رابح النفوس حكيم

رابح النفوس حكيم[1]
هكذا يقول الكتاب: “رَابِحُ النُّفُوسِ حَكِيمٌ” (أم11: 30).
يمكن أن يكون هذا مبدأً روحيًا واجتماعيًا وعائليًا وإداريًا.
ونجد أن القديس بولس الرسول، تكلم عن هذا في خدمته فقال:
“فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ. فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ… صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَوْمًا” (1كو9: 19، 20، 22).
عبارة يربح الناس معناها يربحهم لله وملكوته. ولكي يربح الناس يكلمهم بالكلام الذي يناسبهم ويقبلونه. ويمكنه به أن يقنعهم.
اليهود يؤمنون بأسفار العهد القديم، يكلمهم من العهد القديم.
والذين بلا ناموس، يكلمهم بالمنطق والفلسفة والعقل.
يكلم كل إنسان بما يناسبه، لكي يربح كل إنسان للرب.
وهذا المبدأ ينطبق على الذين يبشرون بإسم المسيح في أي مكان. فمثلاً في أفريقيا السوداء لهم لون من الثقافة والعوائد Culture، وطريقة التفكير، لا نستطيع أن نجعلهم يغيرونها. وهكذا منذ أدخلنا المسيحية في بلادهم، تركناهم لعوائدهم وتقاليدهم، كاستخدام الطبول مثلًا في صلواتهم (كما يفعل الأثيوبيون مثلًا).
المهم أننا نعطيهم الإيمان السليم والعقيدة السليمة، ونتركهم فيما اعتادوه من تقاليدهم ما دامت ليست ضد قواعد الإيمان.
الذي يود أن يربح على كل حال قومًا، لا بد له أن يدرس نفسية الناس، ويعرف الأسلوب المناسب لهم الذي يربحهم به.
من الأشخاص الذين نذكرهم بالفخر: القديس ديديموس الضرير.
استطاع أن يقنع كثيرًا من الفلاسفة في أيامه بالإيمان المسيحي. كلمهم بالعقل والمنطق والفلسفة، إلى أن أوصلهم إلى الإيمان. وأيضًا جادلهم باحترام شديد. وفي حواره معهم تحاشى إهانتهم أو التهكم على تفكيرهم كوثنيين. بخلاف بعض الناس الذين يدخلون في حوار مع آخرين من فكر معارض، فيتحول حوارهم إلى عراك وضجيج. وبهذا الأسلوب لن يكسبوهم.
إن “رَابِحُ النُّفُوسِ حَكِيمٌ”. فإن حاور من يخالفه في العقيدة أو في الإيمان، أو في المبادئ، فإنه يفعل ذلك بأسلوب سليم، لا يجرح شعوره.
احترم الناس، يحترمك الناس، وتربحهم.
هذا المبدأ- كما يحدث في الكرازة، يصلح أيضًا في الروحيات عمومًا.
رابح النفوس حكيم في الوصول إلى النتيجة التي يريدها.
وحكيم أيضًا في الوسيلة التي يستخدمها للوصول.
يربح الناس لصالحهم، ولصالحه، ولصالح بناء الملكوت. فهو ربح مثلث: يربح الناس، أي يخلصهم من أخطائهم ويهديهم، ويغيّر مسارهم إلى المسار السليم. ويربحهم لصالحه لكي يكون في سلام ومصالحة وفي هدوء نفسي.
رابح النفوس حكيم. لأنه فيما يربح النفوس، يصير محبوبًا من الكل، وموضع ثقة منهم.
أول من تنطبق عليه عبارة “رَابِحُ النُّفُوسِ حَكِيمٌ” هو الله تبارك اسمه في حكمته التي لا تحد، وفي محبته للنفوس وربحهم.
كما فعل الله مع الأمم التي كانت تجهله ولا تؤمن به ولا بأنبيائه ولا بالأسفار المقدسة. لقد أطال أناته عليهم حتى ربحهم.
