خطوات إلى الله – النسيان

خطوات إلى الله
من الأشياء التي تقود الإنسان إلى الخطية، أو تشجعه على الخطية، النسيان. كما قال أحد القديسين: تسبق الخطية إما الشهوة وإما التهاون وإما النسيان.
النسيان1
وذلك بأن ينسى الإنسان وجود الله، وعدل الله، ومعرفة الله، ومحبة الله له، وإحساناته إليه. أو ينسى الموت أو الأبدية، أو ينسى أن الخطية موت وعاقبتها موت.
لو تذكر الإنسان أن الله موجود، أمامه، يراه، وينظر إليه، ويقرأ فكره وقلبه، ما أمكنه أن يخطئ... كما قال يوسف الصديق: “فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟” (تك39: 9). إن شعوره بأنه أمام الله الذي يراه، منعه من فعل الشر… ولكننا كثيرًا ما ننسى وجود الله، وأنه أمامنا، يرانا.
الإنسان الذي يخطئ، لا ينسى فقط رؤية الله له، وإنما ينسى أيضًا عدل الله وقصاصه، وصلاح الله الذي يكره الخطية.
كثيرون يتذكرون فقط محبة الله، وينسون عدله… وإذ ينسون عدل الله يتهاونون مع الخطية.
إن عدل الله يقتضي أخذ ثمن الخطية، وأجرة الخطية موت، إن لم تؤخذ من الخاطئ، تؤخذ من المسيح. إذًا معنى الخطية أننا نلقي بنجاساتنا على المسيح لكي يحملها!! لو تذكر الإنسان هذا. ما أخطأ. ولكنه ينسى…
الإنسان الذي يخطئ ينسى الأبدية والدينونة، ولا يذكر إلا لحظته فقط. إنه ينسى ذلك اليوم الرهيب الذي يقف فيه أمام الديان العادل، ليعطي حسابًا كاملًا.
كان الله قديمًا يتركنا إلى الشريعة الأدبية التي في أعماقنا لترشدنا، قبل أن يعطينا وصية مكتوبة، ولهذا نرى قايين خاف من جريمته (القتل) وأنكرها، قبل أن توجد وصية مكتوبة تقول: “لاَ تَقْتُلْ” (خر20: 13). ويوسف رفض أن يزني قبل أن توجد وصية مكتوبة تقول: “لاَ تَزْنِ” (خر20: 14).
ثم أعطانا الله وصايا مكتوبة لكيلا ننسى…
وهذه الوصايا أمرنا أن نلهج فيها النهار والليل “وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا” (مز1: 2) لكيلا ننسى.
بل قال لنا عنها: “وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ، وَارْبُطْهَا عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ، وَاكْتُبْهَا عَلَى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ وَعَلَى أَبْوَابِكَ” (تث6: 6-9). كل ذلك لكيلا ننساها.
وأمر الله أن تقرأ هذه الشريعة في المجامع كل سبت.
وذلك حتى لا ينساها الشعب. وأحاط طاعتها بالبركات ومخالفتها باللعنات (تث28) وكانت هذه البركات واللعنات تُتلى على الشعب كله، من على جبلين، حتى لا ينساها.
وما زلنا في الكنائس نقرأ هذه الشريعة في كل قداس…
وذلك حتى لا ينساها الشعب. وأصبح تفسير هذه الشريعة هو عمل الأنبياء والرسل والرعاة والوعاظ وكل رجال الكهنوت… وكرر الله الشريعة في سفر التثنية وقال للشعب: “اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَنْسَوْا عَهْدَ الرَّبِّ إِلهِكُمُ الَّذِي قَطَعَهُ مَعَكُمْ” (تث4: 23).
وكان الدخول في شعب الله قديمًا، علامته الختان. وهي علامة في جسم الإنسان، لكيلا ينسى أن جسد الخطية قد قُطع عنه ومات، وأصبح لا يعيش حسب الجسد.
وبنفس الوضع صارت المعمودية في العهد الجديد، التي تذكرنا بأننا قد متنا مع المسيح “مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ” (كو2: 12).
ولكن الخاطئ ينسى دائمًا العهد الذي قطعه مع الله في المعمودية حينما جحد الشيطان وكل قواته الردية، وكل نفاقه وحيله. وينسى أن إنسانه العتيق قد مات، وأنه “كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ” (غلا3: 27).
