صفات الله العجيبة

صفات الله العجيبة -10-
من صفات الله الحنو والرأفة والرحمة[1]
حقًا إن الله حنان ورؤوف ورحيم… وهكذا علمنا الكتاب في علاقات الله بالبشر وبكل الخليقة… والأمثلة على ذلك عديدة جدًا:
يقول داود النبي في مزاميره “الرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ” (مز103: 8). “حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ هُوَ الرَّبُّ” (مز111: 4). “هو حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ” (مز145: 8). “الرَّبُّ حَنَّانٌ وَصِدِّيقٌ” (مز116: 5) (مز112: 4).
قد توجد في البشر قسوة. أما الله ففيه الحنان. لذلك قال داود: “فَلْنَسْقُطْ فِي يَدِ الرَّبِّ، لأَنَّ مَرَاحِمَهُ كَثِيرَةٌ وَلاَ أَسْقُطْ فِي يَدِ إِنْسَانٍ” (2صم24: 14) (1أي21: 13).
وكثيرًا ما نجد هذا في معاملات الله للخطاة. حتى بالنسبة إلى شعب صلب الرقبة… لذلك قال نحميا للرب في صلاته “لأَجْلِ مَرَاحِمِكَ الْكَثِيرَةِ لَمْ تُفْنِهِمْ وَلَمْ تَتْرُكْهُمْ، لأَنَّكَ إِلهٌ حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ” (نح9: 31). وقال حزقيا الملك للشعب “الرَّبَّ إِلهَكُمْ حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ، وَلاَ يُحَوِّلُ وَجْهَهُ عَنْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِ” (2أي30: 9).
وبهذا الحنان تغنى المرتل في المزمور وقال “لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا. لأَنَّهُ مِثْلُ ارْتِفَاعِ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الأَرْضِ قَوِيَتْ رَحْمَتُهُ عَلَى خَائِفِيهِ. كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا. كَمَا يَتَرَأَّفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَّفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ” (مز103: 10-13).
الله أيضًا رؤوف من جهة وصاياه وأحكامه.
لذلك يقول القديس يوحنا الحبيب إن “وَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً” (1يو5: 3). ونقرأ في الإنجيل أن الرب قد وبخ الكتبة والفريسيين لأنهم “يَحْزِمُونَ أَحْمَالاً ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ، وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ” (مت23: 4). ووبخهم على ذلك قائلًا “وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ” (مت23: 13).
وفي رأفته على تلاميذه قال لهم “إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ” (يو16: 12). وتلاميذه أيضًا تعلموا الدرس. ففي قبولهم للأمم، قالوا “قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ، أَنْ لاَ نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلاً أَكْثَرَ، غَيْرَ هذِهِ الأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ: أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبحَ لِلأَصْنَامِ، وَعَنِ الدَّمِ، وَالْمَخْنُوقِ، وَالزِّنَا” (أع15: 28، 29).
ونري أن القديس يعقوب الرسول، حينما وصف الحكمة النازلة من فوق، قال إنها “مُسَالِمَةٌ، مُتَرَفِّقَةٌ… مَمْلُوَّةٌ رَحْمَةً وَأَثْمَارًا صَالِحَةً” (يع3: 17).
وفي رأفة الله عندما يعطي وصية، يعطي قوة ونعمة لتنفيذها.
بل يعطي روحه القدوس يعمل فينا. وما أجمل قول القديس بولس: “أَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ” (في2: 13). وقد شرح خبرته في ذلك وقال “وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي” (1كو15: 10).
نعم إنها رأفة من الله أن جعل الروح القدس يسكن فينا وهكذا يقول الكتاب “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟” (1كو3: 16). إنه يسكن فينا، ويعمل فينا. ولهذا يقول القديس بولس عن نفسه وعن زميله أبلوس “فَإِنَّنَا نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ” (1كو3: 9).
إنها رحمة من الله ورأفة أنه أدخلنا في “شَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (2كو13: 14) وجعلنا “شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ” في العمل وفي حياة القداسة (2بط1: 4). فوعدنا منذ القديم بسكنى روحه فينا، إذ قال في نبوءة حزقيال “وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي، وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي” (حز36: 27).
ووعدنا بأن روحه يمكث معنا إلى الأبد، ويعلمنا كل شيء، ويذكرنا بكل ما قاله الرب لنا (يو14: 16، 26)، ويرشدنا إلى جميع الحق (يو16: 32)، ولا نكون نحن المتكلمين، بل هو المتكلم فينا (مت10: 20).
ومن حنو الله علينا، ما يقدمه لنا من رعاية وعناية.
أليس هو القائل “أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ” (يو10: 11) “خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي” (يو10: 27، 28). وهو القائل أيضًا في العهد القديم “أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ” (حز34: 15، 16) “هأَنَذَا أَسْأَلُ عَنْ غَنَمِي وَأَفْتَقِدُهَا… وَأُخَلِّصُهَا مِنْ جَمِيعِ الأَمَاكِنِ الَّتِي تَشَتَّتَتْ إِلَيْهَا” (حز34: 11، 12).
