شرح قانون الإيمان-1

شرح قانون الإيمان[1]
يسمى هذا القانون: Christian Creed
وتؤمن به كل الكنائس المسيحية. وأية طائفة لا تؤمن به، لا تعتبر مسيحية، ولا تقبلها أية كنيسة في الشركة معها. ولذلك فإن شهود يهوه والسبتيين، وهم لا يؤمنون بشيء من بنود هذا القانون، لا يعتبرون مسيحيين على الإطلاق.
مقدمة تاريخية:
إيمان الكنيسة في كل تفاصيله، هو كما هو منذ البدء، يتناقله المؤمنون جيلًا بعد جيل..
ولكنه صيغ في مجمع نيقية المسكوني المقدس سنة325م
انعقد هذا المجمع لمقاومة البدعة الأريوسية التي حاربت لاهوت الابن وبالتالي حاربت الثالوث الأقدس. فأقر المجمع المسكوني هذه الحقائق اللاهوتية، وتحدث عن باقي القواعد الأساسية في الإيمان. وهكذا اشتمل على الأمور الآتية:
1- وحدانية الله.
2- إقرار عقيدة الثالوث الأقدس، ولاهوت كل أقنوم وعمله.
3- عقيدة التجسد والفداء.
4- عقيدة المعمودية الواحدة لمغفرة الخطايا.
5- عقيدة قيامة الأجساد، والحياة الأخرى في الدهر الآتي.
6- عقيدة المجيء الثاني للمسيح، بقصد الدينونة.
7- الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية.
وسنتناول كل فقرات قانون الإيمان لشرحها واحدة فواحدة.
بالحقيقة نؤمن:
الإيمان ليس هو مجرد اعتقاد، أو مجرد ثقة. إنه اقتناع قلبي عميق، يسمو فوق مستوى العقل والفكر، وفوق مستوى البرهان والجدل، وليس هو موضوعًا للمناقشة.
والإيمان عمومًا يحتاج إلى اتضاع وبساطة قلب. ورجال الدين يشرحون الحقائق الإيمانية للعقل، ولكن لا يخضعونها للعقل.
ونحن (نؤمن حقًا) بكل فقرة من فقرات هذا القانون، ليس كمجرد أوامر أو تعليم من الكنيسة، إنما هو إيمان حقيقي.
وأول شيء نؤمن به في المسيحية هو عقيدة التوحيد:
نؤمن بإله واحد:
نؤمن بوجود الله. ونؤمن بوحدانية الله. وإيماننا بالتثليث لا يتعارض إطلاقا مع إيماننا بالإله الواحد.
كل (ثالوث) ينسبه البعض إلى الوثنية، هو عبارة عن ثلاثة آلهة. أما الثالوث المسيحي فهو إله واحد. ونحن حينما نقول: ” بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” (متى28: 19). إنما نقول بعد ذلك مباشرة “إله واحد آمين”. كما أن عبارة (بِاسْمِ) تدل على الوحدانية، فلم نقل أسماء…
إننا لا نؤمن بتعدد الآلهة، ونرى الشرك بالله كفرًا وعقيدة التوحيد معروفة منذ العهد القديم وواضحة فيه.
فالوصية الأولى من الوصايا العشر تقول في وضوح: ” أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ… لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. “(خر20).
وسفر إشعياء النبي حافل بالآيات التي تدل على وحدانية الله منها ” أَنَا هُوَ. قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلهٌ وَبَعْدِي لاَ يَكُونُ. أَنَا أَنَا الرَّبُّ، وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ” (أش43: 10، 11).
وأيضًا ” أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ، وَلاَ إِلهَ غَيْرِي” (أش44: 6) اُنظر أيضًا أش44: 9، أش45: 5، 6، 21، أش46: 9، أش48: 12.
وفى العهد الجديد، ورد في رسالة يعقوب الرسول: ” أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ! ” (يع2: 19) أي أن الإيمان بأكثر من إله أمر هو أقل من مستوى الشياطين.