الخاطئ ينسى أنه قد لبس المسيح، وينسى أنه صورة الله…
نعم، إنه صعب جدًا على شخص يذكر أنه قد لبس المسيح، ثم يخطئ. ومن الصعب أيضًا أن يذكر إنسان أنه صورة الله ومثاله، ثم يخطئ، وهو على شبه الله!
مَن يستطيع أن يخطئ إذا تذكر أن أعضاءه هي أعضاء المسيح!؟ إنه يقول مع الرسول: “أَفَآخُذُ أَعْضَاءَ الْمَسِيحِ وَأَجْعَلُهَا أَعْضَاءَ زَانِيَةٍ؟ حَاشَا!” (1كو6: 15).
مَن أيضًا يجرؤ أن يخطئ إن تذكر أنه هيكل لروح الله القدوس، وروح الله ساكن فيه (1كو6: 19).
ولكننا نخطئ حينما ننسى كل هذا. لذلك يذكرنا الرَّب.
إننا نخطئ لأننا ننسى أننا هياكل الله، وأننا أبناء لله، وأننا صورة الله ومثاله. وفي خطيتنا لا نكون صورته.. لذلك انظروا ماذا يقول بطرس الرسول لكي يذكرنا: “لِذلِكَ لاَ أُهْمِلُ أَنْ أُذَكِّرَكُمْ دَائِمًا بِهذِهِ الأُمُورِ… أَحْسِبُهُ حَقًّا مَا دُمْتُ فِي هذَا الْمَسْكَنِ أَنْ أُنْهِضَكُمْ بِالتَّذْكِرَةِ” (2بط1: 12، 13).
الكنيسة أيضًا تقيم الأعياد والمناسبات والطقوس كلها لتذكيرنا…
نحن نعيد لميلاد المسيح مثلًا، لا لمجرد الفرح، وإنما لنتذكر أن ميلاد المسيح كان بداية قصة خلاصنا، ونهتف مع سمعان الشيخ: “لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ” (لو2: 30) ونفرح بهذا الخلاص. ولا تكون أفراح الكريسماس فرحًا عالميًا!
وكذلك نحن حينما نفرح بقيامة المسيح، إنما نفرح بالانتصار على الموت الذي جلبته الخطية. نتذكر هذا فتتعزى قلوبنا.
وهكذا أيضًا كل طقوس الكنيسة إنما هي لتذكيرنا.
نحن ننظر إلى الشموع. فنتذكر أننا نور العالم، ونتذكر القديسين الذين كانوا كالشموع يذوبون لكي يضيئوا الطريق للآخرين.
وننظر إلى البخور فنتذكر أن الصلوات تصعد إلى فوق برائحة زكية كالبخور.
وننظر إلى صور القديسين وأيقوناتهم فنتذكر حياتهم الطاهرة المقدسة لكيما تكون لنا مثالًا… وكذلك حينما نسمع السنكسار، إنما نتذكر تلك السير الجميلة، لتعليمنا.
انظروا ما الذي تفعله الكنيسة لكي تذكرنا دائمًا بآلام المسيح.
أسبوع كل سنة يسمى أسبوع الآلام أو أسبوع البصخة، تجلَّل فيه الكنيسة بالسواد، ويقف المؤمنون خارج الهيكل، خارج خورس القديسين، كما كان المسيح خارج المحلة. وتتلى جميع النبوات الخاصة بالآلام، وجميع أحداث هذا الأسبوع، وتقال الألحان كلها بنغمات الحزن. وماذا أيضًا؟
ترى الكنيسة أن هذا التذكار السنوي لا يكفي، فتقيم لنا تذكارًا آخر أسبوعيًا، بل وتذكارًا آخر في كل يوم…
في كل أسبوع تعطينا صوم الأربعاء والجمعة.
ففي يوم الجمعة نتذكر صلب المسيح، وفي يوم الأربعاء نتذكر التآمر عليه. وإذ ترى الكنيسة أن هذا أيضًا لا يكفي، تذكرنا بآلام المسيح في كل يوم بصلاة الساعة السادسة التي نقول له فيها: “يا من في اليوم السادس وفي وقت الساعة السادسة، سمرت على الصليب من أجل الخطية التي تجرأ عليها أبونا آدم في الفردوس، مزق صك خطايانا أيها المسيح إلهنا ونجنا”…
وبالإضافة إلى كل هذا، تذكرنا الكنيسة بآلام المسيح عن طريق الصليب الذي نراه باستمرار في الكنيسة وفي يد الكاهن… وفي كل مناسبة طقسية، ونعيد له…
إن الله منذ القدم يحب أن يذكرنا بالأمور النافعة لخلاصنا، لأن نسيانها يسبب لنا الفتور أو السقوط.