وهكذا غنى داود في مزمور الراعي فقال “الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ” (مز23: 1- 3) … ورعاية الرب ممزوجة بالحب والحنان. لذلك قيل “وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا” (مت9: 36) (مر6: 34).
الله من حنوه على الناس يرسل لهم من يرعونهم ويهتمون بهم يرسل لهم ملائكته الذين قال الكتاب عنهم “أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!” (عب1: 14). منهم ما يسمى بالملاك الحارس. كما كتب “مَلاَكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ، وَيُنَجِّيهِمْ” (مز34: 7). وأيضًا “فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ، وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ” (أش63: 9). وقيل عن هذا الحفظ أيضًا “يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ. عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلاَّ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ” (مز91: 11، 12).
هو الله المتحنن الذي يرعانا، ويقودنا في موكب نصرته (2كو2: 14).
الذي ينقذنا من كل ضيق، كما تعني بذلك داود وقال ” لَوْلا أنَّ الرَّبَّ كان مَعنا عِنْدَما قامَ النّاسُ عَلَيْنا. لابْتَلَعونا ونَحْنُ أحْياء… نَجَتْ أنْفُسُنا مِثْلَ العُصْفورِ مِنْ فَخِّ الصَّيّادينَ، الفَخُّ انْكَسَرَ ونَحْنُ نَجَوْنا. عَوْنُنا باِسْمِ الرَّبِّ، الَّذي صَنَعَ السَّماءَ والأرْضَ” (مز124: 2، 3، 7، 8). هو الرب الحاني الشفوق “الْمُنْقِذُ الْمِسْكِينَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَالْفَقِيرَ وَالْبَائِسَ مِنْ سَالِبِهِ” (مز35: 10). وما أكثر الوصايا التي وضعها الرب من أجل المساكين… والوصايا التي وضعها أيضًا من أجل الغرباء، ومن أجل العبيد، ومن أجل المعوقين… كلها حنو ورأفة.
يظهر حنوه أيضًا في التجارب التي نتعرض لها.
من جهة إشفاقه في التجارب، يقول الرسول “وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا” (1كو10: 13). هو الذي قال “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ” (مت10: 30) “شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لاَ تَهْلِكُ” (لو21: 18) … لقد دخل التجربة في تجسده “فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ” (عب2: 18).
فلنتأمل كم أعان أيوب الصديق في تجربته:
“وَزَادَ الرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لأَيُّوبَ ضِعْفًا… وَبَارَكَ الرَّبُّ آخِرَةَ أَيُّوبَ أَكْثَرَ مِنْ أُولاَهُ… وَرَأَى بَنِيهِ وَبَنِي بَنِيهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَجْيَال” (أي42: 10-16).
وما أجمل ما قاله لملاك كنيسة فيلادلفيا:
“أَنَا أَيْضًا سَأَحْفَظُكَ مِنْ سَاعَةِ التَّجْرِبَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَأْتِيَ” (رؤ3: 10) … وأيضًا قوله للقديس بولس “أَنَا مَعَكَ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ” (أع18: 10). وقوله لأرميا النبي “يُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأُنْقِذَكَ” (أر1: 19).
الله الرؤوف المتحنن، يقف إلى جوار أولاده في التجارب، ليعينهم وينقذهم، على أن حنو الله لم يشمل أولاده فقط… بل أن رأفته شملت أيضًا الحيوان والطبيعة:
فكما منح الإنسان راحة في يوم السبت، أمر أيضًا أن تكون الراحة لثوره وحماره وكل بهائمه (تث5: 14) وقال “وأما اليوم السابع ففيه تستريح، لكي يستريح ثورك وحمارك، ويتنفس ابن أمتك والغريب.
ومن حنو الله قوله “لاَ تَحْرُثْ عَلَى ثَوْرٍ وَحِمَارٍ مَعًا” (تث22: 10). لأن الثور أقوي من الحمار وأسرع في الحركة. فإن حرث معه يرهقه ويؤذيه.
كذلك قوله “لاَ تَنْظُرْ حِمَارَ أَخِيكَ أَوْ ثَوْرَهُ وَاقِعًا فِي الطَّرِيقِ وَتَتَغَافَلُ عَنْهُ بَلْ تُقِيمُهُ” (تث22: 4). حتى إن وقع الحيوان في يوم سبت، “يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ” (مت12: 11) ويقول الرب في حنانه أيضًا “لاَ تَكُمَّ الثَّوْرَ فِي دِرَاسِهِ” (تث25: 4). فإن أجهد وجاع، يمد فمه إلى الحبوب ويأكل منها.
والرب حينما يتكلم عن طيور السماء يقول “وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا” (مت6: 26). ويقول المزمور “الْمُعْطِي لِلْبَهَائِمِ طَعَامَهَا، لِفِرَاخِ الْغِرْبَانِ الَّتِي تَصْرُخُ” (مز147: 9). إنه في حنوه “يشبع كل حي من رضاه”.
بل أن رأفة الرب تدرك الخطاة أيضًا.
“وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ… أَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” (أف2: 5، 6). ويتغنى بولس الرسول بهذا الحنو فيقول “وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا” (رو5: 8) هذا هو حنان الله على العالم الخاطئ… تجلى في الفداء. ” وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ في الفداء، “وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا” (أش53: 5).
في حنانه لم يجرح مشاعرهم… وبكل اشفاق قبل توبتهم لم يجرح شعور المرأة السامرية، واستدرجها إلى الاعتراف بكل لطف (يو4).
كذلك المرأة المضبوطة في ذات الفعل، بكل حنو أنقذها من طالبي رجمها وقال لها “وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا” (يو8: 11).
ولم يوبخ زكا العشار على حياته المملوءة قسوة وظلمًا، بل بكل حنو قبله إليه، ودخل إلى بيته على الرغم من انتقادات اليهود، الذين رد عليهم قائلًا “الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ، إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لو19: 9، 10).
وقصة الابن الضال تظهر لنا مقدار حنو الرب على الخطاة الراجعين. إذ قيل “وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ” (لو15: 20). وقيل عن العبد المديون لما ترجى سيده “فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ” (مت18: 27). وقال السيد لسمعان الفريسي، عنه وعن الخاطئة الباكية “كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا” (لو7: 41، 42). هذا هو حنان الرب على الخطاة العاجزين عن وفاء ديونهما… وقال للمرأة الباكية “مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ… إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ” (لو7: 48، 50).
ومن حنان الله مغفرته لصالبه، وللص المصلوب معه. قال عن صالبيه “يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ” (لو23: 34). ويظهر عمق حنانه هنا، في أنه التمس لهم أيضًا عذرًا. أما اللص التائب فقال له “الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو23: 43)، ماحيًا كل خطاياه كأنها لم تكن!!
ويظهر حنانه أيضًا في قبوله توبة بطرس وبكاءه بعد إنكاره (مت26: 75). وطمأنه على رتبته الرسولية، بقوله له بعد القيامة “ارْعَ غَنَمِي” (يو21: 17).
أما عن حنوه في حرب الخطية لنا.
فإنه يقصر أيام تجارب ذلك العالم، قائلًا في حنوه: لأنه “لَوْ لَمْ تُقَصَّرْ تِلْكَ الأَيَّامُ لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ” (مت24: 22) كما أن نعمته تسند في الحروب، كما يقول الرسول “حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا” (رو5: 20).
إن رأفة الرب أيضًا تشمل الأعداء كذلك.
فهو “يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ” (مت5: 45). فعل ذلك بالنسبة إلى البلاد الملحدة التي أنكرت وجوده، وعلى البلاد الوثنية التي عبدت الأصنام. وصبر في رحمته على البلاد الشيوعية حتى رجعت إلى الإيمان. وكان خلال ذلك يمنحها العلم والتقدم والرخاء…
وعلمنا أن نفعل مثله قائلًا “أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ” (مت5: 44) وهكذا قال الكتاب أيضًا “إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ” (رو12: 20).
وفي رحمة الله المذهلة، لم يحرم الشيطان من طبيعته الملائكية بعد سقوطه. ففقد الشيطان قداسته، ولم يفقد طبيعته ولا قوته. وبقي يحارب البشرية. وسمح له الله أن يجرب أيوب الصديق (أي1، 2). ولما طلبت الأرواح الشريرة أن يأذن لها بأن تدخل الخنازير، أذن لها!! (لو8: 32). أي لطف هذا في المعاملة، حتى مع لجيئون!!
نلاحظ أيضًا أن معجزات السيد المسيح كانت تمتزج بالحنو. ففي الشتاء مثلًا، قيل “أَبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وَشَفَى مَرْضَاهُمْ” (مت14: 14). ومن جهة الأبرص الذي توسل إليه قائلًا “إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي” يقول الكتاب “فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ وَقَالَ لَهُ: أُرِيدُ، فَاطْهُرْ” (مر1: 40، 41). كذلك لما صرخ الأعميان خارج أريحا، قائلين ارحمنا يا ابن داود “تَحَنَّنَ يَسُوعُ وَلَمَسَ أَعْيُنَهُمَا، فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَتْ أَعْيُنُهُمَا فَتَبِعَاهُ” (مت20: 34).
نري نفس الحنو في إقامة ابن ارملة نايين. وكانت هذه الأرملة تمشي خلف نعش ابنها وحيدها وتبكي. ويقول الكتاب “فَلَمَّا رَآهَا الرَّبُّ تَحَنَّنَ عَلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا: لاَ تَبْكِي” (لو7: 13).
لا ننسي في اقامته لعازر من الموت، قول الكتاب “بَكَى يَسُوعُ” (يو11: 35). والبكاء هو أعمق مظهر للإشفاق والحنو… يبقى بعد سؤال:
هل حنان الله وإشفاقه ورأفته تمنع من التأديب؟!
لنترك الإجابة على هذا السؤال إلى العدد المقبل، إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 25-2-1996م



