أبانا الذي في السموات خبزنا … أعطنا

أبانا الذي في السموات
خبزنا … أعطنا1
تحدثنا في العدد الماضي عن طلبة “ليأت ملكوتك”. وكنا قد نشرنا مقالًا بتاريخ 14–6–81 عن طلبة “لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض”.
وسنتأمل اليوم في الجزء الأخير من الطلبة، ثم ننتقل منها إلى الطلبة الخاصة بالخبز في الصلاة الربية..
لتكن مشيئتك يا رب، منفذة على الأرض، كما هي منفذة من الملائكة وأرواح القديسين في السماء. ولتصبح هذه الأرض كأنها سماء، وسكانها كأنهم ملائكة، ولتصبح الحياة روحانية توافق مشيئة الله في السماء.. لها على الأقل أربع صفات.
منفذة، بكل دقة، وبلا جدال، وبسرعة بلا إبطاء، وعلى الدوام.
فهل أنت هكذا تفعل بالنسبة لوصايا الله. وهل تنفذها على الدوام بكل دقة.. أم تترك مشيئة الله حينًا.. وتنفذ مشيئتك الخاصة أو مشيئات الناس؟
وهل تنفذ أو تقبل مشيئة الله في إيمان وثقة.. كالملائكة.. أم تحتج وتتذمر.. أم تجادل، أم تؤجل؟
نذورك مثلًا وعشورك، هل تقدمها بلا إبطاء، أم تؤجل وتتأخر، ثم تساوم وتحاول أن تغير.
والتوبة أيضًا، هل تنفذ مشيئة الله فيها بسرعة، أم تؤجل وتتراخى…؟ وهكذا في باقي وسائط النعمة..
إن مشيئة الله منفذة بكل دقة ليس في السماء فقط..
إنما مشيئة الله منفذة على الأرض أيضًا بكل دقة من الطبيعة “باستثناء الإنسان”.
كل القوانين التي وضعها الله للطبيعة تسير حسنًا بلا اختلال. لأن الطبيعة لا تفكر، وإنما تنفذ.
انظروا في قصة يونان النبي مثلًا: أمر الله البحر والأمواج بضرب السفينة ونفذ أمره الإلهي بكل سرعة ودقة.
أمر حوتًا عظيمًا أن يبتلع يونان.. ففعل وأمره أن يلفظه سليمًا فلفظه..
أمر الشمس والرياح أن تضربا اليقطينة فيبست.. وأن تضربا يونان فذبل. الطبيعة في قصة يونان كانت منفذة تمامًا لمشيئة الله. أما الإنسان المتمتع بالحرية والتفكير.. فلم ينفذ.
ليت يونان كان منفذًا لمشيئة الله، كما هي منفذة على الأرض من الطبيعة وليس كما هي منفذة في السماء، إن كان لم يصل إلى ذلك المستوي.
عبارة “كما في السماء، كذلك على الأرض” يمكن تطبيقها أيضًا على الطلبتين السابقتين.
ويكون لها فيهما معنى جميل.
أي ليتقدس اسمك يا رب، كما هو مقدس في السماء، كذلك ليكن مقدسًا على الأرض. وليأت ملكوتك على الأرض. كما هو في السماء أيضًا، فتملك على الأرض كما تملك في السماء تمامًا، لتكن الأرض سماء أو كالسماء في تقديس اسمك، وفي الخضوع لملكوتك، وفي تنفيذ مشيئتك.
ولتكن الكنيسة سماء لك.
