم تقل هكذا، ترى أن المصالحة ينبغي فيها للقوي أن يحترم مشاعر من هو أضعف منه، وهكذا يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية: "فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ، وَلاَ نُرْضِيَ أَنْفُسَنَا" (رو15: 1). المسيح أقام صلحًا بين الناس والله وأصبح باب الملكوت مفتوحًا للكل، وأقام الصلح بين الناس وبعضهم البعض.
مصالحة الإنسان مع نفسه
والنوع الثالث من المصالحة: هي المصالحة بين الإنسانِ ونفسه، وهكذا قال أحد الآباء القديسين: "اصطلح مع نفسك تصطلح معك السماءُ والأرض".
والصلحُ مع النفس له فروعٌ كثيرة، منها الصلح بين الروح والجسد وكما قال الرسول بولس: "الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ" (غلا5: 17)، فأول مصالحة هو أن يصطلح الروح والجسد، ويخضع الجسد لمشيئة الروح وتخضع الروح لمشيئة الله ويصبح الروح والجسد كيانًا واحدًا. وحينما نقول الجسد إنما نقصد الأمور الماديةِ كلها، فينبغي أن يصطلح الإنسان ليس مع الجسد فقط، إنما يسمو فوق المستوى المادي من كل ناحية. وأيضًا يصطلح فيه العقلُ مع الشهوة، ويصطلح فيه الضمير مع الهوى، ويصطلح فيه المثالية مع الواقع.
بهذا يكون الإنسان واحدًا لا انقسام فيه؛ يعني لا يوجد انقسام في داخل نفسه، ولا يقع فيما وقع فيه ذلك الأديب الكبير في يوم من الأيام وصف حالته فقال: "كنتُ خلال ذلك أصارعُ نفسي وأجاهد، حتى كإنني اثنانِ في واحد.. هذا يدفعني وذاك يمنعني".
ولا يكون مثل الصراع الداخلي بين الخير والشر في إنسان، كما قال الشاعر إيليا أبو ماضي:
إنني ألمحُ في نفسي صراعًا وعراكا | وأرى نفسي شيطانًا وأحيانًا ملاكا |
الإنسان حينما يصطلح مع نفسه، وتصطلح فيه كل القوى الداخلية من عقلٍ وضميرٍ وإرادة يصيرُ واحدًا، ويصلُ إلى الاستقرار النفسي. إذا اصطلح مع نفسه يصل إلى الاستقرار النفسي وطبعًا الاستقرار على الخير، لأن هناك إنسان يخرجُ من الصراع مع نفسه إلى أن يستقر مع الخطيئة أو الشهوة.
هذه هي المبادئ الثلاثة في المصالحة، نتذكرها في وقتٍ يموجُ فيه العالم بالعداء وبالصراع، نُصلي من أجل السلام بين اليهود والفلسطينيين في الأراضي المقدسة. وبين الهند وباكستان، وبين الشرقِ والغرب، وبين البيض والسود.
ونرجو أن تكون هناك مصالحةٌ في العالم، فلا يعيش الناس في عداء وقد قال المثل: "إذا اصطلح الخصمان استراح القاضي". ليس فقط استراح القاضي، إنما استراح أيضًا الشُرطي، وبَطُلَ العداء والاعتداء والجرائم، وإذا اصطلح الزوجان مع بعضهما البعض لا يذهب أحد منهما إلى محاكم الأحوال الشخصية.
نرجو أن تسود المصالحة والسلام بين الناسِ جميعًا، أفرادًا، وجماعاتٍ، ودولٍ، وشعوب. وبهذه المناسبة نصلي من أجل بلادنا العزيزة أن يعمها الخير، ونصلي من أجل الرئيس حسني مبارك أن يوفقه الله في رحلاته، وفي جهاده لأجل مصر، ولأجل العروبة، ولأجل الشرق الأوسط، ونصلي من أجل العاملين المخلصين في هذا البلد الكريم، ونرجو لكم جميعًا كل خير... وكل عام وأنتم بخير.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 2002م
المسيح العطوف الحنون
المسيح العطوف الحنون[1]
وإذ أهنئكم بعيد ميلاد السيد المسيح أتذكر صفةً بارزةً في حياته على الأرض وفي رسالته، وهي "القلب العطوف الحنون على كل أحد"، حتى أنه قيل عن السيد المسيح إنه: "رجاء من ليس له رجاء، ومعين من ليس له معين، عزاء صغيري القلوب، وميناء الذين في العاصفة". وقيل عنه إنه كان وديعًا وهادئًا جدًا "قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 20)، وقد عاش مع الناس محبًا ومحبوبًا يهتمُّ بكلِّ أحد وبخاصةٍ الجماعات المحتاجة إلى عناية خاصة.
اهتمامه بالأطفال
فقد اهتم السيد المسيح بالأطفال كان يحبهم ويهتم بهم، ويمنع عنهم الذين ينتهرونهم ويبعدونهم وكان يقول: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت19: 14). وقد أقام في إحدى المرات طفلًا من هؤلاء وقال لتلاميذه: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت18: 3)، يقصد إن لم ترجعوا مثل الأطفال في بساطتهم، وبراءتهم، ونقاوة قلوبهم.
اهتمامه بالمرأة
السيدُ المسيح أيضًا اهتم بالمرأة التي كانت مضطهدةً في المجتمع اليهودي، وكانت له من النساء تلميذاتٌ كثيرات.. نقصدُ من بينهنَ مريم المجدلية التي أخرج منها سبعة شياطين وصارت تلميذةً له، ومريم أم مرقس الرسول التي وهبت بيتها ليكون أول كنيسة في العالم المسيحي. ونساءٌ كثيرات كن يتبعنه ينفقن عليه من أموالهن.
ومن النساء اللائي برزن أيضًا في الإنجيل المقدس.. مريم ومرثا أختا لعازر الذي عندما مات أخوهمَ لعازر قيل عن السيد المسيح: "بَكَى يَسُوعُ" اشتراكًا معهم، وتعزيةً لهم وأقامه من الموت بعد أربعة أيام.
وفوق كل النساء نذكر السيدة العذراء الممتلئة نعمة، والكرامة الكبيرة التي أعطاها الرَّب لها.
اهتمامه بالمرضى والمصروعين
السيد المسيح كما اهتم بالأطفال والنساء، اهتم أيضًا بالغرباء، واهتم بالمرضى، واهتم بالمصروعين، كان يجول يصنع خيرًا. "وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ سُقَمَاءُ بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّمُوهُمْ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ" (لو4: 40).
وكثيرٌ من المرضى لم يهتم بهم أحد، فاهتم بهم المسيح...
مثل ذلك المريض الذي ظلَّ مطروحًا ثمانية وثلاثين سنة من الزمان.. إلى أن حنَّ المسيح عليه وشفاه من شلله وقال له: "قُمِ. احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ" (يو5: 8).
وكان أيضًا يشفي العميان الذين لا يهتم بهم أحد أيضًا! ولعل من أبرز الأمثلةِ لذلك؛ منحه البصر للمولود أعمى الذي آمن به.
وأيضًا كان يخرج الشياطين من المصروعين، فكانوا يأتون بهم إليه فينتهر الشياطين فتخرج منهم، ومن أبرز الأمثلة لحنانه على هؤلاء المصروعين.. أنه أخرج من رجلٍ شياطين كثيرة تُسمى لَجئون لأن كانت فيه فرقة من الشياطين، وكانت الشياطين تصرخ وتقول له نحن نعرف من أنت، أنت مسيح الرب.
اهتمامه بالغرباء
والسيد المسيح كما اهتم بالنساء والأطفال، وكما اهتم بالمرضى والمصروعين، اهتم أيضًا بالغرباء.. فقد اهتم بالسامريين..
واليهود ما كان يعاملون السامريين إطلاقًا! بل كان إذا وقع ظل واحد من السامريين عليهم يعتبرون أنفسهم قد تنجسوا. وإذا بالسيد المسيح يضرب للناس مثل السامري الصالح، الذي لما رأى أحد الأشخاص ملقى على الأرض، وقد اعتدى عليه اللصوص وتركوه ما بين حي وميت، نزل عن دابته وحمله عليها، وضمد جراحه، وأوصله إلى مكان يُعتنى به.. مع إن هذا الرجل كان من أعدائه اليهود.
والسيد المسيح أيضًا في عنايته بالسامريين، في إحدى المرات كان متجهًا إلى أورشليم فأغلقت إحدى القرى السامرية أبوابها في وجهه، وإذا بتلميذين من تلاميذه يقولان له: "يَا رَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أيضًا؟" (لو9: 54). وآتى الوقت الذي فيه قام السيد المسيح بهداية المرأة السامرية الخاطئة، ودخول مدينة السامرة، ثم فيما بعد أمر التلاميذ أن يبشروا في أورشليم وكل اليهودية، وفي السامرة وإلى أقصى الأرض (أع1: 8).
تحنن يسوع
كان السيد المسيح في كل ما يفعله.. يفعله بعاطفةٍ من الحنو والشفقة والعطف على الناس، ولذلك قيل في مناسبات عديدة من شفائه للناس "تحنن يسوع" وفعل كذا وكذا. وكما كان يهتم بالناس في أمراضهم الجسدية، كان يهتم بهم أيضًا في حياتهم الروحية، وقيل: "وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا" (مت9: 36). كان الحنو مظهرًا بارزًا من علاقته بالناس، كان عطوفًا على الكل حتى على الذين ينتقدونه، حتى على الذين قاموا ضده، أظهر مُنتهى الحنو على شاول الطرسوسي الذي كان يضطهد الكنيسة، وأظهر الحنو على اللص اليمين المصلوب إلى جواره، وأظهر الحنو أيضًا على توما الشكاك، وأظهر نفس الحنو على بطرس الذي أنكره وسبَّ ولعنَ وقال: "لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ" (مت26: 74)، وأرجعه إليه وقال له: "ارعى غنمي ارعى خرافي" (يو21). وأظهر كل الحنو حتى على كثيرٍ من الكتبة والفريسيين الذين رفضوه، حتى عندما دعاه سمعان الفريسي إلى بيته استجاب للدعوة، وذهب إلى بيته.. مع أن سمعان الفريسي كان قد فتح له باب بيته، ولم يفتح له باب قلبه.
كان السيد المسيح يجولُ في الأرض يصنع خيرًا وكان يشفق على الجميع، ولذلك أحبه الجميع وصارت له شعبيةٌ كبيرةٌ جدًا بين الناس، لدرجة أنه في معجزة الخمس خبزات والسمكتين، كان الحاضرون خمسة آلاف من الرجال غير النسوة والأطفال.. يعني تقريبًا حوالي12،000 وعندما قال له التلاميذ: "اِصْرِفِ الْجُمُوعَ لِكَيْ يَمْضُوا إِلَى الْقُرَى وَيَبْتَاعُوا لَهُمْ طَعَامًا" (مت14: 15)، فقال لهم: "لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصْرِفَهُمْ صَائِمِينَ لِئَلاَّ يُخَوِّرُوا فِي الطَّرِيقِ" (مت15: 32) وأطعمهم بمعجزة. كان حنانه على الكل..
حنانه على الخطاة والعشارين
وكان العشارون مكروهين من الناس ومُزدرى بهم، لأنهم كانوا قساة القلب وغير أمناء في المال. فإذا بالمسيح يختار متى العشار ليكون أحد تلاميذه الكبار، وحضر حفلًا أقامه العشارون فلما قيل له: "كيف تجلس مع العشارين وهم خطاة؟"، قال لهم: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (مر2: 17) وأشفق عليهم.
حنانه على زكا العشار
وأيضًا دخل بيت زكا العشار وانتقده اليهود مُر الانتقادِ فقال لهم: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ، إِذْ هُوَ أيضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ" (لو19: 9). كان يُشفق على الكل لم تكن في فمه إدانة، بل كانت في فمه كلمة رحمة ومحبة.
حنانه على المرأة الخاطئة
وحتى المرأة الخاطئة المضبوطة في الفعل، نجاها من الذين شَهَروا بها وطلبوا رجمها، وقال لهم عبارته المشهورة: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!" (يو8: 7) فمشوا جميعًا في خجل لأنه كان يعرف خطاياهم. ثم قال للمرأة: "يَا امْرَأَةُ، أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟.. فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أيضًا" (يو8: 10، 11).
وأشفق أيضًا على الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها، ومسحت قدميه بشعر رأسها. وكان يتكلم عن قبول الخطاة ويقول للناس: "إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ" (لو15: 7).
كان مشفقًا على الكل وكان قلبًا مفتوحًا للكل، وكل إنسانٍ قابله على الأرض كان له نصيبٌ من محبته، ومن عنايته، ومن بركته أيضًا.
نطلب بركة السيد المسيح لنا في هذه الأيام، نطلب بركة له في الوقت الذي يطلُ فيه شبح الحرب على هذه المنطقة، ونطلب له بركة أيضًا لإخوتنا الفلسطينيين.. وفي تكوين دولتهم المستقلة ونرجو لكم جميعًا كل خير، ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 2003م
معاني روحية في الميلاد
معاني روحية في الميلاد[1]
أهنئكم يا إخوتي وأحبائي ببدء عام جديد وبعيد الميلاد المجيد، راجيًا لكم سنة مباركة تقتربون فيها إلى الله، وتعيشون في محبته وطاعته. ونحن في هذه المناسبة نرسل تعزياتنا إلى إخوتنا في إيران من جهة حادث الزلزال، ونرسل أيضًا مشاعرنا لإخوتنا في العراق، وفي فلسطين راجين أن يُنهي الرَّب القتال الموجود في هذه المنطقة.
ونرجو بركةً لبلادنا ونعمةً خاصة من الرَّب لحل كل مشكلاتها، كما نرجو معونةً إلهيةً خاصة لرئيس دولتنا الرئيس حسني مبارك. ونشكر الله الذي أعطانا فرصة أن نفرح بعيد الميلاد وبكل ما يحوي من معانٍ روحيةٍ سامية.
المسيح مصدر الحب
السيد المسيح كان مصدر حب لكل أحد وفي كل مكان، كانت له شعبيةٌ جبارة، ومحبةٌ عميقة تربطه بكل الشعب.
كان رجل جماهير، كان يتقابل مع الناس في الطريق، وعند شاطئ البحيرة، وعلى الجبل، وفي الأرض الخلاء، وبين الزروع، ويتحدث إليهم ويحاورهم ويعطيهم بركة.
كما كان يزور بيوت الناس أيضًا لقد زار بيت تلميذه سمعان بطرس، وشفى حماة هذا التلميذ. وزار بيت متى العشار وحضر وليمةً للعشارين في بيته. وزار بيت زكا رئيس العشارين ولما احتج الناسُ عليه قال لهم: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ، إِذْ هُوَ أيضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ" (لو19: 9).
وزار بيت مريم ومرثا شقيقتي لعازر، وزار بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس أي مرقس الرسول، وصنع الفصح هناك والعشاء الرباني.
وكما كان يزور الناس في بيوتهم.. كانت أيضًا تزحمه الجماهير في كل موضع، كما قلت لكم كان رجل جماهير، كانت تزحمه الجماهير في كل موضع. في عظته على الجبل كانت هناك جموع كثيرة قد حضرت هذه العظة، وفي معجزة الخمس خبزات والسمكتين كان عدد الذين أكلوا وأعطاهم طعامًا خمسة آلاف رجل، غير النساء والأطفال أي ما يقرب من عشرة آلاف.
وفي معجزة شفاء المفلوج ازدحم الناسُ في البيت الذي دخله السيد المسيح، لدرجة أن حاملي المفلوج لم يجدوا وسيلة لدخول البيت من شدة الزحام، فتسلقوا ونَقبوا السقف وانزلوه من هناك.
وفي معجزة إقامة لعازر من الموت قال الكتبة والفريسيون في حُنق: "هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!" (يو12: 19)، كان الشعب يتبعه في كل مكان ويفرحون بلقائه.
وكان السيد المسيح في شعبيته العظيمة، كان رجاءً لمن ليس له رجاء.. ومعونة لمن ليس له معونة..
حتى أن كثيرين من المرضى وأصحاب العاهات أو الأمراض المستعصية، كانوا يلجئون إليه وكان يضع يديه على كل واحد فيشفيهم. قيل عنه: أنه كان يجول يفعل خيرًا، وقيل عنه أنه: كان يطوف المدن والقرى يكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب ووصل خبره إلى سورية وإلى العشرة مدن فكانوا يأتون إليه بالمرضى والمصروعين لكي يشفيهم (مت4: 23- 25).
كان السيد المسيح عطوفًا على الكل، كل الذين عاشروه نالوا نعمةً منه وبركة، حتى أن المقاومين أنفسهم.. على الأقل نالوا منه تعليمًا وإرشادًا.
