خطوات في الطريق إلى الله – من التواضع: احترام الآخرين

خطوات في الطريق إلى الله
أتابع معكم حديثنا عن الاتضاع. فنتأمل معًا صفة من صفات المتضعين، وهي احترام الآخرين.
من التواضع: احترام الآخرين[1]
المتواضع يحترم غيره، صغيرًا كان أم كبيرًا. أما المتكبر، فإنه يتعالى على مَن هو أصغر منه، ولا يحترم الكبار.
السيد المسيح في كل عظمته، أعطانا مثالًا في احترام الناس.
ما أعجبه وهو يقول ليوحنا المعمدان: “اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ” (مت3: 15)، (إنه احترام للناس، وللشريعة).
وفي تواضعه، خضع للناموس بكل تفاصيله. إننا لنذهل، إذ نسمعه بعد تطهيره للأبرص، يقول له: “اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ” (مت8: 4). يا سيدي ألست أنت هو الكاهن الأعظم؟ ما حاجتي إلى كاهن؟! لا يا بني، يليق بنا أن نكمل كل بر، ونعطي كل ذي حق حقه، نعطي للكاهن وللشريعة احترامهما.
وبالمثل لما اختار شاول الطرسوسي، أرسله إلى حنانيا، ولما قرر قبول كرنيليوس، طلب إليه أن يستدعي سمعان بطرس. ولما دعا برنابا وشاول للخدمة، طلب من الرسل أن يفرزوهما.
عجيب أن الرب في تواضعه، لا يتخطى وكلاءه.
لا نقول إنه يحترم عبيده، فربما هذا التعبير غير مقبول لاهوتيًا. وإنما نقول إنه في معاملته لهم، يحتفظ لهم بكرامتهم “لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا… لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ” (يو15:15).
وهكذا لا يستنكف من أن يدعوهم إخوته، ويصير بكرًا وسط إخوة كثيرين. ويقول للمجدلية: “اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ” (يو20: 17). وفي اتضاعه يغسل أرجل تلاميذه. ويقول ليهوذا الخائن: “يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟” (مت26: 50)، “يا صاحب” وليس “يا خائن”!
إنه لا يجرح شعور أحد، لا الخائن، ولا المرأة الخاطئة.
لم يوبخ التي ضُبطت في ذات الفعل، بل قال لها: “وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا” (يو8: 11). وقال للسامرية: “لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ” (يو4: 18)، فاستعمل كلمة (أزواج) لكيلا يجرح شعورها، ولا يخدش حياءها. وأحاط هذا الاعتراف بكلمتين رقيقتين “حَسَنًا قُلْتِ… هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ” (يو4: 17، 18).
إنه يعطينا درسًا في حفظ كرامة الناس، مهما بدا أنهم أقل كثيرًا سواء في المركز، أو الدرجة الروحية…
واتضاعه يظهر أيضًا في احترامه لأمّه، وطاعته لها، كما في مثال تحويل الماء إلى خمر، مع أنه كان يرى أن سَاعَتِه لَمْ تَأْتِ بَعْدُ (يو2: 4)، ومع ذلك نفّذ لها رغبتها.
وعلى هذا النهج سار القديسون في احترام الكبار…
ليس الكبار في القرابة والمركز فقط، وإنما في السن أيضًا:
تأملوا بولس الرسول يقول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: “لاَ تَزْجُرْ شَيْخًا بَلْ عِظْهُ كَأَبٍ، وَالأَحْدَاثَ كَإِخْوَةٍ، وَالْعَجَائِزَ كَأُمَّهَاتٍ، وَالْحَدَثَاتِ كَأَخَوَاتٍ” (1تي5: 1-2)؛ مع أن الكل أبناؤه من الناحية الروحية والرعوية، ولكنه يدعوهم آباء وأمهات وإخوة. ونفس بولس الرسول يقول: “سَلِّمُوا عَلَى رُوفُسَ الْمُخْتَارِ… وَعَلَى أُمِّهِ أُمِّي” (رو16: 13).
واحترام الشيوخ، نجده واضحًا جدًا في بستان الرهبان…
وفي قصة أيوب الصديق، نجد أصحاب أيوب الثلاثة قد ناقشوه ثمانية وعشرين إصحاحًا، وكان هناك رابع اسمه أليهو ظلَّ صامتًا احترامًا لسنهم. وأخيرًا قال لهم: “أَنَا صَغِيرٌ فِي الأَيَّامِ وَأَنْتُمْ شُيُوخٌ، لأَجْلِ ذلِكَ خِفْتُ وَخَشِيتُ أَنْ أُبْدِيَ لَكُمْ رَأْيِيِ. قُلْتُ الأَيَّامُ تَتَكَلَّمُ، وَكَثْرَةُ السِّنِينَ تُظْهِرُ حِكْمَةً” (أي32: 6، 7).
