خطوات في الطريق إلى الله – بعض مظاهر الكبرياء

خطوات في الطريق إلى الله
تكلمنا في الأسبوع الماضي، عن انسحاق القلب باعتباره الخطوة الأولى في الطريق إلى الله، كسببٍ للتوبة ونتيجةٍ لها. ولما كانت الكبرياء هي عائقٌ ضخم أمام التوبة، لذلك أحب أن أحدثكم عن بعض مظاهر ونتائج الكبرياء.
بعض مظاهر الكبرياء[1]
لو عرف الإنسان ما هي الأضرار التي تنتج عن الكبرياء، لفهم تمامًا قيمة الاتضاع. قال أحد القديسين: “إن كل خطية تحارب الفضيلة التي تضادها”. فالخيانة مثلًا تحارب الأمانة، والزنا يحارب العفة. والكذب يحارب الصدق. أما الكبرياء فتحارب كل الفضائل...
سبب الخطية الكبرياء
وما أروع قول الكتاب في ذلك: “قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ” (أم16: 18). الكبرياء تجعل النعمة تتخلى، فيسقط الإنسان. والنعمة تتخلى، لكي إذا سقط الإنسان يشعر بضعف. وفي شعوره بضعفه يتضع. وهكذا تعالجه النعمة بالتخلي. هذا إذا استفاد الإنسان من سقوطه فاتضع.
الكبرياء هي الخطية الخطيرة التي قال الكتاب أن الرَّب يقاومها (1بط5:5).
كم أشفق الرَّب على الخطاة، واعتبرهم مرضى يحتاجون إلى طبيب وإلى علاج… أشفق على المرأة الزانية التي ضُبطت في ذات الفعل، ودافع عنها وصرفها بسلام. وأشفق على الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها في انسحاق. وأشفق أيضًا على العشار وفَضَّلَه على الفريسي المتكبر.
أما المتكبرون فقد وقف ضدهم، ويقول الرسول: “اللهَ يُقَاوِمُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً” (1بط 5:5).
إن كان الأمر هكذا فاهرب من الكبرياء… ولكن العجيب أن غالبية المتكبرين يدَّعون أنهم غير متكبرين. وهذا من الكبرياء!
شرح القديس أوغسطينوس أن المتكبرين يبيدون كالدخان فقال: “الدخان يرتفع جدًا إلى فوق! وفيما هو يرتفع يتبدد وينتهي. بعكس اللهيب الذي لا يرتفع كالدخان. ولكنه يبقى بقوته”.
هناك أشخاص حينما تعينهم النعمة، ويجدون أن حياتهم قد تغيرت يفتخرون قائلين: “أنا حياتي تغيرت وتجددت… صرتُ إنسانًا آخر”، ويشرحون حياتهم للناس بطريقة “كنت… وأصبحت…”. وإذ يفتخر الشخص، تبعد عنه النعمة فيسقط. ليته يتذكر قول الكتاب: “مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ” (1كو10: 12). إن كنت قائمًا، فلا تظن قيامك وضعًا دائمًا لا يتغير. وتذكر القديسين الذين سقطوا. وهكذا يتضع قلبك، وتحترس لنفسك.
الاتضاع يحفظك، لأنه قريبٌ هو الرَّب من المنسحقين بقلوبهم.
الإنسان المتضع، إذ يعترف بضعفه، يخاف فيحترس ويدقق، وهكذا يبعد عن العثرات، فلا يسقط. أما المتكبر، فيعتز بقوته ولا يبالي، فتضربه الخطية من حيث لا يدري.
إن الشيطان له خبرة آلاف السنين في محاربة بني البشر.
وقد يجدك محترسًا من خطية معينة فلا يحاربك بها، ولكنه يهاجمك من جهة أخرى، ظننت نفسك فيها قويًا، ويسقطك…
وقد يتركك بلا حرب فترة، حتى تظن أنك قد ارتفعت فوق مستوى الحروب، وتستهين بالاحتراس، وحينئذ يرجع إليك وأنت غير مستعد. وإذ تسقط تتأكد أنك لست فوق السقوط.
لا تظن أن السقوط للمبتدئين فقط، وأنك لست من المبتدئين.
عندما كنت متضعًا ومحترسًا، كنت تصلي بحرارة أن يهبك الله معونة لكيلا تسقط. أما الآن فأنت لا تصلي لأجل هذا السبب، بل ربما تصلي لأجل الآخرين فقط، لأنهم معرّضون للسقوط وليس أنت!! وهكذا تبقى بلا معونة أمام العدو…
من نتائج الكبرياء – غير السقوط – محاولة تبرير الذات باستمرار.
المتكبر باستمرار يدافع عن نفسه. لا يحب مطلقًا أن يبدو في صورة المخطئ. هو دائمًا بار في عيني نفسه، ويريد أن يكون بارًا في أعين الناس. وإن نَبَهَه أحد إلى خطأ واضح، ربما يحاول أن يغطيه بالكذب أو بالأعذار، ناسيًا توبته!! آدم لم يعترف بخطيئته، بل حاول أن يبرر ذاته، وكذلك حواء، وورثنا عنهما تبرير النفس!
والخاطئ يضيف إلى خطيئَتَه التي يبررها، خطيئَة التبرير.
وما أكثر الحيل التي يلجأ إليها الإنسان في التبرير، تخرج جميعها عن النطاق الروحي. وتصير فيها الذات مركز التصرف.
