خطوات في الطريق إلى الله – خطوات في الطريق الروحي

خطوات في الطريق إلى الله
نحدثكم عن خطوات في الطريق إلى الله: ما هي طبيعة العلاقة بيننا وبين الله: كيف تبدأ، وكيف تتطور، وإلى أين تصل؟
خطوات في الطريق الروحي[1]
تبدأ الحياة مع الله، بالالتقاء به. يقابلك الله في طريق الحياة، يقدم لك ذاته بطريقة ما، فتتكون صلة…
وتكون الخطوة الأولى هي التعرف على الله، والتعرف على الله غير معرفة الله، التي تبدأ ولا تنتهي…
وإذ تتعرف على الله، وعلى طرقه، تشعر كم أنت بعيد عنه، وكم أنت تعاديه، فتبدأ تدخلك مخافة الله.
وكما قال الكتاب: “بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ” (أم9: 10).
مخافة الله تدعوك إلى مصالحته، فتقودك إلى التوبة، وإلى العمل بوصاياه. وكلما تسلك في طريق الرَّب وفي طاعته، تشعر بلذة هذه الحياة الجديدة، وتحبها.
وهكذا لا تستمر في المخافة، وإنما تقودك إلى المحبة.
وكلما تتعمق في محبة الله، يزول منك الخوف شيئًا فشيئًا. وكما قال القديس يوحنا الرسول: “لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ” (1يو4: 18).
وفي حياة الحب تتعرف على الله بالأكثر. كلما تعرفه تحبه، وكلما تحبه تزداد معرفتك له ويكشف لك ذاته.
في الحقيقة نحن لا نعرف الله كما ينبغي. وكما قال بولس الرسول: “الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ… لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ” (1كو13: 12). وأمام عبارة (وجهًا لوجه) يقف الشخص منا منذهلًا… تُرى ماذا تعني هذه العبارة؟
هناك أشخاص يعرفون الله مجرد معرفة عقلية.. معرفة من الكتب، أو من الاستماع للوعظ والتعليم، أو من علم اللاهوت أو من قانون الإيمان…
ولكن المعرفة العقلية وحدها لا تكفي، ما لم تسندها العشرة، وبالعشرة تعرف الله معرفة اختبارية، أكثر يقينًا وبطريقة عملية.
إن الشياطين يعرفون الله معرفة عقلية، غير كاملة، وليست معرفة الحب والعشرة. لذلك يقول عنهم معلمنا يعقوب الرسول: “الشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ..” (يع2: 19).
والمعرفة العقلية معرفة سطحية، لم تدخل إلى العمق.
قد تعرف بها بعض صفات الله. ولكنك تقف عند العناوين، ولا تعلم تمامًا ما بداخلها من أمور تذهل العقل، وتملأ القلب بمشاعر الحب والتوقير والاشتياق…
مَن مِن الناس استطاع حقًا أن يعرف الله؟!
لذلك فإن ربنا يسوع المسيح يقول للآب: “أَيُّهَا الآبُ.. إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ، أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ…” (يو17: 25)، ويقول الإنجيل أيضًا: “وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ” (مت11: 27).
ليتنا نصلي أن يكشف الله لنا ذاته، لكي نعرفه.. فمعرفة الله أمر عميق جدًا، اشتهاه الرسل والقديسون، ومن أجل معرفة الله، ضحوا بكل شيء لكي يعرفوه.
استمعوا إلى بولس الرسول وهو يقول: “لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً، بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ”. ومن أجل هذه المعرفة خسر بولس الرسول كل شيء وهو يحسبه نفاية، وفي ذلك يقول: “لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ” (في3: 7-10).
أمام هذا اللون من المعرفة، نسأل أنفسنا: أحقًا نحن نعرف الله؟ أو كما يقول الكتاب: “جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟” (2كو13: 5).
هل المسيح بالنسبة إلينا هو “الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا” (1يو1:1)؟ أم هو الذي سمعنا عنه من آخرين؟
هذه المعرفة تجعلنا نسأل: هل لنا شركة معه؟
كما ينصحنا القديس يوحنا الرسول بقوله: “لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (1يو1: 3).
ولكن كيف نعرفه؟ هل يستطيع الإنسان المحدود أن يعرف الله غير المحدود؟ هل يتسع عقله لذلك وقلبه؟
في الواقع، كلما نحيا مع الله، نعرف عنه شيئًا. وكلما تتعمق حياتنا معه، نعرف أكثر.. ثم يكشف لنا الله أشياء عن ذاته، فيملكنا الدهش والعجب، ونقف مبهورين، وقد عقد الصمت ألسنتنا، لا نستطيع أن نعبر عما عرفناه عن الله، لأنها (أمور لا يُنطق بها) كما قال الرسول.
إن معرفة الله تقود حقًا إلى الدَهش… وقد يكشف لنا الله مزيدًا من المعرفة، فلا نحتمل، ونصرخ قائلين: “كفانا كفانا” إن بشريتنا وهي في الجسد لا تحتمل كل هذا…
هذا الذي يكشفه لنا الله عن ذاته، هو ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر.
إنه النعيم الأكبر في الملكوت، أن نعاشر الله، ونعرفه، وبغير ذلك لا يكون الملكوت ملكوتًا، ولا يكون النعيم نعيمًا… إننا سننعم حقًا بالله وفضل معرفته.
وحتى في الملكوت، سنعرف الله بالتدريج، على قدر احتمالنا.
سيكشف لنا الله كل يوم شيئًا من ذاته يملؤنا سعادة وبهجة. ولكن متى نعرفه “وجهًا لوجه”؟ متى نعرف الله كمال المعرفة؟ يقول السيد المسيح: “وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ” (يو17: 3).
