رابح النفوس حكيم

أريد أن أكلمكم في هذه الليلة عن الآية التي تقول: “رابح النفوس حكيم” (أم11: 30)، لأن أهم رسالة لنا في الحياة هي ربح الناس:
نربح النفوس لله، ونربحهم في علاقتنا معهم.
السيد المسيح عندما دعا بطرس وأندراوس، قال لهما: “هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس”. فكانت رسالتهما هي ربح النفوس. وهي نفس الرسالة التي قصدها بقوله: “وتكونون لي شهودًا”
رابح النفوس حكيم1
أول رابح للنفوس. حكيم في ربحها، هو الله نفسه…
هذا الذي من أجل ربح هذه النفوس، نزل من السماء وتجسد، وأُهين وصُلب ومات. من أجل هذه النفوس أرسل ابنه، وأرسل روحه القدوس، وأرسل الأنبياء والرسل والرعاة والمبشرين.
من أعمق الكلمات في ربح النفوس، قول بولس الرسول:
“فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ، اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ. فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ… صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا” (1كو9: 19- 22).
إنه مصر على ربح النفوس. صياد حكيم يلقي شباكه، ولابد أن يرجع بها مملوءة… هكذا كان السيد المسيح، قيل عنه أنه: “كان يجول يصنع خيرًا”. كان يربح الناس بأنواع وطرق شتى: بالتبشير، بالشفاء، بالعطف، بالحب.. بكل نوع.
لذلك قيل عنه كرابح للنفوس: هوذا الكل قد سار وراءه.
عندما دخل أورشليم، ارتجت المدينة لمقدمه. عندما كان يدخل البيوت، كانت تزدحم حتى لا يوجد موضع لقدم. وفي قصة المفلوج، من أجل الزحام، نقبوا السقف وأنزلوه. وفي معجزة الخمس خبزات والسمكتين كان عدد الرجال – غير النساء والأطفال – خمسة آلاف…
+ اربح الناس بالحب:
أول وسيلة نربح بها النفوس، هي الحب…
إن لم تحب الناس، وإن لم يحبوك، لا تستطيع أن تقودهم إلى الله. إن الناس يميلون إلى أن يسمعوا ممن يحبونهم… إن الشخص الذي ينفر منك، قد خسرته في علاقتك معه، وأيضًا لا يمكن أن تجذبه إلى الله، لن يسمع منك. بينما الذي تحبه، قد يحب الله بسببك…
ومن مظاهر محبتك للناس، أن تحتملهم، “فالمحبة تحتمل كل شيء”
كل إنسان في الدنيا، له أخطاؤه وله ضعفاته. وإن ظللت ترقب أخطاء الناس وتحاسبهم عليها، لكانت النتيجة أن تخسر الناس، وأن يخسروك. احتمل الناس إذًا.
إنسان تحتمل أخطاءه، وآخر تحتمل ثرثرته، وثالث تحتمل جهله، ورابع تحتمل ضعفه، وخامس تحتمل أعصابه.. إلخ
كرمز لطول بال الكاهن واحتماله، تكون ملابسه واسعة فضفاضة. رمزًا لسعة الصدر. لأن الذي يكون ضيق الصدر، يخسر الناس. السيد المسيح حمل جميع خطايا العالم كله…
من أمثلة احتمال الله للناس، أنه يوجد ملايين من الملحدين، ينكرون وجود الله، أو يجدفون عليه، ويحتملهم، بلا عقوبة…
ما أسهل أن يبيد الله كل هؤلاء، لكنه صامت، يحتمل. ربما لا يخلص هذا الجيل، ويدرك الخلاص الجيل المقبل. هكذا يحتمل الله الذين يستهزئون بالدين والتدين…
احتمل الناس بالمحبة، فتكسبهم، فإن المحبة لا تسقط أبدًا.
