شرح قانون الإيمان -2

شرح قانون الإيمان -2-[1]
يسمى هذا القانون Christian Creed
تحدثنا في العدد الماضي عن قانون الإيمان، وتاريخه، وشرحنا في إيجاز عبارة “بالحقيقة نؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكل“. ونتابع اليوم الفقرات التالية منه..
خالق السماء والأرض
الإنسان صانع، أما الله فهو وحده الخالق وكلمة (الخالق) معناها أنه يُوجِد شيئًا من العدم.
وهنا نسأل: من هو الخالق: الآب أم الابن؟
فنقول الآب خلق كل شيء بالابن..
أي خلق كل شيء بحكمته، بعقله، بنطقه، بكلمته…
ولهذا نقول في القداس الإلهي: “هذا الذي خلقت به كل شيء” ويقول بولس الرسول: “به خلقت العالمين”. مثلما نقول عن شخص أنه حل مسألة بعقله. فهل هو الذي حلها أم عقله. هو حلها، وعقله حلها، وهو وعقله واحد…
ما دام الله خلق كل شيء، فكل شيء، تحت سلطانه. وطبعًا الذي خلق من العدم، يمكنه أن يقيم من الموت.
السماء والأرض
السماء تعني السماء وسكانها، والأرض تعني الأرض وسكانها.
وهنا نسأل ما هو عدد السماوات؟
ذكر القديس بولس الرسول أنه صعد إلى السماء الثالثة، أي الفردوس. فماذا عن السماء الأولى والثانية؟
السماء الأولى هي سماء الطيور، السماء التي تسبح فيها الطيور والطائرات، وهي المسماة بالجو (Atmosphere).
أما السماء الثانية فهي الفلك الذي توجد فيه الشمس والقمر والنجوم، ويسميها سفر التكوين الجلد firmament.
وبالإضافة إلى هذه السماوات الثلاث، توجد سماء السموات.
وهي التي يوجد فيها عرش الله، لم يصعد إليها قط أحد من البشر. وهي التي قال عنها السيد المسيح: “لَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ” (يو3: 13).
وكل هذه السماوات سميت سماء، لأن كلمة سماء حسب معناها اللغوي، هي كل ما سما عن الأرض… والذين صعدوا إلى السماء، لم يصعدوا إلى سماء السماوات.
عبارة “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ” (تك1: 1) معناها أنه خلق المادة التي خلق منها كل هذا، وفى الأيام الستة، ذكر تفصيل خلق جميع المخلوقات من تلك المادة الأولى. وعبارة (في البدء) هنا معناها (بدء قصة الخلق)..
ما يرى وما لا يرى
أي المرئيات والمخلوقات غير المرئية.
ضمن هذه المخلوقات غير المرئية، أي الأرواح، ومنها الملائكة.
والشياطين أيضًا تدخل تحت عنوان (ما لا يرى). على أن الله لم يخلقهم شياطين، إنما خلقهم ملائكة، وهم حولوا أنفسهم إلى شياطين بانحراف إرادتهم إلى الكبرياء.
ويمكن أن عبارة (ما لا يرى) تعني ما لا يرى بالعين المجردة.
فهناك مخلوقات لا تستطيع قوة أبصارنا المجردة أن تراه، ولكننا نراها بالأجهزة مثل الميكروسكوب، والتلسكوب. فهي في حد ذاتها ترى (من المرئيات)، ولكنها بالنسبة إلينا من غير جهاز لا ترى… ويمكن تحت عنوان (لا ترى) أن نضع الكائنات المخفية، سواء تحت الأرض، أو في أبعاد لا نصل إليها.
وأنت كإنسان فيك ما يرى وما لا يرى، أعني الجسد والروح، وهما أيضًا سماء وأرض..
هنا ينتهي الكلام في قانون الإيمان عن أقنوم الآب.
ويبدأ بعد ذلك ما يخص أقنوم الابن، فنقول:
نؤمن برب واحد يسوع المسيح
كلمة رب معناها. سيد، ومعناها إله.
ولكن لعل البعض يسأل. هل وصف الآب بأنه الله، ووصف الابن بأنه (رب) إقلال من لاهوت الابن؟
كلا، فإن الابن قد قيل في نفس قانون الإيمان أنه إله، “إله حق من إله حق” فهو رب وإله.
وبهذا التعبير ناداه توما: “رَبِّي وَإِلهِي” (يو20: 28).