كما أن السماء هي كرسي الله، لتكن الكنيسة كذلك مثل السماء تمامًا، وكما في السماء أنوار، والكنيسة كذلك مملوءة بالأنوار، بل هي نور العالم وكما في السماء ملائكة، خدام الكنيسة أيضًا هم ملائكتها، كما قيل عن ملائكة الكنائس السبع (رؤ2)، ويلبسون في الخدمة ثيابًا بيضاء كالملائكة. وكما أن السماء نقية، هكذا “ببيتك ينبغي التقديس يا رب كل الأيام” (مز 94). وكما أن السماء مسكن الله، كذلك الكنيسة هي بيت الله. هي كأورشليم السمائية “مسكن الله مع الناس”. تنظر إليها فتقول: كما في السماء، كذلك على الأرض”.
الكنيسة هي المكان الذي يتقدس فيه اسمك، ويأتي فيه ملكوتك، وتنفذ فيه مشيئتك، كما في السماء.
لذلك كان الخطاة يعزلون من الكنيسة خارج المجمع، لكي تبقي الكنيسة مجموعة من القديسين.. كالسماء..
ولكن لكي تصبح الكنيسة سماء، أعطنا يا رب خبزنا الروحي.
إن أعطيتنا هذا الخبز الروحي.. ستنمو أرواحنا وتقوي.. وتستطيع أن تنفذ مشيئتك.. كما في السماء كذلك على الأرض.
وإن نفذنا مشيئتك هكذا.. يكون قد أتي ملكوتك الروحي الذي نطلبه في صلواتنا.
وإن أتي ملكوتك بهذه الطريقة.. فطبيعي أن اسمك سيتقدس على الأرض بانتشار الإيمان والبر في هذا الملكوت الروحي..
إذن هذه الطلبات الأربع مترابطة تمامًا ببعضها البعض. كل واحدة منها توصل إلى الأخرى. وهذا لا يتأتى إلا إذا كان المقصود بالخبز.. الخبز الروحي..
فما هي الأدلة التي تثبت أن الخبز الروحي هو المقصود؟
1 – هذا أمر طبيعي يتفق مع تعليم السيد المسيح.. الذي لما جاع أخيرًا بعد أن صام أربعين يومًا.. وقدم له الشيطان تجربة الخبز المادي.. رفضها وأجاب: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.. بل بكل كلمة تخرج من فم الله” (مت4: 4) (تث8: 3).
2 – وهو الذي أوصانا في العظة على الجبل ” لا تهتموا قائلين ماذا نأكل أو ماذا نشرب.. فإن هذه كلها تطلبها الأمم” (مت6: 31، 32). فهل يعود ويعلمنا في الصلاة الربية، أن نهتم بهذه التي تطلبها الأمم؟!
إنه يقول “اطلبوا أولًا ملكوت الله وبره” ولا يقول: ثم بعد ذلك اطلبوا هذه الأمور المادية. حاشا، بل يقول “وهذه كلها تزاد لكم”، “لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها” (مت6: 32، 33). دون أن تطلبوا..
3 – ويقول أيضًا “اعملوا لا للطعام البائد، بل الطعام الباقي للحياة الأبدية” (يو6: 27). فهل بعد هذا يأمرنا أن نصلي من أجل هذا الطعام البائد؟ لا شك إذن أنه يقصد بالخبز الطعام الباقي للحياة الأبدية”. أي للغد.
4 – ثم هل من المعقول أن تكون أول طلبة خاصة بنا، هي الخبز المادي؟! المعروف إن الطلبات الثلاث الأولي خاصة بالله ” ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك.. ” ثم بعد ذلك أربع طلبات خاصة بنا. هل من المعقول أن تكون أولى هذه الطلبات هي الخبز المادي؟ هل يعلمنا الرب أن نطلب هذا الخبز قبل أن نطلب مغفرة خطايانا، وقبل قولنا: لا تدخلنا التجارب، لكن نجنا من الشرير؟! هل الخبز المادي أهم من مغفرة الخطايا، وأهم من الخلاص من الشرير؟!
5 – ثم هل من المعقول أن يطلب الرب منا أن نكرر طلبة الخبز المادي كلما صلينا؟! لأنه يقول “متي صليتم فقولوا هكذا: أبانا الذي في السموات” (لو11: 2).