كما كان يزور بيوت أحبائه، كان أيضًا يزور بيوت بعض معارضيه وناقديه إذا دعوه لزيارتهم، مثلما زار بيت سمعان الفريسي الذي دعاه إلى بيته ولم يدعوه إلى قلبه، وكان يفكر كيف ينتقده وأدار المسيح معه حوارًا شرح له فيه الموقف.
كان السيد المسيح يهتم بالكل حتى بالمهمشين في المجتمع، وحتى بالمطرودين من الناس، مثال ذلك اهتمامه بالسامريين. وكان السامريون مكروهين من الشعب، وبشرهم وعمل معهم خيرًا وآمنوا به.
وأيضًا اهتم حتى بالعشارين والخطاة.. وكان يعتبر الخطاة مجرد مرضى. لما انتقده بعض الشعب على أنه يجلس مع بعض الخطاة قال لهم: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (مر2: 17) ما كان يحتقر إنسانًا خاطئًا، إنما كان يرشد لكي يكسب على كل حالٍ إنسانًا.
المرأة الخاطئة التي ضُبطت في ذات الفعل، وأتى إليه الفريسيون لكي يطلبوا منه رجمها حسب شريعة موسى، فقال لهم عبارته الخالدة: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!" (يو8: 7). وخجلوا لأنه كان يعرف خطاياهم، وكان يكتب على الأرض وكل من يرى يهرب لتَوه. وأخيرًا قال للمرأة: "أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟.. وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ.. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أيضًا" (يو8: 10، 11).
وذكر لنا قصة الابن الضال وكيف قبله الأب فرحًا وقال: "ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالًا فَوُجِدَ" (لو15: 24). وكان يعطف على المساكين، وعلى الخطاة، ويقودهم إلى التوبة ويقول: "هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ" (لو15: 7).
وكما كان يهتم بكل واحد في المجتمع، كان يهتم أيضًا حتى بالأمميين أي غير اليهود الذين كانوا مكروهين من الشعب اليهودي، ولذلك مدح قائد المئة الأممي في مناسبة مجيئه لكي يشفي المسيح غلامه وقال للناس: "لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!" (مت8: 10) وقال أيضًا: "إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ، وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ" (مت8: 11، 12) يقصد اليهود. كذلك مدح المرأة الكنعانية وقال لها: "يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ" (مت15: 28).
السيد المسيح كان محبوبًا جدًا من الشعب، ولكنه لم يكن محبوبًا من رؤساء الدين في أيامه من الكهنة ورؤساء الكهنة، ومن الكتبة والفريسيين والصدوقيين. حتى أنه أشفق على الشعب الذي لم يكن يجد رعاية من كل هؤلاء، وقيل في الكتاب إنه: "لَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا" (مت9: 36)، ذلك لأن الرعاة في تلك الأيام كانوا يرعون أنفسهم وليس الشعب!
وكانوا إذا قادوا الشعب يقودنه إلى ضلالة وهكذا قال المسيح: "أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ" (مت15: 14). إلى أن تآمر عليه هؤلاء رغم محبة الناس له، ورغم شعبيته الكبيرة ولكنه قدم خلاصًا للناس. فلتكن بركته معنا جميعًا، ولنسعد بهذا العيد وليكن بركةً لبلادنا ونعمة.. ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 2004م
مثالية المسيح وشخصيته المتكاملة
مثالية المسيح وشخصيته المتكاملة[1]
أهنئكم جميعًا يا إخوتي بعيد الميلاد المجيد وببدءِ عام سعيد، أرجو لكم فيه جميعًا حياة مباركة وحياة سعيدة، وأتوجه بالعزاء للذين أصيبوا بالزلزال في شرق آسيا، الرَّب يُعَمر ذلك المكان ويكون مع نفوس أهل تلك المنطقة.
ونرجو بهذه المناسبة سلامًا ليس لمصر فقط، وإنما لكل بلاد الشرق الأوسط التي يرعى قضاياها الرئيس حسني مبارك، وخصوصًا البلاد الشقيقة في فلسطين، والعراق، والسودان وغيرهم.
وبمناسبة عيد ميلاد السيد المسيح، أود أن أتكلم معكم في تأملٍ بسيط عن مثالية حياته على الأرض، وكيف كان يُمَثل الشخصية المتكاملة التي تجمع العديد من الفضائل والصفات، التي قد يبدو بين بعضها البعض شيء من الخلاف، ولكنه جمعها كلها في تناغمٍ وتناسقٍ عجيب.
كان في حياته على الأرض لا يسير على وتيرةٍ واحدةٍ في الحياة.. إنما يذكر ما ورد في سفر الجامعة: "لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ" (جا3: 1)، كان يجمع صفات جميلةً جدًا في حياته. كان يعرف كيف يستخدم كل فضيلةٍ في وقتها المناسب، وفي الأشخاص الذين يتعامل معهم، كان يعرف كيف يشفق، وكان يعرف كيف يؤدب؟ وفي تأديبه كانت هناك شفقة. كان يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت؟ وكانت في صمته موعظةٌ وحكمة.
كان يعرف كيف ينظر نظرة حنو، وكيف ينظر نظرة غضب أحيانًا.
هكذا عاش يجمع الفضائل كلها على الرغم من تنوعها ولكن في مناسبتها.
حياة التأمل والخدمة
كانت له في حياته حياة التأمل وحياة الخدمة كانت له علاقة بالخلوة الروحية وبالعمل الاجتماعي بين الناس. فمن جهة الخلوة كان يحب الجبل، وكان له فترات خلوة على الجبل، وبخاصةٍ في بستان جثيماني وعلى جبل الزيتون، وفي عظته على الجبل لما أبصر الجموع صعد إلى الجبل وألقى عظته.
كان يقضي المساء في التأمل وفي النهار كان ينشر الخير وسط الناس، وما أجمل ما قيل عنه: "إنه كان يجول يصنع خيرًا" (أع10: 38) كان ينتقل من بلد إلى بلد يشفي المرضى ويفتح أعين العميان، ويمنح البركة للناس، ويخرج الشياطين من المأسورين والمصروعين بالشياطين، وكان كلُّ شخصٍ يقابله ينال بركة منه. وهكذا كان محبوبًا من الكل، لأنه كان يهتم بالكل في كل احتياجاتهم.
العظمة والتواضع
كان يجمع في حياته بين العظمة والتواضع، العظمة فيما اتصف به من هيبة ووقار وما كانت له عند الناس من عوامل الاحترام والتوقير، كان البعض يستمعون إليه وهم جلوس عند قدميه، وكان البعض يسجدون له.
ومن مظاهر عظمته أنه تجلّى على جبل طابور بنورٍ مبهر وسط ثلاثة من تلاميذه. وعلى الرغم من هذه العظمة كان متواضع جدًا، كان وديع ومتواضع القلب، وبلغ من تواضعه أنه انحنى وغسل أرجل تلاميذه وقال لهم: "لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالًا، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أيضًا" (يو13: 15). وكان له بساطةٌ مع الأطفال.
الوداعة والحزم
كما جمع بين العظمة والتواضع، جمع أيضًا بين الوداعة والحزم. كان وديعًا ومتواضع القلب، وقد قيل عنه إنه: "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ، قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 19، 20).
وفي رقته، وفي وداعته كان يتبَسط مع الناس، وكان رقيقًا شفيقًا على كل أحد، وفي رقته بكى على أورشليم ذاكرًا ما سوف يحدث لها، وبكى عند قبر لعازر.
الاهتمام بالنفس الواحدة
كان السيد المسيح يجمع بين العناية بالجماهير، وبين العناية بالفرد الواحد.
فمن جهة الجماهير؛ كانت تتبعه الآلاف من الناس، وكانت تزحمه الجموع. وفي معجزة إشباع الجموع من الخمسة خبزات والسمكتين، قيل إن الحاضرين كانوا خمسة آلاف غير النساء والأطفال أي حوالي اثني عشر ألفًا.
وفي معجزة شفاء المفلوج؛ قيل أن الزحام حوله كان شديدًا لدرجة أنهم لم يستطيعوا أن يدخلوا بالمفلوجِ من الباب، فدلوه من السقف لكي يشفيه المسيح.
وفي قصة زكا العشار كان الزحامُ شديدًا حوله جدًا، لدرجة أن زكا لم يستطع أن يراه فصعد على جميزةٍ لكي يراه من فوق، ووسط هذا الزحام اهتمَّ السيد المسيح بهذه النفس الواحدة نفس زكا رئيس العشارين، وقال له: "يَا زَكَّا، أَسْرِعْ وَانْزِلْ، لأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَمْكُثَ الْيَوْمَ فِي بَيْتِكَ" (لو19: 5). وعندما لامه اليهود كيف يدخل بيت رجلٍ خاطئ؟ قال لهم: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ، إِذْ هُوَ أيضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لو19: 9، 10).
كان يهتم بالنفس الواحدة، من أجل هذا تقابل مع نيقوديموس، ومن أجل هذا زار بيت مريم ومرثا، ومن أجل هذا ترك مرة التسعة والتسعين ليبحث عن الواحد الضال، كان يجمع بين الجماهير وبين العنايةِ بكل نفسٍ على حدة.
المسيح بين المنح والمنع
وكان السيد المسيح أحيانًا يمنح وأحيانًا يمنع، كان في منحه كريمًا كثير العطاء، وقد مَنحَ تلاميذه كثيرًا من العطايا ومن المواهب، ومنح الناس البركة، ومنح المرضى الشفاء، ومنح المصروعين بالشياطين عتقًا لهم، ومنح الجياع طعامًا، وأعطى بركة للجميع.
ومن جهة المنع؛ منع كهنة اليهود من الكهنوتِ في العهد الجديد وقال لهم: "مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ" (مت21: 43).
كان على الرغم من وداعته يوبخ أيضًا... وقد وبخ الكتبة والفريسيين وقال لهم: "لكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ" (مت23: 13)، ووبخ الصدوقيين وقال لهم: "تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ" (مت22: 29). كان يعرف متى يحنو ومتى يوبخ، وفي بعض الأوقات وبخ تلاميذه على بعض أخطاءٍ لهم.
الروح والجسد
كان السيد المسيح يجمع بين أشياء تبدو متناقضة أحيانًا، ولكنه يستخدم كُلًا منها في موعده المناسب.
كان يهتم بالروح كثيرًا حتى في حديثه.. كان يقول: "اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ" (يو6: 63). وفي نفس الوقت كان يهتم بالجسد في معجزات الشفاء العديدة التي قام بها لأجل الناس.
الخطاة والأبرار
كان يهتم بالأبرار ويقويهم، ويهتم بالخطاة ويصلح حياتهم. كان يهتم بالكل.. كان قلبًا واسعًا كل من يصادفه ينال منه حنانًا، وينال منه تشجيعًا، وينال منه بركة أيضًا.
إنه أعطانا درسًا في تلك الحياة المتكاملة، كيف أن الإنسان يجمع ما بين الفضائل وينسقها كلًا منها في حينه؟!
الصمت والكلام
كان يصمتُ أحيانًا وكان يتكلَّم، حينما كان يتكلّم كان يُعطي موعظة وكلمة منفعة، وكان يُصحح كثيرًا من المفاهيم، وحينما كان يصمت كان صمته أبلغ من الكلام، وقد صمت أثناء محاكمته أمام مجلس السنهدريم وأمام بيلاطس.
إننا نطلب منه بركةً لحياتنا، وبركة لبلادنا، وبركة لمصر، وبركة لكل البلاد العربية، وبركة لرئيس دولتنا حسني مبارك وجميع العاملين معه. ونهنئكم جميعًا بالعيد وكل عام وجميعكم بخير.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 2005م
اهتمام السيد المسيح بالتعليم
اهتمام السيد المسيح بالتعليم[1]
في مناسبة عيد الميلاد المجيد أهنئ جميع إخوتي المسيحيين، وجميع إخوتي المسلمين أيضًا بعيد ميلاد السيد المسيح.. لأن حول السيد المسيح نجتمع جميعًا والكل يؤمنون بمجيء المسيح وبميلاده البتولي المعجزي.
وللسيد المسيح صفات كثيرة وألقاب عديدة جدًا، ولكني أريد أن أتخير في هذه الليلة صفة واحدة من صفاته وهي المُعلم. فقد كان السيد المسيح ينادونه بعبارة: "يا مُعلم، أو أيها المُعلم الصالح"، ومريم المجدلية نادته قائلة: "ربوني" الذي تفسيره يا مُعلم. وقد اهتم السيد المسيح بالتعليم اهتمامًا كبيرًا، وبخاصةٍ لأنه كان في عصره بعض الانحرافات في فهم الفضيلة وفي فهم وصايا الله، فأراد المسيحُ تصحيحها بتعليمه.
كان اليهودُ في ذلك الحين يهتمون بحرفية الوصايا وليس بروحها، وبشكلية العبادة وليس بجوهرها. ولهذا أراد المسيح أن يعلمهم الاتجاه السليم والفهم الصحيح، وبخاصة في عظته على الجبل إذ تكررت منه عبارة: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ... وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ" (مت5).
ولعل من أبرز النقاط التي وضحها السيد المسيح واختلف فيها مع اليهود، هي مسألة تقديس السبت على اعتبار أنه يوم الرب، والوصية تقول: "عَمَلًا مَا لاَ تَعْمَلُوا" (لا23: 3). فكان اليهود يهتمون بحرفية الوصية فلا يعملون أي عمل أيًا كان! حتى إن سافروا تكون هناك خطوات معدودة ومحدودة لهم، يسمونها سفر سبت، ولا يحملون شيئًا لئلا يكسرون السبت بهذا الحمل.
بل اختلفوا مع المسيح في نقطة جوهرية جدًا وهي: هل يحل فعل الخير في السبوت؟!
فكانوا يعارضونه حتى في فعل الخير في يوم السبت! على اعتبار أن هذا عمل ينقض يوم السبت. ولكي يُثبت لهم السيد خطأ تصرفهم كان يُجري معجزات خارقة للعادة في يوم السبت..
ففي يوم السبت منح البصر للمولود أعمى، فقالوا لذلك المولود: ألا تعلم أن الذي فعل معك هذا هو رجل خاطئ؟ (يو9)، وفي يوم السبت أقام لعازر من الموت، وفي يوم السبت شفى مريض بين حسدا الذي كانت له 38 سنة، إلى جوار البركة لا يجد إنسانًا يعتني به فشفاه المسيح وقال له: "احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ" (يو5: 8). وهاجوا على السيد المسيح وأرادوا أن يقتلوه لأنه شفى هذا الرجل في يوم السبت.
السيد المسيح اهتم بأن يحارب هذه الحرفية في الناموس من جهة كل شيء، ويرشدهم إلى الاهتمام بالجوهر وليس بالحرفية وبروح الوصية.
والسيد المسيح كمعلم لم يكن له مكانٌ للوعظ أو للتعليم، فكان يعظ ويُعلم في كل مكان، كان يعظ وهو فوق الجبل، وكان يعظ وهو في البرية، وكان يعظ وهو سائر في الطريق، وكان يعظ وهو بين الحقول، وكان يعظ في البيوت التي يزورها، وكان يعظ على شاطئ البحيرة.
ولذلك اشتُهرَ بأنه المُعلم، كما أنه أوصى تلاميذه بالتعليم.. وكان يهتم ليس فقط أن يُلقي كلمات منفعة إنما أن يتلمذ الناس، ولهذا كان المؤمنون به في هذا الحين يسمَون تلاميذ، وأوصى تلاميذه هؤلاء بقوله: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ.. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20)، "وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15).
كان السيد المسيح يعلم في كل مكان وكانت له شعبية عجيبة جدًا، كان رجل الجماهير في أيامه، حيثما صار يتبعه الناس من كل صوب وحدب.
ففي معجزة إشباع الجموع كان الذين يحضرون كلامه الروحي حتى الغروب؛ خمسة آلاف رجلًا غير النساء والأطفال.. أي حوالي عشرة آلاف.
وفي العظة على الجبل اجتمعت حوله الجموع. وفي هداية زكا كان الزحام شديدًا جدًا، لدرجة أن زكا هذا رئيس العشارين صعد فوق جميزة لكي يرى المسيح. وفي شفاء المفلوج كان الزحام كثيرًا حول الباب ومن الداخل، لدرجة ما كان ممكنًا أن يصل إليه أحد من حاملي هذا المفلوج. وفي مرةٍ وهو يعظ على شاطئ البحيرة، ازدحم الناس كثيرًا حوله لدرجة أنه نزل إلى سفينةٍ من السفن، وكلم الناس من داخل السفينة.
كان السيد المسيح شعبيًا يحب الناس، ويتصل بهم يعيش معهم ويعلمهم.
