صليب الخدمة
| الكتاب | صليب الخدمة |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة الأولى | 2021م |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم نبذة:
صليب الخدمة
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
صليب الخدمة
صليب الخدمة*
متاعب الخدمة
موضوع "صليب الخدمة"، في الخدمة لا يخلو الجو من متاعب، والإنسان عندما يخدم لا بد
تكلَّم بولس الرسول عن بعض متاعب الخدمة وبركتها وأكاليلها في الإصحاح الحادي عشر من رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس (2كو11: 24- 27) قال: "فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً. مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلاً وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ، بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ، فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ".
عندما يكون هناك برد ويجد الإنسان ما يدفئه أو يكتسي به يكون مسرورًا، لكن برد وعري في نفس الوقت. وأيضًا "عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟" (2كو11: 28، 29).
هذه بعض من متاعب القديس بولس الرسول.. وفي نفس الرسالة يقول أيضًا عن متاعب أخرى: "مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ. مُتَحَيِّرِينَ، لكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ. مَطْرُوحِينَ، لكِنْ غَيْرَ هَالِكِينَ حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ" (2كو4: 8)، ثم في (2كو6: 9، 10) يقول: "بِمَجْدٍ وَهَوَانٍ، بِصِيتٍ رَدِيءٍ وَصِيتٍ حَسَنٍ. كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ".
تصوروا عندما اعتبروا بولس الرسول وبقية الرسل مضلين، وأيضًا "كَمَجْهُولِينَ وَنَحْنُ مَعْرُوفُونَ، كَمَائِتِينَ وَهَا نَحْنُ نَحْيَا، كَمُؤَدَّبِينَ وَنَحْنُ غَيْرُ مَقْتُولِينَ، كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ، كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ".
بولس الرسول مثال الخادم
بولس الرسول عندما كان في اليهودية قبل ما يدخل في التكريس والخدمة، كان سعيدًا حسب فكر البشر، رجل صاحب سلطان، صاحب قوة، يستطيع أن يجر رجالاً ونساءً إلى السجن؛ أما عندما دخل في خدمة الرب يسوع أنزلوه من زنبيل، ووالي دمشق كان يريد قتله!! فلا توجد خدمة بدون متاعب...
هناك بعض الخدام عندما تقابلهم المتاعب في الخدمة يتركوا الخدمة.. الخادم يقول: "لماذا أتعب نفسي وأدخل في مشاكل، ما أنا كنت مستريح"!، ويبدأ يشكو ويضج ثم يترك الخدمة.
إكليل التعب
أما الإنسان الروحي فلا بد أن يضع في ذهنه إن الخدمة فيها تعب...
وأحب أن أفرق بين أمرين في التعب... نوع هو تعب يجلبه الإنسان لنفسه نتيجة أخطائه، وهذه ليست متاعب خدمة بل نُسميها متاعب سوء التصرف أو نتيجة الأخطاء. أما متاعب الخدمة فمعناها أن الإنسان يكون سائرًا بكماله وبدون أخطاء، وتأتيه متاعب ليست نتيجة لأعماله، متاعب من حيث لا يدري أو من حيث يدري.
فلا توجد خدمة أبدًا بدون تعب، والتعب له إكليل ومكافأة.. وتأكدوا أن مشاكل الخدمة لها رب ولها حلول، ولكن لا يصح إن إنسان يعتفي من الخدمة من أجل متاعبها. بولس الرسول تكلم عن المتاعب "فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ".. في المشاكل (2كو11: 23).
ربما المتاعب تكون من داخل الخدمة، أو من خارج الخدمة، أو من زملاء لك في الخدمة، وربما تكون من أناس آخرين خارج الخدمة، أو في مشاكل أخرى تأتي.. لكن الإنسان يسمع قول المسيح: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مر8: 34)، فالخدمة لا بد لها صليب.