فهل إذا كررنا هذه الصلاة الربية عديدة في اليوم الواحد، نكرر أيضًا الطلبة من أجل الخبز المادي مرات عديدة كل يوم؟! إن هذا لا يتفق مع التعليم الروحي الذي للسيد المسيح حيث يقول “لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون” (مت 6: 25). ضاربًا لنا مثلًا بطيور السماء..
6 – ويمكن تأكيد هذا أيضًا من فحص الكلمة اليونانية الخاصة بهذه الطلبة وهي إيبي اوسيوس.
الكلمة اليونانية تتسع لثلاث معان هي الجوهري أو الجوهري جدًا، أو الذي للغد، أو الكفاف.
فلماذا نحصرها في معني الكفاف؟ ولماذا نأخذ عبارة (الكفاف) على أنها تعني الخبز المادي.
إن كان المقصود الخبز الجوهري من كلمة (أوسيا) اليونانية بمعني جوهر، فلا يمكن أبدًا أن يكون معناها الخبز المادي.
وإن كانت ترجمة الكلمة اليونانية (الذي للغد) كما في الترجمات القبطية، فالمقصود هو الخبز الذي للحياة الأبدية التي هي الغد بمعناه الواسع.
وحتى إن ترجمت بالكفاف، فلا يمكن أن تعني الخبز الجسدي.
أنها هي من الناحية الروحية – إن ترجمناها هكذا، أوصلاها البعض هكذا – إننا نريد منك يا أبانا السماوي أن تعطينا خبزنا الروحي الذي يكفينا.
لا ينقص. فنقع في الفتور. ولا يزيد، فنقع في الغرور.
نريد ما يكفينا لقيام حياتنا الروحية ولا نريد أزيد، فقد علمنا الرسول ألا نرتئي فوق ما ينبغي (رو12: 3). ولا نريد أزيد حتى لا نقع في المجد الباطل أو الكبرياء، أو يضربنا العدو بضربة يمينية.
إذن عبارة الكفاف. يمكن أن تقال أيضًا بمفهوم روحي. خاص بالخبز الروحي.
أنا لا أريد أن أدخل في بحث لغوي أو جدل لغوي، فحديثي معكم حديث روحي خالص.. وكل ما أريده لكم في صلواتكم أن تقصدوا الخبز الروحي الذي للحياة الأبدية.
فماذا هو هذا الخبز؟
هو كلمة الله، كما قال السيد المسيح (مت4: 4)، وكما ورد في سفر التثنية (8: 3) فكلام الله غذاء القلوب.
والخبز الروحي أيضًا هو سر الإفخارستيا هو السرائر المقدسة كما شرح الرب في إنجيل يوحنا “أنا هو الخبز الحي النازل من السماء” (يو6: 32- 51). إنه خبز الحياة.
غذاؤك هو الله نفسه “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب”.
وغذاؤك الروحي هو كل ما يغذيك روحيًا، من صلاة وتأمل، واجتماعات روحية، وألحان وترانيم.. وقد تتغذي أيضًا بالحب الإلهي وبالفضيلة.
وحينما تقول للرب “أعطنا” ماذا تقصد بهذه العبارة؟
تقصد أنك تطلب غذاءك الروحي من الله نفسه، مصدر النعم كلها، والذي يعرف ما تحتاجه.
وإن كان الله يعطيك، فلا تعطل عطيته، بالتراخي في تناول غذائه.
اهتم بغذاء روحك، كما تهتم بغذاء جسدك، بل أكثر.
أنت تعطي جسدك طعامًا كل يوم بوجبات متعددة وبكميات كافية، ومن كل العناصر. فعامل روحك هكذا أيضًا.
إن لم يأخذ الجسد غذاءه يمرض ويضعف. وهكذا الروح أيضًا.
تذكر هذا كلما تصلي.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 2-8-1981م


