خليفة الرسل- وداعته وحلمه

خليفة الرسل
تحدثنا في العددين الماضيين عن وظيفة الأسقف، وعن عمله في التعليم… وفي هذا العدد نتابع حديثنا عن الأسقف.
خليفة الرسل – وداعته وحمله
إن الذي يؤتمن على أرواح الناس، ينبغي أن يكون وديعًا، حليمًا، طويل الأناة، واسع الصدر… بعيدًا عن الثورة والغضب.
إن الرب إلهنا قد اختار للرعاية أناسًا اتصفوا بالدعة والحلم.
عندما كان موسى النبي حامي الطبع، شديدًا عنيفًا في تصرفاته (خر2: 13). لم يأتمنه الله على قيادة شعبه، وإنما تركه ليتعلم الوداعة والطيبة في رعي الغنم. ثم عاد الرب واستخدم موسى الذي قال عنه الكتاب “أَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الذِينَ عَلى وَجْهِ الأَرْضِ” (عد12: 3).
على هذا النحو أيضًا كان داود النبي، الذي قال عنه المرنم في المزمور “اذْكُر يا رَبُّ داوُدَ وكُلّ مَذَلَّتِهِ” (مز131: 1).
وقال الوحي الإلهي عن سليمان “وَأَعْطَى اللَّهُ سُلَيْمَانَ حِكْمَةً وَفَهْمًا كَثِيرًا جِدًّا وَرَحْبَةَ قَلْبٍ كَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ” (1مل4: 29).
إن كانت القيادة العامة تحتاج إلى الحلم والدعة وطول الروح، فكم بالحري قيادة النفوس في طريق الرب؟!
ماذا يقول الكتاب المقدس وقوانين الكنيسة وطقوسها عن وداعة الأسقف وحلمه
يقول بولس الرسول “يَجِبُ انْ يَكُونَ الأُسْقُفُ… حَلِيماً، غَيْرَ مُخَاصِمٍ” (1تى3: 3) وينصح تلميذه تيموثاوس الأسقف في نفس الرسالة (1تى6: 11) بأن يتبع “الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالصَّبْرَ وَالْوَدَاعَةَ”.
ويقول الآباء الرسل في الباب الثالث من الدسقولية أنه يجب أن يكون الأسقف رحيمًا، حليمًا، ورؤوفًا، صبورًا، ذا سلامة.
ولا يكون غضوبًا
ولا يكون حرونًا، ولا متسرعًا، ولا صاحب وقيعة، ولا سَّماعًا، ولا ضَّرابًا.
ولا يجوز مطلقا أن يكون الراعي شتامًا: لأن الكتاب يقول “بَارِكُوا وَلاَ تَلْعَنُوا“ (رو12: 14)، “والفم الذي يبارك لا يعلن”. إن يعقوب الرسول يتعجب قائلًا “مِنَ الْفَمِ الْوَاحِدِ تَخْرُجُ بَرَكَةٌ وَلَعْنَةٌ! لاَ يَصْلُحُ يَا إِخْوَتِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأُمُورُ هَكَذَا! أَلَعَلَّ يَنْبُوعًا يُنْبِعُ مِنْ نَفْسِ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ الْعَذْبَ وَالْمُرَّ؟” (يع3: 10، 11) وكم هو مرعب قول بولس الرسول إنه “لاَ شَتَّامُونَ… يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ” (1كو6: 10).
وقوانين الرسل تشترط في الأسقف أن يكون رؤوفًا، بلا خطيئة، ولا غضب (1: 13).
أما القانون 18 من الكتاب الثاني لقوانين الرسل فيمنع الأسقف وباقي الإكليروس (بعقوبة خطيرة) من أن يضربوا أو يلعنوا أحدًا- مؤمنًا أو غير مؤمن- إذا أخطأ.
إن السيد المسيح يصيح بنا جميعا “تَعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ” (متى11: 29). والكنيسة تذكرنا في صلاة باكر في كل صباح أن نسلك “بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ” (أف4: 2). وينادينا الرسول أن نكون “حُلَمَاءَ، مُظْهِرِينَ كُلَّ وَدَاعَةٍ لِجَمِيعِ النَّاسِ” (تى3: 2)، لأن الوداعة وطول الاناة، واللطف، هي من ثمار الروح القدس في الإنسان (غل5: 22، 23). والإنسان العالم الحكيم تظهر أعماله “بِالتَّصَرُّفِ الْحَسَنِ فِي وَدَاعَةِ الْحِكْمَةِ” (يع3: 13).
فإن كانت الوداعة صفة عامة لجميع المؤمنين، فهي بخليفة الرسل أحرى وأولى.
أن الاثنتي عشرة فضيلة التي ترتل للأسقف في الاحتفالات، من بينها: الوداعة الصبر وطول الروح
كيف يعاقب الأسقف خاطئًا
1- من حق الأسقف- بل من واجبه- أن يعظ ويوبخ وينتهر.
فإلى أي مدى يحافظ على وداعته وحلمه في توبيخ الخطاة؟
2- إن غضب الأسقف من أجل الحق، فكيف يغضب: بأية صورة، وإلى أي حد؟ وكيف دون أن يخطئ؟
3- وإن اضطر أن يعاقب الخطاة: فكيف يعاقبهم:
هل هو مطلق السلطان في المعاقبة أم مقيد بشروط؟
وما هي الشروط التي يتقيد بها الأسقف في أحكامه؟
هل يجوز أن يسرع في إلقاء أحكامة، أم يطيل أناته إلى أبعد ما تحتمل من طول؟
هل يجوز أن يعاقب بدون فحص، وبدون محاكمة، وبدون سماع دفاع المحكوم عليه؟ وإن كان لابد من محاكمة، فما هي إجراءاتها وشروطها؟
انتظر الإجابة عن هذه الاسئلة في العدد المقبل بمشيئة الرب.
مقالة لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة: العدد العاشر ديسمبر 1965