يقول الكتاب: “مِنْ أَمَامِ الأَشْيَبِ تَقُومُ وَتَحْتَرِمُ وَجْهَ الشَّيْخِ” (لا 19: 32). وفي أدب بستان الرهبان “إن جلست وسط الشيوخ فاصمت. وإن سألوك عن شيء، فقل لا أعرف”.
ونفس الوضع (احترام الكبار) نجده في أخلاقنا الريفية.
يقَبلون يَد الأب والجد، ويحترمون العم كالأب تمامًا، ويكلمون الكبار بتوقير، ولا يجلسون أمام كبير واقف، ويترجلون عن دوابهم أمام من هو أكبر منهم. إنها روحيات دخلت في أدب المجتمع.
كذلك نفس الاحترام في الأدب الكنسي… في الكلام وفي التصرف.
إن طلب مطران الحِل، يقولون له: “من فمك يا سيدنا..”، ولا يبدأ كاهن الصلاة، دون أن يأذن له الأسقف أولًا. ولا يلبس رجال الإكليروس ملابسهم الكهنوتية – في وجود الأسقف – إلاَّ إن رشمها لهم أولًا. إنه احترام الأبوة والكهنوت.
إنَّ احترام رجال الكهنوت. هو احترام لله نفسه، لأنهم وكلاؤه وعنهم قال: مَن يكرمكم يكرمني، ومن يرذلكم يرذلني.
أما التفكير البروتستانتي، فليس فيه احترام الآباء، لأنه ليس فيه اتضاع… وفي خطأ وكبرياء، يحاول أن يفسر عبارة: “وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ”… ولا سيدًا، ولا معلمًا (مت23)! ويقول أيضًا في كبرياء إن كل الناس ملوك وكهنة، بلا فارق!!
وعدم احترام الآباء والكهنوت، جرّ إلى عدم احترام القديسين!
ما أعجب قول الأخوة البلاميس عن أبي الآباء إبراهيم (الأخ إبراهيم) وعن الرسولين العظيمين بولس وبطرس (الأخ بولس) و(الأخ بطرس). بل يقولون أيضًا (الأخ يسوع). أو (يسوع) فقط!!
أما الكنيسة فقد عودتنا أن نقول: “القديس العظيم بولس الرسول، بركاته مع جميعنا آمين”. وعودتنا أن نقول قبل الإنجيل: “ربنا وإلهنا ومخلصنا وملكنا كلنا، يسوع المسيح، الذي له المجد الدائم إلى الأبد آمين”… نعم، هكذا يكون الاحترام والتوقير.
احترامنا للرَّب يدعونا إلى السجود أمامه، وإلى الصلاة ونحن وقوف. وليس كما يفعل البعض، يصلون وهم جالسون!
واحترامنا للرب يدعونا إلى احترام كتابه: نقرأه في الكنيسة ونحن وقوف، ونسبق قراءته بالبخور، وبصلاة أن يجعلنا مستحقين للسمع والعمل. وبنفس الوضع نحترم الكنيسة، ونحترم القديسين ونتشفع بهم، ونعيد لهم، ونبني الكنائس على أسمائهم، ونطلب بركتهم، نوقد الشموع أمام أيقوناتهم. إنهم آباؤنا وسادتنا، وسيظلون كذلك.
نقول بكل احترام: “سيدتنا كلنا والدة الإله الطاهرة القديسة مريم“. ونقول سادتنا الرسل. ونستخدم لقب (مار) أي (سيد)، فنقول مار جرجس، ومار مينا، ومار إفرام، ومارت مريم…
وبنفس الوضع نحترم الآباء الكهنة والآباء الرهبان. ونقول للراهب أبونا فلان، وللراهبة أمنا فلانة، بلون من الاحترام لتفرغهم لعبادة الله وخدمته، حتى لو كانوا حديثين في السيامة.
إن الكنيسة الأرثوذكسية مشهورة باتضاعها، وباحترامها للغير، واحترامها لكل ما هو مقدس، ومخصص لله…
وبنفس الأسلوب نحترم القوانين الكنسية، والتقاليد، وأقوال الآباء، وقرارات المجامع المقدسة، ونحترم كلام آبائنا، ونطلب بركتهم.
