سر الكهنوت

سر الكهنوت[1]
الكاهن وسلطان الحل والربط، وتقبل الاعتراف، ومغفرة الخطايا
الاعتراف على الكاهن يثبته الكتاب في العهدين القديم والجديد
54-هناك أربعة أنواع من الاعتراف، لازمة، وهي:
(أ) الاعتراف على الله، كما قال داود النبي للرب: “لَكَ وحْدَك أخْطأْت، والشَّرُّ قدامَكَ صَنعْتُ” (مز50: 4)
(ب) الاعتراف على الأب الكاهن، لنوال الحل، والسماح بالتناول، وأيضًا لنوال الإرشاد. وسنشرح هذه النقطة بالتفصيل.
(ج) الاعتراف بالخطأ على من أخطأت إليه، لنوال صفحه.
(د) الاعتراف فيما بين الإنسان ونفسه أنه مخطئ. لأنه بدون هذا، لا يمكن أن يعترف على الله ولا الكاهن ولا الناس.
ويهمنا في هذا البحث، إثبات الاعتراف على الكاهن، لأن هذه هي نقطة الإشكال التي يثيرها البروتستانت.
55- الاعتراف على الكاهن موجود في العهد القديم:
فكان المخطئ يقر بخطيته أمام الكاهن الذي يخبره بنوع الذبيحة التي يقدمها لمغفرة خطيته. فقد ورد في (لا5: 5، 6). “فَإِنْ كَانَ يُذْنِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ يُقِرُّ بِمَا قَدْ أَخْطَأَ بِهِ. وَيَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ… فَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ مِنْ خَطِيَّتِهِ”.
56- وظل الاعتراف على الكهنة معمولًا به طوال العهد القديم:
كما يبدو فيما قيل عن يوحنا المعمدان (الكاهن ابن زكريا الكاهن) “وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ” (مت3: 6).
57- وفي العهد الجديد، قال الرب لبطرس:
“وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ” (مت16: 19).
58- وطبعًا هذا الحل والربط خاص بأمور روحية تتعلق بالمصير الأبدي، وليس بتحليل أطعمة كانت محرمة في العهد القديم، كلحم الخنزير كما يدعي البعض! لأن عبارة “وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، التي سبقت سلطان الحل والربط، لا يمكن أن تعني تحليل أكل الخنزير!! فلا علاقة بين الخنزير والملكوت!
59- والسلطان الذي أعطي لبطرس، أعطي أيضًا لجميع التلاميذ.
وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ” (مت18: 17، 18).
وطبعًا عبارة (الكنيسة) هنا تعني رجال الكهنوت، وليس كل جماعة المؤمنين، لأنه من غير المعقول إن خلاف شخصي بين اثنين يعرض على مؤتمر شعبي من كل جماعة المؤمنين، لكي يحلوا فيه ويربطوا! كما أن نفس العبارة التي قيلت لبطرس ممثلًا لجميع الرسل، يمكن أن تقال للرسل مباشرة…
60- وهناك مثل واضح أعطى فيه الرب للرسل سلطان المغفرة:
حدث هذا بعد القيامة، ظهر الرب للرسل، وقال لهم: “كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا. وَلَمَّا قَالَ هَذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: أقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” (يو20: 21- 23)
وهنا سلطان المغفرة واضح في منحه للرسل…
يسبقه أمران: إرسال الرب لهم، ومنحه إياهم الروح القدس. فلم يمنح هذا السلطان لجميع الناس وإنما للرسل فقط.
وبناء على منحهم الروح القدس، فالروح القدس الذي فيهم هو الذي سيغفر. وما دام هو روح الله، إذن الله هو الذي يغفر. وهذا يناسب الحل الذي يقوله الكاهن سرًا في نهاية القداس “يكونون محاللين بفمي من روحك القدوس”.