وقد ربح الله الملحدين أيضًا الذين كانوا في روسيا وفي رومانيا خلال الحكم الشيوعي (70 سنة). ربحهم بطول أناة عجيبة. صبر عليهم ولم يهلكهم، حتى عادوا إلى الإيمان مرة أخرى.
السيد المسيح- في ربحه للنفوس غفر لصالبيه (لو23: 34) وأيضًا ربح كثيرين ممن كانوا بعيدين عنه، كالسامريين مثلًا.
في مرة كان متجهًا إلى أورشليم، ومرّ على قرية للسامريين، فاغلقت أبوابها في وجهه. “فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا قَالاَ: يَا رَبُّ أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضًا؟ فَالْتَفَتَ وَانْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ بَلْ لِيُخَلِّصَ” (لو9: 54- 56). وهكذا لم يغضب عليهم بل أطال أناته.
واستمر صبر الرب على السامريين حتى هدى المرأة السامرية. وبعدها آمن به أهل السامرة، (يو4).
موسى النبي أيضًا لم يغضب على أخته مريم، لما تقولت عليه حينما تزوج بامرأة كوشية (عد12: 1) مشتركة ضده مع هارون.
لدرجة أن الرب ضربها بالبرص “فصرخ موسى إلى الرب قائلاً: “اللهم اشفها” (عد12: 13). وربح موسى أخته ولم يقطع صلته بها.
أبيجايل أيضًا لما قرر داود قتل زوجها نابال الكرملي قائلًا: “هَكَذَا يَصْنَعُ اللَّهُ لأَعْدَاءِ دَاوُدَ وَهَكَذَا يَزِيدُ إِنْ أَبْقَيْتُ ذَكَرًا مِنْ كُلِّ مَا لَهُ إِلَى ضُوءِ الصَّبَاحِ بَائِلًا بِحَائِطٍ” (1صم25: 22).
تصرفت أبيجايل بحكمة، وقدمت له هدية، وسجدت عند قدميه، وخاطبته بعبارة “سيدي” و”أمتك”. وفي اتضاع شديد نصحته بألا ينتقم لنفسه، وإلا تصير هذه معثرة قلب له حينما يقيمه الله رئيسًا للبلاد… واستطاعت بحكمتها أن تقنعه، حتى قال لها: “وَمُبَارَكٌ عَقْلُكِ وَمُبَارَكَةٌ أَنْتِ لأَنَّكِ مَنَعْتِنِي الْيَوْمَ مِنْ إِتْيَانِ الدِّمَاءِ وَانْتِقَامِ يَدِي لِنَفْسِي” (1صم25: 33).
وهكذا بالحكمة ربحت حياة زوجها، وربحت منع داود عن الإنتقام.
حقاً إن رابح النفوس يضع أمامه أن “اَلْجَوَابُ اللَّيِّنُ يَصْرِفُ الْغَضَبَ وَالْكَلاَمُ الْمُوجِعُ يُهَيِّجُ السَّخَطَ” (أم15: 1).
يوسف الصديق أيضًا ربح أخوته بعدم الإنتقام منهم.
إن رابح النفوس حينما يكون في مركز القوة، لا يستغل قوته ضد من هو أضعف منه. ولا يكسب الناس بالعنف، بل يربح بالطيبة واللطف والمحبة. إن خسارة الناس ليست مكسبًا، بل ربحهم هو المكسب.
رابح النفوس الحكيم، يربح كل النفوس، بكافة أنواعها.
يربح الأبرار بالتعامل معهم، وكسب محبتهم ورضاهم ودعائهم له. ويربح التعابى بالإشفاق عليهم. يربح الأصدقاء، وأعضاء أسرته.
يحاول أن يربح الكل، كما قال السيد الرب: “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت11: 28). إنك تقدر أن تربح المتعبين، بأن تحمل تعبهم عنهم. كما قال السيد: “رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ” (أش61: 1).
