خطوات إلى الله

إنه طريقٌ طويلٌ نَسيرُ فيه نحو الله: من حياة التوبةِ إلى النقاوة والحب إلى القداسة، إلى النمو في هذه القداسة.. إلى الكمال. كل هذه الخطوات إلى الله تحتاج إلى جدية، وتحتاج منا أن نبدأ، ولو بالخطوة الأولى..
خطوات إلى الله[1]
كنتُ كلمتكم عن الآية التي تقول: “وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ” (مز73: 25). ولكن ما أسهل في موقف الإنسان من الخطية، أنه لا يريدها، وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يتركها…!
وقد شرح بولس الرسول هذا الأمر في رسالته إلى رومية فقال: “إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي.. لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ” (رو7: 15- 19).
إذًا لا تكفي مجرد الإرادة. لأنه من الجائز أن يريد الإنسان الخير، ولكنه لا يقوى على فعله، ويغلبه الشر.
ومن هنا كانت أول خطوة في طريق الله هي الصراع…
الصراع من أجل هذا الخير الذي تريده إذ أنه لكي تُعبّر عن إرادتك لا بد أن تفعل شيئًا. لا بد أن تقاوم وأن تصارع.
صراع له طابع ثلاثي: تصارع ذاتك، تصارع الخطية، تصارع الله.
لا بد أن تصارع ذاتك، تنتصر عليها، تخضعها. تحولها إلى طريق الله. تتصارع مع رغباتك ونزعاتك الداخلية. لا تخضع لنفسك، وإنما تقف ضدها بكل قوة. وكما يقول الرب: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا” (لو14: 26).
غالبية الذين يخطئون، يجاملون أنفسهم ويدللونها، فيعطونها ما تريد.. إنهم ليسوا منتصرين على النفس من الداخل..
ينبغي أيضًا أن تصارع الخطية وتصارع الشيطان. وماذا أيضًا؟
تصارع مع الله، لكي تأخذ منه قوة ومعونة، تحارب بها.. لكي يعطيك نعمته وروحه القدوس، ليحارب عنك وينتصر فيك..
قل له: ما دامت الحرب للرب، وما دمت بدونك لا أستطيع شيئًا، حارب إذًا عني، وقدني في موكب نصرتك لأنني لن أنتصر بذراعي البشري، وإنما بك.
كن مثل يعقوب الذي صارع الرب “حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ” (تك32: 24)، أي أنه طول وقت الظلمة ظل يصارع، إلى أن أشرق الفجر في حياته، وطلع عليه النور..
إن الذي يُصارع مع نفسه ومع الله وينجح، يسهل عليه أن يصارع الخطية والشيطان، بالقوة التي أخذها من صراعه الأول.
بالنسبة إلى آدم، كان في الجنة وحده مع الله. ثم ظهرت في حياته أشياء جديدة، ومنها بدأت التجربة.
دخلت في حياته حواء، وأصبحت تمثل العِشرة التي تقود للخطأ.
ودخلت الشجرة والثمرة التي تمثل المادة في قيادتها للخطأ.
ودخلت في حياته الحيّة، التي تمثل الشيطان وإغراءاته الخاطئة.
ودخلت الذات التي في رغبتها أن تكبر وتقود للخطأ.
ووقف هؤلاء الأربعة أمام الإنسان: العشرة، والمادة، والشيطان، والذات، ولم يعد آدم كما كان وحده مكتفيًا بالله.
اتخذ له مصدرًا آخر للمعرفة غير الله، هو الحيّة. وجامل حواء على حساب الوصية، وأخذ منها وأكل. وسعت ذاته لتوجد لها كيانًا مستقلًا عن الله. واهتم بالمادة، بعد أن كان روحيًا. ودخلت الخطية إلى العالم، وانهزمت الطبيعة البشرية من الداخل ومن الخارج، وأصبحت الخطية الساكنة فيها تتعبها، وصار لزامًا عليها أن تصارع وتقاوم.
كثيرون ضاعوا نتيجة اللامبالاة، نتيجة لإهمالهم ذواتهم.
تقودهم خطية إلى أخرى، وضياع إلى ضياع، وهم لا يدرون إلى أين هم سائرون، مثل كرة تتدحرج من على جبل، وتظل تتدحرج وهي لا تدري إلى أين تنتهي وما مصيرها…!
