خطوات في الطريق إلى الله – الرجاء

خطوات في الطريق إلى الله
أحدثكم عن فضيلة من أهم الفضائل في حياة الإنسان… إنها فضيلة الرجاء.
الرجاء[1]
الرجاء هو إحدى الفضائل الثلاث الكبرى (الإيمان والرجاء والمحبة)، حسبما ذكر القديس بولس الرسول (1كو13).
مَن فقد هذا الرجاء يوقعه الشيطان في الكآبة والقلق، بل يوقعه أيضًا في اليأس مثلما حدث مع يهوذا الإسخريوطي، الذي قطع رجاءه في الخلاص، فشنق نفسه…
إن العمل على قطع الرجاء هو من حروب الشياطين…
وقد شرحه داود النبي في المزمور الثالث قائلًا: “يَا رَبُّ لمَاذَا كَثُرَ الَّذِينَ يُحْزِنُونَني. كَثِيرُونَ قَامُوا عَلَيَّ. كَثِيرُونَ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَيْسَ لَهُ خَلاَصٌ بِإِلَهِهِ”، ويستطرد داود في روح الرجاء: “فَأَنْتَ يَا رَبُّ هُوَ نَاصِري، مَجْدِي وَرَافِعُ رَأْسِي” (مز3: 1-3).
إن الشيطان يقول للإنسان الخاطئ: “لا خلاص، لا فائدة من كل جهادك. لقد تخلى الرب عنك. لا معونة لك منه. قد وقعت في يدي وانتهى أمرك”. يقول هذا لكيما يستسلم الإنسان له في يأس، فيقوده إلى الهلاك.
أما السيد المسيح فهو ينبوع الرجاء، بل هو رجاؤنا…
إننا نقول له في صلواتنا: “يا رجاء مَن ليس له رجاء ومعين مَن ليس له معين. عزاء صغيري القلوب. ميناء الذين في العاصف”. إن الذين تتعبهم العواصف في بحر هذا العالم. ميناؤهم الذي يهبهم الرجاء، هو الرب يسوع…
لهذا قيل عنه أيضًا إنه أتى “لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ” (إش61: 1). جاء يمنح رجاء لكل أحد.
بل أن من أروع ما قيل عن نعمة الرجاء في عمل الرب أن ابن الإنسان جاء “يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لو19: 10).
لم يأت فقط ليخلص الخطاة والضالين فقط، أو ليخلص العشارين والسامريين والأمم، وإنما جاء يطلب ويخلص “مَا قَدْ هَلَكَ“! أهناك رجاء أعمق من هذا؟ حتى للهالكين!
بل قيل عنه أيضًا في عمل الرجاء إنه: “قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ” (إش42: 3).
جميل أن نشعر أنه يوجد رجاء حتى للقصبة المرضوضة والفتيلة المدخنة… إنها رقة المسيحية التي تعزي صغيري القلوب… تشدد الركب المخلعة، والأيدي المسترخية.
أتراك ركبة مخلعة، لا تستطيع أن تسير في طريق الرَّب؟! لا تفقد رجاءك. الرب قادر أن يشددك…
إنه يفتح الباب أمام الكل، ويدعوك إليه مهما كانت حالتك رديئة.. حتى إن كانت خطاياك كالقرمز، يغسلك، لا لكي تبيض فقط، وإنما لتبيض أكثر من الثلج…!
إنه يوجد رجاء، مهما طال الوقت وبدا الأمل مفقودًا.
حتى إن شاخ إبراهيم، ومرت عشرات السنوات دون أن يعطى نسلًا، وحتى إن جفَ مستودع سارة… هناك رجاءٌ أن يكون لكليهما تنعم. ما دام الله يريد، وما دام يقدر، إذًا فهناك رجاء. إنه الله الذي لا يعسر عليه أمر. يقدم لنا عبارة رجاء هي:
“غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ” (لو18: 27).
حتى إن أُلقيت في جب الأسود مثل دانيال، وحتى إن أُلقيت في أتون النار مثل الثلاثة فتية، فلا تفقد الرجاء: الله قادر أن يبطل قوة النار، وقادر أن يرسل ملاكه فيسد أفواه الأسود.
