روحانية الصلاة بالأجبية

روحانية الصلاة بالأجبية1
الذي اختبر جمال الصلاة بالأجبية يعرف عمق فوائدها الروحية.
إن مبدأ الصلوات المحفوظة قدمه لنا ربنا يسوع المسيح نفسه، عندما علمنا صلاة محفوظة هي الصلاة الربية. وكانت الكنيسة منذ أيام الرسل تتلو المزامير في صلواتها، كما يتضح من قول بولس الرسول: “بمزامير وتسابيح وأغاني روحية” (كو3: 16، أف5: 18) وقوله أيضًا: “مَتَى اجْتَمَعْتُمْ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لَهُ مَزْمُورٌ” (1كو14: 26).
ولا شك أن الكنيسة المقدسة عندما وضعت لنا بإرشاد الروح القدس صلوات الأجبية السبع، إنما كانت تهدف من وراء ذلك إلى منفعتنا الروحية. فما هي هذه المنفعة؟
- إطالة الوجود في حضرة الله
كم من شخص جرب صلواته الخاصة، فما كانت تستمر سوى دقائق معدودة ثم لا يجد شيئًا يقوله. فيختمها وما وقف في حضرة الله سوى لحظات بسيطة! أما صلوات الأجبية فتعطيك فرصة للوجود فترة أكبر في حضرة الله، وتقدم لك مادة تقولها.
- تشمل كل أنواع الصلاة
قد يقتصر الإنسان العادي في صلاته على عنصر الطلب. أما الذي يصلي بالأجبية فإن صلاته تشمل كل الأنواع: الطلبات، والشكر، وانسحاق النفس المعترفة بخطاياها، وتسبيح الله وتمجيده.
أ- عنصر الطلب: يشمل في الأجبية كل حياة الإنسان واحتياجاته لا يغفل منها شيئًا كما سنشرح فيما بعد.
ب- عنصر الشكر: له صلاة خاصة في مقدمة الأجبية. إلى جوار عبارات شكر متعددة داخل المزامير والطلبات، فيها الاعتراف لله باحساناته الكثيرة. ومن أمثلتها في صلاة باكر مقدمة مزمور:” الرب نوري وخلاصي ممن أخاف”.
وفي صلاة الساعة الثالثة مزامير: “الرب يرعاني” و”أعظمك يا رب لأنك احتضنتني”، وفي صلاة الساعة السادسة مزمورا: “رضيت يا رب عن أرضك” و”أساساته في الجبال المقدسة”. وفي صلاة الساعة التاسعة مزامير:” هللوا للرب يا كل الأرض” و”اعترف لك يا رب من كل قلبي” و”أحببت لأن الرب سمع صوت تضرعي” و”آمنت لذلك تكلمت”. وفي صلاة الغروب مزامير: “سبحوا الرب يا جميع الأمم”، و”اعترفوا للرب فإنه صالح” و”لولا أن الرب كان معنا”، و” مرارًا كثيرة حاربوني”. وفي صلاة النوم مزامير:” اعترف لك يا رب من كل قلبي”. و”سبحي الرب يا أورشليم”. وفي صلاة نصف الليل عبارات لا تحصى في المزمور الكبير. إلى جوار هذا الشكر الموجود في تحليل كل ساعة وفي الطلبات.
جـ- عنصر الانسحاق: له في مقدمة كل صلاة مزمور خاص هو المزمور الخمسون ” ارحمنى يا الله كعظيم رحمتك”، إلى جوار عدد كبير من مزامير الانسحاق مثل ” يا رب لا تبكتني بغضبك”، و”إليك رفعت عيني يا ساكن السماء” ويا رب اسمع صلاتي”، و” من الأعماق صرخت إليك يا رب “، و”على أنهار بابل هناك جلسنا”. إلى جوار الطلبات المنسحقة المؤثرة كطلبات صلاة الغروب والنوم ونصف الليل مثلًا.
د- عنصر التمجيد والتسبيح: هناك قطع في الأجبية مليئة بالتسبيح مثل الثلاثة تقديسات وتسبحه الملائكة ومقدمة قطعة ارحمنا يا الله ثم ارحمنا، ومزامير” أيها الرب ربنا ما أعجب اسمك على الأرض كلها”، والسموات تحدث بمجد الله”، و”سبحوا الرب أيها الفتيان”، وغالبية مزامير الساعة التاسعة. عنصر التسبيح هذا يندر أن يهتم به الإنسان في صلواته الخاصة.
