خطوات في الطريق إلى الله – التطبيق العملي للاتضاع

خطوات في الطريق إلى الله
أتابع اليوم معكم حديثنا عن الاتضاع، بحيث ندرس هذه الفضيلة في حياتنا العملية، تدخل في علاقاتنا مع الله ومع الناس ومع أنفسنا.
التطبيق العملي للاتضاع[1]
قلنا إن الاتضاع هو أن يشعر الإنسان في أعماقه أنه خاطئ وضعيف وغير مستحق، وأنه أقل من جميع الناس.
ولكن المهم أن يعامل نفسه على هذا الأساس، ويقبل المعاملة من الناس ومن الله على أنه خاطئ وغير مستحق.
قد يقول إنسان إنه خاطئ. ولكنه لو سمع إنسانًا يصفه بأنه خاطئ، يثور ويحتج ويغضب ويدافع. وتكون عبارة الاتضاع التي يلفظها لسانه، غير حقيقة قلبه من الداخل.
فما هي العلامات الحقيقية للاتضاع في تطبيقه العملي؟
المتواضع الحقيقي الذي يشعر بخطيئته، يقبل كل ما يأتي عليه.
ويقول: “لو أن الله عاملني حسب خطاياي، ما كنت أستحق أن أعيش”. ويرى أن كل الإهانات والمتاعب التي تصيبه، هي أقل من استحقاقه بكثير، ويقبلها بشكر.
مثال ذلك داود النبي والملك، لما شتمه شمعي بن جيرا بشتائم مؤلمة، أجاب: “دَعُوهُ يَسُبَّ لأَنَّ الرَّبَّ قَالَ لَهُ: سُبَّ دَاوُدَ” (2صم16: 10)، واعتبرها نتيجة طبيعية لما سبق من خطاياه.
الإنسان المتواضع الشاعر بخطاياه، يتألم ويحزن إن أكرمه الناس.
يدرك أنه يأخذ ما ليس له، ويقول في داخله: “إن هؤلاء المادحين لا يعرفون حقيقتي. ولو عرفوها كنت احتار كيف أُخفي وجهي خجلًا منهم”. ويبكّت نفسه، ربما كان مرائيًا يظهر بغير حقيقته.
إن كان هكذا شعوره، فبالتالي سوف لا يفتخر…
لا يتحدث عن نفسه، ولا يشرح فضائل فيه، ولا يتكلم عن ذاته بالخير. بل إن تحدث عن نفسه لا يذكر سوى خطاياه، ولا يذكرها إلاَّ في خجل. يقول على الدوام: “مَن أنا؟!”.
الإنسان المتضع هو دائمًا منسحق. خطيته أمامه كل حين.
إنها تذله في الداخل، وتعصر عينيه بالدموع، وتجلب له الانسحاق وتجعله يتوارى وتشعره بضعفه. لا ينسى خطاياه مهما نسيها له الله، ومهما غفرت. مثلما بكى داود على خطاياه بعد غفرانها، ومثلما ذكر بولس خطاياه، وقال: “لَسْتُ أَهْلًا لأَنْ أُدْعَى رَسُولًا” (1كو15: 9).
الإنسان المتواضع الشاعر بضعفه، إذا عرضت عليه خدمة، يرى في نفسه أنه غير مستحق، وغير قادر، وأن الأفضل له أن يجلس طول حياته في صفوف الموعوظين يطلب التوبة لنفسه.
وبالتالي لا يمكن أن يطلب من الله مواهب وعجائب.
يقول للرب: “من أنا حتى اجترح العجائب وأشفي المرضى وأقيم الموتى. الخير لي أن أقيم نفسي من موت الخطية، وأن أطلب الشفاء من أمراضي الروحية”… ويقول لنفسه أيضًا: “أنا لست احتمل هذه المواهب بسبب كبرياء نفسي. والمواهب تليق بأحباء الله المتواضعين الذين يحتملون”.
الإنسان المتواضع، صلاته تكون دائمًا مشبعة بروح الاتضاع والانسحاق.
