سر الكهنوت

سر الكهنوت[1]
الكاهن هو خادم المذبح. وجود المذبح والذبيحة في العهد الجديد.
سر الإفخارستيا أسسه الرب. وسلمه لرسله وليس لكل الشعب
ليس الأمر مجرد ذكرى، إنما فيه بركات عديدة، ويحتاج لاستحقاق واستعداد
34- الذين ينكرون المذبح أيضًا، وينكرون الذبيحة:
أنهم لا يجرأون أن يخدموا المذبح، وليس لهم سلطان الكهنوت، لذا ينكرون المذبح، ويقولون إنه يوجد في العهد القديم فقط، وليس في العهد الجديد. وكذلك الذبيحة…
35- لذلك سنثبت أولًا وجود المذبح في العهد الجديد، ووجود الذبيحة، ثم الكاهن بالضرورة لخدمة المذبح والذبيحة:
قال بولس الرسول: “لَنَا مَذْبَحٌ لاَ سُلْطَانَ لِلَّذِينَ يَخْدِمُونَ الْمَسْكَنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ” (عب13: 10). إنه مذبح العهد الجديد، الذي لا سلطان لليهود (الذين يخدمون المسكن) أن يتناولوا منها، بسبب عدم إيمانهم.
وقد أشار الكتاب إلى مذبح في أرض مصر بالذات.
وقد ورد ذلك في نبوءة إشعياء النبي، إذ يقول:
“فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخُمِهَا. فَيَكُونُ عَلاَمَةً وَشَهَادَةً لِرَبِّ الْجُنُودِ فِي أَرْضِ مِصْرَ” (أش19: 19، 20). وطبعًا لم يحدث هذا إلا في العهد الجديد، لما دخلت مصر في الإيمان من جهة، ومن جهة أخرى لأنه في العهد القديم كان المذبح في أورشليم فقط.
ومما يؤكد حقيقة أنه مذبح للعهد الجديد، قول النبي عنه إنه “مذبح للرب”. وقوله أيضًا “فَيُعْرَفُ الرَّبُّ فِي مِصْرَ وَيَعْرِفُ الْمِصْريُّونَ الرَّبَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيُقَدِّمُونَ ذَبِيحَةً وَتَقْدِمَةً” (إش19: 21). وطبعًا لم يعرف المصريون الرب ويقدموا له الذبائح، إلا في المسيحية.
ما دام هناك مذبح بوجه عام، ومذبح في مصر بوجه خاص، فلنتكلم إذن عن سر الإفخارستيا، والذبيحة التي يقدمها الكاهن.
36- سر الإفخارستيا، سلمه السيد المسيح للرسل، وليس للكل.
سلمه للاثنى عشر، في يوم خميس العهد، ولهم وحدهم وليس لعامة الشعب، قال: “اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي” (لو22: 19).
ونقدم هنا الشواهد الخاصة بسر الإفخارستيا:
(مت26: 26- 28)، (مر14: 22- 24)، (لو22: 19- 20)، (يو6: 32- 58)، (يو13)، (1كو10: 16- 21)، (1كو11: 23- 30).
ونلاحظ في هذه الأمثلة، عدة ملاحظات منها:
37- أولًا: أن السيد المسيح هو مؤسس هذا السر.
هو الذي قدمه لتلاميذه، وهو الذي قال: “هَذَا هُوَ جَسَدِي… هَذَا هُوَ دَمِي” (مت26: 26، 28) (مر14: 22، 24). وهو الذي قال: “اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي” (لو22: 19). إذن إتمامنا لهذا السر، هو تنفيذ لأمر إلهي.
38- ثانيًا: أمر الرب أن يستمر هذا السر إلى يوم مجيئه.
“إلى أن يجيء”، وفي ذلك قال الرسول: “فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هَذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هَذِهِ الْكَأْسَ تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ” (1كو11: 26). أي يبقى معنا هذا السر الإلهي إلى نهاية هذا الدهر، نمارسه.
39- ثالًثًا: هذا السر سلمه السيد لتلاميذه وليس للشعب كله.