ضع أمام نفسك حقيقة هامة: وهي أن الطريق طويل جدًا أمامك. وأنك ما تزال في الابتداء، واقفًا في مرحلة التوبة!
مرحلة الصراع يقع فيها الإنسان ويقوم، ثم يقع ويقوم.
ومرحلة التوبة، يترك فيها الخطية، لكي يسير نحو النقاوة.
ومن النقاوة يدخل إلى الحب، وأيضًا إلى القداسة…
ويظل ينمو في القداسة، حتى يصل إلى الكمال النسبي.
ويتدرج في مراحل من الكمال حتى يصل إلى صورة الله، يصل إلى كل الملء ويتوج أخيرًا بإكليل البر (2تي4: 8).
إن كان الطريق طويلًا أمامك، وأنت ما تزال واقفًا عند أول مرحلة لا تتحرك، فمتى تصل إذًا؟
إن كنت ما تزال في مرحلة التوبة، أو أنت تصارع لكي تصل إليها، فمتى تصل إذًا إلى الحب الإلهي وإلى الكمال؟ بل متى تصل إلى المرحلة التي تقود فيها الآخرين إلى الكمال؟ إن الرسول لم يقبل أن نقف في الطريق، أو حتى نسير.
بل قال: “ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا” (1كو9: 24)، أي أسرعوا في الطريق إلى الله. نعم، كثير من القديسين، ساروا بسرعة عجيبة، ووصلوا.
خذوا مثالًا لذلك: القديس أوغسطينوس، الذي عاش أول حياته في عمق الخطية: كيف أنه بدأ يعرف الله، ركض في طريقه الروحي بسرعة عجيبة، من خاطئ إلى تائب، إلى متأمل في الروحيات، إلى راهب، إلى أسقف، إلى مُعَلِّم عظيم من معلمي الكنيسة الجامعة، وقائد في حياة الروح انتفعت به الأجيال…
كيف تصل، إن كنت تمشي في الطريق الروحي، ببطء، وإهمال، وتكاسل، وتراخ، ولا مبالاة، وأيضًا بنسيان ونوم؟!
تعترف بخطاياك، وترجع إليها! وتتناول، وتبقى كما كنت!
إنك تحتاج في طريقك، إلى عهد صادق مع الله، وإلى ثبات بلا رجعة ولا نكسة، بلا خيانة، بلا ضعف..
إن سرت في الطريق الروحي، فلا ترجع لأن “لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ” (لو9: 62). امرأة لوط نظرت إلى الوراء فهلكت. كل القديسين التائبين، لما عرفوا الله، لم يرجعوا مرة أخرى إلى خطاياهم القديمة.
الحياة الروحية تحتاج إلى جدية، وتحتاج إلى ثبات… إنسان أحب الله وعاش معه، لا يمكن بعدئذ أن يخونه!
كانت خيانة من بني إسرائيل، أنهم بعد الخروج العجيب من أرض العبودية، رجعوا مرة أخرى، واشتاقوا إلى قدور اللحم في أرض مصر، وبكوا… وكانت نكسة منهم وخيانة لله.
الإنسان الروحي، لا بد أن يكون هدفه واضحًا، ويسير نحوه بثبات.
المسيح في طريق الفداء، ثبت وجهه نحو أورشليم. ودانيال النبي في صلاته، فتح نافذته المطلة على أورشليم. وهكذا نحن في نظرنا إلى الشرق، إلى الهيكل والمذبح، إنما لنا هدف ثابت نتجه إليه.
الإنسان الروحي، من صفاته أيضًا: النمو…
مثل الشجر الذي هو دائم النمو، تمر عليه في الغروب، فيكون أكثر نموًا مما كان عليه في الصباح، نموًا هادئًا لا يلاحظه أحد، كما قال الكتاب: “هكَذَا مَلَكُوتُ اللهِ: كَأَنَّ إِنْسَانًا يُلْقِي الْبِذَارَ عَلَى الأَرْضِ، وَيَنَامُ وَيَقُومُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَالْبِذَارُ يَطْلُعُ وَيَنْمُو، وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ كَيْفَ، لأَنَّ الأَرْضَ مِنْ ذَاتِهَا تَأْتِي بِثَمَرٍ. أَوَّلًا نَبَاتًا، ثُمَّ سُنْبُلًا، ثُمَّ قَمْحًا مَلآنَ فِي السُّنْبُلِ” (مر4: 26- 28).