والآب أيضًا ورد في مواضع عديدة في الكتاب المقدس أنه رب أو الرب، كما ورد أنه إله أو الله.
وفي مقدمة الوصايا العشر، يتحدث الله عن نفسه باللقبين معًا “أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ” (خر20: 2)
الآب إذن رب وإله، والابن رب وإله، والروح القدس رب وإله. وسنتكلم عن إثبات ذلك في موضعه.
يسوع المسيح
كلمة يسوع معناها (مخلص)، كما قال الملاك في حلم ليوسف النجار عن العذراء مريم “فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ” (متى1: 21).
أما كلمة المسيح، فلها معنى لفظي أي الممسوح من الله كما قيل عنه: “رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ…” (أش61: 1). وبهذا المعنى سمي كثير من الممسوحين مسحاء، كما كان داود يقول عن شاول أنه “مسيح الرب”.
أما الرب فقد “مسح بزيت البهجة أكثر من رفقائه، مسح كاهنًا وملكًا ونبيًا، هذا عن خدمته في الأرض.
لكن كلمة (المسيح) وليس أي (مسيح)، كان لها معنى خاص في النبوات، يحمل معنى (المسيا) المنتظر..
الذي بدأت النبوات عنه، منذ خطية آدم، أنه سيسحق رأس الحية. والذي قيل عنه لإبراهيم “وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، (تك22: 18) والذي عنه قالت السامرية “أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ مَسِيَّا، الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ، يَأْتِي” (يو4: 25) فقال لها الرب أنه هُوَ.
وقد كان هدف الإنجيليين، إثبات أن يسوع المولود من مريم، هو المسيح، الذي تتبارك فيه جميع قبائل الأرض، كما ذكر القديس يوحنا الإنجيلي، أن هذا هدفه من ذكر المعجزات.
“وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ” (يو20: 31).
إذًا كلمة المسيح، لها معنى لاهوتي خاص.
ابن الله الوحيد
وهذا يعني أن بنوته للآب، غير بنوة البشر للآب.
بنوتنا نحن ليست طبيعية، وإنما قد دعينا أبناء، بلون من التبني، أو كهبة من محبة الله لنا.
ولهذا قال القديس يوحنا الرسول: “اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ” (1يو3: 1).
أما السيد المسيح فهو ابن الله بنوة طبيعية، من نفس جوهره، ومن نفس لاهوته، لذلك دعي الابن الوحيد.
ووصفه بابن الله الوحيد، ورد في مواضع كتابيه كثيرة: ورد في إنجيل يوحنا (1: 18) “اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ”.
وورد في (يو3: 16) “هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ”. وهنا ربط به الإيمان والحياة.
وورد في (3: 18) “اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ”.
وورد في رسالة يوحنا الاولى (1يو4: 9) “بِهذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ”.
وعبارة (الوحيد) تميز بنوته عن كل بنوة أخرى.
ولذلك كان يطلق عليه أحيانًا لقب (الابن)، بالمعنى اللاهوتي. كما قال “فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا” (يو8: 36).
وأحيانًا يذكر لقبه “ابن الله” مع عبارات أخرى تثبت لاهوته.
كما ورد في قصة المولود أعمى: قال له: “أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟ “فأجاب الأعمى لما أعلن له الرب ذاته “أُومِنُ يَا سَيِّدُ، وَسَجَدَ لَهُ” (يو9: 35- 38). فهنا إيمان ومعه سجود عبادة.
لو كانت بنوة المسيح للآب، بنوة عادية، ما كانت تتطلب إيمانًا خاصًا، وإيمانًا يصحبه سجود… ونفس هذا الإيمان المطلوب هو ما ورد كثيرًا في رسالة يوحنا الأولى:
المولود من الآب قبل كل الدهور
كولادة الفكر من العقل، أو كولادة النور من النار… ولادة أزلية عبر عن أزليتها بعبارة (قبل كل الدهور).
وقد قال السيد المسيح للآب: “مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ” (يو17: 5).
وقد كان الابن قبل كون العالم طبعًا، لأن الْعَالَمُ بِهِ، كُوِّنَ (يو1: 10)، بل كل شيء به كان.
وما دام هو عقل الله الناطق، أو نطق الله العاقل، إذن هو أزلي بأزلية الآب فعقل الآب فيه منذ الأزل.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الحادية عشرة – العدد الحادي والخمسون 19-12-1980م





