رابح النفوس حكـيم

رابح النفوس حكـيم[1]
* الله هو رابح النفوس. * هل يزيد عدد أصدقائك؟
* مثال السيد المسيح وبولس. * تكسبهم اجتماعيًا وروحيًا
* اربح النفوس بالحب. * تربح النفوس لله
* احتمال الله للملحدين. * ما يناسب مستواهم
* اغلب الشر بالخير. * المناهج والمشورات المتناقضة
* اربح الناس بالحكمة. * لا تجعلهم صورة منك
* الحكمة النازلة من فوق. * اختصاص أب الاعتراف
* مثال أبيجايل مع داود. * كن صبورًا ولا تمل
ربح النفوس.
أهم رسالة لنا في الحياة هي ربح النفوس. نربحها من حيث علاقتنا الطيبة بها. نربحها قبل كل شيء لله، فتصير له.
ولعل هذا هو ما قصده الرب، حينما قال لبطرس وأندراوس: “هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ” (مت4: 19)، وهي نفس الرسالة التي عهد بها لتلاميذه، حينما قال لهم: “تَكُونُونَ لِي شُهُودا” (أع1: 8)
والله هو أول رابح للنفوس.
ربحهم بالحب، وبالسعي إلى خلاصهم، وإلى رد الضال منهم. وإصحاح 15 من لوقا يعطينا ثلاثة أمثلة عن ذلك: الخروف الضال، والابن الضال، الدرهم المفقود…
ومن أجل هذا، نقول عن الرب في ختام كل صلاة بالأجبية:
الذي لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا. الداعي الكل إلى الخلاص، من أجل الموعد بالخيرات المنتظرة.
الله، من أجل ربح النفوس لملكوته، أرسل الأنبياء والرسل لهدايتهم وقيادتهم إلى التوبة.
وعين الرعاة، وأقام الخدام ورجال الكهنوت، لكي ما يعدوا للرب شعبًا مبررًا، كما كان يوحنا المعمدان: الملاك الذي يهيئ الطريق أمامه.
وقد أعطانا السيد المسيح مثالًا عمليًا لربح النفوس. وهكذا قيل عنه: “هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ” (يو12: 19) عندما دخل أورشليم، ارتجت المدينة لقدومه. وعندما يدخل البيوت كانت تزدحم حتى لا يوجد موضع لقدم. وفي قصة شفاء المفلوج: بسبب الزحام لم يستطع أصحاب المفلوج أن يدخلوه، فنقبوا سقف البيت وأنزلوه: “مِنْ أَجْلِ الْجَمْعِ كَشَفُوا السَّقْفَ حَيْثُ كَانَ. وَبَعْدَ مَا نَقَبُوهُ دَلَّوُا السَّرِيرَ” (مر2: 4). وفي معجزة الخمس خبزات والسمكتين، كان عدد الرجال – غير النساء والأطفال – خمسة آلاف.
ومن الأمثلة الرائعة لربح النفوس، القديس بولس الرسول:
ذلك الذي قال: “فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ. فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ… صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَوْمًا” (1كو9: 19- 22)
إنه مصر على ربح النفوس… صياد حكيم يلقي شباكه، ولا بد أن يرجع بها مملوءة…
وهكذا كان السيد المسيح، الذي قيل عنه: “جَالَ يَصْنَعُ خَيْرا” (أع10: 38)
كان يريح الناس بأنواع وطرق شتى: بالتعليم والكرازة، بالشفاء، بالعطف، بالحب، بالتأثير الشخصي، بالعطف، نوع.
وأنت كيف تراك ستربح النفوس؟
اربح الناس بالحب…
أول وسيلة تربح بها الناس، هي الحب. إن لم تحب الناس، وإن لم يحبونك، لا تستطيع أن تقودهم إلى الله. لأن الناس يميلون إلى سماع من يحبونهم.