وكان يرفع مستوى الناس من الملكوت الأرضي إلى ملكوت السماء.
ولذلك عبارة ملكوت السموات تتكرر كثيرًا في الإنجيل في كلام السيد المسيح. وقال لهم: "اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ.. لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ" (مت6) وأمرهم أن يعملوا الخير والفضيلة في الخفاء، لأن أباهم السماوي يرى ويجازيهم علانية.
وحدثهم المسيح عن مبادئ روحية لم تكن معروفة في ذلك الحين. حدثهم كثيرًا عن الوداعة، وعن الاتضاع، وعن إنكار الذات، وعن العمل في الخفاء، وحدثهم عن الروحيات التي ما كانوا يدركونها بذلك القدر.
وحدثهم عن المحبة وعرفهم أن الله هو أبٌ سماويٌ حنونٌ عليهم يحبونه ولا يرعبون منه، يهابونه مهابة الابن لأبيه، وعلمهم الحب، الحب للكل. لدرجة أنه قال لهم: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44). وأراهم أن الفضيلة تبدأ في القلب، وتعيش في القلب وليست هي مجرد مظاهر من الخارج، فقال: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ" (لو10: 27) وقريبك هو البشرية كلها.
وقال لهم إن الكلام نفسه سواء كان جيدًا أو رديئًا مصدره القلب، فمن فيض القلب يتكلم اللسان. "اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْب يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشُّرُورَ" (مت12: 35).
وموضوع العفة أرجعه إلى القلب أيضًا، فقال: "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" (مت5: 28).
هكذا كان السيد المسيح يعلم الناس الروحيات، والروحيات من القلب.
ثم قال لهم إن التعاليم التي أقولها لكم لا بد أن ترتبط بالعمل، بالفعل.. فقال: "وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مت5: 19). وقال: "فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا، أُشَبِّهُهُ بِرَجُل عَاقِل، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ... وَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَلاَ يَعْمَلُ بِهَا، يُشَبَّهُ بِرَجُل جَاهِل، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الرَّمْلِ" (مت7: 24- 26).
مُباركٌ هو السيد المسيح في كل ما أعطاه لنا من تعليم، ونحن بهذه المناسبة نصلي أن يبارك الله مصر ويبارك الرئيس مبارك، ويبارك جميع العاملين معه، وكل العاملين من كافة الاتجاهات من أجل هذا البلد... وكل عام وجميعكم بخير.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 2006م
المسيح منفتح القلب
المسيح منفتح القلب[1]
إذا أهنئكم بعيد الميلاد المجيد وبدءِ عام جديد، أرجو لبلادنا مصر العزيزة كل خير، وكل بركة من الله. وأحب أن أحدثكم عن شيءٍ في رسالة السيد المسيح له المجد.
جاء السيد المسيح قلبًا مفتوحًا لجميع الناس، يضمُ الكل ويهتم بالكل بدون استثناء.
يهتم بالفقراء والأغنياء، ويهتم بالمتعبين، فهو الذى قال: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28). وكان أيضًا يهتم حتى بالمسبيين وبالمأسورين وقال جئتُ: "لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ" (إش61: 1).
واهتم السيد المسيح بالمرضى، واهتم أيضًا بعائلات الذين انتقلوا من هذا العالم أي الموتى، واهتم بالمرأة، واهتم بالطفل، واهتم بجميع الناس.. كان - كما قلت - قلبًا مفتوحًا للكل. كل إنسان له نصيبٌ في هذا القلب، وكل مَن قابلوه من الناس؛ منحهم بركة أو نعمة أو إرشاد، وكان كل واحد يشعر أنه له دالة عند هذا المعلم الصالح.
السيد المسيح اهتم بالمأسورين برباط الخطية، أو رباط الشيطان، أو رباط المرض.
فمن جهة عنايته بالمرضى قيل عنه أنه: "كان يجول يصنع خيرًا"، وأنه كان يَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب (مت4: 23)، وبخاصة المرضى بأمراضٍ مستعصية، مثل مكفوفي البصر والمشلولين وما أشبه.
لقد شفى مريض بيت حسدا الذي كان له ثمانيةٌ وثلاثون عام ملقى بجوار البركة لا يعتني به أحد، قال له: "قُمِ. احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ" (يو5: 8).. فقام وحمل سريره.
وشفى أيضًا المفلوج الذي انزلوه من السقف بسبب الزحام، وأعطاه الشفاء.. وشفى كثيرين من المرضى، وقيل عنه أن: "جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ سُقَمَاءُ بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّمُوهُمْ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ" (لو4: 40).
أما الذين ماتوا وتركوا هذا العالم فقد اهتم بعائلاتهم أيضًا؛ من أمثلة ذلك.. شابٌ وحيدٌ لأمه في قرية نايين مات، وكانت أمه تبكي عليه. السيد المسيح أوقف النعش وقال له: "أَيُّهَا الشَّابُّ، لَكَ أَقُولُ: قُمْ!" (لو7: 14)، فقام ودفعه إلى أمه. أقام أيضًا ابنة يايرس رئيس المجمع، وأقام لعازر أخو مريم ومرثا.
واهتم السيد المسيح بالمربوطين من الشياطين، فكان يُخرج الشياطين منهم. ينتهر الشيطان فيخرج، فكان بعض هؤلاء يصرخون ويقولون: "مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ؟ أَجِئْتَ إِلَى هُنَا قَبْلَ الْوَقْتِ لِتُعَذِّبَنَا؟" (مت28: 29).
اهتم باليهود كما اهتم بالأمم؛ جاء إلى اليهود.. واليهود لم يقبلوه! واتجه إلى الأمم وفي ذلك نرى أنه قال عن هذه الأمم: "إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ..." (مت8: 11).
وقال عن قائد المئة الأممي الذي طلب شفاء ابنته، قال: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!" (مت8: 10).
وأيضًا عطف على المرأة الكنعانية؛ وكان الكنعانيون ملعونين أمام اليهود من قديم الزمان.
اهتم بالأممِ أيضًا أي الشعوب غير اليهودية؛ وحينما أرسل تلاميذه قال لهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمدوهم.. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20)، وقال أيضًا لتلميذه بولس الرسول: "اذْهَبْ، فَإِنِّي سَأُرْسِلُكَ إِلَى الأُمَمِ بَعِيدًا" (أع22: 21). كما قال له في مرةٍ أخرى: "كَمَا شَهِدْتَ بِمَا لِي فِي أُورُشَلِيمَ، هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ فِي رُومِيَةَ أَيْضًا" (أع23: 11)، وكانت روما أعظم مدن العالم في ذلك الحين.
اهتم أيضًا بالمرأة؛ وكانت هناك نساءٌ من الجليل يخدمنه من أموالهن ويتبعنه. واهتم أيضًا بنسوةٍ كثيرات، وأخرج من مريم المجدلية سبعة شياطين فتبعته وصارت تلميذةً له.
وصنع العشاء الأخير في بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس. وهناك أيضًا غَسلَ أرجل التلاميذ، وفيما بعد بيت مريم هذا صار أول كنيسة في المسيحية. وكذلك بيت ليديا بائعة الأرجوان صار كنيسة، وبيت أكيلا وبريسكلا.
اهتم السيد المسيح بالنساء الذين لم يهتم بهن المجتمع اليهودي، وجعل منهن تلميذات وأعطاهن مجالاً للخدمة.
اهتم أيضًا بالأطفال؛ وكان الأطفال محتقرين من الكبار.. وكان أحيانًا يطردونهم ويمنعونهم من المجيء للمسيح فقال لهم: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت19: 14)، وأقام طفلاً في وسطهم وقال لهم: "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت18: 3)، يقصد ترجعون مثل الأطفال في براءتهم، وبساطتهم، وفي نقاوتهم.
اهتم السيد المسيح بالخطاة أيضًا؛ وكان يعتبر الخطاة مرضى فقال لمن لاموه على اهتمامه بهؤلاء قال لهم: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (لو5: 31، 32).
اهتم بالخطاة لكي يقودهم إلى التوبة؛ ومن أبرز الخطاة في ذلك الزمان كان العشارون الذين يجمعون العشور وكانوا يظلمون الناس وقساة، فقادهم أيضًا إلى التوبة.
ومنهم متى العشار الذي جعله أحد الاثني عشر، ومنهم زكا العشار الذي دخل المسيحُ بيته، فلما لامه اليهود على ذلك قال لهم: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ، إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ" (لو19: 9).
السيد المسيح اهتم بالكلِّ في العناية بهم وفي تعليمهم...
كان يُعَلم في كل مكان، يعلم على الجبل، ويعلم في المزارع، ويعلم إلى جوار البحيرة، ويعلم الناس في الطريق وفي البيوت.. وأشبع الناس من تعليمه.. وكانوا يقولون: "ما سمعنا كلامًا مثل هذا". وهكذا السيد المسيح في اهتمامه بالكل كانت له شعبيةٌ كبيرة جدًا في المجتمع، وكان يتبعه الآلاف ويستمع إليه الآلاف. وفي معجزة الخمس خبزات والسمكتين ظلَّ يَعظ الناس حتى الغروب، فلما أراد التلاميذ لهم أن ينصرفوا، قال لهم: "لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصْرِفَهُمْ صَائِمِينَ لِئَلاَّ يُخَوِّرُوا فِي الطَّرِيقِ" (مت15: 32)، وكان عدد الذين حضروا لسماعه في تلك المعجزة خمسة آلاف رجل غير النساء والأطفال.
كان قلبًا مفتوحًا للكل حتى لمنتقديه...
من ضمن الذين كانوا ينتقدونه الفريسيون؛ فلما دعاه سمعان الفريسي دخل بيته واتكأ وحاوره وناقشه مع أن هذا الفريسي فتح له باب بيته ولم يفتح له باب قلبه.
لكنه كان يعطف على الكل حتى منتقديه لهذا كان محبوبًا وكان مُحبًا... ولم يقف ضده إلا الذين حسدوه على محبته للناس ومحبة الناس له وعلى تعليمه.
نذكرُ كل هذا لكي تكون لنا دروسٌ من حياة السيد المسيح في حياتنا، وننتهز الفرصة لكي نطلب سلامًا للعالم، وسلامًا لبلادنا المحبوبة مصر، وسلامًا للشرق الأوسط ولفلسطين وللسودان والصومال وكل مكان يحتاج إلى السلام.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 2007م
جاء المسيح ينشر الحب
جاء المسيح ينشر الحب[1]
أهنئكم يا إخوتي جميعًا بعيد الميلاد المجيد وببدء عام جديد. نطلب من الله أن يجعله عامًا سعيدًا على مصر كلها، وعلى كل أشقائنا ومحبينا في بلاد الوطن العربي الكبير والشرق الأوسط وعلى العالم كله. وأريدُ أن أكلمكم عن: "السيد المسيح كيف جاء لكي ينشر الحب".
كان السيد المسيح حبًا خالصًا حيثما كان يتحرك.. كان يتحرك الحب، وأينما كان يقيم كان يقيم الحب. عرفه الناس محبًا للجميع وهو الذي قال لتلاميذه: "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ..." (يو13: 34).
فكيف اعتبر هذه الوصية وصية جديدة؟
يقصد لونًا جديدًا من الحب لم يُعرف في العالم من قبل. ولذلك قال: "كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ". وقيل عنه إنه: "أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى" (يو13: 1)، وقال لهم: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13)، ولم يكن ينشر الحب وسط تلاميذه فقط إنما بالنسبة للعالم كله.
فلما سألوه: ما هي الوصية العُظمى في الناموس، أي في الشريعة؟
قال لهم: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (مت22: 37- 39). والمقصود بكلمة قريب كل البشر، لأننا جميعًا أقرباء فكلنا أبناءٌ لآدم وحواء.
فهو يريد أن ينتشر الحب وسط الناس جميعًا، ولم يكن هذا فقط وإنما نادى المسيح حتى بمحبة الأعداء فقال: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44). وفسر هذا بقوله: "إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم، الخطاة أيضًا يفعلون هذا. وإن سلمتم على الذين يسلمون عليكم فأي أجر لكم الخطاة أيضًا يفعلون هكذا" لكن إذا كنت تحب من لا يحبك فبهذا تصبح ابنًا للآب السماوي.
ولم ينشر الحب فقط وسط تلاميذه، ووسط الناس جميعًا، ووسط الأعداء، بل أيضًا وسط الغرباء... ومن ضمن هؤلاء الغرباء السامريون والأمم.
الأمم Gentiles يعني البلاد الغريبة التي ليست من جنس اليهود. وكان اليهود يعتبرون هؤلاء أنجاسًا أو كفرة، وإذا وقع ظل واحد منه على يهودي يُنَجسه. فإذا بالسيد المسيح يبدأ برسالة حب إلى السامرة، واستطاع أن يهدي المرأة السامرية التي جاءت إلى البئر لتستقي ماءً، ثم مدينتها كلها من السامرة. وبعد ذلك قال لتلاميذه: "تَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8) أي في الأمم.
وبالنسبة للأمميين قال عن قائد المئة الأممي الذي طلب شفاء عبده قال: "لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!" (مت8: 10). بدأ يكَوّن علاقة محبة بين كل هؤلاء.
وأيضًا السيد المسيح اظهر حبًا فائقًا للفقراء وللمحتاجين، وقال إنه جاء لكي يبشر المساكين، ويعزي صغار القلوب، وينادي للمسبين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق، وهكذا اهتم بالعناصر المهمشة في المجمع التي لا يُحس بها أحد.
واهتم بالفقراء، بالجياع والعطاش والعرايا واعتبر أن ما يُقدم لهم يُقدم له هو شخصيًا.
فقال إنه في اليوم الأخير سيقول للأبرار: "لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي، عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ، كنت مريضًا فأتيتم إليَّ. فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ... فيَقوُل لَهُمْ: .. بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ" (25: 35-40).
وهكذا نشر الحب وسط جميع الناس وعلم تلاميذه المحبة، وربط بين محبة الله ومحبة الإنسان. فقالت المسيحية: "لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟!" (1يو4: 20).
ومن جهة المحبة قالت المسيحيةُ أيضًا: "لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ!" (1يو3: 18)، لأن المحبة العملية هي المحبة الحقيقية. فالإنسان ممكن أن يقول كلام محبة ولكن المهم أن يفعل أعمال محبة.
نشكر السيد المسيح الذي كان حبًا خالصًا.. والذي عَلّمَ الحب للجميع لكل الناس، ونحتفل بعيد ميلاده المجيد في هذا اليوم، ونشكر السيد الرئيس مبارك الذي جعل هذا العيد عيدًا وطنيًا لجميع المصريين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 2008م
مفاهيم أعلنها السيد المسيح
مفاهيم أعلنها السيد المسيح[1]
أهنئكم يا إخوتي وأبنائي بالعيد.. راجيًا لكم في هذه المناسبة حياةً طيبة ثابتة في الروحيات وحياة سعيدة.
تعزية لأهالي غزة
وأودُ أيضًا أن أتكلم على إخوتنا الفلسطينيين وبالذات أهالي غزة، نحن جميعًا ندين الهجوم العشوائي الوحشي على هؤلاء الناس، وأيضًا بالذات الهجوم البري والاعتداء على المدنيين، لأنه ليس من الشرف العسكري ضرب الأطفال والنساء والشيوخ.
إنما العسكرية هي محاربة جندي لجندي وليس المدنيين.
وقد كانت قلوبنا تقطرُ دمًا ونحن نرى الإصابات العنيفة التي أُصيب بها الناس، وبخاصةٍ مثلًا منظر أب يقيمه الناس من على جثث أبنائه الأطفال الثلاثة وهو يبكي عليهم، أو امرأة تصرخ بأعلى صوتها وتقول: حسبي الله ونعم الوكيل.
محاولات مصر لتهدئة الأوضاع
وكان هؤلاء الناس يُطحنون طحنًا من القوات المسلحة الإسرائيلية، مع أن التكافؤ العسكري غير مناسب في ذلك الوقت! ولكننا نشكر الله بتدخل الرئيس مبارك ومعه رئيس فرنسا في محاولة وجود حل لهذه المشلكة، ومصر احتضنت القضية الفلسطينية منذ سنة 1948م، واعتبرت قضيتهم من أولى قضاياها.
كم من لقاءات وكم من اتصالات وكم من مقابلات قابلها الرئيس مبارك من أجل تهدئة الأمور ومن أجل توحيد الفصائل، ومن أجل علاج هذه المشلكة.
ونشكر الله أخيرًا إنه أمكن فتح المعبر لكي تدخل الحالات الإنسانية من الجرحى الذين يحتاجون إلى علاج، ولا تكفي مستشفى غزة لاحتوائهم جميعًا. وأيضًا الرئيس مبارك أرسل وزير الصحة الدكتور الجبلي، لكي يُشرف بنفسه على علاج هؤلاء.