المهم أن تكون لك العين الروحية المبصرة، التي تستطيع – في كل ضيقة وتجربة – أن تبصر يد الله ومعونته…
لقد خاف جيحزي لما رأى قوات العدو محيطة بالمدينة، ذلك لأنه لم يكن يبصر ملائكة الله الذين أرسلهم للإنقاذ. لهذا صلى أليشع النبي من أجله وقال: افتح يا رب عيني الغلام، ليرى أن الذين معنا أكثر من الذين علينا. “لا تَخَفْ، لأَنَّ الَّذِينَ مَعَنَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُمْ وَصَلَّى أَلِيشَعُ وَقَالَ: يَا رَبُّ، افْتَحْ عَيْنَيْهِ فَيُبْصِرَ” (2مل6: 16، 17).
ونفس الوضع حدث لشعب بني إسرائيل أمام البحر الأحمر، إذ رأوا البحر أمامهم والعدو خلفهم، فخافوا. أما موسى النبي المملوء بالرجاء وبالإيمان، فإنه قال: “قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ. الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ” (خر14،13:14).
إن الرجاء يرى طريقًا قد شقّه الرَّب في البحر، ويرى الصخرة تُفجّر ماءً، ويرى خلاص الرَّب وسط الضيقات.
حتى إن تأخر الرَّب إلى الهزيع الرابع من الليل، لا يفقد المؤمن رجاءه، ولا ييأس. إنه قد يتأخر، ولكنه لا بد سيأتي وينتهر الأمواج والرياح…
ولقد منحنا الرب في الكتاب أمثلة كثيرة من الرجاء
لقد كان شفاء الأمراض المستعصية، رمزًا يدل على الرجاء.
بالنسبة إلى الشخص العادي، قد يفقد الرجاء أمام مرض خطير كالبرص، أو عاهة غير قابلة للشفاء كالعمى. أو أمام يد يابسة لا تتحرك أو مرض طالت مدته كمرض نازفة الدم التي أنفقت كل مالها على الأطباء 18 سنة دون أية فائدة.
أما المؤمن فله رجاء، مهما كانت الحالة تدعو إلى اليأس. إن الله الذي طهر الأبرص، وفتح عيني الأعمى، وحرك اليد اليابسة، وأوقف دم النازفة، قادر أن ينجي أي إنسان من خطيئته، مهما بدا خلاصه صعبًا…
وفي إقامة الموتى، ترى لونًا من الرجاء أكثر عمقًا…
ولقد قدم لنا الرب أمثلة من إقامة الموتى تختلف في الدرجة. فقد أقام ابنة يايرس، وهي ما زالت في بيتها، وأقام ابن أرملة نايين، بعد أن وضعوه في الصندوق وخرجوا به إلى الطريق وسط المشيّعين. وأقام لعازر بعد أن وضعوه في القبر، ومضت عليه 4 أيام حتى قالت أخته أنه: “قَدْ أَنْتَنَ..” (يو11: 39)، وفقدت رجاءها في إقامته!
أتراك في موت الخطية، يبكي عليك أصحابك، أو يشيعك الناس في حزن؟ أو تراك قد أنتنت في موت الخطية ومضت عليك مدة تدعو إلى اليأس، ثق. هناك رجاء في أن تقوم…
إن الله الذي أقام لعازر، يستطيع أن يقيمك. لا تفقد الأمل أبدًا، فإن الله “يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ” (1تي2: 4). وهو يملك القوة على تخليصك…
إذًا فليتشدد قلبك وانتظر الرب…
الرب الذي قال في المزمور: “مِنْ أجْل شَقَاءِ المسَاكِين وتَنهُّدِ البَائِسينَ الآنَ أقُومُ، يقُولُ الرَّبُّ، أصْنَعُ الَخَلاصَ عَلَانِيةً” (مز12: 5). نعم، قم يا رب. قم وليتبدد جميع أعدائك، وليهرب من قدام وجهك كل مبغضي اسمك القدوس (عد10: 35). أما شعبك الذي ينتظرك في رجاء، فليكن بالبركة ألوف ألوف وربوات ربوات يصنعون مشيئتك.