وهذا يوضح أنه عمل من أعمال الكهنوت. يتناول منه المستحقون من الشعب، ولكن لا يمارس عمله إلا الإكليروس.
السيد المسيح سلم هذا السر للاثني عشر في علية صهيون. ثم سلمه لبولس الرسول. والرسل سلموه لخلفائهم ممن وضعت عليهم اليد. وبولس الرسول قال عن هذا السر: “تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضاً…” (1كو11: 23).
40- رابعًا: هذا السر هو التناول من جسد الرب ودمه.
قال الرب في كل الأمثلة السابقة: “خُذُوا كُلُوا. هَذَا هُوَ جَسَدِي… اِشْرَبُوا… هَذَا هُوَ دَمِي…” (مت26: 26- 28).
وقال في (يو6): “الْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ” (يو6: 51)، “لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌّ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ” (يو6: 55).
41- خامسًا: هذا الجسد هو الخبز النازل من فوق.
وقد وضع الرب هذا الأمر في (يو6) بقوله: “أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ… أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ… أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ… هَذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ… وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ… مَنْ يَأْكُلْ هَذَا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ” (يو6: 35، 41، 48، 50، 51، 58).
42- سادسًا: قد أوضح أن هذا الخبز، ليس خبزًا عاديًا، يكسره الناس ويأكلونه لمجرد الذكرى. إنما له بركات عظيمة.
بل قال في (يو6): “الْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي” (ع 51). إذن ليس هو خبزًا عاديًا بل هو جسده. وقال عنه إنه “خُبْزُ الْحَيَاةِ” (ع 35) “الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ” (ع 33) “لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ” (ع 50) “مَنْ يَأْكُلْ هَذَا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ” (ع 58).
إن (خبز الحياة) الذي به يحيا الإنسان إلى الأبد، لا يمكن أن يكون مجرد خبز عادي للذكرى. إنه “الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ” (ع50) وهو “خُبْزَ اللَّهِ” (ع 33) و”الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ” (ع 32) وله بركات لا يمكن أن تتوافر في الخبز العادي… وقد قال الرب عنه: “هَذَا هُوَ جَسَدِي” (مت26: 26).
43- سابعًا: ربط الرب بين الحياة، والتناول من جسده ودمه!
فقال: “مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (يو6: 54). “فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي” (ع 57) لذلك قال عنه إنه “الواهب الحياة”.
إذن الأمر ليس مجرد ذكرى، إنما هو الحياة.
والحياة هي بالفداء، بالصلب، بالجسد المبذول، والدم المسفوك. ولذلك قال الرب: “هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ”، “هَذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ” (لو22: 19، 20).
44- ثامنًا: قال الرب إن هذا التناول مغفرة للخطايا.
“أَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ. لأَنَّ هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا” (مت26: 27، 28).
دم لمغفرة الخطايا، وليس مجرد ذكرى…
45- تاسعًا: إلى جوار الفوائد، وضعت عقوبة لمن لا يتناول:
إنه أمر مخيف حقًا، أن يقول الرب: “الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ” (يو6: 53). وهذه عقوبة لا يمكن توقيعها، إن كان الأمر مجرد كسر خبز للذكرى!!
ولكن الأمر تتضح حقيقته، إن كان التناول يعطي حياة، فمن ينفصل عنه، ينفصل عن الحياة، فلا تكون له حياة…
46-عاشرًا. وقال الرب إن التناول ثبات فيه:
“مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ” (يو6: 56). إذن فالأمر ليس مجرد ذكرى وإنما له مفعول روحي عميق، وهو الثبات في الرب. وهذا الثبات طلبه الرب حينما قال: “اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ” (يو15: 4).
وكيف نثبت فيك يا رب؟ بالتناول من جسدي ودمي (يو6: 56).
47- حادي عشر: معلمنا بولس تحدث عن الذبيحة والمذبح والتناول.