والشخص الذي ينفر منك، وتكون خسرته في علاقتك معه. وأيضًا لا يمكن أن تجذبه إلى الله. لن يسمع منك. بينما الذي تحبه، قد يحب الله بسببك. وتقدم له الله بالحب. ومن مظاهر محبتك للناس، أن تحتملهم.
كل إنسان في الدنيا، له أخطاؤه وله ضعفاته. وإن ظللت ترقب أخطاء الناس وتحاسبهم عليها، تكون النتيجة أن تخسر الناس وأن يخسروك… احتملهم اذن.
إنسان تحتمل أخطاؤه. وآخر تحتمل ثرثرته، وثالث تحتمل جهله، ورابع تحتمل أعصابه، وخامس تحتمل عناده… إلخ.
وكرمز لطول بال الكاهن واحتماله، تكون ملابسه واسعة فضفاضة، رمزًا لسعة الصدر. لأن الذي يكون ضيق الصدر، يخسر الناس… تذكر أن السيد المسيح قد حمل جميع خطايا العالم كله…
ومن أمثلة احتمال الله للناس، أنه يوجد ملايين من الملحدين ينكرون وجود الله، أو يجدفون عليه. والله يحتملهم، بدون عقوبة!
ما أسهل أن يريد الله كل هؤلاء. ولكنه ساكت، يحتمل. ربما لا يخلص هذا الجيل، ويدرك الخلاص الجيل المقبل. وهكذا يحتمل الله الذين يستهزئون بالدين والتدين.
احتمل الناس إذن بالمحبة، فتكسبهم فإن “اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا” (1كو13: 8)، وتذكر قول الكتاب: “إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ” (رو12: 30)
إن عاملك إنسان معاملة رديئة، واحتملته في لطف، فإنك باحتمالك له – كما يقول الكتاب: “تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ” (رو12: 20). ولا شك أن ضميره سيوبخه من جهتك. مثلما قال انسان لشخص احتمله “إنك تقتلني بنبلك. تحطمني بأدبك”، كأن يرى إنسانه العتيق يتحطم…
ما أسهل أن تغلب الناس بالنبل، مثلما قال الكتاب: “لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ” (رو12: 21)
جرب مثلاً أن يسيء إليك إنسان فتكون أول من يسعى لإنقاذه حينما يقع في مشكلة… جرب الأدب الجم في الرد على إنسان متسيب في ألفاظه لا شك أنه يحتقر نفسه ويحترمك…
أما إن أردت أن تأخذ حقك من الناس بالقوة، فسوف تخسر الناس، وتخسر أبديتك…
وكما تربح الناس بالحب والاحتمال والمعاملة الطيبة، اربحهم بالحكمة.
اربح الناس بالحكمة
السيد المسيح يهمه أن نكون حكماء حتى أنه مدح وكيل الظلم: “إِذْ بِحِكْمَةٍ فَعَلَ” (لو16: 8). مدح الحكمة التي فيه، وليس الظلم. ويقول الكتاب: “اَلْحَكِيمُ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ. أَمَّا الْجَاهِلُ فَيَسْلُكُ فِي الظَّلاَمِ” (جا2: 14). ولأن الشمامسة يعملون أيَضًا في ربح النفوس، اشترط الآباء الرسل – في اختيار الشمامسة السبعة –أن يكونوا “مَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ” (أع6: 3).
كان يمكن الاكتفاء بشرط الامتلاء من الروح القدس، على اعتبار أنه روح الحكمة والمشورة والفهم (أش11: 2). ولكنهم شددوا على صفة الحكمة هذه.
قال بولس الرسول: “لَكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ وَلَكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الدَّهْرِ” (1كو2: 6).
وقد تحدث القديس يعقوب الرسول باستفاضة عن الحكمة النازلة من فوق (يع3: 13- 17).