نحنُ نصلي إلى الله أن تنتهي مشكلة غزة، وأن ينتهي الاحتلال والحصار، وأن ينتهي العدوان الوحشي عليهم، وأن تعود الأمور إلى هدوئها وينجو هؤلاء الإخوة من العنف الذي هم ضحاياه.
كما نصلي أيضًا من أجل إخوتنا في العراق، ومن أجل أن تنتهي القرصنة الصومالية وترجع السفن، لكي تبحر في سلام وطمأنينة دون اعتداء.
وما دُمت قد كلمتكم عن المشكلة الفلسطينية، فإني أحبُ في عيد الميلاد أن أكلمكم عن: السيد المسيح الذي وُلد في فلسطين، والذي كانت أمه فلسطينية وكل تلاميذه كانوا فلسطينيين. وقد بشر في فلسطين وعلم ونشر الإيمان في تلك المناطق.
السيد المسيح قد وُلد لكي يقرب ما بين السماء والأرض، ويقرب ما بين الله والناس، وينزع حاجز الخوف الذي يُخيف الناس من الله، ويجعلهم يحبونه. لهذا فإن من أوائل الأمور التي عَلَمَ بها السيد المسيح أن الله هو أبٌ للبشر وجميع الناس هم أولاده، وعلمنا أن نقول لله في الصلاة: "يا أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.." (مت6: 9)، وباعتبار أن الله هو المُعطي لنا كل شيء كان يقول لنا عن هذه العطايا المادية: "أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا. لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ" (مت6: 32، 33).
والله كأبٍ.. له كل حنو الأبوة على البنين، ويهتم بأولاده كل الاهتمام، وهو أيضًا يعاملهم بحب، والبشر يعاملون الله بحبٍ أيضًا.
فالحبُ متبادل بين الله والناس، بل إن الله هو الحب كله وعلمنا المسيح أن نقول: إن الله محبة. علمنا السيد المسيح أيضًا أن الله هو الراعي الصالح، وكلنا من غنم رعيته وهو الذي قال: "أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا... وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ" (حز34: 15، 16)، فالله يهمه أن يهتم بهذه الرعية وكل إنسان ضلّ، يسعى الله إليه لكي يرجعه إلى حضنه الأبوي مرةٍ أخرى.
ومن جهة معاملة الله للخطاة، علمنا السيد المسيح أن الله يُشفق على الخطاة لكي يقودهم إلى التوبة، وليس أن يعاملهم فقط بالعقوبةِ والعنف. ولهذا علمتنا المسيحية أيضًا أن الله يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ (1تي2: 4)، وأن الله لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا.
عدل الله ورحمته
بهذا الشكل نقف أمام مشكلة أخرى وهي عدل الله ورحمته، عدل الله يُحاسب كل إنسان كما تكون أفعاله ورحمته تغفر، فكيف يوفق بين الاثنين؟
التوفيق بينهما من خلال التوبة. فالعدل الإلهي؛ يرى أن الخاطئ بالتوبة قد مُحيت خطاياه، ورحمة الله بالتوبة تغفر، وهكذا نرى في المسيحية أن الله عادل في رحمته ورحيم في عدله، وعدل الله ورحمته لا ينفصلان.
علمنا السيد المسيح أن الله هو المخلص، يخلص شعبه من خطاياهم. وليس بالمعنى القديم الذي كان يقول فيه اليهود يخلصنا من أعدائنا ومن جميع مقاومينا! فهو يخلص الناس من عقوبة خطاياهم بالفداء، ويخلص الناس من خطاياهم بالتوبة لكي يعود ويقبلهم إليه كما كانوا.
السيد المسيح أيضًا تحدث كثيرًا عن الملكوت؛ ملكوت الله وملكوت السماء ولا يعني به إطلاقًا الملكوت الأرضي. لأنهم لما أرادوا أن يختطفوه ويجعلوه ملكًا هرب منهم. إنما الملكوت الذي تعلمنا في الصلاة أن نقول عنه لله: ليأتي ملكوتك له ثلاثة معاني...
+ أولًا ملكوت الله داخلنا؛ أن يملك الله على أفكارنا، وقلوبنا، وحواسنا، وجميع حياتنا ومشاعرنا..
+ والمعنى الثاني ملكوت الله على الأرض أن ينتشر الإيمان بالله في كل الأرض..
+ والمعنى الثالث هو ملكوت الله في السماء الذي نترجاه.
أخيرًا أشكركم جميعًا على حضوركم، وأرجو للسيد الرئيس مبارك كل خير وقلوبنا معه في هذه الفترة، وبارك الله جهوده من أجل السلام، آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 2009م
كونوا كاملين
كونوا كاملين[1]
أهنئكم يا إخوتي جميعًا ببدء العام الجديد وبعيد الميلاد المجيد، جعل الله هذه الأيام أيام فرح وسرور وبركة لكل بلادنا.
أحبُ اليوم في عيد الميلاد أن أكلمكم عن السيد المسيح له المجد، الذي هو مثاليٌ في كل ما يعمل ويحب المثاليات. ومن محبته للمثاليات أراد أن يوجهنا إلى شيءٍ منها فقال: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48). دعانا إلى الكمال وطبعًا يقصد الكمال النسبي، لأن الكمال المُطلق هو لله وحده.
ونسميه الكمال النسبي؛ نسبة لإمكانيات كل شخص وقدرته، ونسبة لما يناله من الله من قوةٍ ومعونة ومن النعمة. وأيضًا نسبةً لمدى تجاوب الإنسان مع عمل الله معه، وعمل الله فيه.
هذا الكمال النسبي يشمل علاقتنا بالله، وعلاقتنا بالناس، وعلاقتنا بأنفسنا.
أما عن العلاقةِ بالله؛ فقال لنا السيد المسيح: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ" (مت22: 37)، ومحبة الله من القلب تعني طاعتنا لله الذي قال: "مَن يُحبني يَحفَظ وصايايَ" (يو14: 21).
محبتنا لله تشمل أيضًا أن نفعل في كل حين ما يرضيه، حسبما نقول في صلاة باكر. أما إذا أخطأنا وكسرنا بعض الوصايا سنلجأ إلى مغفرة الله، ومغفرة الله لا تتم إلاَ بالتوبة، لا بدَّ من التوبة لأن الله لا يغفر للمستمر في خطيئته. وعن التوبة قال السيد: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3). وإلى جوار التوبة ينبغي أيضًا أن نغفر لإخوتنا الذين يسيئون إلينا.. لأنه في الصلاة الرَبية نقول باستمرار: "وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا" (مت6: 12) وقال السيد المسيح: "وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ" (مت6: 15).
ومن المحبةِ الكاملة لله أن ننتظر باستمرار ملكوته.
وقد تكلم السيد المسيح مرارًا عن ملكوت الله وملكوت السموات، ونحن في الصلاة اليومية التي نصليها نقول: "لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ" وحينما نقول للرَّب الإله: "ليأتِ ملكوتك" إنما نقصد أن يملك الله على أفكارنا، وعلى قلوبنا، وعلى حواسنا، وعلى مشاعرنا، ملكوت الله في داخلنا. ونقصد بالملكوت أيضًا أن يملك الله على العالم، وعلى كل ما فيه من بشر ومن دول. ونقصد بالملكوت أيضًا أن يملك الله على سائر الناس.
في كمال محبتنا لله تكون أيضًا صلواتنا. والصلاةُ ليست مجرد ترديد كلمات، فقد لامَ الله في القديم الشعب اليهودي حينما قال عنه: "هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مر7: 6)، وكَرر السيد المسيح هذه العبارة أيضًا فالصلاة ُهي صلة بالله. ومن واقع هذه الصلة سميت صلاة.
والسيد المسيح قال أكثر من هذا: "يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ" (لو18: 1)، و"صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ" (1تس5: 17) هذا كامل المعنى للصلاة. ولعل المقصود بعبارة "صلوا كل حين" إننا لا نكتفي بصلوات الساعات التي يصليها الشعب كله بطرقٍ معينة، ولكن بالإضافة إلى هذا ممكن أن نصلي كل حين.
أيضًا من الكمال لعلاقتنا بالله، أن نؤمن به أنه يهتم بنا في كل شيء، السيد المسيح قال: "فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟.. اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" (مت6: 31-33) الله يعلم بما تحتاجونه.
فقال عن الذين يهتمون بالمأكل: "اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا، أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟" (مت6: 26).
وقال عن الملابس: "تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ... إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا" والله أعطاها هذا الجمال.
نحن في علاقتنا بالله ينبغي أن نصل إلى كمال هذه العلاقة.
من علاقتنا بالناس قال السيد المسيح: "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ.." وقال: "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ.." (مت5: 8، 9). والشخصُ النقي القلب لا يمكن أن توجد في قلبه خطيئة واحدة، والنقي القلب لا يلفظ بأي كلمةً خاطئة، لأن الكلام الخاطئ ينبع من القلب الخاطئ. وقال السيد المسيح: "اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ" (مت12: 35).
وقال عن الكلمات البطَّالة: "إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ" (مت12: 36)، ويقصد بكل كلمة بطَّالة؛ ليست الكلمات المخطئة وإنما أيضًا كل كلمة ليست للبنيان، ولا يكون لها ثمر صالح.
إذًا فخطية الكلام هي خطية مزدوجة هي في الأصل خطية قلب ثم ظهرت كخطية لسان.
أما من جهة السلام؛ فقد أوصى عليه السيد المسيح كثيرًا وقال: "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ.." (مت5: 9). وأتذكر أنني في كل زياراتي للخارج عندما كانت الفرصة تسمح لي بزيارة أسرة معينة، كنت وأنا داخل إلى البيت من أول خطوة أقول: قال ربنا يسوع المسيح: "وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلًا: سَلاَمٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو10: 5) أي بيت..
أما عن السلام في المعاملات، فوضع لنا السيد المسيح قاعدتين منهما التسامح والاحتمال ومنهما المغفرة للمسيئين، فقال لنا: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44).. ولعل البعض يسأل كيف يمكن لأي أحد أن يحب أعداءه؟
نقول له في المسيحية: العدو الحقيقي للإنسان هو الشيطان، أما الأعداء من البشر فهم ضحايا لهذا الشيطان نصلي من أجلهم ونحتملهم، هذا هو تعليم السيد المسيح.
وقال أيضًا في المعاملات كلمة جميلة جدًا: "فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ" (مت7: 12) يعني كما تريد أن يعاملك الناس، عاملهم أنتَ بهذا الأسلوب وتسبق في هذا.
وقال: "بِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ وَيُزَادُ لَكُمْ" (مر4: 24)، وقال أيضًا: "لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ"، "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا.. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلًا وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ.." (مت5: 39- 41). هنا تكون المحبة والاحتمال والمغفرة.
نرجو أن نتذكر كل هذه الحقائق في ميلاد المسيح. وأخيرًا نطلب لبلادنا خيرًا وسلامًا ونهضةً في كل شيء آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 2010م
تأملات في عيد الميلاد
تأملات في عيد الميلاد[1]
أبنائي وإخوتي الأحباء أهنئكم بعيد الميلاد المجيد، طالبًا لكم حياةً مباركة مقدسة ثابتة في الرَّبِ. ولكن قبل أن أهنئكم أودُ أولًا أن أعزي أبناءنا في الإسكندرية وفي بلادٍ عديدة من جهة استشهاد عددًا كبيرًا أبرياء لا ذنب لهم.
كما أعزى أيضًا أولادنا في نجع حمادي إذ قد مرت سنة على استشهاد أشخاصًا منهم. وإن كان المجوس قد قدموا للسيد المسيح في يوم ميلاده ذهبًا، ولبانًا، ومُرًا، فإننا نُقدم له أيضًا هذه الأنفس الغالية علينا التي صعدت إليه.
وهنا أذكر قول الرئيس مبارك: "إن دماء أبنائنا ليست رخيصة"، أشكره على هذه العبارة، وأشكره أيضًا على تهنئته لنا بالعيد، وعلى تعزيته لنا أيضًا في المكالمة التي كانت بيني وبينه صباح هذا اليوم، شكرًا للسيد الرئيس من أعماق قلوبنا.. لأنه جعل عيد الميلاد عيدًا وطنيًا لجميع المصريين.
أما الآن فأذكر لكم تأملاتنا في عيد الميلاد.. لقد جاء السيد المسيح إلى الأرض لكي يُبَشر بالحب، وينشر الحب في أرجاء العالم، وصَدَق أمير الشعراء أحمد شوقي حينما قال: "ولدَ الحبُ يومَ مولد عيسى".
هو ينشر الحب، وهو أيضًا كان حبًا متحركًا أينما حل...
كلُّ مَن اتصل به نال نصيبًا من حبه، ومن عطفه، ومن رقته، وإشفاقه. وهكذا قيل عنه: "أنه كان يجول يصنع خيرًا" (أع10: 38)، يمرُ على المرضى فيشفيهم، وعلى الحزانى فيعزيهم.. وأيضًا يدعو الجميع إلى أنهم يطعموا الجوعانين، ويكسوا العرايا، ويهتموا بالغرباء، ويزوروا المساجين، فلما قالوا له: "متى يا رب فعلنا هذا؟"، قال لهم: "بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ" (مت25: 40).
كان حبًا يتمشى وسط الناس.. وأيضًا كان يهتم بالطوائف التي كانت مستبعدة من اليهود كالسامريين والأممم.
فالسامريون مثلًا كان إذا وقع ظل واحدٍ منهم على يهودي كان ينجسه أو يعتبرون كذلك! فكانت النتيجة أن السيد المسيح احتضنَ هؤلاء أيضًا بمحبته، وذكر لهم مثل السامري الصالح، وكيف أنه كان أكثر نُبلًا من الكهنة، ومن اللاويين.
وكذلك الأمم الذين كانوا مكروهين من اليهود، قال السيد المسيح عن أحدهم القائد الأممي: "لم أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا" (مت8: 10). لم يكتفي فقط بأن يكون حبًا يتمشى وسط الناس، إنما أيضًا دعَاهم أن يعبدوا الله باعتباره هو الحب أيضًا "اللهَ مَحَبَّةٌ" (1يو4: 8).
وقال لهم أن الوصية الأولى في الناموس في الشريعة: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ.. تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (مت22: 37-39). وعبارة قريبك تعني "أخاك في البشرية"؛ فكلنا أقرباء، كلنا أولاد أبٍ واحد هو آدم، وأمٍ واحدةٍ هي حواء.. تُحب قريبك أي تحب كل البشر.
علمنا أن الله محبة؛ الله من أجل محبته للبشر أوجدهم وخلقهم. وهو الذي يرعى الكل، ويهتم بالكل، ويحفظ الكل، ويعتني بهم. ولذلك علينا نحن أيضًا أن نحب الله كما أحبنا، نُحبه بأن نطيعه، نحفظ وصاياه، ننفذ مشيئته الإلهية على الأرض، لا نُخطئ إليه، ولا نخطئ إلى أي أحدٍ من البشر.
وهكذا علمنا السيد المسيح أننا نُحب الخير ونحب الغير..
نحب الخير؛ أي نعيش في حياة الفضيلةِ والبر، عن محبة وليس عن اضطرار، ولا عن أمرٍ ننفذه.. إنما نُحب الخير.
وكذلك نحب الغير؛ أيًا كان نُحب الناس جميعًا... من الناحيةِ السلبية؛ لا نؤذي أحدًا، ولا نحسد أحدًا، ولا نُتعب أحدًا، ومن الناحية الإيجابية؛ نحب الناس بأن نعمل من أجلهم كل ما نستطيعُ من خير، وهنا يبدو العطاء كفضيلة هامة، إن الإنسان من محبته لغيره يعطي.. ويعطي من قلبه، ويعطي بصفةٍ دائمة ويستمر في العطاء حتى البذل، ويصل في البذل إلى بذل الذات.
مباركٌ الرب الذي علمنا الحب، وعلمنا أن نُحب جميع الناس، وبالحب يعيش جميع الناس في سلام، لا يُخطئ فيهم أحد إلى غيره.
وهنا أعود أشكر السيد الرئيس مرة أخرى، كما أشكر أيضًا كل الحاضرين معنا من الوزراء، والسفراء، والنقباء، ورجال الدولة، وأيضًا الحرس الذي قام بواجبٍ كبير في هذا اليوم، كما نشكرُ أيضًا على الإفراج عن الإخوة الذين كانوا محتجزين. ولله المجد الدائم إلى الأبد آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 2011م
عظة عيد الميلاد 2012 (العظة الأخيرة)
عظة عيد الميلاد 2012 (العظة الأخيرة)[1]
أولًا أهنئكم يا إخوتي وأحبائي جميعًا ببدء عامًا جديد، وبعيد الميلاد المجيد...
