خطوات في الطريق إلى الله – الحديث عن الاختبارات!

خطوات في الطريق إلى الله
نتابع حديثنا عن التواضع، فنتناول صفة من صفاته، وهي عدم الحديث عن النفس، وبخاصة النقط البيضاء فيها. ولتكن تأملاتنا في الحديث عن الاختبارات الشخصية.
الحديث عن الاختبارات![1]
الشخص المتواضع لا يفكر في ذاته كثيرًا، ولا يمتدحها أمام الناس، ولا يركز فيها اهتمامه، مستمعًا إلى قول الرَّب: “مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ” (مر8: 34). وإنكار الذات لا يتفق والحديث عنها.
الإنسان المتواضع ليس فقط لا يمدح ذاته، بل لا يقبل المديح من الآخرين، ظانًا أنه قد ظهر أمامهم بما ليس فيه…
من هنا، أود أن أناقش معكم موضوع (الحديث عن الاختبارات)، كأن يقف شخص ليحكي للناس اختباراته الروحية. أو يطلب منه أحد قادة الاجتماعات هذا الأمر، فيفعل…
ألاحظ في هذا الموضوع لونين من الخطأ:
الخطأ الأول هو سرد أخطاء الماضي مع بشاعتها، بلا حياء…
يقف شخص ويتكلم بكل جرأة، وبلا خجل، وبصوت عال، ويقول: “أنا كنت أشرب الخمر، وأذهب إلى كباريهات، وألعب القمار، وأصادق النساء..”. والذي يسمعه يخجل من سماع حديثه، أما هو فيتكلم بلا خجل، كأن هذه الخطايا شيء عادي…!
انظروا إلى العشار الذي تذكر خطاياه أمام الله، كيف أنه وقف من بعيد، ولم يجرؤ على النظر إلى فوق، وقرع صدره، وطلب الرحمة، في استحياء، دون أن يسرد تفاصيل خطاياه.
فلنستمع إلى صلاة عزرا لنرى هذا الاستحياء في ذكر الخطايا:
لقد جثا على ركبتيه، في ثيابه الممزقة، واعترف للرب قائلًا: “إِنِّي أَخْجَلُ وَأَخْزَى مِنْ أَنْ أَرْفَعَ يَا إِلهِي وَجْهِي نَحْوَكَ، لأَنَّ ذُنُوبَنَا قَدْ كَثُرَتْ فَوْقَ رُؤُوسِنَا” (عز9: 6). وتحدث عزرا عن خزي الوجوه.
كما صلى دانيال أيضًا: “لَكَ يَا سَيِّدُ الْبِرُّ، أَمَّا لَنَا فَخِزْيُ الْوُجُوهِ. يَا سَيِّدُ، لَنَا خِزْيُ الْوُجُوهِ، لِمُلُوكِنَا، لِرُؤَسَائِنَا وَلآبَائِنَا لأَنَّنَا أَخْطَأْنَا إِلَيْكَ” (دا6:9-8). حقًا إن المتواضع الشاعر بخطاياه، يقول مع المرنم في المزمور: “الْيَوْمَ كُلَّهُ خَجَلِي أَمَامِي، وَخِزْيُ وَجْهِي قَدْ غَطَّانِي” (مز44: 15).
أما أن يقف إنسان على منبر، ويشرح بشاعاته أمام الكل، بلا حياء، على اعتبار أنه تغير، فهذا أمر غريب!
إن الابن الضال، حينما شعر بسوء حالته، وبأنه أقل من الأجراء، قال لأبيه في خجل: “أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا” (لو15: 21). ولم يقف ليفتخر بالتغيير الذي حدث في حياته، ولم يتحدث عن النعمة التي ملأت قلبه ونقلته من الكورة البعيدة إلى بيت الآب.
والعجيب أيضًا أن هؤلاء الذين يعترفون ببشاعة حياتهم القديمة، بلا خجل، يتحدثون أيضًا عن البر الجديد بلا خجل!!
أنا (كنت وكنت، وصرت، وصرت)! والحديث عن الحالة الجديدة المشرقة، يغطي الماضي، فلا يحسه المتحدث عن اختباراته، ولا يحسه السامع أيضًا. ولا تأخذ الخطية حقها من الانسحاق.
والأعجب من هذا كله، أن يقدم هذا الخاطئ نفسه كقدوة يتشجع بها الآخرون. ويتحول في لمح البصر من خاطئ إلى قدوة وإلى واعظ يقف على المنبر، في غير استحقاق، يبشر ويخدم الكلمة!