قال الكتاب: “إن جاع عدوك فأطعمه، وإن عطش فاسقه”…
إن عاملك إنسان معاملة رديئة، واحتملته في لطف، فإنك باحتمالك له كما يقول الكتاب: “تجمع جمر نار على رأسه” (رو12: 20)، مثلما قال إنسان لشخص احتَمَله “إنك تقتلني بنبلك هذا! تحطمني بأدبك!”. كان يري إنسانه العتيق يتحطم…
ما أسهل أن تغلب الناس بالنبل، مثلما قال الكتاب: ” لا يغلبنك الشر. بل اغلب الشر بالخير” (رو12: 21).
جرب مثلًا أن يسيء إليك إنسان، فتكون أول من يسعى لإنقاذه حينما يقع في مشكلة… جرب الأدب الجم في الرد على إنسان متسيب في ألفاظه. لا شك إنه يحتقر نفسه، ويحترمك…
هناك إنسان يظن أنه يأخذ حقه بالانتقام لنفسه…!
بينما في الانتقام تخسر الناس، وتخسر نفسك، وتخسر الله. تخسر أبديتك، وتخسر حقك أيضًا. إن رابح النفوس حكيم.
وكما تربح الناس بالحب والاحتمال والمعاملة الطيبة، اربحهم بالحكمة.
+ اربح الناس بالحكمة:
السيد المسيح يهمه أن نكون حكماء، حتى أنه مدح وكيل الظلم، “لأنه بحكمة صنع”. مدح الحكمة التي فيه، وليس الظلم. وبينما يذم الرب الحيّة، ويجعلها اسمًا للشيطان، يقول: “كونوا حكماء كالحيّات” فيمدح الحكمة التي فيها. ويقول الكتاب: “الحكيم عيناه في رأسه. أما الجاهل فيسلك في الظلام”.
ولأن الشمامسة يعملون أيضًا في ربح النفوس، اشترط الآباء الرسل في اختيار الشمامسة السبعة، أن يكونوا “مملوئين من الروح القدس والحكمة”.
كان يمكن الاكتفاء بشرط الامتلاء من الروح القدس، على اعتبار أنه “روح الحكمة والمشورة والفهم”، وهو الذي يعطي الحكمة. ولكن الآباء الرسل شددوا على صفة الحكمة هذه…
قال بولس الرسول: “إننا نسلك بحكمة بين الكاملين، ولكنها حكمة ليست من هذا الدهر”، إنها ليست حكمة عالمية…
وهكذا تحدث يعقوب الرسول عن “الحكمة النازلة من فوق”.
فقال… “أما الحكمة النازلة من فوق، فهي أولًا طاهرة، ثم مسالمة مترفقة مذعنة، مملوءة رحمة وأثمارًا صالحة” (3: 17). وبهذا ميزها عن الحكمة الأرضية، التي فيها “الغيرة والتحزب، والتشويش وكل أمر رديء”. وقال: “من هو حكيم وعالم بينكم، فلير أعماله بالتصرف الحسن. في وداعة الحكمة”.
إن الحكمة الشريرة، نسميها أحيانًا بالدهاء والخبث، فيها قد يدبر الأشرار مؤامرات ودسائس وأكاذيب للوصول إلى أغراضهم، وكثيرًا ما يصلون بالذراع البشري، والانحراف. وقد قيل عن الشيطان إنه حكيم في الشر. فلا تربحوا الناس بهذه الحكمة “النفسانية الشيطانية” بل بالحكمة الروحية النازلة من فوق.
إن أبيجايل امرأة نابال الكرملي استطاعت بالحكمة أن تربح داود النبي، وتنقذه من الانتقام، فتزوجها فيما بعد (1صم 25).
قال لها: “مبارك الرب الذي أرسلك اليوم لاستقبالي. ومبارك عقلك، ومباركة أنت، لأنك منعتني اليوم من إتيان الدماء”.
الإنسان الحكيم يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، وكيف يتصرف، وكيف يربح الناس. وآباؤنا القديسون كان يعلمون أولادهم الإفراز.