- حفظ تذكارات مقدسة
هناك موضوعات يجب أن تكون مركز تأملاتنا باستمرار. والذي يصلي بالأجبية يضع أمامه حياة السيد المسيح كل يوم يتأملها ويتغذى بها روحيًا.
يتذكر في صلاة باكر ميلاده الأزلي من الآب قبل كل الدهور وكيف أن كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان، كما يتذكر كيف أخذ الكلمة جسدًا وحل بيننا، وكنور حقيقي أشرق على الجالسين في الظلمة.
وفي صلاة الساعة السادسة يتذكر عمل الفداء العجيب وكيف صعد الرب على الصليب حاملًا لخطايانا.
وفي صلاة التاسعة يتذكر موت الرب عنا كما يتذكر وعده للص اليمين بدخول الفردوس.
وفي الهجعة الأولى من نصف الليل يتذكر مجيء المسيح الثاني وكيف يجب أن نستقبله ساهرين مستعدين.
وغير حياة المسيح نذكر أيضًا حلول الروح القدس في الساعة الثالثة، كما نتذكر ساعة الموت في صلاة النوم.
أما في صلاة الغروب فنتذكر الذين قبلهم الرب في الساعة الحادية عشر، ونطلب التوبة. وكذلك في الهجعة الثانية من نصف الليل نتذكر المرأة التي بللت قدميه بدموعها، ونطلب إليه أن يعطينا ينابيع دموع كثيرة.
أليس خطأ في حق أنفسنا أن نحرم ذواتنا من مثل هذه الذكريات المقدسة جميعها، عندما نهمل الصلاة بالأجبية. وفي كبرياء ذاتية نظن أننا سنقدم لله صلوات خاصة أعمق وأشمل من ما وضعه الآباء القديسون بإرشاد الروح القدس، ناسين تواضع الرسل الذين على الرغم من كل عمق قلوبهم وروحانياتهم، صرخوا قائلين: “علمنا يا رب أن نصلي”.
- شمل تفاصيل دقيقة كل الطلبات
تتميز صلوات الأجبية بتفاصيل لا يمكن أن يذكرها إنسان يصلي صلاة خاصة.
فمثلا في الشكر: نشكر الله على حال ومن أجل كل حال وفي كل حال، لأنه سترنا، وأعاننا، وحفظنا، وقبلنا إليه، وشفق علينا، وأتى بنا إلى هذه الساعة”.
وفي طلب المغفرة: نطلب منه أن يغفر لنا خطايانا وآثامنا وزلاتنا. وأن يصفح لنا عن سيئاتنا التي صنعناها بإرادتنا والتي صنعناها بغير إرادتنا، التي فعلناها بمعرفة والتي فعلناها بغير معرفة، الخفية والظاهرة.
من ذا الذي يصلي في صلواته الخاصة من أجل مغفرة الخطايا الخفية والخطايا غير الإرادية والخطايا التي لا يعرفها؟! وهناك تفاصيل أخرى في تحليل صلاة النوم نقول فيه عما أخطأنا به: “إن كان بالفعل أو بالقول أو بالفكر أو بجميع الحواس”.
وفي طلب المعونة: نطلب من الله أن ينزع عنا وعن جميع الناس “كل حسد، وكل تجربة، وكل فعل الشيطان، ومؤامرة الناس الأشرار، وقيام الأعداء الخفيين والظاهرين”. وتفاصيل عجيبة دقيقة… يضاف إليها في تحليل النوم أن يحفظنا من كل قلق، وكل شر، وكل ضربة، وكل تجربة العدو”.
وفي طلبة “ارحمنا يا الله ثم ارحمنا” التي تقال في آخر كل صلاة، نرى مجموعة من الطلبات المتنوعة التي يندر أن يجمعها مصلي في صلاة واحدة منها “قدس أرواحنا، طهر أجسامنا، قوم أفكارنا، نق نياتنا، واشف أمراضنا، واغفر خطايانا، ونجنا من كل حزن رديء ووجع قلب. أحطنا يا رب بملائكتك القديسين”.
نذكر كل هذا كمجرد مثال نثبت به أن صلواتنا الخاصة ناقصة جدًا غير مستوفاة بالقياس إلى الصلوات التي وضعها الآباء القديسون في الأجبية في عمق وفهم… عارفين أن تفاصيل الطلبات وتنوعها في الأجبية هي موضوع طويل يحتاج إلى تأمل خاص.