61- الروح القدس إذن هو الذي يغفر. وكيف يغفر؟
يقول الرب: “يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ” (يو16: 14)
الروح القدس يأخذ من استحقاقات دم المسيح، ويخبركم أن خطاياكم قد غفرت، لأنه “بدون سفك دم لا تحدث مغفرة”. والروح القدس يخبركم بهذا من فم الكاهن الذي أخذ نفخة الروح القدس، وأخذ السلطان من الروح القدس
62- وطبعًا من غير المعقول أن يغفر الكاهن خطايا لا يعرفها:
لا بد أن يعرف الخطايا التي سيغفرها، ويعرف أنها قابلة للغفران بالتوبة… يعرف هذه الخطايا، ويعرف توبة معترفها، عن طريق الاعتراف. وإذ يعرف الكاهن التوبة تستحق المغفرة، ولما كان من فم الكاهن تطلب الشريعة، لذلك حسب الشريعة يطمئن المعترف على مغفرة خطاياه.
63- والاعتراف مارسته الكنيسة منذ نشأتها (من عهد الرسل).
وفي ذلك يقول سفر أعمال الرسل “وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ” (أع19: 18).
فلو كان الرسل ليس من اختصاصهم أن يسمعوا اعترافات الناس، لكانوا قد اعتقوا من ذلك، وقدموا تعليمًا ضد اعترافات الناس عليهم. ولكان يوحنا المعمدان أيضًا قد امتنع من سماع اعتراف الخطاة عليه في توبتهم. ولكنه أمر كان مقررًا في العهدين القديم والجديد.
64- واعتراف الناس بعضهم على بعض واضح في الكتاب:
فلو كان الاعتراف على الله وحده، ما كان الكتاب يقول: “اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالّزَلاَّتِ” (يع5: 16).
“بعضكم على بعض” تعني البشر على البشر. ولم يقل الرسول “اعترفوا لله وحده”. ويفسر القديس أوغسطينوس هذه الآية، بالاعتراف على من له الحق في ذلك، أي كهنة. كما قال: “علموا بعضكم بعضًا”، أي طالب العلم يتعلم على يد القادر على التعليم، أي المعلم وليس تعليم جاهل على يد جاهل…
65- وحتى إن كان أي إنسان يمكنه أن يعترف على أي إنسان، بحكم هذه الآية، فالاعتراف على الكاهن من باب الأولى، باعتبار مركزه وسلطته التي أُعطيت له من الله لمغفرة الخطايا، وبحكم كتمانه للسر، الأمر الذي لا يتوافر في أي أحد من العلمانيين…
66- ولكن ما معنى “لا يغفر الخطايا إلا الله وحده”…!
معناها أن الله هو الوحيد الذي له سلطان المغفرة، لأن الخطية موجهة ضده، إذ هي كسر لوصاياه، وثورة على سلطانه. فإن كان الله صاحب هذا الحق، له وكلاء على الأرض (تي1: 7)، (1كو4: 1).
وقد فوض هؤلاء الوكلاء بقوله: “مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” (يو20: 23). إن كان الله صاحب السلطان، قد منح غيره هذا السلطان، إذن فلا داعي لأن يغار البعض على سلطان منحه الله لوكلائه.
67- إن تقبل الاعترافات جزء من (خدمة المصالحة).
لقد أعطى الله لوكلائه “خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ” (2كو5: 18)، كسفراء المسيح ينادون “تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ” (2كو5: 20). والصلح يتم بالتوبة، والاعتراف جزء من التوبة. فالقائم على خدمة المصالحة، هو قائم أيضًا على سر الاعتراف، بحكم عمله، المعطى له من الله.
68- ولكن كيف يغفر الكاهن الخطية؟
[1] مختصر من محاضرات أيام الأربعاء التي يلقيها قداسة البابا شنوده الثالث في القاعة المرقسية بالقاهرة “سر الكهنوت 6″، الكرازة 14 مارس 1980م.