الرجل الحكيم يزيد عدد أصدقائه. والجاهل يخسر أعز أحبائه…
المرأة الحكيمة لا تخسر زوجها، والرجل الحكيم لا يخسر زوجته. حيث الحكمة، تُحَل المشاكل. قال القديس يوحنا ذهبي الفم:
“إن أردت أن تتخلص من عدوك، حول عدوك إلى صديق”.
طبعًا هناك أشخاص ليس من السهل أن تكسب صداقتهم، ويكون السبب راجعًا إليهم وليس إليك. مثلما حدث للسيد المسيح مع الكتبة والفريسيين والصدوقيين ورؤساء الكهنة وشيوخ الشعب… ولو أن بعضًا من هؤلاء آمنوا فيما بعد…
ولأن كسب جميع الناس ليس أمرًا سهلًا، لذلك قال الكتاب:
“إن كان ممكنًا، فحسب طاقتكم، سالموا جميع الناس” (رو12: 18).
على أن ربح الناس قد لا يأتي بالإلحاح والإسراع. ربما الإلحاح والإسراع يجلبان نتيجة عكسية، لأنهما قد يتعبان أعصاب الشخص الذي تريد أن تصالحه، أو يسببان له العناد، أو يشعر بإصرارك، فيتثاقل ويعتز ويفرض حلولًا صعبة.
إنما المسألة تأتي بالحكمة، وقد يكون من الحكمة التأنّي، وقد تكون الحكمة في الإسراع، والحكيم يعرف أيهما أفضل لمعالجة الموقف.
قال أحد الشعراء في فوائد التأنّي…
قد يدرك المتأني بعض حاجته… وقد يكون مع المستعجل الزلل
فرد عليه شاعر آخر بقوله:
وكم أضر ببعض الناس بطؤهم… وكان خيرًا لهم لو أنهم عجلوا
المهم أن يكون الإنسان حكيمًا، كما قال أحد الشعراء:
إذا كنت في حاجة مرسلًا… فأرسل حكيمًا ولا توصه.
إذا خسرت الناس، فربما يرجع ذلك لقلة الحكمة في التصرف.
لأن مشكلة تقابل إنسانًا فيرتبك لها، أو يتصرف فيخطئ. ونفس المشكلة تقابل شخصًا آخر. فتنحل بمنتهى السهولة. لذلك إن كانت تنقصك الحكمة، أطلب المشورة، وأسأل الحكماء.
أليس من المخجل أن كثيرًا من أهل العالم يكونوا حكماء ويكسبون الناس، بينما أولاد الله يفشلون فيما نجح فيه أولئك؟!
هناك طريقة تربح بها الناس، وهي أن تربح الله أولًا…
اربح الله، فتربح الناس:
لكي تربح الناس، اربح الله أولا، واربح نفسك. فقد قال بولس الرسول: “خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية، لكي أربح المسيح” (في3: 8). وإن ربحت الله، ربحت نفسك. وإن ربحت نفسك ستربح الناس، لأنك ستكون قد عرفت الطريق، واختبرت الحكمة، وتعلّمت كيف تكسب الناس…
نعم حينما تخرج الخشبة من عينك، ستبصر جيدًا، وتعرف جيدًا كيف تخرج القذى من عين أخيك، فتربح نفسه…
إن كنت لم تربح الله، ولم تربح نفسك، فانتظر قبل أن تفكر في ربح الآخرين، لئلا يعيّروك قائلين: “أيها الطبيب اشف نفسك أولًا”.
الذي خسر نفسه، لا يستطيع أن يكسب غيره.
الذي لم يسلك في الطريق، لا يعرف أن يرشد الناس إليه. الذي لم يختبر الله، لا يمكنه أن يحبب الناس فيه…
+ اربح الناس بالاتضاع:
المتكبر لا يربح الناس لأنهم ينفرون منه. ولكن يكسبهم الذي يجعل نفسه أقل من الكل، ولا ينتفخ عليهم.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الأربعون) 3-10-1975م