أما الطوائف الأخرى، فليس لها احترام القوانين هذا، ولا احترام أقوال الآباء، ولا احترام الرئاسات الكنسية. لذلك فكل واحد يفسر كما يشاء، ولا يخضع لأحد. وكانت النتيجة أن تكونت عشرات بل مئات المذاهب، بلا ضابط…
إن البنوة والأبوة في كنيستنا يلفهما الاتضاع، ومشاعر الاحترام. الابن يحترم الأب، والأب يحفظ كرامة ابنه، في اتضاع.
خذوا مثالًا لهذا الأمر، ما قد تعلمناه في مثل (الابن الضال) سواء من جهة الابن في احترامه لأبيه، أو الأب في اتضاعه…
الابن يأتي ليقول لأبيه في احترام “أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا”؛ والأب في حبٍ وفي حرصٍ على كرامة ابنه، يغمره بعطف لا يسمح له بأن يقول العبارة الأخيرة: “اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ” (لو15: 18-19). وبنفس الاتضاع يتكلم الأب مع ابنه الأكبر الغاضب، ويشرح له ويقنعه، دون أن يوبخه على أسلوبه الشديد وسوء معاملته لأخيه…
وهذا يجعلنا أيضًا نبحث موضوع التوبيخ، ومدى تمشّيه مع روح الاتضاع، وإلى أي درجة يمكن للإنسان أن يوبخ…
كثيرون يضعون أمامهم قول بولس الرسول للأسقف تيموثاوس: “وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ” (2تي4: 2) كما لو كان لهم سلطان بولس الرسول، أو سلطان تلميذه الأسقف. وقد يُوبّخون في شدة وفي قسوة، وفي غير احترام للناس، ويظنون هذه فضيلة… وينسون كيف كان القديس بولس – الذي قال هذه العبارة – يوبخ وينتهر.
إنه يقول: “ثَلاَثَ سِنِينَ… لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ” (أع20: 31). ويقول أيضًا: “أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ بِوَدَاعَةِ الْمَسِيحِ وَحِلْمِهِ، أَنَا نَفْسِي بُولُسُ الَّذِي فِي الْحَضْرَةِ ذَلِيلٌ بَيْنَكُمْ، وَأَمَّا فِي الْغَيْبَةِ فَمُتَجَاسِرٌ عَلَيْكُمْ” (2كو10: 1).
لاحظوا أنه (ينذر بدموع)، “فِي الْحَضْرَةِ ذَلِيلٌ”، لذلك يتشجع بالكتابة، ويحسب نفسه “في الغيبة متجاسرًا عليهم”…
هذا هو أسلوب الشخص المتواضع، حينما يوبخ، لا بروح التعالي، ولا بقسوة الأسلوب، ولا بالصوت العالي المتسلط. وإنما بأسلوب الذي يحس بالخشبة في عينه، وهو يخرج القذى من عين أخيه…
إنه أسلوب الذي يطلب حق الله من نفسه أولًا… قبل أن يطلب حق الله من الآخرين. فيوبخ في “وَدَاعَةِ الْمَسِيحِ وَحِلْمِهِ”. تُرى ماذا كانت وداعة المسيح؟
عجيب لهؤلاء الذين لا يرون السيد المسيح، إلا ممسكًا بالسوط، ولا يسمعونه إلا في عبارة: “وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ” (مت23: 13)، كما لو كانت حياة المسيح هي هذه فقط!!
إن السيد المسيح عامل الكتبة والفريسيين بكل لطف وبكل احتمال، دون أن يرد عليهم، بل كان يزورهم، وكان بكل وداعة وحلم يحاول إقناعهم. أما هذا التوبيخ فكان في الأسبوع الأخير بالذات، حينما أراد أن يمهد لتغيير القيادات قبل صلبه، حتى لا تسيطر على الكنيسة الجديدة التي سيؤسسها بدمه…
لذلك كشف رياءهم في الأسبوع الأخير، بعد طول صبر، وليس هم فقط، بل وأيضًا الصدوقيين والناموسيين والكهنة. لأنه كان بصدد تخليص الكنيسة الجديدة من القيادات القديمة، حتى لا تستمر هذه القيادات في إتلافها للعمل الروحي…
فهل أنت في نفس موقف المسيح؟ وهل لك سلطانه؟ وهل لك وداعته وحلمه؟ أم إنك توبخ في غير اتضاع؟
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد الرابع والعشرون 16-6-1978م