مصر.. إلى أين؟
هذا الذي جاء وسط أجواء صعبة يقول فيها الناس جميعًا: "مصر بلادنا العزيزة المحبوبة.. إلى أين؟!".
قطعًا إلى الخير والبركة، لا بلونًا من التفاؤل وإنما بإيماننا بتدخل الله في سائر الأمور لكي يُسَيرها في الطريق السليم.
إلهنا الصالح يحب مصر، ويحب المصريين، ويرجو لهم السلام والخير؛ لذلك إيماننا بتدخل الله أن كل الأمور سوف تؤولُ إلى الخير والبركة بمشيئة الله.
شكر للحضور..
وأشكركم لأنه لأول مرة في تاريخ الكاتدرائية، تزدحمُ الكاتدرائية بجميع القيادات الإسلامية في مصر.
وأقول لجميع القيادات الإسلامية بكافة اتجاهاتها وكافة أحزابها، وأيضًا الجميع يتفقون معًا بيدًا واحدة في استقرار هذا البلد، وفي محبته، وفي العمل من أجله، وفي أن يعملوا هم والأقباط بيدٍ واحدةٍ من أجل مصر.
أهنئكم أيضًا بحضور هذا العدد المميز والمشرف من القيادات العسكرية هذه التي نحبها وتحبنا، والتي عملت كل جهدها من أجل رفعة بلادنا واستقرارها.
وأما من جهة ميلاد السيد المسيح له المجد؛ فأني أتذكر ما قيل عنه في الكتاب المقدس أنه كان يجول ويصنع خيرًا، كان يصنع خيرًا من أجل الكل، من أجل الفقراء والمحتاجين من جهة، ومن أجل المرضى والضعفاء والفقراء والمساكين. وهكذا قال لتلاميذه في إنجيل متى إصحاح 25: "لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟!
فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ".
وهكذا دعا الفقراء والمساكين إخوةً له، وأن مَن يفعل فيهم خيرًا كأنه فعل ذلك في سيدنا المسيح له المجد.
السيد المسيح جاء يهتمُ بالمساكين والفقراء، ويعتبرهم إخوته الأصاغر، جاء معينًا لمن ليس له معين، ورجاءً لمن ليس له رجاء، جاء يعزي صغيري القلوب، ويعطي نعمةً وبركةً لكل مَن يحتاج إليه.
السيدُ المسيح كان معلمًا باستمرار ينتظرون من فمه كلمة التعليم، ومع ذلك على الرغم من أنهم كانوا يسمونه "يا مُعلم أو أيها المعلم الصالح"، لم يكن له مكانٌ مخصص للتعليم يعلم منه، كان يعلم أحيانًا من على الجبل، وأحيانًا من على شواطئ البحيرة، وأحيانًا في الحقول، وكان الذين يتبعونه من تلاميذه الفقراء والصيادين لا يعرفون إلى أين يذهبون وراءه، لأنه لم يكن له بيت، لم يكن له موضع يسكن فيه، كل الذين كانوا يتبعونه؛ يتبعونه وهم لا يعلمون إلى أين يذهبون..! كل ما عندهم ثقتهم في هذا الإنسان الذي يحبونه ويحبون تعليمه.
لم يكن يهتم أيضًا بالفقراء والمساكين بالجسد؛ إنما الفقراء روحيًا أيضًا الذين يحتاجونَ إلى أن يقيمهم من تعبهم، كان يجلس أحيانًا مع العشارين والخطاة فإذا لامه الكتبة والفريسيون يقول لهم: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى" (مت9: 12)، هؤلاء الخطاة هم المرضى يحتاجون إلى طبيب ولا يترَكون هكذا.
وأصبح هذا المبدأ من المبادئ الرئيسية الثابتة التي يُعَلّم بها "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى"، والخطاةُ مرضى ينبغي الاهتمام بهم، وهكذا وضع مبدأً أيضًا وهو الاهتمام بالخطاةِ لكي يخلصهم من خطيتهم، ليس موقفه منهم أن يعاقب، أو أن ينتقم لكسرهم الوصايا وإنما أن يعالجهم كخطاة.
هنا يسأل البعض هل السيد المسيح لم يعاقب أبدًا؟
نقول: كلا بل عاقب، ولكن بطريقةٍ لطيفةٍ رقيقةٍ يكسب بها الخاطئ، وليس أن ينتقم منه. ولذلك في قصة طرده الباعة من الهيكل الذين أتوا مع بهائمهم، قلتُ له في ذات مرةٍ في الشعر:
يا قويًا ممسكًا بالسوطِ في | كفه والحبُ يدمي مدمعك |
وهنا أذكر أيضًا قول أحمد شوقي أمير الشعراء: "ولد الحب يوم مولد عيسى".
رسالة المسيح هي الخير
أحب أن أذكر تلك الآية التي وردت في الكتاب المقدس: "كان يجول يصنع خيرًا"... كان يصنع خيرًا للفقراءِ والمساكين، وكان يصنع خيرًا أيضًا للخطاة لأنهم هم أيضًا فقراء ومساكين، وكان يقول قولته المشهورة: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى"، فهؤلاء الخطاة هم مرضى ويحتاجون لطبيب لكي يعالجهم.
كان السيد المسيح كما قيل عنه معين من ليس له معين، ورجاء مَن ليس له رجاء؛ كان كل إنسانٍ متعب في حياته يلجأ إليه لكي يعطيه المعونة.
كان أيضًا معلمًا؛ والناس يدعونه قائلين: "يا معلم أو أيها المعلم الصالح"، ومع ذلك لم يكن لديه مكانًا للتعليم يعلم الناس منه كان يعلمهم من فوق الجبل، ومن على شواطئ البحيرة، وفي الطريق، وفي كل مكان، والذين يتبعونه لم يكونوا يعرفون له مسكنًا لأنه كما قيل عنه: "لَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" (مت8: 10).
"كان يجول يصنع خيرًا"؛ وكانت هذه هي رسالته الأولى مع جميع الناس، يصنع خيرًا مع المساكين، ويصنع خيرًا مع الخطاة لكي ينقذهم من خطيتهم لا لكي يعاقبهم عليها.
كان السيد المسيح معينًا لمن ليس له معين ورجاءً لمن ليس له رجاء؛ والذين تبعوه من تلاميذه الفقراء صيادي السمك كانوا أيضًا لا يعرفون له مكانًا، وإنما يتبعونه بنوعٍ من الثقة والإيمان عارفين أنه يُعلّم الخير. ومرةً قالوا له: "إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ" (يو6: 68).
نحنُ نشكره على تلك الحياة التي قدمها للناس، حياة الروح...
كان شخصًا شعبيًا، تتبعه الشعوب.. ولم يكن أرستقراطيًا يتبعه عُلية القوم..! حيثما كان يسير، كان الخير يسير معه.. وحيثما كان يقيم.. كان الخير يُقيم معه.
لم يكن يسيرُ مع عُلية القوم، إنما مع الناس المساكين أيضًا. وكانت له شعبيةٌ كبيرة وسط الناس، كلهم يحبونه حتى الأطفال الذين كانوا يلتفون حوله؛ الأبيض منهم والأسود والأصفر من كل نوع، وكان يقول لتلاميذه: "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت18: 13)، يقصد تصيرون مثل الأطفال في بساطتهم، ومحبتهم وصدقهم وليس من جهة العقل.. ولذلك كان الكل يلتفون حوله.
والعجيب أيضًا أنه اهتم بالمرأة كل الاهتمام. وليس فقط النساء العاديات إنما حتى الخاطئات منهن، من ذلك المرأة التي ضُبطت في ذات الفعل.. والكتبة والفريسيون قالوا له: "بماذا تحكم على هذه المرأة؟ لأن ناموس موسى يحكم عليها بالرجم! فنظر إليهم في عمق وقال: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!" (يو8: 7)، وبدأ بطريقةٍ ما يكشف لهم خطاياهم، فهربوا جميعًا ولما هربوا جميعًا ذهبَ إلى تلك المرأة قال لها: "يَا امْرَأَةُ، أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟ .. وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا" (يو8: 9).
مبدؤه الأساسي كما قلت لكم هو إنقاذ الخاطئ من خطاياه، وليس معاقبة الخاطئ على خطيته.. نشكره أنه أعطانا هذه المبادئ كلها. ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.
[1] عظة عيد الميلاد، يناير 2012م، في هذا العيد، قَبلَ قداسة البابا شنوده حضور كافة السياسين ورجال الدولة وكافة طوائف الشعب، من كلِّ الانتماءات الفكرية والسياسية فكانت بمثابة احتضان ووداع لكلِّ المصريين بكل أطيافهم.
الفصل الخامس الرسائل البابوية لأبنائه في المهجر (1998م – 2012م)
السيد المسيح مخلص العالم[1]
أبنائي الأحباء في المهجر إكليروسًا وشعبًا...
أرسل لكم خالص محبتي لكل شخص منكم، راجيًا لكم حياة سعيدة في أرض غربتكم. فليحفظكم الرَّب بلا عيب، مُحبين بعضكم بعضًا محبة حقيقية، بأن يحرص كل منكم على بناء أخيه، بغيرِ عثرة.
وأهنئكم جميعًا ببدءِ العام الجديد، وبعيد الميلاد المجيد. وليكن عامًا سعيدًا مباركًا، يحمل لكم كل ما في ميلاد الرب من إيحاءات للنفس، ومن ذكريات روحية عميقة.
لقد جاء السيد المسيح مُخلّصًا للعالم، كما قال الملاك للرعاة: "فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 10، 11). وقد قال الرب عن نفسه إنه: "جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لو19: 10).
ولكن بالإضافة إلى هذا كله، كانت له رسالة هامة في التعليم، وفي قيادة الناس إلى معرفة الله. حتى أنه قال للآب: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ" (يو17: 3).
وقال له أيضًا: "وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ" (يو17: 26).
فهل كان أولئك الناس لا يعرفون الله، حتى جاء المسيح ليعرَّفهم به؟! كلا، فإنهم بلا شك كانوا يعرفون اسمه العبراني: ألوهيم، يهوه، أدوناي، أي الكائن الذي يكون، الله، الرب ولكن مجرد هذه المعرفة العقلية ما كانت تكفي.
كانوا يعرفون أنه الله الواحد، خالق السماء والأرض، صانع العجائب وحده. ولكن لم تكن لهم به علاقة قلبية، حتى في صلواتهم! لذلك قال الله عنهم: "هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مر7: 6).
كانت لهم عبادة مظهرية، بلا روح! صلاة بغير صلة!! لذلك رفضها الله. وقال لذلك الشعب: "فَحِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا" (إش1: 15).
كان الله يريد القلب النقي، المملوء بالحب من نحو الله والناس، لهذا قال السيد المسيح لله الآب: "وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ" (يو17: 26).
لقد جاء السيد المسيح يُعلّم الناس الحب، بحياته وبكلماته لكي يعرفوا أن الله محبة (1يو4: 16) وأن كل فضيلة تخلو من المحبة، هي غير مقبولة عند الله.. وهكذا قال لتلاميذه: "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ" (يو13: 34)، وقال لهم أيضًا: "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (يو13: 35) وقيل عنه أنه: "أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى" (يو13: 1).
وعلمهم أن يحبوا الجميع، حتى الأعداء. فقال: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44). وفسر ذلك بقوله: "لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟" (مت5: 46).
ما دام الله محبة، إذًا البعيد عن المحبة، بعيد عن الله..
وبهذا نفهم معنى الصلاة. ليست هي مجرد حديث مع إله، أو مجرد فرض نؤديه. إنما الصلاة هي اشتياق إلى الله، كما يقول المرنم في المزمور: "كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ" (مز42: 1).
والصلاة التي تتميز بمحبة القلب لله، هي متعة روحية، يتمتع فيها القلب بعشرة الله، وعلاقتها إنه إذا بدأ الصلاة، يعز عليه أن ينهيها، ويود لو استمر في متعة الحديث مع الله. ويكون الانتهاء من الصلاة بالنسبة إليه، مثل نزع الرضيع عن ثدي أمه..
إن السيد المسيح قد قدم الله للناس باسمٍ محبوب هو "الأب السماوي"، وعلمنا أن ننادي قائلين: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.." (مت6: 9). إنه الآب المملوء حنوًا وإشفاقًا وهو مصدر كل خير..
نحب الله الذي يعطينا دون أن نطلب، وفوق ما نطلبه نحبه لأنه الراعي الصالح، الذي في مراعٍ خُضرٍ يربضنا، وإلى ماء الراحة يُوردنا (مز23)، هو الراعي الحقيقي الذي قال عن نفسه: "أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا.. وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ" (حز34: 15، 16)، بل هكذا جاء السيد المسيح راعيًا صالحًا، يبذل نفسه عن الخراف (يو10: 11، 15)، يعطي خرافه حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد (يو10: 28).
مباركٌ هو الرب في تجسده، وفي محبته لنا وفي رعايته التي فيها البذل والفداء. نشكره على كل هذا، ونمجد اسمه من الآن وإلى الأبد، آمين. وكل عام وجميعكم بخير.
[1] الرسالة البابوية في عيد الميلاد المجيد 1998م، تطابقت هذه الرسالة البابوية مع رسالة عيد الميلاد 2010م ولعدم التكرار نكتفي بنشرها مرة واحدة فقط
دروس لحياتنا
دروس لحياتنا[1]
أبنائي الأحباء في المهجر، كهنةً وشعبًا، سلامي ومحبتي، راجيًا لكم كل خير من الرب. لعلكم تكونون جميعًا نامين في النعمة وفي محبة ربنا يسوع المسيح، وبعد:
أهنئكم بعيد الميلاد المجيد، وببدءِ عام جديد، لعله يكون جديدًا عليكم في كل شيء، وفي روحياتكم بوجه خاص.
من الكلمات التي أذكرها بمناسبة عيد الميلاد، ما قيل عنه في فترة تجسده إنه كان يجول يصنع خيرًا (أع10: 38). إنه درسٌ لنا في حياتنا، أن نكون مثله: نجول نصنع خيرًا...
والخيرُ ليس هو مجرد ترك الخطية. فهذا هو الجانب السلبي فقط.. إنما المهم جدًا هو الجانب الإيجابي أن نصنع خيرًا مع كل أحد. بحيث إن كل مَن يقابلنا في طريق الحياة ينال خيرًا، بأية الطرق. وقد قال الكتاب عن هذا الخير الإيجابي: "فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ" (يع4: 17).
إذًا الخطية ليست مجرد فعل الشر والدنس، إنما أيضًا عدم فعل الخير هو خطية. وليس هذا في العهد الجديد فقط، بل في العهد القديم أيضًا. إذا يقول الكتاب: "لاَ تَمْنَعِ الْخَيْرَ عَنْ أَهْلِهِ، حِينَ يَكُونُ فِي طَاقَةِ يَدِكَ أَنْ تَفْعَلَهُ. لاَ تَقُلْ لِصَاحِبِكَ: «اذْهَبْ وَعُدْ فَأُعْطِيَكَ غَدًا» وَمَوْجُودٌ عِنْدَكَ" (أم3: 27، 28).
وليس الخير في العطاء المادي وحده، بل في العطاء الروحي أيضًا: في الخدمة، والكلمة الطيبة، كلمة النصح، وكلمة الفائدة، وكلمة التعزية. وكلمة اللطف والمجاملة التي تكسب بها أصدقاء. عمل الخير، هو أن تهدي الناس إلى الخير، وفي الجواب الليّن الذي يَصرِف الغضب (أم15: 1).
ويمكنك أن تعمل خيرًا بأن تُريح النفوس المُتعبة، كما قال السيد الرب: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28)، بالوجه المبتسم البشوش تفعل خيرًا. وبهذا يستبشر الناس حين يرونك.
وتفعل خيرًا إن أمكنك أن تشترك في العمل الكرازي، أو توَصل كلمة الله إلى غير العارفين، أو الإيمان إلى غير المؤمنين.
الخدمة في الكنيسة هي عمل خير: فلا تجعل الشيطان يغرس فيها زوانًا، عن طريق الانقسام وحب الذات.
يا أبنائي الأحباء، ضعوا هذا المبدأ أمامكم في العام الجديد: إن كلَّ يومٍ لا تعملوا فيه خيرًا، لا تحسبوه من أيامِ حياتكم.
لقد خلقكم الله على صورته. والله صانع الخيرات. فكونوا أنتم كذلك، على صورة أبيكم السماوي تصنعون خيرًا مثله.. وليس فقط حينما يطلب الناس منكم هذا الخير لهم. بل دون أن يطلبوا. لتكن لكم الحساسية نحو احتياجات الناس، وقدموها لهم، ولا تنتظروا أن يطلبوا.