احمل الصليب
السيد المسيح لم يدعنا لكي نمشي على طريق مفروش بالورود..
لكن قال لنا أنه توجد أتعاب، والطريق كرب؛ والمسيح نفسه تعب في الخدمة، كان الكتبة والفريسيون يطاردونه من مكان لآخر وكانوا يريدون أن يصطادوه بكلمة، أي يبحثون له عن كلمة، وقالوا عنه: إنه ضال وإنه مضل، وقالوا عنه: إنه كاسر للسبت، وإنه ناقض لشريعة موسى، وإنه ضد قيصر، واتهموه اتهامات عديدة جدًا، وفي مرة أرادوا إنهم يلقوه من فوق الجبل، وكانوا يسببون له إحراجات، ويسألوه أسئلة محرجة لكي يوقعوه في مشكلة، كما وجدنا الكهنة ورؤساء الكهنة والشيوخ دبروا له مؤامرات وتهم كاذبة، وشهود زور، وحاكموه وجلدوه وصلبوه.
فالذي يعرف متاعب المسيح لا يمل من متاعب الخدمة، الخدمة باستمرار فيها متاعب، وفيها مشاكل.. لكن الأهم أن فيها تواجد دائم مع ربنا.
فالخدمة فيها تعب، لكن يوجد الله الذي يُخلص من التعب.
الخدمة فيها مشاكل، لكن توجد النعمة التي تُحل المشاكل.
فيها حروب، لكن الله ينصرك على هذه الحروب "فيَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا" (رو8: 37).. الذي يقودنا في موكب نصرته.
الخدمة فيها جليات الجبار وفيها نعمة ربنا التي تجعل المقلاع يقتل جليات، لذلك قال بولس الرسول: "غَيْرَ مَتْرُوكِينَ" (2كو4: 9).
أنواع التعب في الخدمة
ربما متاعب الخدمة من ناحية طبيعة الخدمة، فإنسان يخدم في مكان بعيد فتوجد متاعب في المواصلات، متاعب في المصاريف والنواحي المالية، متاعب في الشعب ودعوة الشعب للخدمة ومدى إقباله أو امتناعه.
وعلى قدر ما يخدم ما الإنسان في مكان متعب كلما تكون مكافأته أكثر.
أنت عندما تخدم في كنيسة قريبة من البيت ليس كما تخدم في مكان بعيد تركب له مواصلات، أو تسافر له وتتعب في الذهاب والوصول إليه. الأمور السهلة أجرها ليس مثل الحاجة الصعبة. بعض آبائنا الرسل خدموا في أورشليم، بينما آخرون ذهبوا إلى الهند والعراق، وسافروا إلى بلاد في أوروبا، وإفريقيا، وبلاد في آسيا وتغربوا في الخدمة.
أنبياء تغربوا...
عندما دعى الله إبراهيم لخدمته جعله يتغرب أولًا فترك أور الكلدانيين وذهب إلى حاران، ومن حاران انحدر جنوبًا ناحية أرض الموعد فتغرّب، ويعقوب أيضًا تغرّب، ويوسف الصديق لما خدم تغرّب، ونحميا أيضا تغرّب فإذا كان أناس تغربوا لأماكن بعيدة فكم بالأولى الخادم يذهب إلى أحياء بعيدة أو قرية، أو مكان يبذل فيه مجهود.
يا ليت الخادم يقول: "يا رب أعطني أن أتعب من أجلك، أعطني أن أختبر كيف أُسافر من أجلك؟ وأشقى من أجلك، وأدخل في تعب الجماهير من أجلك، وفي تعب المواصلات من أجلك، وفي متاعب مالية من أجلك، وفي إحراجات من أجلك"!! كل هذا له أجره عند ربنا...
بركات التعب الخدمة
كل ما تتعب كل ما يُعطيك الله نعمة ومكأفاة...