والأدلة العقلية والفلسفية على وحدانية الله كثيرة جدًا. ولكننا اقتصرنا هنا – من جهة الإيمان – على الأدلة الكتابية.
والأقانيم عندنا هو دخول في تفاصيل الذات الإلهية وليس لونًا من التعدد. إنه إيمان بإله حي عاقل.
الآب هو ذات الله، والابن عقله وحكمته، والروح القدس روحه.
الله الآب:
كلمة الله في الثالوث الأقدس، يمكن أن تطلق على الآب بصفته الذات الإلهية، أو قد يطلق هذا الاسم على الثالوث الأقدس كله. وللتمييز بين الأقانيم، يمكن أن نقول الله الآب، والله الابن…
ومن أمثلة كلمة الله على الآب قول الكتاب: ” اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ” (يو1: 18). فالمقصود أن الآب لم يره أحد قط. والآب هو آب بالنسبة إلى أقنوم الابن، كما أنه أب للخليقة كلها…
على أن الآب أب للابن بمعنى غير أبوته للخليقة كلها، التي هي أبوة من نوع المحبة والرعاية، وليست أبوة في الجوهر والطبيعة كما هو الحال مع الابن الوحيد..
نحن ندعو الله أبانا، لأنه جعلنا أبناء بالتبني، وفي ذلك يقول القديس يوحنا الرسول: ” اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ!” (1يو3: 1).
ضابط الكل:
أي أنه يضبط كل الكائنات، لا يخرج شيء عن رقابته وعن رعايته وتدبيره. وعبارة (الكل) تشمل السمائيين والأرضيين، سواء الكائنات العاقلة أو الجامدة.. الكل تحت ضبطه، حتى الشيطان نفسه..
فالشيطان ليس إلهًا للشر، بل هو مخلوق تحت ضابط الكل.
إن أراد الله أن يوقفه عن العمل، يستطيع. وإن أراد أن يفنيه إفناء، يستطيع. وفي قصة أيوب الصديق نرى الشيطان يأخذ إذنًا بتجربة أيوب، قبل أن يبدأ، فيسمح له الله في حدود معينة لا يتخطاها..
إذن لا نخاف من الشيطان، ما دام تحت سيطرة ضابط الكل. ولكن لعل إنسانًا يسأل: إن كان الله ضابط الكل، فلماذا تحدث كل الإشكالات والأضرار والمتاعب في الكون؟
هنا نقول إن هناك فرقًا بين إرادة الله وسماحه.
إرادة الله هي خير مطلق. ومع ذلك فهو يسمح للكائنات العاقلة بحرية التصرف، في حدود، وقد يخطئون ويسببون أضرارًا. وهذا كله بسماح من الله.. ثم يرقب الرب كل هذا، ويحاسب، ويعاقب، كضابط للكل… ويصحح.
ومع ذلك، فإن ضيقات كثيرة وبلايا وتجارب وأضرارًا، منعها الله عنا، قبل وصولها إلينا، ونحن لا ندري…
إننا للأسف نشكر فقط على المتاعب المرئية التي ينقذنا الله منها. ولكننا لا نشكر على منع المتاعب غير المرئية قبل وصولها إلينا. وقد منعها الله كضابط للكل..
والمتاعب التي يمنعها الله عن الوصول، هي أكثر بكثير من التي يسمح بحدوثها ثم ينقذ منها. وهو يسمح بذلك لفائدة يريدها لنا، على اعتبار أن “كل الأشياء تعمل معًا للخير”…
والله كضابط للكل، يقرأ الأفكار، ويفحص القلوب، ويفهم النيات وكل المشاعر، وليس شيء خافيًا عليه.
إن عرفت هذا، عليك أن تدرك أن كل ما تفعله هو أمام الله، فإن هذا يمنحك استحياء في التصرف.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الحادية عشرة – العدد الخمسون 12-12-1980م