إنها حكمة تصلح لربح النفوس، لأنها طاهرة مسالمة مترفقة مذعنة، مملوءة رحمة وأثمارًا صالحة… وقال: “مَنْ هُوَ حَكِيمٌ وَعَالِمٌ بَيْنَكُمْ فَلْيُرِ أَعْمَالَهُ بِالتَّصَرُّفِ الْحَسَنِ فِي وَدَاعَةِ الْحِكْمَةِ” (يع3: 13).
أما الحكمة العالمية فنسميها أحيانًا بالدهاء والخبث إذ تحوي تدابير شريرة.
وكم من أشخاص فكروا أن يربحوا الناس بالخداع والكذب، وبالانحراف وبأن يكونوا ذوي وجهين، وذوي لسانين، وبارعين في سبك الخطط!! وفي سبل الاغراء والتشويق. أما أنتم فلا تكن لكم هذه الحكمة بل الحكمة الروحية النازلة من فوق…
أبيجايل امرأة نابال الكرملي، استطاعت بالحكمة أن تربح داود النبي وتمنعه عن الانتقام من زوجها، وعن ارتكاب القتل (1صم 25).
وأعجب داود بأسلوبها الحكيم الذي يمتزج فيه الاتضاع، بالتوبيخ الهادئ المشبع بالمديح؟
وقال لها: “مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي أَرْسَلَكِ هَذَا الْيَوْمَ لاِسْتِقْبَالِي، وَمُبَارَكٌ عَقْلُكِ وَمُبَارَكَةٌ أَنْتِ لأَنَّكِ مَنَعْتِنِي الْيَوْمَ مِنْ إِتْيَانِ الدِّمَاءِ” (1صم25: 33). وكان لما مات زوجها، أن تزوجها داود، الذي قبل منها التوبيخ دون أن يغضب…
الإنسان الحكيم يعرف متى يتكلم، وكيف يتكلم؟ ومتى يصمت وكيف يتصرف؟
ويعرف المداخل التي يدخل بها إلى نفوس الناس، وكيف يقول لهم ما يمكنهم قبوله، وكيف ينصحهم بما يمكنهم عمله، وكيف يدرجهم في الوصول إلى الفضيلة بل وإلى الكمال… ولذلك اتصف آباؤنا القدسيون بالإفزاز.
الرجل الحكيم يزيد عدد أصدقائه. أما الجاهل فيخسر أعز أحبائه…
الحكيم يعرف كيف يكسب الناس. والذين قد كسبهم، يعرف كيف يحتفظ بهم أيضًا…
والمرأة الحكيمة لا تخسر زوجها، ولا تخسر أقارب زوجها أيضًا: أمه وأخوته… وحيث توجد الحكمة، يمكن أن تحل كل المشاكل الزوجية، كل فريق يربح الآخر… قال القديس يوحنا ذهبي الفم: “هناك طريقة تتخلص بها من عدوك وهي أن تحول العدو إلى صديق”.
طبعًا، لا نستطيع أن ننكر أن هناك أشخاصًا ليس من السهل كسب صداقتهم. ويكون السبب راجعًا إليهم هم. مثلما حدث للسيد المسيح نفسه مع الكتبة والفريسيين والصدوقيين ورؤساء الكهنة وشيوخ الشعب. ولو أن عددًا كبيرًا منهم قد آمن فيما بعد.
لأن كسب جميع الناس ليس سهلًا لذلك قال الرسول: “إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ” (رو13: 18).
لذلك فإن ربح النفوس يحتاج إلى صبر وإلى احتمال، وقد يحتاج إلى وقت وهو لا يأتي بالإلحاح الكثير وبالإسراع… فربما الإلحاح والإسراع يأتيان بنتيجة عكسية، لأنهما ربما يتعبان أعصاب ونفسية الشخص الذي تريد كسبه، أو تريد مصالحته. وربما يسببان له العناد… أو أنه يشعر بإصرارك فيتثاقل ويعتز ويفرض شروطًا وحلولًا صعبة…!