فالتعب له أمرين له نعمة تحمل التعب، وله مكافأة على التعب، وأيضًا له لذة وخبرات روحية جديدة. غير الخدمة السهلة التي تدخلها.. تجد الكنيسة منظمة، والفصل مُنظم، وأمين خدمة مدبر الموضوع، وهدايا وجوائز وكل الأمور مرتبة وجاهزة.
يا ليت الخادم يختبر التعب من أجل ربنا.
هناك خدَّام يسافروا إلى بلاد في مجاهل أفريقيا، وعند الزنوج، وفي بلاد يأكلون فيها لحوم البشر!! ذهبوا ليختبروا الخدمة هناك، ويتغربوا.. وخدام كانوا يتغربوا في بلاد لا يعرفون لغتها، وخدام كانوا يتعبوا في أماكن ليست لهم فيها مكان إقامة.
بولس الرسول يقول: "نَجُوعُ وَنَعْطَشُ وَنَعْرَى وَنُلْكَمُ وَلَيْسَ لَنَا إِقَامَةٌ" (1كو4: 11)، ليس له مكان إقامة! والسيد المسيح نفسه لم يكن له أين يسند رأسه، ووكان يطوف من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية وليست له إقامة، وقال: "لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" (مت8: 20).
فلا تبحثوا عن الخدمة السهلة المريحة.. بل قولوا: "نحنُ مستعدون يا رب أن نتعب من أجلك".
نوع آخر من الخدمة؛ هو خدمة حل المشاكل...
مثل حل المشاكل الاجتماعية أو الاقتصادية أو مشاكل يقع فيها الناس؛ وأنت تتدخل لحل المشكلة وتجد لذة في كيف أن المشكلة تُحل؟ كيف أن يد الله تدخل معك في المشكلة؟ وكيف يوفقك، ويعطيك كلامًا... ويُعطيك حلول؟
الخدام الذين خدموا في حل المشاكل قلوبهم امتلأت بمحبة ربنا، ورأوا الله يحل ويعمل معهم، وتعزوا وفرحوا...
التعب يُنميك
الأنبا بولس البسيط تلميذ الأنبا أنطونيوس؛ عندما بدأ رهبنته جلس عند القديس أنطونيوس يعيش في ظل صلواته، وبركته، متعزي.. كل يوم يأخذ قدوة وبركة، ويتعلم ويأخذ دروس من أبيه، وظل هكذا ثلاث سنوات إلى أن قال له أنبا أنطونيوس: "اذهب، واسكن في مغارة بعيدة"، قال له: "لماذا؟ أنا أعيش معك وفي بركتك؟"، قال له: "لا.. اذهب إلى مكان بعيد لكي تُجرب حروب الشياطين وتأخذ خبرات روحية جديدة".
الطفل إذا ظل محمولًا على كتف أمه لن يتعلم المشي أبدًا ويُصاب بلين في العظام، لكن يجب أن ينزل على الأرض ويقوم ويقع، فيشتد ويجاهد لكي تتقوى عظامه ويتعلم السير بمفرده.
كذلك الخادم إن لم يدخل في المشاكل والمتاعب والخبرات لن يتعلم الخدمة.
النسر عندما يعلم فراخه الطيران، يضعهم على جناحه الكبير القوي ويطير بهم في الهواء، وفي لحظة ما يتركهم في الهواء بمفردهم فيبدأوا أن يفردوا أجنحتهم ويجاهدوا، لكن إن وجدهم بدأوا في السقوط يحملهم، إلى أن يتعلموا الطيران.
كذلك الخادم لا بد أن يُترك في الهواء ويقع، ويفرد جناحيه، ويطير ويتعلم الطيران.. داود النبي يقول: "مُبَارَكٌ الرَّبُّ صَخْرَتِي، الَّذِي يُعَلِّمُ يَدَيَّ الْقِتَالَ وَأَصَابِعِي الْحَرْبَ" (مز144: 1). علم يديّ القتال، وأصابعي كيف تستخدم السيف والرمح، والمقلاع لقد بدأت تتعلم الحرب، فربنا لا بد أن يعلمك ويدربك.
