طريقة اختيار الكاهن الجديد

طريقة اختيار الكاهن الجديد[1]
يؤمن قداسة البابا شنوده الثالث بمبدأ نادى به وهو أسقف، ونفذه وهو بطريرك. هذا المبدأ هو:
من حق الشعب أن يختار راعية….
ولعلنا نسأل هنا: ما مدلول كلمة الشعب؟
وللإجابة على هذا السؤال، كانت أول رسالة رعوية كتبها البابا، موضوعها “العضوية الكنسية”….
وقد شرح في رسالته أربعة أنواع للعضوية الكنسية:
1- العضوية العامة: وهي لكل إنسان معمد، حتى الأطفال.
2- العضوية الروحية: وتشمل أعضاء الكنيسة، الذين يدخلون في شركتها الروحية، ويحضرون اجتماعاتها، ويمارسون الأسرار الكنسية، ويحيون حياة فاضلة.
3- العضوية العاملة: وتشمل كل من له خدمة في الكنيسة بما في ذلك الخدمة الروحية، والتعليمية، والطقسية، والاجتماعية، وكافة أنشطة الكنيسة….
4- العضوية القيادية: وتشمل قيادات الخدمة العاملة.
وبالنسبة إلى اختيار الكاهن، يحسن جدًا أن يكون من أشخاص لهم دراية ومعرفة ولهم الرأي الناضج، الذي لا يدفعه التأثر السريع أو الانقياد….
وبالخبرة رفض البابا اختيار كاهن عن طريق التزكيات:
هذه التزكيات التي تشمل توقيعات لأُناس كثيرين طلب سيامة شخص معين. ذلك لأن كثيرين يوقِعون على هذه التزكيات خجلًا، أو خوفًا، أو انقيادًا وراء الغير، أو مجاملة، أو لامبالاة…. أي أنهم مستعدون أن يوقعوا على أية تزكية، دون تقدير للمسئولية. والبعض يوقعون على التزكية جهلًا بالشخص الذي يزكونه، وجهلًا بالدوافع إلى تزكية هذا الشخص، أو لمجرد الثقة بمن يدعو للتزكية، أو احترامًا له.
ومن هنا كانت كثير من التزكيات غير معبرة عن صلاحية الشخص المُزَكَى، وغير معبرة عن معرفة وعن إرادة من يزكيه!!
كما أن التزكيات تقدم فقط جانب المؤيدين، وتغفل جانب المعارضين في السيامة، والأسباب التي تدعوهم إلى هذه المعارضة. ويحسن جدًا معرفة رأيهم، وربما يكون من الضرر تجاهل هذا الرأي، إن كان مبنيًا على حقائق ثابتة….
لهذا كان قداسة البابا يفضل الالتقاء مع الشعب أو مع ممثليه:
ويوزع عليهم أوراقًا…. كل واحد منهم يكتب فيها ما يريد، ويرشح من يريد، ويقدم ما يعتقده في ذلك من أسباب. بضمير صالح أمام الله، بغير تأثير خارجي أو ضغوط…. إن كان المرشحون كثيرين يؤخذ الرأي برأي الغالبية. وكذلك إن كان المرشح واحدًا، ووافقت الغالبية عليه.
ولا ننكر أنه قد يحدث بعض “اللوبي” قبل هذا اللقاء. ونحن لا نستطيع أن نمنع هذا، فمن حق الناس أن يتناقشوا كما يشاءون، ويندر أن توجد جماعة، ليس فيها بعض يؤثر على بعض.
ومع ذلك، قد لا يؤخذ برأي الغالبية، إن كانت تجهل حقائق تمنع الرسامة….
وفي هذه الحالة يدبر الأمر بحكمة. وقد يؤجل البت في الموضوع لمزيد من الدراسة دون إبداء أسباب تسيء إلى سمعة أحد….
وهنا نورد القاعدة الكنسية المعروفة التي تقول:
إن رئيس الكهنة من حقه أن يرفض، وليس من حقه أن يفرض…
ليس من حقه أن يفرض، لأن من حق الشعب أن يختار راعيه. ولأن الكاهن الذي يتولى رعاية شعب لا يريده، لا يمكنه أن يقوم بمسئولية في هذا الجو الرافض له…
وكما لا يفرض رئيس الكهنة مرشحًا على الشعب، لا يفرضون هم أيضًا عليه مرشحًا يقوم برسامته، وضميره غير موافق:
فهو الذي يضع اليد… والكتاب يقول: “لاَ تَضَعْ يَدًا عَلَى أحَدٍ بِالْعَجَلَةِ، وَلاَ تَشْتَرِكْ فِي خَطَايَا الآخَرِينَ” (1تي5: 22). فإن كان يرى في هذه السيامة ما لا يريح ضميره، لا يستطيع أن يشترك مع الشعب في اختياره للكهنوت.