بالحكمة في التصرف، يمكن أن تكسب الناس في العلاقات الاجتماعية وفي الروحيات أيضًا…
أليس من المخجل أن كثيرين من أهل العالم، يكونون حكماء ويكسبون الناس بينما أولاد الله يفشلون فيما نجح فيه أولئك؟!
مشكلة تقابل إنسانًا، فيرتبك لها أو يتصرف فيخطئ. ونفس المشكلة تقابل شخصًا آخر، فيحلها بمنتهى السهولة… إنها الحكمة.
ولكن ليست الحكمة أن تربح الناس على حساب المبادئ والروحيات! أو تربحهم وتخسر الله!
تربح النفوس لله…
العاملون في هذه الخدمة، سماهم الرب “صيادي الناس”. ولا بد أن تكون لهم حكمة الصياد الذي يعرف طباع السمك، وطبيعة المياه. والذي يعرف كيف يلقي شباكه في العمق.
حكمه إنسان اختبر الطريق الروحي وسار فيه، وعرف حروبه ومطباته لهذا يعرف نوعية الكلام الذي يقدمه للناس.
1- من هذه الحكمة أنه لا يقدم للناس روحيات فوق مستواهم، لكي لا ييأسوا أو يفشلوا من أول الطريق.
هذه مشكله عرضها السيد المسيح في توبيخه للكتبة والفريسيين. فقال: “إِنَّهُمْ يَحْزِمُونَ أَحْمَالًا ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ” (متى23: 4).
كثير من الخدام لهم مثاليات معينة ويريدون أن كل أحد يسير في هذه المثاليات، ومن أول خطوة!!
وإلا فإنهم يرفضونه وينتقدونه ويقولون إنه لا يصلح للطريق الروحي بينما السيد لم يقل هكذا بل إنه تدرج حتى مع تلاميذه، وقل لهم: “لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ” (يو16: 12). وتلميذه بولس الرسول تعلم هذه القاعدة فقال: “سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ” (1كو3: 2).
والرسل الاثني عشر- في مجمع أورشليم – راعوا نفس القاعدة. فرأوا أنه “لاَ يُثَقَّلَ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِلَى اللهِ مِنَ الأُمَمَ. بَلْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ أَنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ نَجَاسَاتِ الأَصْنَامِ وَالزِّنَا وَالْمَخْنُوقِ وَالدَّمِ” (أع15: 19، 20). فلا يوضع على أعناقهم نير “لَمْ يَسْتَطِعْ آبَاؤُنَا وَلاَ نَحْنُ أَنْ نَحْمِلَهُ؟” (أع15: 10).
ولكن ليس معنى التدرج، أن نتساهل في وصايا الله! كلا، بل ندرب الناس عليها بالتدرج، إلى أن يصلوا…
ذلك أن بعض الخدام يغلقون أبواب الملكوت أمام الناس، وتصعيب الطريق فلا هم يدخلون، ولا يجعلون الداخلين يدخلون (متى23: 13). والبعض الآخر يتساهلون إلى الدرجة التي يفقد فيها المخدوم روحياته، ويفقد جدية الحياة الروحية أيضًا…!
2– ومن الحكمة أن الخدام لا يقودون الناس في مناهج روحية متناقضة…!
كأن يتوب إنسان، فيقود البعض إلى حياة الندم والانسحاق والدموع. بينما يشده البعض الآخر إلى حياة الفرح بالرب “وبهجة وخلاص”! ويشجعه فريق على الخدمة وعلى التحدث بكم صنع الرب به. بينما يقوده آخرون إلى الشعور بعدم الاستحقاق، وعدم الإسراع إلى الخدمة، حتى تستوفي التوبة حقها من مشاعر الخزي على الخطية…
وهكذا يرتبك المسكين بين مشورات متناقضة، ولا يدري أين يسلك!
ويزيد الأمر تعقيدًا أن كل فريق يشرح له أن الفريق الآخر مخطئ، وإن سلك وراءه سيضيع! وهنا تظهر الذات في الخدمة. ويتنافس الخدام بغير حكمة في اختطاف المخدومين من بعضهم البعض!!
