طول البال

أود أن أحدثكم اليوم عن صفة من صفات الله، نقتدي بها، كأشخاص مخلوقين على شبه الله ومثاله. هذه الصفة هي طول الأناة، طول البال، سعة الصدر.
طول البال[1]
شخص صبور:
من المفروض أن نتعلم طول البال، وبهذا نتعلم الصبر. لأن الكتاب يقول: “بصبركم تقتنون أنفسكم”. ويقول أيضًا “من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص”. ويقول أيضًا “انتظر الرب تقو وليتشدد قلبك وانتظر الرب”. ويقول المرنم: “انتظرت نفسي الرب من محرس الصبح إلى الليل”.
“من محرس الصبح إلى الليل انتظرت نفسي الرب”.
يقصد من أول البداية، حتى التمام، حتى ينتهي كل ضوء النهار. يجب أن يكون الإنسان طويل البال. ولينظر ماذا فعل الله.
الله وعد الإنسان بالخلاص، وتمم هذا الخلاص بعد حوالي 5000 سنة. وكان درسًا للبشرية أن تنتظر خلاص الرب.
+ من جهة تدبير الأوقات:
الإنسان الذي ليس له طول البال، الذي لا يعرف أن ينتظر، يريد أن تتم الأمور في الموعد الذي يريده وليس حسب الحكمة الإلهية في تدبير الأوقات.
قل لنفسك إن الله له توقيت حكيم، وإنه يعمل العمل الحسن في الوقت الحسن. إنه يتخير الأزمنة والأوقات، التي يراها مناسبة جدًا ونافعة جدًا. والكتاب يقول: “ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه وحده”.
علينا إذًا أن نتدرب كيف ننتظر الرب، وننتظره في ثقة، وفي رضى، شاعرين أن الوقت الذي يعينه الرب هو أفضل.
الله في وقت ما، أعطى إبراهيم وعدًا أن يعطيه نسلًا، ولم يعطه الابن إلا بعد 25 سنة. ربما ظن إبراهيم أن الله قد نسيَ هذا الوعد. ولكن الله لا يمكن أن ينسى أبدًا، لكنه كان يتخير الوقت المناسب.
+ طول البال في معاملة الخطاة
الله طويل البال في معاملته للناس، حتى الخطاة منهم، كفرعون مثلًا.
أنظروا كم صبر الله عليه في قسوته وفي إذلاله للناس… وصبر عليه، عندما رفض موسى. وصبر عليه في الضربات، ليس في واحدة فقط أو اثنتين أو ثلاث، وإنما في عشر ضربات… في كل ضربة، يصرخ فرعون، ويقول أخطأت، فيصبر الرب عليه بطول أناة عجيبة.
طريقة الله، إنه طويل الأناة جدًا، طويل البال، يشتغل في هدوء وصبر، في هدوء شديد، إلى أن تنحل الأمور…
في موضوع فرعون، قال الرب: “لأن كأس الأموريين ليست كاملة”. كأنه يقول: سوف لا أطرد هؤلاء الأعداء أمامكم، لأن كأسهم لم تمتلئ بعد… جائز أن إنسانًا يخطئ مرات عديدة، ويصبر الرب، لأن كأسه لم تمتلئ بعد…
لا تظن إذا أخطأت كثيرًا، ولم تنلك عقوبة، إن الله لا يرى ولا يلاحظ، كلا، لأن كأسك لم تمتلئ بعد.
إن طول أناة الله إنما تقتاد الإنسان إلى التوبة، فإن لم يتب فإنه يتعرض لعقوبة الله.
+ طول البال في حل المشاكل:
الله طويل البال في حل المشاكل. قد يتركها زمنًا ليس لأنه لا يهتم، وإنما لأنه يتخير الوقت المناسب لحلها. مثال ذلك قصة يوسف الصديق…
ألقاه أخوته في البئر، والرب ساكت. ثم باعوه كعبد، والله يبدو أنه لا يتحرك. ثم يُتّهم ظلمًا، ويُلقى في السجن، وتمر سنوات… فهل أهمله الله وتركه؟ كلا، بل إنه يتخير الوقت الذي يحوله فيه إلى وزير أو أمير. ولو حل المشكلة من أول يوم، لظل يوسف مجرد راعي غنم بسيط…
أتذكر أنني في مرة وقعت في مشكلة، فقلت لنفسي: إنني سأترك لهذه المشكلة ثلاث أو أربع سنوات، تنحل فيها. وانحلت قبل هذه المدة. المهم أن الإنسان لا يقلق في حل المشاكل، ولا يتعجل حلها قبل أوانه، في انزعاج.
أعط زمنا للمشكلة. أطل حبالك وأرخها إلى آخر ما تمتد. ولا تقلق. قل إن هذه المشكلة تحتاج إلى وقت، فلأصبر…
المسألة تحتاج إلى صبر: لنفرض أن هناك خصومة بينك وبين إنسان، وذهبت لتصالحه فرفض. هل تيأس منه، أم تنتظر؟ هل تغسل يديك كبيلاطس؟ كلا، فليطل بالك، ولا تتضايق.
كثير من الناس لا يصبرون، بل يقلقون ويضجرون بسرعة. عندهم مرض اسمه حمّى الإسراع… يريد أن ينال بسرعة، ويشغّل السماء كلها لحسابه.
+ طول الأناة في الصلاة:
عليك أن تصلي، ولا تقلق للاستجابة. أترك الأمر لله. وثق أنه سيعطيك ما هو صالح لك في الوقت المناسب، بالطريقة المناسبة، حسب حكمة الله وحسن تدبيره وفهمه للأوقات…
هناك أشخاص ليس لهم طول بال في الصلاة. لا ينتظرون الرب. ومع ذلك يعاتبون الله كثيرًا، ويغلطونه كثيرًا. يا رب أنت نائم. أنت ساكت. والرب يطيل باله عليهم، وعلى عتابهم.