إذن الأمر يحتاج إلى اتفاق من الطرفين:
اتفاق بين الشعب ورئيس الكهنة على من يصلح للسيامة كاهنًا…
أحيانًا كان البابا يدعو الشعب كله للاختيار، أو كل من يريد الحضور… وأحيانًا كان هذا الحضور الجماعي لا يؤدي الغرض المطلوب، إذ أنه كان يحدث أن كثيرين ليس لهم رأي ولا معرفة، وإنما يرددون ما يقال لهم قبل الاجتماع من بعض القيادات…
والمعروف أن الآراء ينبغي أن لا تعد، وإنما تُوْزَن:
ومن هنا كان يبدو أن الاعتماد على العضوية القيادية، مع ضم ما يمكن من العضوية العاملة والعضوية الروحية، هو الوضع الأفضل والأسلم.
ومن هنا كان البابا يشترط على الأقل حضور:
1- الآباء الكهنة 2- أعضاء مجلس الكنيسة.
3- الخدام والخادمات 4- شمامسة الكنيسة.
5- العاملين في كل أنشطة الكنيسة مثل: الخدمة الاجتماعية – لجنة السيدات – المكتبة – النادي – باقي لجان الكنيسة.
6- الأراخنة المعروفين، وكل من له تعب في الكنيسة وغيرة عليها، ممن لهم العضوية الروحية.
على أن تقدم كشوف بأسماء كل هؤلاء ووظائفهم وخدمتهم، قبل الدعوة إلى الاجتماع، وإرسال الدعوة للكل، والتأكد من أن أحدًا لم يُمنَع من الحضور…
هل يرجع إلى شعبه أم يرجع إلى زوجته؟!
انتشرت في بعض الكنائس عادة طقسية غير لائقة، وغير روحية، وغير رعوية. وهي أن الكاهن الجديد – بعد أن يقضي الأربعين يومًا في خلوة في أحد الأديرة – ويعود إلى كنيسته، يزفونه في الكنيسة إلى زوجته التي ابتعد عنها طوال هذه المدة!!
والوضع الروحي أن الكاهن الجديد قد عاد إلى شعبه وإلى كنيسته، إلى أبنائه الروحيين، فيفرح الكل به، ولا يقتصر الأمر على زوجته…
ليست زوجته فقط هي التي كانت تنتظر عودته، بل الشعب كله. كذلك فإن أسرته أصبحت هي كل الشعب، وليست الأسرة بالنسبة إليه تدخل في النطاق الضيق، الذي هو الزوجة والأولاد!!
وهنا نرى أبنائه لا يدخلون في هذه “الزفة”.
فلماذا الزوجة وحدها إذن؟! ألا يبدو الأمر غير لائق؟!
ثم أنه من ناحية أخرى مخجل لزوجته…
ويشعر الشعب أن الكاهن الجديد يهتم بزوجته أكثر من اهتمامه بالكنيسة كلها، وهذا وضع غير رعوي…
الوضع السليم، هو أن الكاهن الجديد يدخل الكنيسة، ويصلي صلاة الشكر، ويرفع بخور عشية، ويلقي العظة، ويزفه الشمامسة في موكب كنسي – لا عائلي – ويهنئه الجميع، ويفرح به الشعب كله…
أما عادة زف الكاهن مع زوجته فيجب أن تلغَى.
إنه قد انتقل بالسيامة إلى مستوى أعلى.
وأصبحت أسرته هي الكنيسة كلها. هي عروسه، كما تحدث الرسول عن العلاقة بين السيد المسيح والكنيسة، وإن هذا السر عظيم (أف5: 31، 32).
الخلوة في حياة الكاهن:
لا بد لكل من هو في درجة من درجات الكهنوت أن يأخذ لنفسه فترات من الخلوة، ليس فقط فترة الأربعين يومًا التي يبدأ بها خدمته بعد سيامته مباشرةً، كما بدأ السيد المسيح خدمته بأن قضى على الجبل أربعين يومًا صائمًا في خلوة.
بل يكون مبدأ الخلوة ثابتًا في حياته، بين الحين والحين:
يمكن يوم في الأسبوع – لو أمكن – يقضيه في خلوة.
ولا أقصد خلوة عن عمل الرعاية، بينما زوجته في البيت تجلس لتحكي له أمورًا كثيرة، وكذلك أولاده… إنما يخلو حتى عن أسرته. يجلس وحده في خلوة مع الله.
يجلس في خلوة مع نفسه، ومع الله الساكن في نفسه:
لكي يفحص ذاته، ويعرف ما ينبغي له أن يعمل.
وإن لم يستطع أن تكون له خلوة أسبوعية، فعلى الأقل ينتهز فترات يقضيها في مكان خلوة، كالدير مثلًا…
يأخذ شحنة روحية كناحية من التجديد الروحي والذهني…
في فترة من الامتلاء… من مراجعة النفس… من الهدوء، والبعد عن الضوضاء، والبعد عن المشاكل والمشاغل والزحام… البعد عن دوامات الخدمة، وعن الاحترام المقدم له من الناس.