ولتكن لكم الحساسية التي تدركون بها ما يُفَرح الناس وحاولوا أن تفرحوهم. وهكذا تجولون تفعلون خيرًا. وليكن الرب معكم، يُسمعني عنكم كل حين كل خير صالح.
[1] الرسالة البابوية في عيد الميلاد المجيد لسنة 1999م، تطابقت هذه الرسالة البابوية مع رسالة عيد الميلاد 2012م ولعدم التكرار نكتفي بنشرها مرة واحدة فقط
ما قبل وبعد الميلاد
ما قبل وبعد الميلاد[1]
أبنائي وإخوتي الأحباء في كنائس المهجر...
سلامٌ لكم من الرب ونعمة، مع تهنئتي لكم ببداية عام جديد، وقرن جديد، وألفية جديدة. مبارك هو الله الذي أتى بنا إلى هذه الساعة. وأحيَانا حتى نشهد هذا الحدث التاريخي، ونُرَتل فيه عبارة: "فلنبدأ بدءًا حسنًا..".
إنَّ العالم بميلادِ السيد المسيح، قد بدأ عصرًا جديدًا يختلف تمامًا عن كل العصور التي سبقته. وأصبح هذا الميلاد فاصلًا بين زمنين متمايزين هما: ما قبل الميلاد، وما بعد الميلاد.
بميلاد المسيح وُلدَ الخلاص، ونلنا نعمة البنوة، وأصبحنا ندعو الله أبانا الذي في السموات، وعادت إلينا الصورة الإلهية التي فقدناها بالخطية، وننالها بنعمة المعمودية.
إن عيد الميلاد هو بداية جميع الأعياد في العهد الجديد. هو الذي هتف به الملاك قائلًا: "فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ، أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 10، 11).
والاحتفال بعيد الميلاد ليس هو احتفالًا بنهاية صومنا، ولا هو مجرد تبادل التهاني والمجاملات، ولا هو فرح دنيوي بمظاهر معينة. إنما الفرح الحقيقي هو أن ننال فاعلية الميلاد في حياتنا العملية. أما بركة عيد ميلاد جديد، فإنها تأتي بسماعنا لقول الكتاب: "وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ" (رو12: 2).
نعم، إننا لسنا من هذا الدهر، حتى نكون شكله! هوذا الرب يقول لنا: "لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ مِنَ الْعَالَمِ" (يو15: 19). لذلك لا تشاكلوا هذا الدهر. بل ليكن لكم شكلكم الخاص الذي يميزكم عنه. كما قال القديس يوحنا الحبيب: "بِهذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ" (1يو3: 10). بهذا كل مَن يراكم، يقول: حقًا هؤلاء هم أولاد الله. لهم صورته. هم حسبما خلقهم الله: شبهه ومثاله (تك1: 26، 27).
في عيد ميلاد المسيح، نتذكر أنه أعاد إلينا الصورة الإلهية، فاثبتوا فيها. لأنكم أولاد الله، ولا بد أن تكونوا شبهه..
إننا في هذا العام نحتفل بعيدين: بعيد ميلاد المسيح. ونحتفل كذلك بمجيئه إلى مصر. كما قال سفر إشعياء النبي: "هُوَذَا الرَّبُّ رَاكِبٌ عَلَى سَحَابَةٍ سَرِيعَةٍ وَقَادِمٌ إِلَى مِصْرَ" (إش19: 1) ويذكر في نفس الأصحاح نبوءة عن تأسيس كنيستنا فيقول: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا.. فَيَكُونُ عَلاَمَةً وَشَهَادَةً لِرَبِّ الْجُنُودِ فِي أَرْضِ مِصْرَ" (إش19: 19، 20).
إن كنيستكم يا أبنائي الأحباء هي الكنيسة الوحيدة التي وردت عن تأسيسها بالاسم نبوءة في العهد القديم. بل يقول الرَّب في آخر هذا الأصحاح نفسه: "مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ" (إش19: 25). ما أجمل على آذاننا هذه العبارة "شعبي" الشعب الوحيد من شعوب الأمم Gentiles الذي قال عنه الرب شعبي.. افتخروا بهذا وافرحوا..
ستقام في كل كنائس مصر أعياد بهذه الذكرى الطيبة: مجيء الرب إلى مصر، مع أمنا العذراء والقديس يوسف النجار. وتحتفل الكنيسة ببركة هذا المجيء في يوم أول يونيو الموافق (24 بشنس) ويسعدنا أن نستقبلكم في مصر التي استقبلت رب المجد منذ ألفي عام، وصنع فيها معجزات وآيات.
ويمكنكم أيضًا أن تقيموا احتفالات مماثلة في كل كنائسكم في المهجر مع مطبوعات تعلنون بها لكل الكنائس والطوائف المحيطة بكم هذا المجد العظيم الذي تتمتع به كنيستكم: أن الرب قد اختارها بالذات من بين كل مناطق العالم، لكي يباركها بحلوله فيها حوالي ثلاثة أعوام ونصف.
وفي المواضع التي زارها رب المجد وباقي العائلة المقدسة، بنيت فيما بعد كنائس وأديرة تعتبر من أقدم كنائس العالم، يأتي إليها السائحون لنوال البركة.. أرجو أن نرسل إليكم بعض المطبوعات والصور الأثرية التي تعدها كنيستكم الأم للاحتفال بتلك المناسبة المقدسة.
كونوا جميعكم بخير يا أبنائي الأحباء. ولتكن هذه الألفية الجديدة سعيدة لكل منكم. وليسمعنا الرب عنكم كل حين كل خبر طيب. كونوا محاللين من روح الله القدوس.
[1] الرسالة البابوية في عيد الميلاد المجيد لسنة 2000م
هكذا أحبَّ الله العالم
هكذا أحبَّ الله العالم[1]
أبنائي الأحباء في المهجر كهنةً وشعبًا...
سلام لكم من الرب ونعمة، مع تهنئتي لكم بعيد الميلاد المجيد وببدء عام جديد، متذكرين دائمًا أن قصة ميلاد المسيح، هي قصة حب، يعبر عنها الإنجيل بقوله: "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ.." (يو3: 16).
لقد أحب الله العالم، هذا العالم الخاطئ، والمقهور من الشيطان، المغلوب من الخطية. العالم الضعيف العاجز عن إنقاذ نفسه. بل العالم الذي انقلبت أمامه جميع المفاهيم والموازين، وتغيّرت القيم. ولم يأت المسيح ليدينه، بل ليخلصه. وهكذا قال: "لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ" (يو12: 47). كان الإنسان قد فقد صورته الإلهية، وعرف من الخطايا ما لا يحصى عدده. حتى وصل إلى عبادة الأصنام، وقال: "لَيْسَ إِلهٌ" (مز14: 1، 2).
وقف الإنسان من الله موقف عداء. ورد الله على العداء بالحب، إنه الله الذي اختبره داود النبي فقال عنه: "لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا" (مز103: 10)، وإنما: "كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا" (مز103: 12).
حقًا، إن الله نفَذ (محبة الأعداء) على أعلى متسوى.
جاء ليخلص العالم الذي رفضه. فرفض الناس له، لا يعني أن يرفضهم هو، بل على العكس يسعى إليهم، ويخلصهم من بغضهم. كان الرب يسمع أنّات القلوب وهي تقول: "قلبي قد تغيّر. الله لم أعد أطلبه. والخير لم أعد أريده. والتوبة لا أبحث عنها ولا أريدها". كانت هذه حالة مَن أحبوا الظلمة أكثر من النور (يو3: 19).
وجاء المسيح لكي يخلصهم من الظلمة ومن محبتها.
جاء أيضًا ليخلص الضعفاء العاجزين، الذين يقول الواحد منهم: "الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ"، "فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ"، "أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ" (رو7: 17- 19). فإن كان الذي يريد الخير، أحيانًا لا يستطيعه، فكم بالحري الذي لا يريده؟!
حقًا، لقد جاء المسيح يطلب ويخلِّص ما قد هلك (لو19: 10).
جاء أيضًا "يبشر المساكين، يعصب منكسري القلوب. ينادي للمسبيين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق. وينادي بسَنَةٍ مقبولةٍ للرَّب" (إش61: 1، 2).
جاء يعطي الرجاء لكل أحد.. حتى للأيدي المسترخية وللرُّكبِ المخلّعة (عب12: 12). "قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 20). حتى المرأة المضبوطة في ذات الفعل، يقول لها: "وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ" (يو8: 11). لأنه ما جاء ليدينها، بل ليخلّصها..
لم يحتقر الخطاة الضعفاء مطلقًا، فالاحتقار لا يخلصهم.. إنما يخلصهم بالحب والاهتمام، وبالرعاية والافتقاد والعلاج المناسب.
عاش المسيح بالجسد وسط جيل شِرِّير وفَاسِق (مت12: 39). وحتى لو كان ذلك الجيل قد فقد صوابه، فإنَّ الرَّب لم يتركه، بل أعاده إلى صوابه. حتى الذين صلبوه، قدم لهم الخلاص أيضًا، فقال للآب: "اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو23: 34). واللص المصلوب معه، أعطاه وعدًا بالدخول إلى الفردوس (لو23: 43).
والأمم الوثنية لم يهملها... بل قال: "سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مت8: 11). وامتدح إيمان قائد المائة الأممي قائلًا: "لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!" (مت8: 10).
وقال للمرأة الكنعانية: "يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ" (مت15: 28)، وفتح باب الملكوت أمام الأمم. وأمر تلاميذه قائلًا: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ.. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20). أولئك الأمم ما كانوا يعرفونه، ولكنه كان يعرفهم. وكان يقصدهم بقوله: "وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هذِهِ الْحَظِيرَةِ، يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضًا فَتَسْمَعُ صَوْتِي، وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ" (يو10: 16).
لقد جاء المسيح للكل.. "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي2: 4).
فلتكن هذه هي رسالتنا في بدء العام الجديد: نهتم بكل أحد لنخلصه، كما تعلمنا الدسقولية Didascalia ولا نيأس من أحد، مهما بَعُدَ عن الكنيسة، ومهما طال به الوقت في بُعده.. ولنعمل مع المسيح بنفس الروح بكل اتضاع وطول أناة، محتملين بعضنا البعض في محبة (أف4: 2).
وليكن عامًا سعيدًا لجميعكم. واذكروني في صلواتكم. كونوا معافين في الرب، مُحاللين من روحه القدوس.
[1] الرسالة البابوية في عيد الميلاد المجيد لسنة2001م
قصة حب
قصة حب[1]
أبنائي الأحباء في المهجر كهنة وشعبًا...
أهنئكم بعيدِ الميلاد المجيد، راجيًا لكم كل خير، وأحب أن أحدثكم عن محبة المسيح في تجسده وأن: قصة ميلاد السيد المسيح هي "قصة حب".
كان الإنسان محكومًا عليه بالموت نتيجة لخطيته، لأنه كما يقول الكتاب: "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23). فمن محبة الله للإنسان، جاء المسيح لكي يخلصه من الموت، بأن يموت عنه، وفي ذلك قال الإنجيل: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16).
من محبة المسيح للبشر، وهو ابن الله: صار إنسانًا، لكي يعيد الإنسان ابنًا الله. وإذا به قد أخلى ذاته، وأخذ صورة العبد، وصار في الهيئةِ كإنسان، وأطاع حتى الموت، موت الصليب (في2: 7، 8).
إننا إذا تحدثنا عن قصة ميلاد المسيح بكل تفاصيلها، ولم نذكر ما فيها من الحب، لا نكون قد وضعناها في طابعها السليم.
من محبة المسيح للإنسان أراد أن يرده إلى رتبته الأولى، التي خُلِقَ عليها كصورة الله (تك1: 26) في البرِّ والتقوى والقداسة. فولدَ في هذه الصورة بارًا بلا خطية، حتى يحاكي الناس صورته، إذ يقدم لهم الأمثولة. حتى كما سلك هو، يسلكون هم أيضًا (1يو2: 6).
الإنسان في خطيئته، فقدَ قوته، وصار ضعيفًا أمام الشيطان وسقط. وجاء المسيح ليعطي الإنسان قوة وسلطانًا على جميع الشياطين والأرواح النجسة (مت10: 1)، (لو10: 19). وفي هذا ظهرت محبته للبشر.
بسقوطِ الإنسان صار جسده ضد روحه، كما قال القديس بولس الرسول: "الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ" (غل5: 17). فمن محبة المسيح للإنسان، جاء في ميلاده يقدس الجسد، ويجعله مسكنًا للروح القدس (1كو3: 16)، وهيكلًا له.
الإنسان في حياته في العالم، كثرت متاعبه، وكثرت مصاعبه، وثقل الحمل عليه. فمن محبة المسيح له في تجسده، قال: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28).
وأيضًا وردت عنه في نبوءة إشعياء النبي أنه جاء: يبشر المساكين، ويعصب منكسري القلوب. ينادي للمسبين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق (إش61: 1). وقيل عنه أيضًا: "أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا" (إش53: 4).
بخطية الإنسان، الأرض أنبتت له شوكًا وحسكًا (تك3: 18). وإذا بالمسيح في تجسده، حمل هذا الشوك على رأسه، بدلًا من الإنسان، وحبًا له.
الناس في فترة تجسد المسيح، قاسوا من المُعلّمين الذين أغلقوا أمامهم أبواب الملكوت، وحمَلوهم أحمالًا عسرة الحمل (مت23: 4). فمن محبة المسيح بَكّت أولئك المعلمين، ودعاهم قادة عميان، ووبخهم قائلًا لهم: "ما دخلتم، ولا جعلتم الداخلين يدخلون.." (مت23: 13).
كانوا يحتقرون الخطاة. ولكن السيد المسيح - في محبته - أشفق على أولئك. ودافع عن المرأة المضبوطةِ في ذات الفعل. وقال لمن أرادوا رجمها: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!" (يو8: 7). وحضر موائد العشارين المحتقرين من قادة اليهود. ولما انتقد الفريسيون ذلك، أجاب السيد المسيح: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (مر2: 17).
وفي محبته قَبل إليه زكا العشار ودخل بيته وقال: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو19: 9). ولما تذمر اليهود لدخوله بيت رجل خاطئ، قال: "لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لو19: 10). وهكذا كان عطوفًا على الخطاة، يجذبهم إلى التوبة، ويشرح أنه "يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ" (لو15: 7).
والسيد المسيح في محبته تحنن على الجموع، لأنهم "كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا" (مت9: 36).
كان عطوفًا على الساقطين، أكثر من المتكبرين "الذين يظنون في أنفسهم أنهم أبرار" وضرب لذلك مثل الفريسي والعشار. وقال عن العشار المنسحق القلب إنه "نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ" (لو18: 14).
وكان أيضًا عطوفًا على الذين لم ينالوا تقديرًا من المجتمع اليهودي، كالنساء والأطفال. فقال عن الأطفال: "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت18: 3). ولما صرخ الأولاد هاتفين له في دخوله أورشليم، واحتج على ذلك رؤساء الكهنة والكتبة، قال لهم: "إِنَّهُ إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ" (لو19: 40). وذكرهم بقول المزمور: "مِنْ أَفْوَاهِ الأَطْفَالِ وَالرُّضَّعِ هَيَّأْتَ تَسْبِيحًا؟" (مت21: 16). وكان يحب الأطفال، ويقربهم إليه، ويحتضنهم ويباركهم (مر10: 16).
وإن كانت المرأة لم تنل كرامتها اللائقة في المجتمع اليهودي، فإن السيد المسيح أعطاها مكانة مميزة. نساء كثيرات كنَّ يتبعنه من الجليل ويَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ (لو8: 3). بل أن مريم المجدلية التي كان فيها سبعة شياطين، أخرجهم السيد المسيح منها، وصارت تلميذة له، وظهر لها بعد القيامة، ودعاها أن تبشر التلاميذ (مر16: 9).
وبارك بيت مريم ومرثا، في منزلهما في بيت عَنيَا، وأقام أخاهما لعازر من الموت (يو11). ولما سكبت مريم الطيب على رأسه، وانتقد البعض عملها بأن ذلك الطيب كان يمكن أنه يباع بثلاثمائة دينار ويعطي للفقراء.. قال لهم: "لِمَاذَا تُزْعِجُونَ الْمَرْأَةَ؟ فَإِنَّهَا قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلاً حَسَنًا!.. إِنَّمَا فَعَلَتْ ذلِكَ لأَجْلِ تَكْفِينِي" (مت26: 10- 12).