صلاة إنسان قد لَصِقَتْ بِالتُّرَابِ نَفْسِه (مز119: 25)؛ وبلل فراشه بدموعه (مز6:6)، يقول لله: “لاَ تَحْجُبْ وَجْهَكَ عَنِّي” (مز27: 9)، ولا تعاملني بحسب خطاياي!
إذا دخل المتواضع كنيسة، يفعل مثل العشار: يقف من بعيد، لا يجرؤ على الدخول. وقد لا يجرؤ أن يرفع نظره إلى فوق، بل يقرع صدره ويقول: “.. اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ” (لو18: 13). وقد يقف خلف عامود، لا يرى أحدًا، ولا يراه أحد.
إنه يطلب صلاة كل إنسان لأجله، ويطلب شفاعة كل قديس لأجله، لكي يُحسب مستحقًا للدخول إلى بيت الرَّبِ. وإن تقدم للتناول من الأسرار الإلهية، يتقدم بخشية كمن هو واقفٌ أمام لهيب نار.
المتواضع يشعر باستمرار أنه ناقص ومتهاون، وأنه لم يصل بعد إلى ما ينبغي عليه فعله.
بولس الرسول كان يقول: “لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ” أو نلت شيئًا (في13:3). بولس الذي صعد إلى السماء الثالثة، وتعب أكثر من جميع الرسل، وخاف الله عليه من كثرة الاستعلانات، يقول: إنه يسعى، لعله يدرك (في3: 12).
وأرسانيوس العظيم، الذي كان يقضي الليل كله في الصلاة، والذي كان رجل وحدة وصمت أكثر من الجميع، والذي تساقطت رموشه من كثرة البكاء، الذي كان القديسون يطلبون بركته، وأتاه البابا ثاؤفيلس يطلب منه كلمة منفعة… أرسانيوس هذا يقول: “هبني يا رب أن أبدأ”. إنه يحسب نفسه لم يبدأ بعد…
إن المتواضع ينظر إلى المستويات العليا وإلى الكمال المطلوب منه، فيشعر دائمًا أنه في الموازين إلى فوق.
يشعر أن الطريق ما يزال طويلًا جدًا أمامه. ومهما نفذ كل الوصايا يرى أنه مجرد عبد بطّال…
إن كانت المحبة هي أول ثمرة من ثمار الروح الكثيرة (غلا22:5). والمحبة برنامج طويل يذكره بولس في (1كو13). وللآن لم يدرك أعماق هذه المحبة، ولم يُكمل مستلزماتها، فماذا يقول إذًا عن باقي ثمار الروح التي ليس له منها شيء؟! يقول ذلك بثقة من أعماق قلبه، وليس مجرد اِدعاء للتواضع.
الإنسان المتواضع كثير الشكر، يشكر على كل شيء. لأنه يوقن أنه لا يستحق شيئًا من العطايا التي نالها. يقول: “أنا يا رب لم أفعل شيئًا أستحق عليه عطاياك”. لا يقول مثل بعض المتكبرين أطالب الله بحقوقي في البنوة، وحقوقي في الميراث. بل يقول لله: “وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ” (لو15: 19).
أنا لم أصل إلى مرتبة (العبيد البطالين) الذين فعلوا كل ما أُمروا به!
المتكبر يطالب بحقوق، لأنه ينسى ديونه بسبب خطاياه، وينسى حقوق الله تجاهه… وإن كان يقول: “حقوقي في دم المسيح”؛ فهو ينسى قول بولس الرسول عن الذي يخطئ باختياره بعد معرفة الحق، وأية عقوبة يستحقها (عب26:10-29).
لذلك هناك كبرياء يمكن نسميها (كبرياء العقيدة).
كبرياء من لا يحترمون الكهنوت بتفسير خاطئ لعبارة: “لاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي… وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ” (مت23: 8، 9). وكبرياء من لا يحترمون القديسين، ولا يطلبون شفاعتهم ظانين أنهم مثلهم! وكبرياء من يقولون كلّنا ملوك وكهنة، بمعنى أنه لا فرق بينهم وبين الآباء الكهنة!
