حياة يشوع 1

أود اليوم أن أحدثكم عن حياة رجل ناجح من رجال الله هو يشوع، لكي نعرف أسباب النجاح في حياته فنسير على نهجه.
فما هي الخصائص الروحية التي تميزت بها حياة يشوع، وكانت سببًا لنجاحه؟
حياة يشوع1
حياة التلمذة:
أول سبب في نجاح يشوع هو حياة التلمذة، التلمذة على معلم روحي قدير، تتلمذ عليه يشوع مدى أربعين سنة، ذلك هو موسى النبي.
في هذه الفترة الطويلة أمكنه أن يمتص الحياة الروحية من موسى. كان موسى “يدخل في السحاب.. ويكلم الرب موسى وجهًا لوجه، كما يكلم الرجل صاحبه… وإذا رجع موسى إلى المحلة، كان خادمه يشوع بن نون الغلام، لا يبرح من داخل الخيمة” (خر33: 8- 11).
كغلام، كان يشوع يخدم معلمه، ويلازمه، ويتتلمذ عليه، طول حياة معلمه كلها. وأول مدرسة تعلم فيها على يد موسى، كانت مدرسة الرؤى…
رأى معلمه يكلم الله وجهًا لوجه… رأى السحاب، ومجد الله في الخيمة… ودخل أيضًا في مدرسة الصلاة، حينما دخل في الحرب مع عماليق. كان يشوع قائدًا للجيش، وكان موسى يرفع يديه بالصلاة. وكلما كان موسى يرفع يديه، كان الجيش ينتصر. وإن انخفضت يداه انهزم الجيش.
عرف يشوع بالخبرة أن سيفه بدون يدين مرفوعتين، لا يجدي ولا يمكن أن يحقق له النصر.
ثم مات موسى، ووقف سيف يشوع وحيدًا بدون هاتين اليدين المرفوعتين أصبح يشوع يقوم بعمله وبعمل موسى، بواجب القائد وواجب المصلي…
لقد تعلم أهمية الصلاة وقوة اليدين المرفوعتين. وتدخل الله في القتال، وعرف أن الحرب للرب، والرب قادر أن يغلب بالكثير وبالقليل.
أخذ درسًا آخر من موسى النبي قال عنه الكتاب: “وكان الرجل موسى حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض” (عد12: 3).
في إحدى المرات رأى يشوع رجلين يتنبآن، ففكر أن يردعهما حرصًا على معلمه كما لو كانت النبوءة وقفًا عليه! فقال له موسى: “هل تغار أنت لي؟! يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء”.
وكان درسًا إذ رأى موسى متخلصًا من الذاتية، ومهتمًا بالملكوت.
يشوع تتلمذ على موسى: على تعاليمه، وعلى حياته. امتص منه الروحيات. وعندما كبر موسى، قال له الرب: “خذ يشوع بن نون، رجلًا فيه روح… وضع يدك عليه، وأوقفه قدام اليعازار الكاهن… واجعل من هيبتك عليه”.
أعده الله 40 سنة قبل أن يسلمه الخدمة. وهذا يظهر لنا أهمية التلمذة والإعداد للخدمة قبل تحمل المسئولية.
كثيرون يخطئون لأنهم لم ينالوا فترة تلمذة كافية، ووصلوا إلى أماكن القيادة بسرعة.
لاحظوا أن رسل السيد المسيح كانوا يسمونهم تلاميذ، وعاشوا حياة التلمذة ملازمين للرب عدة سنوات، ومع ذلك قال لهم: “لا تبرحوا حتى تلبسوا قوة من الأعالي”.
هذه التلمذة ظهرت أيضًا بوضوح في حياة القديسين، وبستان الرهبان حافل بقصص عجبيه في حياة التلمذة هذه…
أما أنت فإذا لم تستطع أن تتلمذ على القديسين مباشرة، تتلمذ على كتبهم وأفكارهم وروحياتهم. حتى إن صرت معلمًا لغيرك، استمر تلميذًا لمن هو أكبر منك.