كيف يدربنا الله في مشاكل الخدمة؟
إنك على قدر ما تدخل في مشاكل الخدمة ستعرف ما قيمة الصلاة؟ قيمة المشورة؟ قيمة الهدوء والوداعة في الخدمة؟ قيمة النعمة وكيف يتدخل الله؟
تعرف أيضًا الاتضاع في الخدمة..
طالما ينجح الخادم في خدمته، وخدمته سهلة، يعتقد في نفسه أنه أصبح خادم من الخدام المحسوبين والمعدودين!! وعندما يدخل في مشكلة يجد كل مواهبه وكل إمكانياته بلا قيمة. حتى صلواته، يقول: صليت وبلا نتيجة!! يبدو أن صلواتي بلا روح، وبلا إيمان، وخالية من كل شيء، وتنسحق نفسه من الداخل ويتعلم الاتضاع، ثم يقول: إنه لا يوجد سوى الله الذي سيحل المشكلة.
الخادم المُختَبر
إن الخدمة لها متاعب، ولها صلبانها، وبركتها، وخبراتها، ومعونتها ونعمتها، ولها فوائدها الكثيرة... التي ينمو الخادم بسببها..
إذا سألت خادم قديم ماذا تفعل في هذه المشاكل؟
تجد هذا الخادم القديم من خبراته مع ربنا يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقَاءَ..(مت13: 52) فيقول: هذا الموضوع يحتاج إلى طول بال، اصبر وستحل، أما هذا الموضوع فيحتاج إلى صلاة، وهذا إلى ركعتين، وهذا قداس، وأخرى ميطانيات، صوم.. فهو فاهم الطريقة، عارف الخدمة كيف تسير... ادرك طريق الخدمة وكيف يسيروا فيه.
فالخادم في الخدمة يدخل في المتاعب والخبرات الروحية، ويرى كم يعمل الرب معه وكيف يعمل؟
عكس ما تخطط له
في الخدمة ضع أمامك إن كل الأمور سوف لا تسير حسب هواك، فربما تكون مخطط ومدبر خطة وتدبيرًا ما ولا ينجح في النهاية!!
مثلاً: خادم يجهز لرحلة لأطفال مدارس الأحد ويتفق على كل الأمور.. ثم يجد ميعاد الأتوبيس فشل، أو السائق لم يأت! أو يجد الناس لم يسددوا الاشتراكات، أو حضروا بدون الأكل!! أو الخادم الذي كلفه بعمل البرنامج لم يقم بتجهيزه، أو لم يحضروا كتب الترانيم... فيبدأ يتضايق ويغضب أم يحل المشاكل بطرق أخرى؟!!
من ضمن المشاكل إن الخدام يحلوا المشاكل بمشاكل...
فالخادم يحل المشكلة بمشلكة، أو يحل الخطأ بخطأ آخر.. فمثلاً كلف خادم بمسئولية ولم يقم بها، هل يحلها بالعصبية بالشتيمة أو بالانتهار أو يفصله من الخدمة؟!! أو مثلاً يقول له: "لن أعطيك أي مسئولية أخرى يكفي أني عرفتك". فبماذا اختلف هذا الخادم عن أهل العالم؟!!
أهل العالم يشتمون، ويغضبون.. أما الخادم فهو إنسان روحاني يحل الأمور بطريقة روحانية.
فالمشاكل ستُعلم يدك القتال وأصابعك الحرب.. ضع أمامك إن الأمور سوف لا تسير حسب هواك لا بد أن تكون هناك منغصات في الطريق، لا بد من معطلات في الطريق، لا بد من متاعب في الطريق، لا بد إن خططك ستختل في الطريق.. لأن الشيطان لا يهدأ فبمجرد ما تبدأ الخدمة، الشيطان يقول: وأنا سأبدأ أشتغل أنا أيضًا؟ ويدخل يخدم معك، يعطيك رأي، يعطيك نصيحة، يدفع أحدًا في طريقك، يوصي عليك أي أحد، لكن لا يظل الشيطان بدون شغل أبدًا.