وفي الخلوة أيضًا يجد سببًا للاتضاع:
لأن الأب الكاهن قد يظن أحيانًا أنه لا يمكن الاستغناء عنه يومًا واحدًا!! كما لو كانت الدنيا سترتبك لو أنه غاب! وأن القيم ستضيع، وتهتز الكنيسة!! ثم يجد أنه غاب في خلوته بضعة أيام، ولا تزال الكنيسة كما هي من غيره، فيتضع…
والخلوة أيضًا نافعة له للاهتمام بأبديته:
لأنه قد ينشغل بالناس فقط وينسى نفسه، ينسى العمل لأجل أبديته. أما في الخلوة فيراجع أفكاره، ويراجع معاملاته للناس، يراجع علاقته بالله، يحاسب نفسه يضع لذاته خطة روحية لا يحيد عنها. يبحث تقصيراته وأخطاءه…
أما إن فَكَّرَ في الخدمة، فيكون ذلك لمجرد التنظيم أو التخطيط، يعمله في هدوء.
وعليه أن يفكر فيمن يحل محله أثناء غيابه:
وهذا الأمر يمكن أن يتعاون فيه الآباء الكهنة معًا، بحيث تكون خلواتهم بالتناوب، يحل فيها الواحد محل الآخر. أو أن يكون في بعض الكنائس كاهنان يتعاونان معًا. أو أن الأب الأسقف هو الذي ينظم موضوع الخلوة من أجل روحيات كهنته.
أقول هذا لأن كثيرًا من الآباء الكهنة يرهقون من العمل المتواصل:
فيتعبدون جسديًا أو عصبيًا أو روحيًا. ويكون لهذا كله تأثير على خدمتهم أو على تعاملهم مع الناس، أو يجلب لهم شيئًا من الضيق، بينما يكون في الخلوة هدوء يريحهم، ويريح الشعب الذي يتعامل معهم كلون من ال Relax
السيد المسيح نفسه كانت له فترات خلوة:
ليس فقط في الأربعين يومًا بعد العماد، بل في مناسبات عديدة… كان يختلي على الجبل، أو في بستان جثسيماني، أو في البرية، أو على جبل الزيتون، ومن أجمل الآيات في ذلك قول الكتاب: “فَمَضَى كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ، أَمَّا يَسُوعُ فَمَضَى إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ” (يو7: 53، 8: 1). وكان يمضي الوقت في الصلاة، في مناجاة مع الآب، في أمور أعلى من أن أتحدث عنها.
يمكن أيضًا أن بعض الكهنة يذهبون في خلوة معًا:
على شرط أنهم لا يختلطون ببعضهم البعض، إلا في الوقت الذي يصلون فيه معًا. أو يتخذون موضوعًا للتأمل فيه معًا… وباقي الوقت يكون كل واحد منهم في خلوة…
لكن لا يذهب الأب الكاهن للخلوة. ويقول له أحدهم: “خذني يا أبي معك” ويضيع له خلوته في أحاديث أو في اعترافات أو في بحث مشاكل خاصة أو عامة.
ليت موضوع الخلوة هذا يُبحَث في بعض سيمنارات الآباء الكهنة:
أو بعض اجتماعاتهم الشهرية التي تعقد في الإيبارشيات. ويبحثون كيف ينفذونه عمليًا، أو أين تكون الخلوة ومتى…
وحبذا لو نُظِمَت أماكن الخلوة هذه، وأمكن تدبير كل وسائل الراحة لها من حيث هدوء المكان، ووسائل الخدمة فيه، وتدبير ما يلزم من الطعام والشراب وخلاف ذلك. وأيضًا من حيث التنظيم وتفادي الأسباب التي تعطل الخلوة.
ويمكن أن يضع الأب الكاهن نظامًا لنفسه:
ويشمل هذا النظام برنامجًا للصلاة والتأمل، وللقراءة، وللتفكير الهادئ، بل أيضًا للتدريبات الروحية التي يضعها لنفسه من واقع خدمته ومعاملاته، ويمكن أن يخصص وقتًا للحفظ، حفظ آيات وصلوات ومزامير، وبعض قطع من القداس تغنيه عن فتح الخولاجي.
وما أجمل أن يرجع إلى شعبه بعد فترة الخلوة، وقد ظهرت آثارها في حياته وروحياته:
ويشعر الكل أن أباهم قد عاد بنور روحي يظهر في أسلوبه معهم، ويظهر حتى في عظاته، وفي إرشاده لأبنائه في الاعتراف، كما يظهر في تعامله…
وفي الخلوة يستطيع الكاهن أن يضع لنفسه خطة في تنظيم مواعيده: من حيث الخدمة، وحاجة أسرته، وحياته الخاصة.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “الرعاية (20) – طريقة اختيار الكاهن الجديد”، وطني 22 أكتوبر 2006م.





