روحانية الكاهن

روحانية الكاهن[1]
أهميتها وخطورتها
الأب الكاهن ليس هو مجرد طاقة من نشاط في الكنيسة، ولا هو مجرد خزينة معلومات، ولا مجرد رئاسة وإدارة، إنما هو قبل كل شيء روح… قدوة، ونور.
خطأ الكاهن أخطر بكثير من خطأ الإنسان العلماني.
لذلك فإن الكاهن عند تقديمه قربانة الحمل، يصلي قائلًا: “أعطِ أن تكون مقبولة عن خطاياى وجهالات شعبك”. فاعتبر خطايا الشعب جهالات. أما بالنسبة إليه فلا يمكن أن تكون جهالة لأنه “شَفَتَيِ الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً وَمِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ لأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْجُنُودِ” (ملا2: 7).
ما أخطر الخطأ، الذي يصدر من إنسان يعتبر قدوة!
إنه واحد من الذين قال لهم المسيح: “أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ…” (مت5: 14). وقال أيضًا: “أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ” وعقب على ذلك بقوله: “وَلَكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ” (مت5: 13). ما أصعب هذه العبارة الأخيرة، وما أعمقها ألمًا في النفس.
خطأ الكاهن يعتبر عثرة للشعب.
وقد ينسب إلى الكنيسة كلها، أو إلى الدين نفسه.
فكثير من الناس لا يفرقون بين الدين ورجال الدين… على الأقل سيقولون: هذه هي الكنيسة ورجالها!! أو هذه هي الأرثوذكسية وقادتها!! وهكذا يمتد خطأ الكاهن ليشمل دائرة واسعة جدًا…
خطأ الكاهن خطير، لأنه وكيل السرائر الإلهية. (1كو4: 1)
أو هو سفير للرب (2كو5: 20). ويقول عنه السيد الرب: “الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا” (لو12: 42). والمقصود أنه الذي يعطي الطعام الروحي للناس… فإن كان هذا الوكيل والسفير عثرة، فكيف ينظر الناس إلى الدين من الناحية العملية؟!
وخطأ الكاهن خطير، لأن المفروض فيه أن يكون مملوءًا من الروح القدس.
فإن كان الامتلاء من الروح القدس والحكمة، شرطًا من شروط الشمامسة (أع6: 3) فكم بالأولى القسوس الذين ينالون أيضًا الروح القدس في السيامة، بوضع اليد، وبالنفخة المقدسة (يو20: 22). ويعمل الروح القدس فيهم، ويعطيهم سلطان مغفرة الخطايا (يو20: 23)…
بقدر ما ينظر الناس إلى الكاهن كمثال، بقدر ما تكون أخطاؤه أو نقائصه.
الناس ينظرون إليه كوسيلة إيضاح لكل فضيلة، وكنموذج عملي لكل وصية. وطبيعي أن الشعب حينما يختار شخصًا لسيامته كاهنًا، إنما يختار أفضل العاملين في الشعب، وأكثرهم روحانية وكفاءة ومعرفة… فإن أخطأ هذا الأفضل، فكم تكون العثرة إذًا؟! “إن كان النور الذي فيكم ظلامًا..”!!
الناس لا يتصورون أن الكاهن يخطئ!
إنهم يقولون: محال أن يحدث هذا! إنه أبونا الروحي ومعلمنا، منه نتعلم الفضيلة، وطريق الروح. إنه وكيل المسيح على الأرض… إنه الذي يقف على المذبح، ويقدس الأسرار، ومنه نتناول، وعليه نعترف… وهكذا يكون الشعب حساسًا جدًا، نحو ما يصدر عن الكاهن من قول ومن فعل، ويقيسونه بميزان من ذهب…
أما أمام الغرباء، فخطأ الكاهن يسيء إلى الكنيسة كلها.
خطأ الإنسان العادي، يمكن أن يمرره الناس. أما خطأ القائد، فيصيب الجميع، ويجعلهم يخجلون أمام الآخرين.
لما أخطأ داود، مع أنه لم يكن كاهنًا، إنما مسيح الرب للحكم والإدارة، قال له ناثان النبي من فم الرب فيما يقدم له عقوبة: “مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ بِهَذَا الأَمْرِ أَعْدَاءَ الرَّبِّ يَشْمَتُونَ” (2صم12: 14). فإن كانوا لا يشمتون، فعلى الأقل يتعجبون وينذهلون…
وبخاصة الخطايا الظاهرة كخطايا الغضب، واللسان.
فالمفروض أن لسان الكاهن يفيض بركة، ويفيض معرفة، وتصدر منه كلمات الحياة… فإن صدرت منه كلمة غير لائقة، فماذا يقول الناس؟! وإن غضب في نرفزة لا ينتظرها أحد، ماذا يكون تأثير هذا على الشعب؟! وهل يستطيع أن يقف على المنبر، ويتحدث عن فضائل الوداعة واللطف؟!
وهناك ملاحظة هامة، نقولها في صراحة وهي:
مدى الحرص والاستعداد في التقدم إلى التناول.
إن العلمانيين يستعدون للتناول بكل حرص وتدقيق، وبالتوبة، والاعتراف. فإن لم يكونوا في حالة روحية لائقة، فإنهم يؤجلون تقدمهم للتناول، كغير مستحقين…
أما الكاهن فإنه مضطر للتناول كل أحد، أو في موعد خدمته. ولا يستطيع أن يعطل القداس بحجة أنه غير مستعد، أو غير تائب…!! فكيف إذًا سيقف على المذبح، ويخدم ويتناول…؟
أليس الواقع أنه سيتناول مهما كانت الأسباب والعوائق؟!
حقًا، ما أخطر هذا الأمر!! لذلك من واجب الكاهن أن يكون مستعدًا باستمرار للسرائر الإلهية، ومحترسًا باستمرار في حياته الروحية… ولا أحب أن أدخل في تفاصيل هذا الموضوع، فهي كثيرة ومتشعبة…
وعبارة “أخطأت سامحوني” التي يقولها في كل قداس، هل يقولها من قلبه، أم بطريقة روتينية، لا يعنيها. بحيث لو سئل: “في أي شيء أخطأت؟” قد لا يجد جوابًا…
صلاة الاستعداد
لذلك حسنًا وضعت الكنيسة المقدسة صلاة استعداد، يقولها الكاهن وهو يفرش المذبح قبل القداس، ويقول فيها:
“أيها الرب العارف قلب كل أحد، القدوس المستريح في قديسيه، الذي بلا خطية وحده، القادر على مغفرة الخطايا… أنت يا رب تعرف أني غير مستحق ولا مستعد ولا مستوجب لهذه الخدمة المقدسة التي لك. وليس لي وجه أن أقف أمام مجدك الأقدس. بل ككثرة رأفاتك أغفر لي أنا الخاطئ، وامنحني رأفة ورحمة في هذه الساعة، لكي أبتدئ وأهيئ وأكمل…”.
ليتنا نصلي جميعًا هذه الصلاة من أعماق قلوبنا…
ولا نكتفي فقط بالبعد عن الخطايا والسلبيات، بل ننمو في ثمار الروح وفي حياة النقاوة والكمال، فنكون أصحاب خبرة روحية تنفع أولادنا المحتاجين إليها في مسيرتهم الروحية.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الآباء الكهنة – روحانية الكاهن، بمجلة الكرازة: 6/ 7 /1990