إذًا معرفة الله ليست الشيء الهين. إنها تبدأ ههنا على الأرض، ولكنها لا تكمل إلا في الأبدية…
والذين لم يعرفوا الله على الأرض، لن يعرفوه في السماء، ولن يعرفهم. أخشى أن يقول الله لهؤلاء في اليوم الأخير: “فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!” (مت7: 23).
هنا إذًا مذاقة الملكوت “ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ” (مز34: 8). والذي لم يذق الله ههنا، لن ينعم به في الأبدية.
إذًا في علاقتك مع الرَّب، يمكنك أن تسأل نفسك: هل حقًا ذقت الرب؟ وهل شعرت كم هو حلو في فمك، وكم عِشرته جميلة، وكم هي ألذ من كل شيء…
إذًا لا بد أن تدخل في عشرة الله، لكي تعرفه…
لا بد أن تحيا معه، وتختبره. ولا بد أن يكون له وجود فعلي في حياتك. يسكن في داخلك، وتحس سكناه فيك، تحس نعمته وعمله وحبه. ينطق على فمك، ويقود حياتك. ويكون قلبك فعلًا هيكلًا للروح القدس. وتدرك تمامًا معنى قوله: “وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ وإِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” (مت28: 20) …
هل جربت عبارة “اثبتوا فيَّ، وأنا فيكم” (يو15: 3)؟
“الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ” (يو15: 5). هل اختبرت هذا الثبوت المتبادل، في حياتك الروحية؟ وهل شعرت كم هو لازم لحياتك، لتأتي بثمر؟ وهل كل ثمارك الروحية ناتجة عن هذا الثبوت وحده؟
هل في ثباتك في الله، انفصلت عن كل شيء آخر؟
لأن الكتاب يقول: “وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟” (2كو6: 14). هل شعرت أنك غصن في الكرمة، تسري فيك عصارة الكرمة وحياتها، فتعطي ثمارًا من نفس النوع؟ هل في ثباتك في الله، صرت ثابتًا في البر وفي الحق وفي القداسة؟
هناك عبارات معينة قالها مختبرو الرَّب، هل عرفت مدى عمقها في حياتك؟ وهل تستطيع أن تقولها معهم؟…
هل عرفت معنى عبارة “وَأُوجَدَ فِيهِ” (في3: 9)، الذي به “نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ” (أع17: 28)، وهل اختبرت عبارة: “فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ”؟ (غلا2: 20) هل أنت فعلًا سائر في نفس الطريق الذي سار فيه هؤلاء الآباء…
إن من علامات حياتك مع الله، أن تكتفي به…
داود الذي اختبر الرب قال له: “وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ” (مز73: 25)، وقال أيضًا: “الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ” (مز23: 1).
فهل أنت كذلك. هل الله قد أشبع حياتك تمامًا، ولم تعد محتاجًا إلى شيء آخر إلى جواره؟ هل أصبح الله بالنسبة إليك هو الكل في الكل. أم أن قلبك ما زال ينبض بأمور أخرى في العالم، يحن إليها ويشتاق، قليلة كانت أم كثيرة؟
تأمل حياة آبائنا السواح والمتوحدين كمثال في الاكتفاء بالله…
كيف كان الواحد منهم يقضي ستين سنة أو ثمانين، لا يرى أثناءها وجه إنسان، ومع ذلك لا يشعر أنه يعوزه شيء. ذلك لأن الله استطاع أن يملأ حياته كلها، يملأ قلبه وفكره، فلا تنقصه رغبة أخرى تشبعه!
إن كنت لم تصل إلى هذا المستوى، فابدأ ولو بالقليل…
تدرب على الكلام مع الله. ولست أقصد مجرد الصلاة، إنما أقصد لذة التحدث إلى الله، الصلاة الممزوجة بالفرح؛ فرح التحدث مع الله، بحيث لا تود أن تنتهي. درب نفسك أيضًا على التفكير في الله، وفي صفاته الجميلة، وفي حسن معاملته، وفي مجده وعظمته، وفي حبه ولطفه، وفي سمائه وملكوته… وليكن هذا الفكر مشبعًا لقلبك.
وبالإضافة إلى لذة الحديث مع الله، ومتعة التفكير فيه، درب نفسك أيضًا على أن تشرك الله في حياتك…
اعتمد عليه تمامًا. ليكن هو ولي أمرك، تعرض عليه كل أمورك، لكي يتولاها ويدبرها. إنك تعتمد على كثيرين، وعلى فكرك في تدبير حياتك وحل مشاكلك. فهل فكرت أن تعتمد على الرب تمامًا، وأن تلقي كل أحمالك عليه؟ وهل تدربت على الثقة به؟ وهل تعودت أن تنتظر الرب، من محرس الصبح إلى الليل، بكل إيمان؟
هل دخلتَ في حياة الشركة مع الرب؟
وأصبحت بهذا لا تعمل شيئًا بمفردك، مهما كان بسيطًا، وإنما أنت عامل مع الله، وأنت تشعر بيد الله في حياتك، وتشعر أنك بدونه لم تفعل شيئًا في حياتك “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ” (يو1: 3).
لا تكن سلبيًا في علاقتك بالله، خذ منه موقفًا…
وهذا الموقف هو أن تصير له، وأن تسلّمه حياتك، وأن تحيا بأمانة كاملة في علاقتك به، تتقدم كل يوم خطوة جديدة تعمق صلتك به، مغنّيًا مع عذراء النشيد “حَبِيبِي لِي وَأَنَا لَهُ” (نش2:
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد التاسع والعشرون 21-7-1978م