عبارة أخرى من عبارات الرجاء، يقدمها لنا سفر إشعياء: “وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ” (إش40: 31).
وحتى إن أدركهم الإعياء، يدركهم قول الرب: “يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً، وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً” (إش40: 29).
مثال آخر للرجاء، هو أنشودة العاقر التي لم تلد…
يقول لها الرب في سفر إشعياء: “تَرَنَّمِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ. أَشِيدِي بِالتَّرَنُّمِ. أَوْسِعِي مَكَانَ خَيْمَتِكِ، وَلْتُبْسَطْ شُقَقُ مَسَاكِنِكِ. لأَنَّكِ تَمْتَدِّينَ إِلَى الْيَمِينِ وَإِلَى الْيَسَارِ، وَيَرِثُ نَسْلُكِ أُمَمًا، وَيُعْمِرُ مُدُنًا خَرِبَةً” (إش1:54-3).
مثال آخر، هو الأرض الخربة في أول سفر التكوين.
كانت الأرض خربة وخالية، ومغمورة بالمياه، وعلى وجه الغمر ظلمة. ولكنها لم تبق كذلك، لأن روح الله كان يرف على وجه المياه. وإذا بالله يبدد ظلمتها، ويقول فليكن نور. فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن. ثم زين الله هذه الأرض بالأزهار والأشجار والأطيار (تك1).
الصورة الجميلة التي انتقلت إليها الأرض بعد الخراب، إنما تعطينا رجاء مهما غمرتنا المياه والظلمة…
إن الله يعمل، حتى ولو لم نعمل نحن. لقد قيل عنه إنه كان يجول، يصنع خيرًا (أع10: 38). فما معنى هذا؟
كان يجول، يعطي هذا نعمة، ويعطي هذا قوة، وذاك مغفرة، وذاك توبة. “يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لو19: 10).
إذًا فلنفرح بالرب، لأنه قيل: “فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ” (رو12:12).
إنَّ الرجاءَ طاقةٌ من نور تفتح على النفس التي اكتنفتها الظلمة، فتنيرها وتبهجها. الرجاء هو طاقة من فرح، تفتقد النفس التي اكتنفتها الكآبة، فتزيل كآبتها… الرجاء عمل من أعمال الروح القدس، يلد الفرح والسلام… عش في هذا الفرح، مهما ظننت أن النعمة قد تأخرت عليك.
ولعل من أجمل الأمثلة قصة إيليا النبي وسقوط المطر…
حان وقت نزول المطر، وصلَّى إيليا ولم ينزل المطر، وصلَّى مرة ثانية ومرات ثالثة ورابعة وخامسة وسادسة، ولم ينزل المطر، على الرغم من وعود الله، وعلى الرغم من أن الذي يصلي نبي عظيم. ولكن إيليا لم يفقد رجاءه، فصلى للمرة السابعة. وهنا رأى غيمة في حجم كفة اليد، ففرح وعرف أن المطر سينزل.
إنَّ غيمة صغيرة، في الصلاة السابعة، تبعث الفرح والرجاء.
لا تيأس إذًا إن تأخرت المعونة في الوصول إليك، بل ثق بالرب “وانتظره، من محرس الصبح إلى الليل” (مز130)، طول الوقت وطول العمر. وفي رجائك بالرب امتلأ فرحًا.
مما يبعث على الرجاء أيضًا، أن الله يبحث عنا…
إنه مهتم بخلاصنا، أكثر من اهتمامنا بخلاص أنفسنا. هو الذي يقف على الباب ويقرع، منتظرًا أن نفتح له…
وهو أيضًا يرضى بالقليل، كخطوة إليه. حبة واحدة في العنقود تجعل فيه بركة والرَّب يقبل أصحاب الثلاثين كزرع جيد. كأصحاب الستين والمائة. قلبه الطيب يملؤنا رجاء.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد الثلاثون 28-7-1978م