تقول: أنا كنت فاكر إن الشيطان يشتغل خارج الخدمة، لكن أيضًا داخل الكنيسة يعمل؟!
الشيطان يعمل داخل الكنيسة حتى ممكن في الهيكل... يكون القسيس يصلي في الهيكل ويجد الشماس نسي إحضار الشورية، ونسي أن يضع فيها فحم، ووقت التبخير لا يجد في الشورية شيء. فهل يفقد هدوءه مع الشماس أو يضربه ويوبخه؟! كل خدمة فيها مشاكل كل مكان فيه مشاكل.
كيف تُحل المشاكل بطريقة روحانية؟ بروح الوداعة والهدوء والاتضاع؟
كيف تُحل المشاكل دون أن أفقد سلامي الداخلي، ودون أن أفقد سلامي مع الناس؟ كيف تُحل المشاكل دون أن أهرب من الخدمة أو أعتفي أو أتعب؟ ودون أن تترك تعقيدًا في أي أمور أو نفوس!
إن المشاكل تُعقد أهل العالم، لكن أنت كخادم روحاني لا تتعقد، كيف تحل المشكلة بدون ما تتعقد؟
تُحل المشاكل بأن نتركها لربنا وهي تُحل من نفسها.
أحيانًا إذا وجد خادم مشاكل في الخدمة.. يقول: "حتى الجو الروحي فيه مشاكل، حتى الكنيسة يا عالم بها مشاكل، حتى الطريق الروحاني به مشاكل؟!".. لا تقل هذا الكلام.. بل احتفظ بهدوء أعصابك داخل المشاكل.
ربما تأتي لك المشكلة من كاهن الكنيسة، من لجنة الكنيسة، من القرابني، من فراش الكنيسة، ربما المشكلة تأتي من زملائك في الخدمة، ربما المشكلة تأتي من الطوائف، أو من التلاميذ؛ تلميذ مشاكس شقي، أو ربما المشكلة تأتي منك أنت إن لم تنتبه!!
ليس المهم من أين تأتي المشكلة؟ المهم كيف تُحل بطريقة روحية؟
بولس الرسول في وقت من الأوقات وجد مشكلة إسكندر الحداد الذي صنع به شرور عظيمة (2تي4: 14)، وجد مشكلة ديماس مساعده تركه إذ أحب العالم (2تي4: 10). في وقت من الأوقات وجد مشكلة إذ قام عليه الشعب واتهموه بأنه ضد الهيكل وقدموه للمحاكمة، وجد مشكلة وهو يتكلم عن الأوثان إن هناك البعض يستفيدوا من السحر ومن الأوثان ظلوا يهتفوا ويقولوا: "أرطاميس العظيمة" (أع19: 28، 34) لأنهم يستفيدوا منها. فكيف نحل المشاكل في الخدمة بطريقة هادئة؟ وكيف نواجه الأخطاء دون أن نخطئ؟
ممكن أن يتعامل الخادم مع الخدام القديسين بطريقة جيدة.. هذا ليس صعبًا، لكن كيف يتعامل مع الذين يكذبون عليه أو يفعلون به مؤامرات أو مقالب؟!! هنا دور الخبرة الروحية.
أحد الآباء قابل أحد الرهبان المتوحدين، وكان رجل صلاة وتأمل!! فقال الراهب المتوحد: يا أبي أنا المجد الباطل تاعبني - حياته صلاة وتأمل وقراءة والمجد الباطل يتعبه – فقال له: يا ابني اترك المغارة وانضم لمجمع الرهبان؛ وهناك سترى أنه لا سلطان لك إلاَّ على عصاك، تفقد سلطان الكل". أنت في المغارة بمفردك لا أحد يُتعبك ولا تُتعب أحد، فالجو هادئ وصافي؛ لكن إذا كنت تريد أن تتعلم، تعال اجلس وسط الرهبان.. واختبر نفسك.