“أَقُولُ كَمَا لِلْحُكَمَاءِ: احْكُمُوا أَنْتُمْ فِي مَا أَقُولُ. كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟… لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ” (1كو10: 15، 16، 21).
وبهذا ذكر أن التناول لا بد فيه توبة (بعد عن الخطية). كما أن عبارة (مائدة الرب) تعني المذبح. ونلاحظ أنه في مباركة الأسرار قال “التي نباركها” “الذي نكسره” يعني هو والرسل أمثاله ورجال الكهنوت. أما عن التناول، فقال تشربوا – تشتركوا، لأن هذا خاص بالشعب كله.
48- ثاني عشر: ذكر الرسول الاستعداد اللازم للتناول ليكون باستحقاق.
فقال: “… لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَهَكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ. لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ” (1كو11: 28، 29).
إن مجرد الأكل للذكرى لا تحتاج أن يمتحن الإنسان نفسه، ولا تستلزم عبارة (استحقاق)، ولا عبارة (دينونة). إنما يلزم هذا لتمييز جسد الرب، عن أكل الخبز في البيت.
49- ثالث عشر: وفرض الرسول عقوبات صارمة للتناول بدون استحقاق:
فقال عن الذي يتناول بغير استحقاق إنه “يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ”، وإنه “يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ”، وقال أيضًا: “مِنْ أَجْلِ هَذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ” (1كو11: 27- 30).
وطبعًا لا يعقل أن توقع كل هذه العقوبات، إن كان الأمر مجرد كسر خبز للذكرى.
50- رابع عشر: الدم المسفوك، يعني وجود ذبيحة، وبالتالي مذبح.
قال الرب: “ِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ” (لو22: 20) “هَذَا هُوَ دَمِي… الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ” (مر14: 24)، ولا شك أن عبارة الدم المسفوك تعني وجود ذبيحة، ويستلزم هذا وجود مذبح، وكهنوت يخدمه…
51- خامس عشر: الخبز والخمر يذكرنا بكهنوت ملكي صادق.
تقديم الذبيحة الإلهية بشكل الخبز والخمر، يذكرنا بملكي صادق وتقدمته (تك14: 18)، وبكهنوت المسيح على مثاله (عب7، مز110).
52- سادس عشر: حينما نقدم هذه الذبيحة، نذكر موت الرب.
لا شك في التناول من جسد الرب ودمه، إنما نذكر موت الرب عنا، وبذله لأجل فدائنا وباستمرار تقديم هذه الذبيحة. نذكر موته إلى أن يجيء. واستمرار هذه الذبيحة، يمكن أن يفهم أيضًا من عبارة “كُلَّمَا أَكَلْتُمْ… وَشَرِبْتُمْ” (1كو11: 26). ومع استمرار الذبيحة تستمر الذكرى أيضًا.
53- سابع عشر: هل ننسى كل ما يتعلق بالسر، بسبب الذكرى؟!
العجيب أن الأخوة البروتستانت يركزون كل فكرهم على عبارة (اصعنوا هذا لذكري) فيقولون إنه مجرد كسر خبز للذكرى. وفي تركيزهم على هذه العبارة ينسون ما قاله الكتاب عن هذا التناول من إنه لمغفرة الخطايا، وأن من يتناول منه يحيا إلى الأبد، ويثبت في المسيح، والمسيح فيه. وأنه جسد الرب ودمه، ومن يأكله يحيا به. وأن التناول منه يحتاج إلى استعداد واستحقاق. ومن يتناول بغير استحقاق يكون مجرمًا في جسد الرب ودمه، ويتناول دينونة لنفسه، لهذا يصاب كثيرون بالمرض والضعف أو يرقدون.. ينسون كل هذا ولا يضعون أمامهم إلا عبارة (اصنعوا هذا لذكري).
أما باقي الكتاب فيتجاهلونه باسم الدفاع عن الحق الكتابي.
[1] مختصر من محاضرات أيام الأربعاء التي يلقيها قداسة البابا شنوده الثالث في القاعة المرقسية بالقاهرة “سر الكهنوت 5″، الكرازة 7 مارس 1980م.