3– كذلك ليس حسنًا أن يقحم خادم نفسه في خصوصيات إنسان، ويتطوع لإرشاده بدون معرفة بظروفه وداخلياته ونوع نفسيته!
لذلك فإن الكنيسة وضعت هذا الإرشاد تحت مسئوليه أب الاعتراف الذي يعرف نفسية وظروف المعترف، ويستطيع أن يقدم له العلاج الذي يناسب حالته. وفي نفس الوقت يقوده في منهج واحد لا يتناقض فيه، يوافق مستواه الروحي…
رابح النفوس الحكيم يعرف متى يقدم التوبيخ على الخطية، ومتى يفتح باب الرجاء بلا توبيخ، حسبما ينفع النفس.
فالشخص الغارق في تبكيت نفسه اليائس من خلاصه، فهذا نقدم له الرجاء. أما الذي لا يشعر بجسامة الخطية، وينظر إليها ببساطة ممتزجة باللامبالاة، فإننا نوبخه بشدة لكي يستيقظ إلى نفسه، ويعرف أن الخطية خاطئة جدًا، وأجرتها الموت.
4– والخادم الحكيم لا يحاول أن يجعل من يخدمهم صوره منه.
فلا يقود الناس إلى الوحدة والصمت إن كان هو يحب ذلك. فربما له تلميذ اجتماعي لا تناسبه الوحدة.
وبالعكس لا يقود مخدوميه كلهم إلى الخدمة التي تستغرق كل الوقت والجهد إن كان هو لا يحب ذلك. فربما له تلميذ، من يحب حياة الصلاة والتأمل والهدوء، لا يجوز له أنه يطبعهم بطابعه! فكل إنسان له نفسيته الخاصة، وله ما يناسبه…
وكل إنسان له ظروفه الخاصة، وله درجه معينة في الروحانية، ربما لا يوافقها المنهج الذي يسير عليه الخادم، وظيفة الخادم إذن أن يرشد إلى الحق مجردًا. ويترك التفاصيل إلى ما يناسب نوعية النفس، وإلى إرشاد أب الاعتراف…
بعض الخدام إذا تحمسوا لشيء يريدون أن يتحمس له كل أحد، مهما كانت حالته!
فمثلًا واحد منهم متحمس لإصلاح معين، وثائر في داخله. يريد أن يكون الجميع ثائرين مثله! وقد تضرهم هذه الثورة، وقد يخطئون فيها، وقد لا تكون حكيمة…! أو شخص يحب الرهبنة، فيدعوا الكل إليها وقد لا تناسبهم!
5– رابح النفوس الحكيم ينبغي أن يكون صبورًا لا يمل.
ليس من الحكمة أن يتعجل الثمر ولا أن ييأس من مخدومه ويتركه، إن لم يستجب لتعليمه بسرعة… أو تحتد أعصابه عليه ويكثر توبيخه! لئلا يفشل ذاك أيضًا.
الخدمة تحتاج إلى طول أناة، وإلى رفق بالخطاة. كما أن الرب نفسه يتأنى، وطول أناته تقتاد إلى التوبة (رو2: 4).
بطول الأناة تحول أوغسطينوس من شاب خاطئ إلى قديس عظيم، وتحول شاول الطرسوسي من مضطهد للكنيسة إلى أكبر كارز تعب في الخدمة.
لذلك لا تشطب من كشفك أسماء الذين افتقدتهم بضع مرات ولم يحضروا ولا تيأس من الذين نصحتهم مرارًا ولم يتوبوا… ولا تظن أنه لا استجابة. ربما توجد الاستجابة، ولكن تحتاج إلى وقت…
على أية الحالات، هذا الموضوع يحتاج منا إلى عودة أخرى لنستكمل باقي نقاطه…
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “مقالات في الخدمة – رابح النفوس حكيم”، وطني 9 فبراير 1986م.