ولذلك كان الآباء قبل أن يطلقوا إنسان إلى الوحدة يدخلوه في المجمع، ويفحصوا متاعبه، وكانت هناك عبارة لطيفة يقولونها: "الذي لا يستطيع أن يحتمل متاعب الإخوة في المجمع كيف يستطيع أن يحتمل متاعب الشياطين في الوحدة؟".
وربما تأتي لك متاعب من خدَّام قديسين، لم تكن تظن أبدًا أنهم ممكن يسببوا لك متاعب. وتقول: "أنا تعبت، أنا نفسيتي تعبت".
حتى القديسون تأتي لهم متاعب.. ولا تظن لأنه قديس فهو معصوم، لا يوجد أحد معصوم إلاَّ ربنا، كل إنسان له ضعفاته.
إذًا تمرن في الخدمة أنك لا تأخذ المشاكل بعنف، أو بعمق وتعب، ولا تأخذها بتأثر شخصي.. بل تمرن كيف تحل المشاكل بطريقة موضوعية وليس بطريقة شخصية، دون أن تتعبك المشكلة من الداخل.
وقل: لنفسك إن الخدمة ليست مجرد بركات ونعم، وجو روحي.. وإنما أيضًا فيها مشاكل ومتاعب، وحروب من الشياطين وحروب من إخوة كذبة.
احترس إن المشاكل تقودك إلى إدانة الآخرين..
احترس إن المشاكل تقودك إلى الغضب والانفعال...
احترس إن المشاكل تقودك إلى الحيل البشرية...
احترس إن المشاكل تقودك إلى التعب الداخلي..
احترس إن المشاكل تقودك إلى اليأس والهروب، إنما تدرب كجندي صالح للمسيح.
بولس الرسول قال: "حَارَبْتُ وُحُوشًا فِي أَفَسُسَ" (1كو15: 32)، فأنت قل: "إذا كان بولس الرسول قد تعرض لوحوش في أفسس، وتعرض لإخوة كذبة، فأنا أحتمل من أجل الرب".
آية جميلة تقول: "فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ..." (إر1: 19).. يحاربونك ولا يقدرون عليك!!
حسد الشياطين
مشكلة أخرى حسد شياطين، عندما يجد الشيطان الخدمة نامية وناجحة، يحاول أن يعرقلها. وقف الشيطان في مرة مقابل رئيس ملائكة أرسله الله لمساعدة دانيال النبي قال: "وَرَئِيسُ مَمْلَكَةِ فَارِسَ وَقَفَ مُقَابِلِي.." (دا10: 13)، الشيطان المكلف بمملكة فارس عطله في الطريق، ثلاثة أسابيع إلى أن وصلت المعونة لدانيال النبي. توجد معطلات في الطريق، لا تتضايق إن وجدت معطلات.
بل فليقو إيمانك باستمرار، وكل ما تجد معطل ظهر أمامك في الخدمة، قل: الآن سأختبر يد الله في المشاكل، أنا أعرف أن الله سيحل هذا الموضوع!! كيف؟ لا أعرف الطريقة، لكن لا بد أن يُحل، أنا أراقب وأنظر وأرى كيف يحل الله.. كما قال موسى للشعب: "قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ .. الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14: 13، 14)... أمرٌ عجيب أن يُشق البحر! لكنه شيء جديد اختبره الشعب مع ربنا!!
كيف يحارب الله عنك وأنتَ صامت؟
بالخبرة.. أدخل في الخدمة، بما فيها من خيرٍ ومن شرٍ، من خير من النعمة، ومن شرٍ من حروب الشياطين، لا تعتقد المثل القائل: (اشتري لحم من غير عظم)، الخدمة لحم وعظم معًا.