مضار عدم طول الأناة:
† الإنسان الذي ليس له طول البال يقع في القلق والضجر والانزعاج. ونفسيته تتعب، ويفقد سلامه الداخلي… يقلق بسرعة، كشخص في كل دقيقة ينظر إلى الساعة… إن السرعة ليست مفيدة على الدوام.
† أحيانًا الشخص الذي ليس له طول بال، يقع في اليأس بسرعة. ما أسرع أن يقول: لا فائدة.
† الإنسان الذي ليس له طول بال كثيرًا ما يقع في الاعتماد على الذراع البشري والحكمة البشرية وعدم انتظار الرب… سنضرب مثلًا لذلك: إبراهيم، وأيضًا رفقة.
إبراهيم أعطاه الله وعدًا أن يعطيه نسلًا كنجوم السماء ورمل البحر. وتأخرت الاستجابة. ولم يستطع إبراهيم أن ينتظر، فلجأ إلى الطرق البشرية. أخذ هاجر، وأخذ قطوره، فكان له منهما نسل، ولكن ليس حسب مشيئة الله الذي قال له: “بإسحق يدعى لك نسل”. مثل آخر هو رفقة: قال لها الرب: “في بطنك أمتان، ومنك يفترق شعبان.. وكبير يستعبد لصغير”. لقد كان في مشيئة الله أن يعطي البركة ليعقوب الصغير. ولكن رفقة لم تستطع أن تحتمل عندما سمعت اسحق يكلم عيسو. فلجأت إلى طرق بشرية، نالت بها ما تريد، ولكنها سببت ليعقوب متاعب ضايقته في كل حياته…
إن الطرق البشرية قد تأتي بنتيجة سريعة، ولكنها ليست حسب مشيئة الله، التي قد تتأخر، ولكن في حكمة وبركة ومنفعة.
طريقة الله هادئة، وتسير خطوة خطوة، حتى تصل…
هناك أشخاص ليس لهم طول بال، حتى في الكلام مع الناس. فيقاطعون غيرهم، ولا يستطيعون أن ينتظروا حتى ينتهي مخاطبهم من كلامه.
+ طول البال في الخدمة والتربية:
طول الأناة لازمة في التربية والخدمة، في إصلاح الناس وكسبهم للرب.
ربما خادم يستلم فصلًا. وإذ لا يرى تلاميذه يتحسنون بسرعة، ييأس. وإما أن يتهم نفسه بأنه لا يصلح للخدمة، أو أن يتهم المخدومين بأنه لا فائدة منهم.
لا يا حبيبي. لا عيب فيك ولا فيهم، ولكن طبيعة الخدمة تحتاج إلى طول بال. انتظر عليهم. لا تظن أن طبع الإنسان الذي استمر معه سنوات لابد أن يتغير فجأة، بكلمة، أو بنصيحة…
وما أكثر الأمثلة: الوالدين في تربية أولادهم، أو مع الزوجين في احتمال كل منهما للآخر… المسألة تحتاج إلى طول بال…
إن الدجاجة تحتاج إلى فترة تحتضن فيها البيض حتى ينضج وتخرج فراخه. والبذار لابد أن تقضي فترة في الأرض حتى تخضر، وتنمو، وتصير شجرًا وتثمر… وكل هذا يحتاج إلى طول بال قد يستمر طويلًا…
† أحيانًا يرجع عدم طول البال، إلى ضعف في الأعصاب… أما أصحاب الأعصاب القوية، فيستطيعون أن يحتملوا وأن يصبروا.
+ الاندفاع والتسرع:
† الإنسان الذي ليس له طول بال، يصاب بالاندفاع والتسرع.
ودائمًا تكون للاندفاع والتسرع نتائج رديئة جدًا…
وأحيانًا الذي ليس له صبر، يأخذ قرارات أو مواقف ارتجالية، قد تتميز بطابع طفولي. مثال ذلك إنسان يرسب في امتحان، فيأخذ قرارًا ألا يدخل الكنيسة احتجاجا على الله!!!
هذا التسرع يدل على أن الإنسان خفيف، غير راسخ ولا ثابت.
لابد أن يعطي المرء للأمور وقتها، ويعطي نفسه هدوءً.
الله يدرب أولاده على طول البال:
اتفق الله مع إيليا النبي على إنزال المطر بعد ثلاث سنوات ونصف. وذهب إيليا. وصلى مرة ومرتين وثلاثًا.. إلى سادس صلاة، ولم ينزل المطر. وفي الصلاة السابعة رأى غيمة في حجم قبضة اليد، فعرف أن صلاته قد استجيبت.
لماذا لم ينزل المطر من أول صلاة حسب وعد الرب بنزوله؟ إن الرب يدرب إيليا بلا شك على طول الأناة.
وفي إحدى المرات ذهب يعقوب ويوحنا مع الرب إلى السامرة. فأغلقت المدينة أبوابها في وجوههم. فقال التلميذان للرب: “هل تشاء يا رب أن تنزل نار من السماء وتحرق المدينة؟”. ولكن الرب انتهرهما. وأطال أناته حتى خلصت السامرة.
أحيانا يتباطأ الرب، لكي يعلمنا الصبر. فلا يأتي إلا في الهزيع الأخير من الليل، ولا يفتقد العمال إلا في الساعة الحادية عشرة من النهار.
كل ذلك لكي نتعلم أن ننتظر الرب، ولكي نتدرب على طول البال، هذه الصفة التي هي من صفات الله…
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الرابع والعشرون) 13-6-1975م