ويحاول أن يغطي كل هذا، بأن المسيح قد محا خطاياه، ناسيًا أنه كان ينبغي أن ينسحق بالأكثر، لأن خطاياه صارت قطرات في كأس المسيح، وصارت أشواكًا تدمي جبينه.
- إن كانت خطاياك قد غفرت، فإن ثمن هذه المغفرة ينبغي أن يدمي قلبك، ويخزي وجهك، لأن الله البار قد حُسب خطية بسببك، إذ حمل خطاياك، ووضع عليه إثمك.
- ثم أنه إن كانت لك توبة، أو كان الروح قد عمل فيك للتوبة، وقد خلّصك الرَّب من خطاياك القديمة، ووهبك حياةً نقية بالتوبة، فلا تشرح هذه النقاوة الجديدة، ولتكن سرًا بينك وبين الله، لئلا تفقدها بهذا الافتخار…
- لا تقل كنت خاطئًا وصرت بارًا! بل قل في اتضاعٍ: “أنا لا أزال خاطئًا”، كما قال بولس الرسول: “الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا” (1تي1: 15)، وكما قال يعقوب الرسول: “فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا..” (يع3: 2).
وإن سألك أحد هل تبت؟ ومتى؟ قل له: أنا لم أتب بعد. صلّ لأجلي لأتوب. بل قل: “تَوِّبْنِي، يا رب فَأَتُوبَ” (إر31: 18).
- إذا ساعدك الله على التوبة، فلا تبوق قدامك بالبوق كما يفعل المراؤون (مت6)، بل تذكر قول الرب: “فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً” (مت6:6). واحذر من أنك بحديثك عن نفسك، تكون قد استوفيت أجرك.
- ولا تضع نفسك قدوة ومعلمًا. فهناك قدوات في سير القديسين أما أنت ففي زمن التوبة، يليق بك الانسحاق لا التعليم.
قل لنفسك: “مَن أنا حتى أكون قدوة؟ وما هي خبراتي حتى أحكيها للناس، وأنا شخص مبتدئ حديث العهد بمعرفة الله؟! الأولى بي أن أتعلم، لا أن أحكي اختبارات”.
ألعلك وصلت إلى درجة موسى النبي الذي قضى أربعين يومًا مع الله على الجبل، ومع ذلك لم يقص علينا اختباراته الروحية في الأربعين يومًا، فهل تحكي أنت؟!
ألعلك مثل السواح الذين قضوا عشرات السنوات مع الله، في الخلوة والتأمل، ولم يقصوا عنها شيئًا. بل إن قصص آباء البرية القديسين لم نعرفها عنهم، وإنما من كتابات بعض السائحين مثل: بلاديوس وروفينوس وكاسيان، الذين ذكروا شيئًا من أخبارهم.
مَن مِن نساء اليوم قد وصلت إلى اختبارات السيدة العذراء التي عاش المسيح في حضنها وفي بيتها، ورأت معجزاته…
ومع ذلك فإن العذراء لم تتكلم عن اختباراتها، بل صمتت وكانت تحفظ كل هذه الأمور متأملة بها في قلبها. كما يقول الكتاب: “وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا” (لو2: 19).
عجيب أن تصمت العذراء فلا تتكلم عن اختباراتها، وتقف أية امرأة في أيامنا، لتحكي كيف نالت التبرير والتقديس والتجديد والملء والفيض، وسائر هذه العبارات التي لا تُدرك معناها…
وعجيب أن يصمت أخنوخ الذي “سَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ” (تك5: 24)؛ وإبراهيم الذي أخرجه الله من أهله ووطنه ليعيش معه في الجبل الذي أراه إياه. يصمت هؤلاء ليتكلم بعض المبتدئين في التوبة! يوقفونهم على المنابر، ويقولون لكل منهم “اشرح لنا قصة اختبارك”! ويحكي كل منهم كيف نال البرّ الجديد، وكيف عملت النعمة فيه وطهّرته!
إن كنت وأنت على الشاطئ تعمل هكذا، فماذا تفعل لو دخلت إلى الأعماق؟! لذلك لا يأتمنك الرب على أعماقه، لئلا تملأ الدنيا كلامًا. إنما يأتمن المتواضعين الصامتين. أي بر يا أخي قد نلته؟ إنك ما تزال في حرب كل يوم تسقط فيها وتقوم، وما تزال إرادتك موضع اختبار…
ولن تنل إكليل البر، إلا بعد أن تكمل السعي، وتخلع الجسد، ويهبه لك الديان العادل، في ذلك اليوم، كما شرح القديس بولس الرسول: “وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا” (2تي4: 8).