إذا وجدت مشكلة، قل: هذه ليست مشكلة بالنسبة لما حدث من مشاكل بالنسبة للسيد المسيح، وبالنسبة لبولس الرسول، واجعل المشاكل تقوّي صلواتك، وتقوّي إيمانك، وتقوّي اختباراتك الروحية.
* عظة قداسة البابا شنوده الثالث في الاجتماع الرابع عشر لإعداد خدام عظة صليب الخدمة، 17 أغسطس 1978م
ترك الخدمة بسبب المشاكل
ترك الخدمة بسبب المشاكل[1]
سؤال: مشاكل الخدمة ومتاعبها في الكنيسة وكثرة الخلافات، تحول دون نموي الروحي. فهل اترك الخدمة بالكنيسة واذهب إلى كنيسة أخرى؟ ماذا أفعل.
الجواب: أنا لا أريدكم إطلاقًا أن تتدخلوا في مشاكل كنسية، وإلا تضيعون أنفسكم.
الإنسان الروحي يظل روحيًا، الكتاب المقدس يقول: "اَلذَّكِيُّ (الصديق) يُبْصِرُ الشَّرَّ فَيَتَوَارَى" (أم22: 3).. الإنسان الذي يريد أن يسير مع الله، إذا وجد خلافات يبتعد عنها.. لا يتدخل فيها، ولا يفحصها ولا يتعب ذاته في الانضمام إلى هذا أو ذاك.. يظل سائرًا مع الله.
توجد خلافات في الكنسية.. ليس لك دخل بها، أنت لديك فصل مدارس أحد تُدرس فيه، ولا دخل لك بما يجري من حولك..
وإذا أتى أحدهم يقول لك: فلان غلطان، قل له: "أَخَاطِئٌ هُوَ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ؟" (يو9: 25) أنا أعلم شيئًا واحد وهو أني قادم إلى الكنيسة لأعبد ربنا.
الغريب جدًا إن في أشخاص يأتوا إلى الكنيسة بدلاً من أن يدخلوها لخلاص أنفسهم، يدخلوها لهلاك أنفسهم.. ويدخلوا في مشاكل كنسية تُبعدهم عن ربنا، مشاكل يدينون فيها الآخرين، ويمسكون سيرتهم، ويتشاجرون ويشتمون.. ويحقدون وينقسمون على بعض.. وتصبح حياتهم مُر في مر.. ويقولوا: هذا من أجل الكنيسة وخدمة الكنيسة؟!!
مَن الذي قال: أن من أجل خدمة الكنيسة تضيع روحيات الإنسان؟!!!
يا حبيبي، ابعد عن المشاكل.. "لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟" (مت16: 26).
إذا أردت الإصلاح.. أصلح نفسك من الداخل. وإن وجدت إصلاح الآخرين يُضيع خلاصك.. فلا تتدخل في شئونهم.
الله سوف لا يطالبك بالناس.. بل يطالبك بنفسك أولاً، يقول: "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ" (1تي4: 16)، لا يوجد أهم من نفسك، لا دخل لك بالمشاكل، أو بالمشاجرات، ركز في نفسك ولا تضيع روحك، روحياتك أهم.
وإن لم تستطع ذلك، أخدم في كنيسة أخرى.. لكنني خائف أن تذهب إلى الكنيسة الأخرى وتجد فيها مشاكل أيضًا، تقول: أخدم في كنيسة ثالثة.. ولن تجد نهاية!!
لذلك ابقى بعيدًا عن المشاكل، وركز في أمورك وتذكر أنك خادم فقط، وعملك هو الخدمة فقط.. ولا تشرد يمينًا أو يسارًا لكي لا تُضيع روحك.
[1] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة بعنوان "انتظر الرب"، 10 ديسمبر1976م