كبرياء من لا يعترفون بقوانين كنسية ولا بتقاليد ولا بأوامر الآباء، وإنما يعترفون فقط بمجرد فهمهم الخاص للإنجيل!
كبرياء من يقولون عن العذراء إنها تشبه قشرة البيضة، خرج منها الكتكوت، فأصبحت القشرة لا تساوي شيئًا…!
كبرياء الذين يُصلّون وهم جلوس! بينما الله تقف أمامه الملائكة ورؤساء الملائكة. والشاروبيم والسيرافيم يسجدون في خشوع، بجناحين يغطون وجوههم، وبجناحين يغطون أرجلهم من هيبة مجده. “يَخِرُّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا قُدَّامَ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَسْجُدُونَ لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، وَيَطْرَحُونَ أَكَالِيلَهُمْ أَمَامَ الْعَرْشِ” (رؤ4: 10).
كبرياء الذين لا يخاطبون الرَّب إلاَّ بعبارة يسوع: “يسوع أحبني. يسوع أعطاني. أحبك يا يسوع”، وينسون قولنا عند قراءة الإنجيل: “ربنا وإلهنا ومخلصنا كلنا، ربنا يسوع المسيح الذي له المجد الدائم إلى الأبد آمين”. هنا الاتضاع والخشوع في العبادة.
هناك أيضًا كبرياء الذين يلحّون على الله في أن يتكلموا بألسنة ويعلنون على الناس أن هذه هي علامة الملء… ومن لا يتكلمون بألسنة، يدّعون عليهم أنهم لم يختبروا بعد.
كبرياء من ينادي شخصًا آخر، ويقول له: “تعال لكي أسلمك تدريب الملء”!! ويقف أمام الناس كمانح للألسنة والمواهب!!
كبرياء من يقول إني تبررت وتقدست وتجددت ونلت الملء، وأنا واثق أني سأنال الملكوت! كأنه ليست هناك حروب، أو كأنه أقوى من الذين سقطوا!!
ما أسهل أن تدخل الكبرياء في التعليم اللاهوتي، وتلبس ثياب الحملان، وتعلم، ولا مانع من أن تدعو إلى الاتضاع!!
وينسى هؤلاء قول أبي الآباء والأنبياء إبراهيم الذي قال: “شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ” (تك18: 27). إن كان إبراهيم ترابًا، فأنت أيها المسكين مَن تكون؟!
إن الدالة مع الله لا تمنع الاحترام ولا تمنع المخافة فأنت مهما كنت لن تصل إلى الدالة التي بين الله وأبينا إبراهيم. إنها كبرياء، أن يفقد الإنسان مخافته أمام الكنيسة وأمام القديسين وأمام الله: ويظن أنه ليس محتاجًا إلى أحد، لكي يكون له علاقة منفردة مع الله من غير “وكلاء السرائر الإلهية”!
أيضًا الإنسان المتضع وديع وسهل التفاهم وقابل للتعلّم.
أما المتكبر، فهو كثير النقاش، كثير الجدال، لا يقبل التعليم بسهولة، ولا يقبل النصح والإرشاد. بل يعتد برأيه.
ينسى أن المؤمنين كانوا في الكنيسة الأولى يُدعون “تلاميذ”، وكانت لهم حياة التلمذة، وينسى أن الاستماع أفضل من التكلم.
والمتكبر أيضًا في ثقته بذاته، كثيرًا ما يدين غيره…
هو ساخطٌ على كل شيء. الكلُّ ناقصون في نظره. نقده لاذع، ولا يسلم أحد من نقده. وقد لا يدين الأفراد فقط، ولا الرؤساء فقط وإنما قد يدين الكنيسة كلها!! يدين الملايين! انظروا أية خطية هذه! بكل سهولة يقول البعض إن: الكنيسة نائمة، وأنه الوحيد المستيقظ.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد االثاني والعشرون 2-6-1978م