- صلوات حسب مشيئة الله
كثير من الناس يطلبون طلبات لا توافق مشيئة الله. تلك التي قال عنها الرسول:” تطلبون ولا تأخذون لأنكم تطلبون رديًا” (يع4: 3).
أما صلوات الأجبية فكلها توافق مشيئة الله: هي إما مزامير كُتبت بالوحي، وإما طلبات كتبها الآباء بروح الله. فالذي يصلي بالأجبية يضمن أن كل صلواته مقبولة لأنها توافق مشيئة الله.
- هي درس في تعلم الصلاة
إننا في صلواتنا بالأجبية نتعلم كيف نصلي: ماذا نقول، وكيف نطلب وبأي أسلوب نخاطب الله، وما هي آداب الصلاة وعناصرها ومشتملاتها.
- في صلاة الأجبية عنصر الوعظ
تشتمل صلوات الأجبية على عنصر تعليمي وعظي يضع أمام الإنسان إرشادًا روحيًا يسلك به في الحياة. ومن أروع الأمثلة لذلك صلاة باكر. إذ تقدم لنا فيها الكنيسة خطة روحية لسلوكنا…
تبدأ بقطعة من رسالة بولس إلى أهل أفسس (4: 1- 5) “أسألكم أنا الأسير في الرب أن تسلكوا كما يليق بالدعوة التي دعيتم إليها: بكل تواضع القلب، والوداعة، وطول الأناة، متحملين بعضكم بعضًا بالمحبة، مسرعين إلى حفظ وحدانية الروح برباط الصلح الكامل”.
هذه خطة روحية يلزمنا أن نعرفها قبل خروجنا من منازلنا، لنعرف كيف نتعامل مع الناس بروح الاتضاع. يكملها المزمور الأول في بدء الصلاة: يحذرنا من السلوك في مشورة المنافقين وطريق الخطاة ومجلس المستهزئين. هذا من الناحية السلبية. ومن الناحية الإيجابية فيدعونا أن نلهج في ناموس الله نهارًا وليلًا.
يضاف إلى هذا عبارات أخرى وعظيه في مزمور” يا رب من يسكن في مسكنك أو من يحل في موضع قدسك، إلا السالك بلا عيب، الفاعل البر”.
وباقي الصلوات الأخرى لا تخلو كذلك من العنصر الوعظي، مثال ذلك: في صلاة الساعة الثالثة مزمور” للرب الأرض وملؤها” ومزمور” احكم لي يا رب فإني بدعتي سلكت”. وفي الساعة السادسة يقدم لنا الإنجيل فصلًا من العظة على الجبل. وفي الساعة التاسعة نتمتع بهذا الإرشاد الروحي في مزمور” رحمة وحكما”.
هذا من جهة المزامير المركزة في التعليم. ولكن كل قطع الأجبية ومزاميرها هي في الواقع مملوءة بالتعاليم والتأملات النافعة.
ونحن حينما نصلي بها لسنا فقط نرفع قلوبنا إلى الله، وإنما أيضًا تستنير أفكارنا بإرشادات روحية صالحة لبنياننا.
- شغل كل النهار روحيًا
غالبية الناس العاديين قد يذكرون الله في بدء اليوم ونهايته. أما طول اليوم – فترة المشاغل والمحاربات – فتبقى بدون صلاة. ولكن الكنيسة في صلوات الأجبية تدعونا إلى الصلاة خلال ساعات النهار كلها، فلا تمر علينا ثلاث ساعات بدون صلاة. ألا يعطينا هذا تعليمًا بأن تبقى صلتنا بالله مستمرة لا تنقطع عنه طول النهار؟!
لو كنا متواضعين ونفذنا قانون الكنيسة، على قدر طاقتنا، لاحتفظت قلوبنا بالنقاوة والروحانية من دوام الصلة بالله طول اليوم.
- لفوائد روحية عديدة
نصلي بالأجبية لأنها أيضًا تعلمنا حياة الإيمان، وتبث في قلوبنا السلام والطمأنينة، وتربطنا بالكنيسة وببعضنا البعض، وتعلمنا دروسًا روحية عديدة، نؤجل الكلام عنها الآن، ولهذا الحديث عودة إن شاء الله.
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الثانية –العدد السادس – أغسطس 1966