رابح النفوس الحكيم، يربح نفوس التعابى بالتشجيع.
سواء الأطفال الصغار الذين بتشجيعهم نكسب محبتهم. أو حتى المتعبين نفسيًا- وحتى اليائسين- نكسبهم أيضًا بالتشجيع. كما يقول الكتاب: “شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ، أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ” (1تس5: 14) أي الذين هبطت معنوياتهم، ونفوسهم صغرت في أعينهم، شجعوهم وتأنوا عليهم. اكسبوهم بالصبر.
السيد المسيح صبر على التلاميذ في أخطائهم، سواء حينما كانوا معه، أو أثناء صلبه، أو بعد قيامته. صبر على الذي أنكر، والذي هرب، والذي شك في قيامته.
تستطيع أنت أيضًا أن تكسب الناس بالاحتمال والوداعة والطيبة.
حاول أن تربح الكل، بما في ذلك الأعداء والمسيئين.
حسب وصية الرب في (مت5: 44). اربحهم بالاحتمال وبالحب.
قال القديس يوحنا ذهبي الفم: “هناك طريقة تستطيع بها أن تقضي على عدوك- وهي أن تحول العدو إلى صديق”. ذلك أنه إن صار صديقًا، تكون قد قضيت على عداوته وربحته… أما بالإنتقام فإنك تخسره، وتخسر نفسك أيضًا. وهكذا أعطانا السيد المسيح وصية الميل الثاني والخد الآخر (مت5: 39، 41).
والقديس بولس الرسول يقول: “إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هَذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ” (رو12: 20). أي أن المحبة التي عاملته بها تكون كجمر نار على رأسه، فيخجل من محبتك ومن معاملتك الطيبة.
أيضًا اربح الأصدقاء، فاحتفظ بمحبتهم ولا تخسرها.
من الأمور التي تجعل الإنسان يخسر أصدقاءه: كثرة العتاب وشدة العتاب. بل لو تجاهلت خطأ صديقك ومررت الأمر، تكسبه. وكما قال الشاعر:
إذا كنت في كل الأمور معاتبًا صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبه
أي سوف لا تجد صديقًا تعاتبه، إذ ينفر الكل منك.
أما إن عاتبت، فليكن ذلك بلطف، وليس على كل شيء. ولتكن ملامحك منضبطة. فلا يعلو صوتك، ولا تشتد لهجتك، ولا تقسو كلماتك.
وإن كنا مطالبين أن نحول أعداءنا إلى أصدقاء،
فأية حماقة تكون إذن في تحويل الصديق إلى عدو؟!
لذلك احرص على أصدقائك، فلا تخاصم. وإن خاصمت، فلا يطل خصامك، بل كن مسرعًا إلى الصلح وحفظ وحدانية الروح (أف4).
نقول هذا أيضًا في محيط الأسرة. فالزوج الحكيم يتصف بحسن التعامل، والكلمة الطيبة، واحترام شريك الحياة، وتقدير المواقف والظروف. وكذلك تكون الزوجة. وبالنسبة لتربية الأولاد تقتضي الحكمة منها: قلة الأوامر والانتهار، والبعد عن الشدة والقسوة، ومراعاة طبيعة السن. وإلا فإن الأولاد سيشتهون متى يخرجون من البيت! إن الأبوين الحكيمين يحرصان على كسب محبة أبنائهما: بالعطف والحنو والعطاء، وبالمعاملة الطيبة والكلمة الحلوة. وأن يأخذا من الأبناء موقف الصداقة وليست السلطة.
يمكن كسب الناس أيضًا بالمديح وبالهدايا، وبالحب والاحترام.
ما أجمل الحب الذي كان بين راعوث وحماتها نعمي (را 1).
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: رابح النفوس حكيم، بمجلة الكرازة 24/ 10/ 2003




