داود النبي جـ4 – أخطاء داود

داود النبي – بين الخطية والتوبة
تحدث قداسة البابا شنوده الثالث عن داود النبي، مبينًا أنه رغم برّه العظيم إلا أنه لم يكن معصومًا من الخطأ، فقد سقط في خطايا متنوعة مثل محاولته قتل نابال الكرملي بدافع الانتقام، وخطيته مع بثشبع زوجة أوريا الحثي، ثم سعيه لإخفاء الخطأ بخطايا أكبر انتهت بقتل أوريا. وكان ضميره في تلك الفترة نائمًا حتى أيقظه ناثان النبي بتوبيخه، فصرخ داود: «أخطأت إلى الرب»، وعاد بتوبة صادقة.
طبيعة داود الروحية
أوضح البابا أن خطايا داود كانت طارئة لا أصيلة في طبيعته، إذ كان في جوهره بارًا لكن الضعف البشري أسقطه أحيانًا. أما شاول فكان الشر متأصلاً فيه، ولذلك حين تاب لم تكن توبته حقيقية. داود أخطأ لكنه كان سريع التوبة، منسحق القلب، عائدًا دومًا إلى الله.
عدّ الشعب والكبرياء
من أخطاء داود أيضًا أنه عدّ الشعب بدافع الكبرياء والافتخار، فسمح الله بعقوبة أرضية ليؤدبه. وأُعطي الخيار بين ثلاث عقوبات، فاختار أن يسقط في يد الله لا في يد إنسان، قائلاً: «لأن مراحم الله كثيرة». وهنا أظهر عمق ثقته في رحمة الرب رغم قسوة التأديب.
العقوبة الأرضية وتأديب المحبة
أكد البابا أن الله لم يترك داود بلا تأديب، رغم محبته له واختياره له ملكًا. فالعقوبة كانت تأديبًا من أجل الخلاص لا انتقامًا. فقد عوقب بأن لا يبني الهيكل لأن يداه تلوثتا بالدماء، ومات ابنه المولود من بثشبع، ووقع الزنا والقتل داخل بيته بين أولاده، وتمرد عليه ابنه أبشالوم. ومع ذلك كان الرب ينقيه ليصير قلبه أعمق وأنقى.
تأديب الله رحمة
قال قداسة البابا إن التأديب علامة حب، لأن «الذي يحبه الرب يؤدبه». فكما عوقب موسى بعدم دخول أرض الموعد، هكذا داود تأدب لينضج في التواضع. وقد تحولت آلامه إلى مزامير انسحاق مثل: «ارحمني يا الله كعظيم رحمتك»، فصارت دموعه لحنًا مقدسًا يرفع التائبين إلى الله عبر الأجيال.
تجربة أبشالوم وخيانة الأبناء
روى البابا تفاصيل تمرد أبشالوم على أبيه داود، وكيف انقلب الابن الجميل على أبيه وجمع حوله أنصارًا، بل جعل مستشار داود أخيتوفل ينقلب عليه. ورغم كل هذا قال داود للجيش: «ترفقوا بالفتى أبشالوم لأجلي». وحين مات أبشالوم، بكى عليه داود بمرارة قائلاً: «يا ابني أبشالوم، يا ليتني متّ عوضًا عنك!»، مبينًا أن قلب الأب غلب جراح الملوك.
الاتضاع أمام الشتيمة والإهانة
حين لقيه شمعي بن جيرا وهو هارب، وشتمه ورماه بالحجارة، لم يغضب داود بل قال: «الرب قال له اشتم داود». فاحتمل الإهانة باتضاع، مدركًا أنها من يد الله لتكميل تأديبه. كان يرى يد الله في كل ضيقة، ويقبلها بشكر وانسحاق.
داود الأب والملك
رغم كل ما خسره — أولاده وكرامته وملكه — ظل داود أبًا محبًا ومتواضعًا. أعدّ لسليمان كل شيء لبناء الهيكل، وفرح وهو يرى ابنه يُمسح ملكًا في حياته، قائلاً: «مبارك الرب الذي جعل عينيّ تريان ابني يجلس على عرشي». وتنبأ له الرب أن رحمته لن تُنزع عنه كما نُزعت من شاول.
الدرس الروحي
من حياة داود نتعلم أن التوبة الحقيقية أقوى من السقوط، وأن الله لا يرفض الخاطئ التائب. فالله قد يسمح بالعقوبة ليطهّر القلب، ويحوّل الألم إلى ترنيمة. دموع داوود كانت صلاته، وتأديبه صار خلاصًا، لذلك بقي مثالًا خالدًا للتوبة والرجاء.
للمساعدة في ترجمة أفضل يمكن التواصل مع المركز.