منذ القديم حينما خلص الناس من سيف المهلك بدم خروف الفصح، وقال لهم: “فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ” (خر12: 13)، جعل الله موضوع الفصح هذا “تَذْكَارًا… وفَرِيضَةً أَبَدِيَّةً” (خر12: 14) لكيلا ينسى الناس الدم اللازم للخلاص.
وأمرهم أن يقصوا كل هذا على أولادهم، لكي يتذكروا فينتفعوا.
ولما أخطأ أبوانا آدم وحواء، جعل لهما عقوبة تذكرهما…
قال لآدم: إنه يأكل خبزه بعرق جبينه، ولحواء: أنها بالوجع تحبل وتلد ومع أن المسيح أتى وخلّص آدم وحواء وبنيهما، إلاَّ أن هذه العقوبة ما تزال قائمة حتى لا ننسى…
حتى لا ننسى خطيئتنا الأولى ونتائجها وعمل الله لخلاصنا…
هل يتذمر أحد إن تعب من أجل أكل خبزه. أو إن تعبت امرأة في حبلها وفي ولادتها؟! إنه ولا شك تعب مقدس يذكرنا بخطايانا فنتضع، حتى لا ننسى…
صدقوني، أنه حتى الأسماء في العهد القديم، كانت أيضًا تحمل معنى التذكير بالنسبة إلى كثيرين…
(إبراهيم) سُميَ بهذا الاسم الذي معناه أبو جمهور، لكي يتذكر بركة الله له في كثرة البنين، وبنسله تتبارك جميع قبائل الأرض. وكل أبناء ليئة وراحيل، كانت تحمل أسماؤهم معاني معينة، تُذكّر بعمل الله وإحساناته (تك29).
سمّت مثلًا ابنها شمعون، وقالت: “إِنَّ الرَّبَّ قَدْ سَمِعَ..” (تك29: 33).
يعقوب أبو الآباء المكان الذي رأى فيه السلم والملائكة، بيت إيل، أي بيت الله، ليتذكر أن الله ظهر له فيه.
هناك أشخاص – للأسف – يتذكرون بعد السقوط.
مثل ذلك بطرس، الذي تذكر تحذير السيد المسيح له بعد أن أنكره، ومثال ذلك المريمات اللائي حملن حنوطًا إلى القبر، وقد نسوا أن الرب تحدث عن قيامته. لذلك ذكّرهم الملاك بذلك قائلًا: “أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ. لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ” (مت28: 5، 6). لقد نسيَ النسوة أنه سيقوم، لذلك حملن الحنوط.
الكنيسة باستمرار تقوم بتذكيرنا… حتى لا ننسى فنسقط.
وحينما تضع لنا الكنيسة سبع صلوات كل يوم، فليس هذا عبئًا أو ثقلًا تضعه علينا، بل هو نافع لتذكيرنا.
نتذكر مناسبات عديدة كميلاد المسيح وصلبه وموته، وكحلول الروح القدس، كما نتذكر الموت والمجيء الثاني ولزوم التوبة…
ليتنا نتذكر أيضًا إحسانات الله إلينا، وحبذا لو كان لها سجل. نسجل فيه عمل الله مع الكنيسة ومع الأفراد، ونسجل المعجزات التي تحدث لنا بشفاعات القديسين.
كان ملوك فارس يسجلون الأحداث الهامة في أخبارهم، ويتذكر أحد هذه الأحداث، كما فعل الملك مع أستير ومع مردخاي.
ليتنا نحن أيضًا نسجل لكيما نتذكر..
فتذكار إحسانات الله يقودنا إلى حياة الشكر.
وتذكار الموت والدينونة يقودنا إلى التوبة، إلى الحرص.
وتذكار وجود الله يقودنا إلى الاستحياء وإلى المخافة.
وتذكار ضعفنا وسقوطنا السابق يقودنا إلى التدقيق والاحتراس…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد الثامن والثلاثون 22-9-1978م