إنَّ ميلاد السيد المسيح كما كان فرحًا للعالم كله، كان بالأكثر- في محبته - فرحًا للشعوب الأخرى غير اليهود الذين كانوا يظنون أنهم وحدهم شعب الله المختار. وإذًا بالسيد المسيح يضم إلى رعويته الأمم والسامريين الذين كانوا محتقرين من اليهود. فامتدح قائد المائة الأممي، وقال: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا! وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ.." (مت8: 10- 12).
في محبته، دعا الكل إلى ملكوته، فقال لتلاميذه: ".. وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15). وقال لهم قبل صعوده: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8). وقال لهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ.. وَعَلِّمُوهُمْ.. جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20).
والسامريون الذين كان اليهود لا يتعاملون معهم (يو4: 9)، عاملهم المسيح بكل حب، وبشر المرأة السامرية، وكل مدينتها، فآمنوا به (يو4: 42). وضرب للناس مَثَل السامري الصالح، وأظهر لهم أن هذا السامري كان أكثر برًا وخيرًا ورحمة من الكاهن ومن اللاوي اليهوديين (لو10: 30- 36). وكذلك مدح السامري الوحيد الذي شُفي ضمن عشرة، فكان هو الوحيد منهم الذي رجع ليشكر (لو17: 12-18).
كان المسيح في محبته، يرفع معنويات الضعفاء والمساكين والخطاة، والذين يتجاهلهم المجتمع أو يحتقرهم..
وفي محبته أيضًا كان شفوقًا على المرضى يضع يديه على كل واحد فيشفيهم (لو4: 40). وقيل عنه أنه كان "يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب.. فَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ الْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَالْمَجَانِينَ وَالْمَصْرُوعِينَ وَالْمَفْلُوجِينَ، فَشَفَاهُمْ" (مت4: 23، 24). وكان يشفي جميع المتسلط عليهم إبليس (أع10: 3).
وفي محبته أيضًا، نقل عقول الناس من حرفية الناموس إلى روحانيته. وقيل عنه لما قابل تلاميذ بعد القيامة إنه: "فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ" (لو24: 45). وفي محبته للكل، كان يجول يصنع خيرًا (أع10: 38).
إنه درسٌ لنا جميعًا، في الحبِ وفي عمل الخير. نسير على منواله، وكل عام وجميعكم بخير.
[1] الرسالة البابوية في عيد الميلاد المجيد لسنة 2002م
الميلاد رسالة الخلاص
الميلاد رسالة الخلاص[1]
أبنائي الأحباء في المهجر: إكليروسًا وشعبًا.. أهنئكم بعيد الميلاد المجيد، وببدء عام جديد، طالبًا من الله أن يكون عامًا سعيدًا مباركًا لكم جميعًا.
وأن تضعوا أمامكم في كل وقت خلاص أنفسكم، وخلاص كل مَن يحيط بكم. فرسالة ميلاد المسيح هي رسالة خلاص قبل كل شيء. فهكذا بشر الملاك في وقت ميلاده قائلًا: "فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ، أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 10، 11).. كما أن الملاك الذي بشر يوسف النجار عن ميلاد المسيح، قال له: "وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (مت1: 21). ذلك لأن اسمه العبراني "يسوع" معناه: الله يخلّص أو الله مخلّص.
وقد قال السيد المسيح عن رسالته (في قصة زكا): "لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لو19: 10). وقال أيضًا في مناسبة أخرى: "لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ" (يو12: 47).
وقالت عنه القديسة العذراء في تسبحتها: "تَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 47). وقال سمعان الشيخ: "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ.. لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ" (لو2: 29، 30). ذلك لأن ميلاد المسيح كان أول موكب الخلاص الذي تم على الصليب.
هذا الخلاص هو الذي كانت ترمز إليه كل ذبائح العهد القديم.
والخلاص الذي تممه السيد المسيح بالفداء، كان يعني أنه يخلصنا من عقوبة الخطية بصفة عامة: الخطية الأصلية The Original Sinوجميع الخطايا الفعلية كما يخلصنا أيضًا من سيطرة الخطية علينا..
ونحن ننال هذا الخلاص الذي قدمه لنا المسيح، عن طريق الإيمان والمعمودية والتوبة وعمل الروح القدس فينا، وشركتنا مع الروح القدس.
وفي ذلك قال السيد الرَّب: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16). وقال القديس بطرس الرسول في يوم الخمسين لليهود الذين آمنوا: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع2: 38). وقال القديس بولس الرسول: "..بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 5).
وهنا نتذكر أنه من واجبنا - في استحقاقنا للخلاص الذي قدمه المسيح بالفداء - أن نعيش باستمرار في حياة التوبة.
لأن الرب نفسه قد قال: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5). والقديس بولس - من جهة هذه التوبة - وبخ العبرانيين قائلًا: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4).
فإن ضعفت إرادة الإنسان في مقاومة، فليلجأ إلى الرب الذي قال: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو15: 5). وليصرخ إليه كما ورد في سفر إرميا النبي: "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ" (إر31: 18). وحينئذ يقول مع القديس بولس الرسول: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في4: 13).
كذلك يا أبنائي الأحباء، انموا باستمرار في النعمة، لتصلوا إلى حياة الكمال، التي أوصى بها الرَّب قائلًا: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48).
وافرحوا بالرَّب في هذا العيد فرحًا مقدسًا. وليكن الرب معكم، يُسمعنا عنكم كل حين، كل خبر صالح.
وكل عام وأنتم بخير، كونوا محاللين من الروح القدس، ومعافين في الرب (أع15: 29).
[1] الرسالة البابوية في عيد الميلاد المجيد لسنة 2003م
بشارة الخلاص
بشارة الخلاص[1]
أبنائي الأحباء في المهجر، سلام لكم من الرب ونعمة، وبركة خاصة بمناسبة هذا العام الجديد، جعله الله عامًا مباركًا وسعيدًا. وتهنئة لكم جميعًا في عيد الميلاد المجيد، بكل ما يحمل ميلاد المسيح من معانٍ عميقة.
وأهم رسالة يحملها ميلاد المسيح هي بشارة الخلاص...
بهذا بشر الملاك الرعاة قائلًا: "فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ، أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 10، 11). وعن هذا الخلاص قال الملاك الذي بَشر القديس يوسف: "وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (مت1: 21).
نعم، هذا هو الخلاص الذي تنبأ به الأنبياء في العهد القديم، والذي هو سبب فرحنا بالميلاد. وعنه قال ربُّ المجد أن: "لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لو19: 10). ولذلك فإن سمعان الشيخ حينما حمل الطفل يسوع صلى قائلًا: "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ.. لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ. الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ" (لو2: 29- 31).
إننا إن فصلنا ميلاد المسيح عن الخلاص، نكون قد فصلنا الميلاد عن هدفه الأساسي. وإذا فرحنا بميلاد المسيح - بدون الفرح بهذا الخلاص - يكون فرحنا باطلًا بلا معنى. ذلك لأن الآب القدوس، أرسل ابنه إلى العالم لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ (يو3: 17). وبهذا ظهرت محبة الله لنا. أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا (1يو4: 10).
إن الله يريد خلاصنا "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي2: 4). ومن أجل هذا الخلاص كان التجسد الإلهي، وبه تمَّ الخلاص على الصليب.
وهنا أسأل كل واحد منكم: هل في الاحتفالات بعيد الميلاد، تفرح بهذا الخلاص الذي ولدَ المسيح من أجله؟ وهل حينما تنتاول من سرِّ الإفخارستيا في هذا اليوم، تنتاول من السرِّ المقدس "خلاصًا وغفرانًا للخطايا وحياةً أبدية لكلِّ مَن يتناول منه"؟
إن الرَّب قد تجسد لخلاصنا، ومنحنا أسرار الكنيسة لخلاصنا.. وهو يفرح بخلاصنا. ولكن هل نحن نهتم بخلاص أنفسنا، ونعمل على أن نحتفظ كل الحفظ بهذا الخلاص، فلا نفقده ولا نبعد عنه..؟ إن القديس بولس الرسول يحذرنا قائلًا: "فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟" (عب2: 3).
لذلك احرص يا أخي على خلاص نفسك. فأنت تملك نفس واحدة: إن ربحتها ربحت كل شيء. وإن خسرتها خسرت كل شيء. وهوذا ربنا يسوع المسيح يقول لنا في عبارته الخالدة: "مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟" (مت16: 26).
وحياتنا على الأرض هي فترة اختبار لنا، هل نحن نستحق الملكوت أم لا؟ فلنحرص أن تكون نفوسنا نقية وطاهرة بلا عيب أمام الله. وذلك بأن نحيا حياة التوبة، وحياة البر. بل نسعى إلى حياة القداسة التي بدونها لا يعاين أحد الرَّب. لأنه "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ" (مت5: 8). بل بالأكثر نسعى إلى الكمال الممكن، عملًا بقول الرب: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48).
إنني أفرح كثيرًا، حينما أسمع أن أولادي الذين في المهجر يعيشون في حياة البر، ويسعون إلى الكمال، ويقدمون للمجتمع المحيط بهم صورة مثالة عن أولاد الله، الذين خُلقوا على صورة الله كشبهه (تك1: 26، 27). والذين رأوا في السيد المسيح عند ولادته وفي فترة تجسده ما يذكرهم بصورة الله..
كونوا جميعًا بخير، محاللين من روح الله القدوس. وليكن هذا العيد بركة لكم وسلامًا.
[1] الرسالة البابوية في عيد الميلاد المجيد لسنة 2004م
جاء ليهتم بكل أحدٍ ويرفع معنويات الجميع
جاء ليهتم بكل أحدٍ ويرفع معنويات الجميع[1]
أبنائي وإخوتي الأحباء في سائر كنائسنا بالمهجر...
سلام لكم ونعمة من الرب، راجيًا لكم عيدًا سعيدًا مباركًا، وحياة مقدسة، ونجاحًا في كل أعمالكم، وبعد:
في عيد الميلاد السيد المسيح له المجد، نتذكر أنه قد جاء للكل، يهتم بكل أحد، ويرفع معنويات الجميع.
اهتمَّ بالضعفاء والخطاة، ورفع معنويات العشار أكثر من الفريسي، وقال عن زكا العشار: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو19: 9). واختار متى العشار وجعله واحدًا من الاثني عشر (مت9: 9)، ورفع من معنويات الخطاة، وقال: "لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (لو5: 32). وغفر للمرأة الخاطئة (لو7) (يو8).
ورفع السيد المسيح من معنويات الأطفال الذين كان الكبار يطردونهم وقال: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ" (لو18: 16). وقال: "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت18: 3). وبارك الأطفال.
ورفع أيضًا من شأن المرأة.. وبارك النساء وخدمة النساء. ونسوة كثيرات كنَّ يتبعنه من الجليل ويخدمنه (لو8). وكان يذهب إلى بيت مريم ومرثا في بيت عنيا (لو10: 38- 42). وبارك مريم المجدلية، وجعلها تلميذه له، وظهر لها أولًا بعد القيامة (مر16: 9)، وأرسلها لكي تبشر تلاميذه (يو20: 18). ودافع عن المرأة الخاطئة التائبة التي بللت قدميه بدموعها، وفضلها على الفريسي (لو7: 44- 46).
ورفع السيد أيضًا من معنويات الأمم ودعاهم إلى ملكوته، بينما كانوا منبوذين من اليهود، وغرباء بلا عهود ولا مواعيد، ولا شريعة ولا رجاء. وقال: "إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مت8: 11). وضمهم إلى الكرازة قائلًا: "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ.." (مت28: 19). وقال عن قائد المائة الأممي: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!" (مت8: 10).
وامتدح الرَّب إيمان المرأة الكنعانية، وقال لها: "يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!" (مت15: 28)، مع أنها من شعب كان أول من أصابته اللعنة!
كان الرب قلبًا كبيرًا يعطي من حنانه للكل: أشفق على بطرس على الرغم من إنكاره له ثلاث مرات، وثبته في الرسولية قائلًا له: "ارْعَ خِرَافِي.. ارْعَ غَنَمِي" (يو21: 15، 16). وذلك الرجل العظيم عضو مجلس السنهدريم، نيقوديموس، الذي كان على الرغم من عظمته خائفًا من اليهود، لم يحتقر السيد خوفه، لما جاء إليه ليلًا (يو3: 2). حتى لا يراه أحد. بل تنازل إلى ضعفه، وظلَّ يغرس الإيمان في قلبه شيئًا فشيئًا. فصار بعد ذلك واحدًا من تلاميذه. ودافع عنه لما هاجمه الفريسيون (يو7: 50، 51). واشترك مع يوسف الرامي فيما بعد في تكفينه (يو19: 39، 40).
كان الرَّبُّ في تجسده رجاءً لكل مَن فقد الرجاء، ومعينًا لمَن ليس له معين، وبخاصة للمرضى الذين كانت أمراضهم مستعصية كمريض بيت حسدا، الذي مضت عليه 38 ثمانية وثلاثون سنة في مرضه (يو5)، وكالذين كانوا عميانًا أو معوقين، أو مصابين بالبرص، أو عليهم أرواح نجسة.. كلهم وجدوا عنده الراحة والشفاء.
كان يجول يصنع خيرًا (أع10: 38). وكل شخص قابله، نالته منه بركة خاصة، حتى شاول الطرسوسي الذي كان يضطهد الكنيسة، ظهر له الرب ودعاه (أع9). حتى اللص المصلوب إلى جواره..!
كان السيد قلبًا مفتوحًا للكل، للكبير والصغير... للصيَّادين، كما للمثقفين مثل شاول الذي تهَذب عند قدمي غمالائيل (أع22: 3). حتى أهل السامرة الذين كانوا محتقريين من اليهود لا يتعاملون. هؤلاء قَبَلهم المسيح إليه، وكلّمهم وآمن به كثيرون (يو4: 41). بل حتى الجندي الذي طعنه بالحربة على الصليب، كان له نصيب وآمن (مت27: 54).
كذلك كل الذين كانوا يعيشون في تعب، كان لهم نصيب في هذا القلب الكبير الذي قال: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28).
لهذا كله، أحبُ أن تسيروا جميعكم بأسلوب ربنا يسوع المسيح، وتهتموا بكل أحد. وكما قال معلمنا يوحنا البشير عن الرب: "مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا" (1يو2: 6). وليساعدكم الرَّب جميعًا في بناء ملكوته.
كونوا جميعكم بخير، معافين في الرب، ومحاللين من روحه القدوس.
وكل عام وأنتم في ملء النعمة.
[1] الرسالة البابوية في عيد الميلاد المجيد لسنة 2005م
السلام الذي صار بميلاد المسيح
السلام الذي صار بميلاد المسيح[1]
أبنائي وإخوتي الأحباء في سائر كنائسنا بالمهجر...
أهنئكم جميعًا بعيد ميلاد السيد المسيح له المجد. وأرجو لكم بمناسبة هذا العيد عامًا سعيدًا يباركه الله، ويبارك فيه العالم أجمع.
وفي عيد ميلاد السيد المسيح نذكر- ضمن معانيه الكثيرة - أن الملائكة غنوا قائلين: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لو2: 14). ونود اليوم أن يكون تأملنا خاصًا بالسلام الذي يريده الله أن يكون على الأرض. وبخاصة لأن العالم يحتاج إلى السلام، بل كل نفس أيضًا تحتاج إلى سلام..
والسلام المطلوب لكل شخص، هو على ثلاثة أنواع: سلام مع الله، سلام مع الناس، سلام داخل القلب.
والسلام مع الله؛ وهو أن يحيا الإنسان في حياة البرِّ، ويبعد عن كل خطيئة وشر. وذلك لأن الخطيئة هي بُعد عن الله، بل هي عداوة لله وعصيان لوصاياه. وإذ يعصي الإنسان إلهه، يفقد السلام. الذي يعيش في سلام مع الله، يكون له قلب نقي طاهر.
وحينما نتكلم عن السلام مع الله وعن نقاوة القلب، لا نقصد أن يعيش الإنسان في حياة البر على الرغم منه! كلا، فالخير بالحقيقة هو الذي يسعى القلب إليه، وليس هو الذي تُرغَم الإرادة عليه..
الذي يعيش في سلام مع الله لا بد تلقائيًا أن يعيش في سلام مع الناس. إنه لا يقاومهم ولا يقاومونه. ولا يخافهم بل يحبهم..
إننا نصلي أن يسود السلامَ بين الناس، وأن يعيشوا بعيدين عن العنفِ، لا يتعدى أحد منهم على غيره. والإنسان المسالم، لا يتعدى على أحد. وإن اُعتدي عليه، يحتمل ويصبر، وأيضًا يسامح ويغفر.. والسيد المسيح يأمر بالسلامِ والتسامح ويقول الكتاب: "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" (رو12: 21)، "فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ" (أم25: 21)، (رو12: 20).