ولماذا تخبر الناس عن علاقتك مع الله؟ فلتكن حياتك مع الله سرًا، قدس أقداس لا تطأها آذان الناس…
حياتك مع الله هي “جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ… يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ” (نش4: 12)؛ فلا تجعلها مدوسة بأقدام الكثيرين، لئلا تتلفها الثعالب الصغار…
لا تعلن عن نفسك، لا تعلن عن توبتك، ولا عن نقاوتك، ولا تُدخل الناس في علاقتك مع الله، ولا تغتر بفترات روحية مرت عليك، وتحدث الناس عنها، لئلا تطلبها فيما بعد فلا تجدها… بل على قدر طاقتك اِخفِ فضائلك.
إن الخبرات التي تُختم بالصمت، يعلنها الله في السماء والتي تعلنها أنت على الأرض، يخطفها شيطان المجد الباطل، ولا تعود…
إن كنت تحكي عن اليوم، فأنت لا تدري ما يخبؤه لك الغد. استمع إلى قول الرسول: “إِذًا مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ”(1كو10: 12).
لذلك استتر وراء الاتضاع والإخفاء فيحفظانك من السقوط.
إن بولس الرسول، لما أثار الأعداء شكوكًا حول إرساليته، كادت تعطل الكلمة، وقالوا إنه ليس رسولًا، إنما تلميذ للرسل، تحتاج رسالته مراجعة منهم. واضطر بولس أن يتكلم عن نفسه، قال: “قَدْ صِرْتُ غَبِيًّا وَأَنَا أَفْتَخِرُ. أَنْتُمْ أَلْزَمْتُمُونِي” (2كو12: 11). احتملوا غباوتي، ولم يتحدث عن خبراته الروحية إنما عن ضعفاته…
إن كان بولس الرسول قد قال إنهم ألزموه أن يكون غبيًا ويتحدث عن نفسه، فلماذا تسلك أنت في الغباء بإرادتك؟! يا ليتك تتذكر عبارة “خَبَأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ” (مز119: 11)، وتخبئ أيضًا كل عمل إلهي يرفعك إليه.
هو يعلن عن عمله فيك، وأنت لا تعلن. هو يجعلك نورًا للناس، ولكنك لا تقول عن نفسك أنك صرت نورًا.
حياة القديسين مع الله كانت كلها في الخفاء. وبعضهم كانوا يتظاهرون بالخبل والجهل، حتى لا تظهر حياتهم الفاضلة للناس… وقديسون آخرون كانت تُجرى معجزات على أيديهم فينسبونها لغيرهم حتى لا يظهروا، كما في قصة شفاء زهرة ابنة محمد على.
جاءوا إلى البابا، لكي يصلي لأجلها. فأجاب إنني لا أملك هذه الموهبة، ولكن اذهبوا إلى الأنبا صرابامون أبو طرحة. فلما ذهبوا إليه طلب صليب البابا. لكي ببركته يخرج الروح النجس من الفتاة. وشفيت الفتاة. والبابا بطرس الجاولي يُرجع شفاءها إلى صلاة الأنبا صرابامون، والأنبا صرابامون يقول إنها بركة صليب البابا…
وهكذا حينما كان القديس بيساريون يصلي لشفاء مريض، كان يقول: “بصلاة أبي القديس الأنبا أنطونيوس”. كان يقول للروح النجس: “أبي القديس أنطونيوس يأمرك أن تخرج”، وينسب الأمر لغيره…
هؤلاء كانت معجزاتهم تتكلم، فيهربون منها، بعكس المتكلمين عن خبراتهم ولذلك ذهلت جدًا حينما فسر أحدهم قول السيد المسيح لتلاميذه: “وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا” (أع1: 8). فبدلًا من أن يقول إن معنى الآية: أن نشهد للمسيح في موته عنا وفدائه للبشرية وقيامته كاسرًا شوكة الموت، قال: “ينبغي أن نشهد لعمل الله فينا، وكيف غيّرنا!” أي أن يتحدث الإنسان عن اختباراته في التغيير! ناسيًا قول الرب: “تبشرون بموتي، وتعترفون بقيامتي”، هكذا كانت شهادة الرسل…
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد الثالث والعشرون 9-6-1978م