ما أصعب كلمة (أخطأت) على المتكبّر… إنها تجرحه…
وقد يقولها أحيانًا إن كانت تجلب له مديحًا. أو إن كانت صورة الاتضاع ترضي كبرياءه. ولكنه في داخله، لا يشعر إطلاقًا أنه أخطأ. الكلمة قد تخرج من فمه وليس من قلبه. ويقولها – إذا قالها – بلون من السياسة، وليس بروح الاتضاع… بل بروح المنفعة.
ولهذا فإن المتكبر بعيد عن الاعتراف والشعور بالخطأ.
كثير من اعترافات المتكبرين، عبارة عن شكوى من أخطاء الناس إليهم. إنهم لا يعترفون بل يدينون غيرهم. في كل مشكلة، لا بد أن يكون غيرهم هو المخطئ، فمن غير المعقول أن يخطئوا هم!!
لذلك فإن المتكبر كثير الجدال والنقاش لإثبات براءته…
إن التعامل معه ليس سهلًا، والتفاهم معه ليس سهلًا. يريد أن يطيعه جميع الناس، ومن الصعب عليه أن يطيع أحدًا. التفاهم عنده ليس معناه أن يفهم رأي الطرف الآخر، إنما تفاهمه مع غيره معناه أن يقبل هذا الغير رأيه، ويقتنع به…
وإن لم يقتنع غيره، قد يثور ويغضب… ويعالج الموضوع بأعصابه ما دام لم يستطع معالجته بالرأي والفكر والإقناع.
لهذا فإن الغضب زميل للكبرياء، يلازمها كثيرًا وتلازمه…
ولأن المتكبر لا يتنازل مطلقًا عن رأيه، ويظن أن التنازل دليل على الخضوع لا يناسب كرامته، فلهذا يحاول إثبات رأيه بكافة السبل… لا بد أن يكون رأيه هو الحق، لأجل كرامته…
ونتيجة لهذا، يحول الخطأ إلى مبدأ وإلى عقيدة!
إن عاتبته على خطأ، يحاول أن يثبت أن هذا الخطأ أمر مقبول وسليم منطقيًا، وربما يبحث عن آية لإثبات صحته، أو قصة لقديس أو قول لمشهور، ونسمي هذا (فلسفة الأخطاء).
إنسان أخذ إجازة مرضية بدون وجه حق، أو أخذ (خلو رجل)، أو كسب كسبًا غير مشروع، أو تملص من ضريبة، أو كسر يوم الرب… كل هذا له تعليلات عنده تُثبت أنه على حقٍّ.
وهنا تختفي المثاليات، ويختفي الحقُّ، وتبقى الذات والكبرياء…
إن المتكبرين – بهذا الوضع – يقدمون موازين جديدة للخير والشر، تتفق مع ما يريدونه من كرامة، وما يخفونه من أخطاء. مثلما فعل الوجوديون لكي يثبتوا ذواتهم، فغيروا موازين الخير، بل أنكروا وجود الله لكي يتمتعوا تمتعًا خاطئًا بوجودهم!
وما أسهل أن يسمي المتكبرون الأخطاء بغير أسمائها، أو بأسماء فضائل، فتلبس الذئاب ثياب الحملان…
التدليل الذي يفسد الابن يسمونه عطفًا! والقسوة التي تعقد الأبناء يسمونها حزمًا! والحيلة المملوءة خبثًا وكذبًا، لا مانع من أن تُسمى حكمة! بل حتى الرقص واللهو يسمونه فنًا…! وإن دخل هذا المنهج في العقيدة، ما أسهل أن ينزلق المتكبر به إلى البدعة وإلى الهرطقة. ذلك لأن من مظاهر الكبرياء الاعتداد بالرأي والثقة بالنفس، والعناد، والإصرار على الخطأ. وهذه كلها من دعائم الهرطقة…
وفي كل ذلك وغيره يفقد المتكبر وداعته…
بعكس المتواضع. فإنه إنسان رقيق لطيف متواضع، سهل التعامل مع الآخرين، ولهذا فهو محبوب من الكل، يخضع لهم بروح الحب فيكسبهم. وإن وجدت مشكلة يحلها بوداعة الحكمة… أما المتكبر فإنه ليس مخطئًا من الناحية الروحية فقط، بل اجتماعيًا أيضًا…
الإنسان المتكبر هو أيضًا ضد الله، والله ضده…
المتكبر كل ما يفعله من فضيلة ينسبه إلى نفسه، وليس إلى عمل الله معه. وخطاياه قد ينسبها إلى نسيان الله له!
والعجيب أن الكبرياء قد تدخل في العقيدة أيضًا، مثل قول البعض: “يجب أن تطالب بحقوقك في دمِ المسيح”! أي حقوق لك؟ وأنت إنسان خاطئ محكوم عليه بالموت، وعاجز عن إنقاذ نفسه… ومديون لله وعاجز عن إيفاء ديونه! والله من فرط رحمته، خلصك مجانًا بنعمته… فإن كان خلاصك هبة من الله؛ فكيف تطالب بحقوق أيها الخاطئ المديون؟!
إن الخاطئ يقف أمام الله دائمًا خاطئًا، يطلب في انسحاق وشعور بعدم الاستحقاق. لا يعتبر أن له حقًّا… وبهذا يهبه الله كل شيء. أما الذي يطالب الله بحقوق، إنما يوقف الله كمديون أمامه، لم يعط الناس حقوقهم بعد!!
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد العشرون 19-5-1978م