إن اهتزت علاقتك بالله، تفقد سلامك. وإن سيطرت عليك الشهوات والرغبات، تفقد سلامك أيضًا. ولكي تعيش في سلام، لا تحمل هموم الغد..
حياتك إن وضعتها في يدك ستتعب، وإن حسبتها في أيدي الناس، فسوف تتعب أكثر، أما إن آمنت أنها في يد الله، فإنك ستستريح.
إن الذين يؤمنون بتدبير الله لحياتهم، لا يقلقون أبدًا بل يعيشون على الدوام في سلامٍ داخلي يملأ قلوبهم.. الإنسان الذي له سلام في قلبه، لا يخاف شرًا.. إنه يقول للرب كما قال داود النبي في المزمور: "إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي" (مز23: 4).
إن المؤمن يعيش في سلام، لأنه يثق أن الله موجود، وأنه يعمل ويدبر كل شيء، وأنه هو الحافظ وهو المعين..
أما فاقد السلام، فيتخيَّل متاعب حيث لا توجد متاعب.. ومع أن هناك قوة إلهية تحيطُ به، غير أنه لا يراها. وهذه هي مشكلته الكبرى!!
إن كانت لك صلاة مقبولة، فسوف تعيش في سلام. تشعر أنك ما دمت قد عرضت أسباب متاعبك على الله في صلاتك، أن الله قد تسلم موضوعك، وأحاطه بمراحمه الجزيلة، ليزيل متاعبك.
وفي بداية هذا العام الجديد، نصلي أن يتدخل الله، ويحل مشاكل الأفراد ومشاكل الشعوب، حتى التي تبدو معقدة وعويصة.
"فغَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ" (لو18: 27). وليكن هذا العام مباركًا.
[1] الرسالة البابوية في عيد الميلاد المجيد لسنة 2006م
التجسد قدس كل شيء
التجسد قدس كل شيء[1]
أبنائي الأحباء في المهجر كهنةً وشعبًا...
أهنئكم بعيد الميلاد المجيد، وببدء عام جديد، راجيًا لكم من الرَّب حياة سعيدة ومقدسة في محبته.
ويسرني في ميلاد السيد المسيح له المجد، أن أخبركم أنه في تجسده قد قدس كل شيء بالاستخدام الحسن. وهكذا قيل: "كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ" (تي1: 15).
فالجسد الذي كان يظن البعض أنه فاسد وسبب كل خطية، قدّسه الرَّب بتجسده، وأرانا كيف يكون الجسد طاهرًا ومقدسًا ومرضيًا لله. قدس الجسد حينما حلَّ الروح القدس في بطن السيدة العذراء، وقدس جسدها ليكون إناءً طاهرًا لحلول الله الكلمة. وقدس الجسد بصفة عامة فيما بعد بمنحه البشر قيامة أجسادهم، وتحولها في القيامة إلى أجساد روحانية (1كو15: 44).
وهكذا قدس أجسادنا، وقدس أرواحنا، وقدس طبيعتنا البشرية بصفة عامة. أخذ الذي لنا، وأعطانا الذي له.
وفي تجسده، قدس كل مراحل العمر بالنسبة إلى الإنسان. فأعطانا مثالًا للطفولة المقدسة لما صار طفلاً. وأرانا أيضًا كيف تكون فترة الشباب مقدسة، وكيف تكون الرجولة مقدسة. أي أعطانا الصورة المثالية لكل مرحلة من مراحل العمر لما مرّ بها...
والسيد المسيح قدس الزواج، كما قدس حياة البتولية والخلوة والصلاة. قدس الزواج لما سمح للعذراء مريم أن تتزوج يوسف النجار، وإن كانت لم تعش معه كزوجة، إنما عاشت بتولًا في كنفه ورعايته. وقدس الزواج أيضًا لما حضر عرس قانا الجليل وباركه (يو2). وكذلك باختيار بطرس المتزوج ليكون واحدًا من رُسله وتلاميذه.
وقدَّس السيد المسيح الخلوة والصلاة، بصلاته في خلوته في جبل الزيتون وبستان جثسيماني.
وقدس البتولية بحياته كبتول، وميلاده من بَتول، وبأن عَهدَ بأمهِ إلى تلميذه يوحنا البتول لتحيا في بيته إلى أن تنيحت.
وقدس الحياة البشرية بحياته. قدس الصوم لما صام أربعين يومًا (مت4: 2). وقدس الأكل والشر لما أكل مثلنا وشرب، حتى قيل عنه: "جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ" (مت11: 19).
قدس النوم والسهر، لما نام في السفينة، ولما كان يسهر الليل كله في الصلاة.
قدس العمل حينما اشتغل نجارًا في بيت يوسف، وقيل عنه: "أَلَيْسَ هذَا هُوَ النَّجَّارَ ابْنَ مَرْيَمَ؟" (مر6: 3). وهكذا بارك العمل لما عمل بيديه، وقدس كل عمل تمتد إليه يده. قدس الحياة كلها، وناب عن البشرية في هذا التقديس.
قدس الأرض التي لُعنَت بخطية آدم (تك3: 17). وعادت فدخلتها البركة بميلاده. فبارك فلسطين بميلاده فيها. وبارك مصر بإقامته فيها ثلاث سنوات ونصف. وقال الوحي الإلهي: "مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ" (إش19: 25).
بل بارك مذود البقر الذي ولد فيه وأصبح مزارًا مقدسًا. وبارك كل مكان حل فيه، وكل موضع صنع فيه معجزة.
وبارك البحر لما مشى عليه. وبارك الجبل حين ألقى عليه عظته، كما بارك جبل التجلَّي لما تجلى عليه.
قدس الخبز لما بارك الخبز في معجزة الخمس خبزات.
لقد قدس السيد المسيح كل شيء. فقدس الفقر والغنى والمال.
لقد قدس الفقر لما وُلدَ فقيرًا، في مذود بقر، وعاش فقيرًا ليس له أين يسند رأسه. وكذلك لما اختار تلاميذه من الفقراء وصيَّادي السمك.. وفي نفس الوقت قدَّس الغنى، لما سمح أن يكفنه رجل غني هو يوسف الرامي (مت27: 57)، ودفن في مقبرته الخاصة.
وقدس المال، إذ كان لجماعته صندوق يضع فيه المتبرعون مالهم (يو12: 6).
وقدس المال لما امتدح الأرملة التي دفعت فلسين في الخزانة (لو21: 2). وهكذا لم يعد المال شرًا في ذاته. إنما الشر هو في عبادة المال، وفي الاتكال على المال وليس على الله.
هذه مجرد عينات مما قدسه السيد المسيح له المجد.
ليتنا في ما نتذكر كل هذا، نعمل على تقديس كل ما يخصنا لتكون حياتنا كلها مقدسة للرب في كل ما نعمله..
وختامًا كونوا مباركين من الرب، محاللين من روحه القدوس.
[1] الرسالة البابوية في عيد الميلاد المجيد لسنة 2007م
تأملات روحية في الميلاد
تأملات روحية في الميلاد[1]
أبنائي الأحباء في المهجر إكليروسًا وشعبًا...
يسرني أن أهنئكم بعيد الميلاد المجيد، وببدء عام جديد، نصلي أن يكون مباركًا وسعيدًا في حياة كل منا.
إن ميلاد الرَّب حافلٌ بالتأملاتِ الروحية العميقة التي نرجو أن تكون دروسًا لنا، لها تأثيرها وفاعليتها.
أولًا هو نزل إلينا، لكي يفتقدنا ويصالحنًا ويخلصنا. وقد قال أحد الآباء القديسين: "بالخطية كانت خصومة بين الإنسان وخالقه. ولما لم يستطع الإنسان أن يصعد إلى الله ويصالحه، نزل الله إلى الإنسان". نعم نزل، وما زال يقرع على باب القلب البشري، لعله يفتح له.
وفي نزولِ الرَّب أخلى ذاته، وأخذ شكل العبد، وصار في الهيئة كإنسان (في2: 7، 8). لم يشأ أن يُرهبنا بلاهوته، إنما جذبنا بتواضعه، وجذبنا أيضًا بمحبته، إذ كان يجول يصنع خيرًا.. وهذا درس آخر لنا.
وفي ميلاده ولد في بساطةٍ عجيبة: لم ينزل على أجنحة الكاروبيم، مُحاطًا بجوقة من الملائكة. وإنما ولد من عذراء فقيرة يتيمة، كانت في رعاية نجار بسيط. وكان ميلاده في مذود، في يوم لم يكن يعرفه أحد، غير أنه قد أعلن لبعض الرعاة، ثم زاره ثلاثة من المجوس يمثلون الأمم الغرباء. إنها مزيج من البساطة والتواضع، كانت درسًا ثالثًا لنا في البعد عن المظاهر.
وعاش السيد المسيح طفولة مجهولة بعيدة عن الشهرة، في جزء منها كان مهددًا بسيف هيرودس، وفي جزء منها كان مغتربًا في أرض مصر ولكنه كان مباركًا لها. أمًا عن أيام شبابه فلا نعرف عنها شيئًا. وكان اللقب الذي أطلقه عليه اليهود هو ابن النجار (مت13: 55).
ولما بدأ خدمته، عاش أكثر من ثلاث سنوات بلا مركز من المراكز القيادية في المجتمع اليهودي. وكان لقبه المألوف بين محبيه هو "يا معلم"، ولم يكن يملك بيتًا للخدمة، بل لم يكن له أين يسند رأسه (لو9: 58). وكان يعظ أحيانًا على الجبل، أو في البرية، أو بين الحقول، أو على شاطئ البحر..
وكانت قوته في شخصه. وليست في أية مظاهر تحيط به. يحبه الناس ويحسده الرؤساء، وهو كان مصدر حب للكل، يعطف على كل محتاج، وعلى كل مريض، وعلى الذين صرعتهم الشياطين.
وكان له تلاميذ، من البسطاء أيضًا، ملأ قلوبهم بالحب، وملأ عقولهم بالمعرفة، ومنحهم روحه القدوس، ومنحهم المواهب أيضًا.
هذا هو المسيح الذي نحتفل بميلاده، والذي نفتخر بأنه اسمه قد دعيَ علينا. مبارك هو يوم ميلاده. وليتنا نحتفل بصفاته أيضًا.
وأخيرًا، كونوا جميعكم بخير، معافين في الرب، محاللين من روحه القدوس.
[1] الرسالة البابوية في عيد الميلاد المجيد سنة 2008م
ميلاد المسيح.. بشارة للخلاص
ميلاد المسيح.. بشارة للخلاص[1]
إخوتي وأبنائي في المهجر إكليروسًا وشعبًا...
سلام لكم من الرَّب ونعمة، مع تهنئتي لكم بعيد الميلاد المجيد، راجيًا لكم في هاتين المناسبتين حياة روحية جديدة تكون أفضل مما كانت في العام الماضي.
وأحب أن أقول لكم: إن ميلاد المسيح كان بشيرًا بالخلاص. كما قال الملاك للرعاة: "فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ، أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 10، 11).. وهكذا في ميلاده دُعيَ اسمه يسوع، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم.
وهذا الخلاص وعد به الرب منذ بدء الخليقة، حينما وعد الله أمنا حواء بأن نسلها سوف يسحق رأس الحية (أي الشيطان). وكان هذا الأمر سوف يتم بالفداء. ولا بد من إعداد الناس لقبول فكرة الفداء. وقد احتاج ذلك إلى وقت، ومر بخطوات...
أول الأمر هو أن الخطية كشفت للإنسان عريه. ولكي يستر الله هذا العُري، رأى أن أوراق التين لا تكفي، فصنع لهما أقمصة من جلد وألبسهما، وطبعًا هذا الجلد نتج عن ذبيحة. وهكذا عرف الإنسان أن الخطية تسبب العري، والذبيحة نتيجتها الستر.
بعد ذلك تعلم الناس تقديم الذبائح. وكانت أول ذبيحة هي التي قدمها هابيل من أبكار غنمه ومن سُمَانها. وتوالى تقديم الذبائح والمحرقات. كانت المحرقات هي لله وحده، تأكلها النار رمزًا لارضاء قلب الله.
تعلموا تقديم (الفصح) الذي برش الدم على أبوابهم نجوا من الموت كقول الرب: "فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ" (خر12: 13). وكان الفصح يرمز إلى العبور من الموت إلى الحياة، كما يرمز إلى السيد المسيح حسب قول بولس الرسول (1كو5: 7). ومن الفصح عرفوا معنى الفداء وهو: بريء يموت عن مذنب.
ثم شُرحَت لهم تفاصيل الذبائح في سفر اللاويين. فكانوا يضعون أيديهم على الذبيحة إشارة إلى أنها تنوب عنهم. ويعترفون على رأسها بخطاياهم، إشارة إلى أنها تحملها عنهم. وكان ملخص مفهوم الذبيحة هو إن كان بريئًا بلا خطية، يحمل خطيئة المذنب، ويموت عوضًا عنه. وهذا هو الفداء.
ومضت أجيال، وهذا الفكر راسخ في أذهانهم، وهو الفادي الذي يموت عنهم حاملًا لخطاياهم، وفهموا أنه لا بد أن يكون إنسانًا، لأن حكم الموت الذي توارثناه صدر ضد إنسان.
بقي إعداد العذراء الطاهرة أن يولد منها الفادي حسب نبوءة إشعياء (إش7: 14). وكان ينبغي أن تكون إنسانة متواضعة تحتمل هذا المجد، أن يولد إله منها دون أن يرتفع قلبها. وكان ضروريًا أيضًا إعداد ذلك الشيخ البار الذي يحفظ العذراء مريم ويرعاها ويعيش معها كبتول، حيث كان حبلها من الروح القدس.
ثم كان لا بد من إعداد (الملاك) الذي يهيئ الطريق قدام الفادي بدعوة الناس إلى التوبة وإعدادهم بالمعمودية، ولا بد من إعداد الرسل الذين ينشرون الإيمان بالفادي.
وكان لا بد من إعداد الزمن الذي تتم فيه كل هذه الإعدادات معًا. وهذا ما سماه الرسول (ملء الزمان).
ثم كان لا بد من انتشار لغة عالمية تتم بها الكرازة في أرجاء الأرض كلها، فكانت اللغة اليونانية التي ترجمت إليها أسفار العهد القديم في (الترجمة السبعينية).
وهكذا جاء ملء الزمان الذي تجسد فيه السيد المسيح من العذراء مريم والروح القدس. وصُلبَ عنا حاملًا خطايانا، ومات عنا وقام.
ليكن عيد الميلاد فرحًا للجميع وبركة وتجديدًا لحياتهم.
كونوا معافين في الرب، محاللين من الروح القدس.
[1] الرسالة البابوية في عيد الميلاد المجيد لسنة 2009م
رسالة اطمئنان
رسالة اطمئنان[1]
أبنائي الأحباء في المهجر، إكليروسًا وشعبًا.. سلام لكم ونعمة، وتهنئة بعيد ميلاد ربنا له المجد.
كونوا جميعًا بخير، يرعاكم الله ويحفظكم، ويُسمعنا عنكم كل خبرٍ طيب. ولتكن لكم تأملاتكم في الميلاد المجيد وأحداثه.
ومن جهتنا، أحب أنكم لا تقلقون علينا - نحنُ بخير.. إن الأحداث الأليمة التي مرت بنا، أوجدت تعاطفًا علينا من كل ناحيةٍ، ونشاطًا وتدقيقًا أكثر في حماية الكنائس، والاهتمام بأمنها. كما أن الضيقة بطبيعتها تقرب النفس إلى الله.
ونحن نؤمن أن الله هو الحافظ والمعين، وأنه إن لم يحرس الرَّب البيت، فباطلًا سهر الحارس... "إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلاً يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ. إِنْ لَمْ يَحْفَظِ الرَّبُّ الْمَدِينَةَ، فَبَاطِلاً يَسْهَرُ الْحَارِسُ" (مز127: 1).
كما نؤمن بوعد الرب للكنيسة إن: "أَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (مت16: 18). لذلك فالكل في سلام.
كونوا جميعكم في هدوءٍ، مطمئنين إلى عمل الرب، فرحين جميعًا بهذا العيد. لأن ميلاد ربنا يسوع المسيح، وأقصد تجسده، كان نقطة البدء في كلِّ الخيرات التي تمتعت بها البشرية حتى توّجها الفداء.
كما كان التجسد دليلًا على محبة الله لنا، وعلى التصالح الذي تم بين السماء والأرض. اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ (يا أبنائي) وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا. (في4:4).
وكل أحداث تمر بكم، قولوا: "كله للخير".
أخيرًا لكم محبتي جميعًا، وكونوا محاللين من الروح القدس.
[1] الرسالة البابوية في عيد الميلاد المجيد لسنة 2011م