فهل أنت ما تزال بذارًا، أم صرت نباتًا، أم نموت فصرت سنبلًا، أم نضجت فصرت قمحًا يملأ السنبل؟
الإنسان الذي يتوقف نموه، هو عرضة للرجوع إلى الوراء.
كثيرون وضعوا كل آمالهم في أن يتوبوا، وظنوا أن التوبة هي نهاية المطاف، وتوقفوا عندها، فرجعوا إلى خطاياهم.
أما الذين نسوا ما هو وراء وتقدموا كل يوم إلى الأمام، شغلهم هذا النمو، وحصّنهم عن الرجوع إلى خلف.
إذا توقفت حياتك حينئذ تفتر وتبرد، وتترك محبتك الأولى. وحينئذ تكون معرضًا أن تعود إلى خطاياك القديمة، فاحذر التوقف.
عجيب جدًا أن نرى أناسًا، بدلًا من أن ينمو، يشتاقون لو رجعوا إلى حياتهم الأولى التي كانت أفضل من الآن!!
إنه نوع من الارتداد، تختلف نسبته من شخص إلى آخر.
ليت كل شخص منا، يدرك أن عدم النمو خطية يعترف بها كباقي الخطايا، خطايا اللسان والفكر والحواس والقلب والجسد.. وعلينا أن ننمو في كل شيء وبخاصة في محبتنا لله والتصاقنا به، ومذاقتنا له، ووجودنا معه…
غالبية الناس ينمون في المعرفة والخبرة، أكثر مما ينمون في الحب. نموهم مركز في العقل، وليس في القلب…
ما تزال شجرة المعرفة تمد جذورها في أرض العالم، حتى داخل الكنيسة، وفي محيط الوعظ والتأمل والممارسات الروحية.
إنما النمو الذي نقصده غير ذلك. إنه نمو في تعميق العشرة مع الله، نمو في الاشتياق إليه وإلى ملكوته.. بحيث يكثر حديثنا كل يوم عن الله، ويزداد جذبنا للناس إليه..
حاولوا أن تنمو في حياتكم. وبنموكم سيزداد اتضاعكم…
لأنكم كلما تقتربون من الله الكلي القداسة، على هذا القدر تشعرون بنقصكم وبشاعة خطاياكم، وترون الطريق إلى الكمال أطول..
دربوا أنفسكم على محبة الله، لأنكم تشتاقون إلى الملكوت.
الذين يحبون الله وملكوته، يحبون أيضًا الانطلاق من هذا العالم. أما الذين يحبون العالم، فإن تذكار الموت يرعبهم والحياة الأبدية لا تروقهم، ولا يهتمون بها، ولا تفرحهم…
بمحبة الله هذه، استطاع السواح والمتوحدون أن يعيشوا في البرية.
كانت محبة الله تشبع قلوبهم. لهذا نقول عنهم في صلاة القسمة: “سكنوا الجبال والبراري وشقوق الأرض، من أجل عظم محبتهم للملك المسيح”؛ إن الذي لم يذق الله ههنا على الأرض، لا يجد متعة في الأبدية، حيث يتغذى القديسون بمحبة الله وعشرته..
أخشى أن نكون غرباء عن الملكوت، وغرباء من الملك، ليست لنا خبرة بهذا الجو الروحي، لم نعش فيه، ولا عاش فينا..
ابدأ بالدخول في حياة الحب الإلهي، وحاول أن تنمو فيها.
وإن كان الطريق الروحي طويلًا، فاعلم أن أطول طريق أوله خطوة، ابدأ بهذه الخطوة نحو الله. وثق أن النعمة ستحملك إلى آفاق أوسع، ما دمت قد أظهرت سعيًا، حبك عمليًا بهذه الخطوة.. ولم تجد الطريق صعبًا ما دام الله يقودك…
سيروا مع الله، وثقوًا أنه سيعطيكم كما أعطى القديسين من قبل، وسيسهل طريقكم. ويتحقق فيكم قول الكتاب: “وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ” (إش40: 31).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة – العدد الثالث والأربعون 28-10-1977م