هناك أشخاص تنتهي تلمذتهم عندما يصيرون معلمين… لكن سعيد هو الإنسان الذي يعيش تلميذًا كل أيام حياته: تلميذًا للرب، وتلميذًا للكهنة، وتلميذًا للقديسين، وتلميذًا للكتب التي وضعها الآباء.
أول شيء في قوة يشوع إنه أخذ فترة تلمذة كافية. ومع ذلك فعندما تحمل المسئولية كان خائفًا… كان خائفًا للأسباب: أولا لأن المسئولية كبيرة جدًا، وثانيًا لأنه سيتعامل مع شعب عنيد صلب الرقبة، وثالثًا لأن الأعداء الخارجيين كانوا أقوياء، ورابعًا لأن الفراغ الذي تركه موسى النبي العظيم كان فراغًا كبيرًا شعر أمامه بضآلته…
كان خائفًا لدرجة أن الله بين الحين والآخر كان يشجعه قائلًا: “تشدد وتشجع.. أنا معك.. لا أهملك ولا أتركك”.
كان خائفًا على الرغم من أنه قضى 40 سنة في التلمذة العميقة، وعلى الرغم من أنه كان إنسانًا روحيًا مملوءًا من الحكمة…!
إذ قد قال عنه الكتاب: “ويشوع بن نون كان قد امتلأ روح حكمة… إذ وضع موسى يديه عليه…” وكان خائفًا على الرغم من الوعود الإلهية الكثيرة التي شجعه الرب بها. حقًا إن هذا الخوف يدل على إدراك عميق للمسئولية. وكثيرًا ما يحمل عدم الخوف في أمثال هذه المسئوليات لونًا من الاستهتار واللامبالاة.
وعود الله المشجعة:
ما أكثر الجبابرة الذين لا يختارهم الرب لأنهم معتمدون على جبروتهم. وإذا نجحوا، ينسبون النجاح إلى ذكائهم وقوة شخصيتهم وذراعهم البشري!!
لذلك حسنًا قال الكتاب: “اختار الله ضعفاء العالم ليخزي بهم الحكماء”… وهكذا أخذ الرب الرجل الخائف يشوع بن نون الذي لن ينسب النجاح إلى نفسه، لأنه أدرى بعجزه وضعفه… ولكنه إذ اختاره، لم يتركه وحده، بل ألبسه قوة إلهية من فوق…
عجيبة هي عبارات التشجيع التي قوى بها الرب عبده يشوع!
قال له: “لا يقف إنسان في وجهك كل أيام حياتك. كما كنت مع موسى أكون معك. لا أهملك ولا أتركك. تشدد وتشجع” (1: 5).. كان يشوع بن نون رجل قتال منذ صباه. ولكن أقوى سلاح استخدمه في حياته، كان هو هذا الوعد الإلهي.
“لا يقف إنسان في وجهك كل أيام حياتك“…
بنفس هذا الوعد تقريبًا شجع الرب عبده إرميا، وكان خائفًا أيضًا ويقول: “لا أعرف أن أتكلم لأني ولد”. فقال له الرب: “لا تقل إني ولد… لا تخف من وجوههم، لأني أنا معك لأنقذك يقول الرب… ها قد جعلت كلامي في فمك… هأنذا قد جعلتك اليوم مدينة حصينة، وعمود حديد، وأسوار نحاس على كل الأرض. فيحاربونك، ولا يقدرون عليك، لأني أنا معك، يقول الرب، لأنقذك”(إر1: 7، 19).
ليتنا كهؤلاء القديسين، نقف أمام الله كضعفاء، لكي نسمع منه هذه الوعود، ولكي يعطينا قوته فنحارب بها.
إن قصة يشوع قصة جميلة: ترينا كيف يعمل الله في الخادم الضعيف، ويعطيه صلابة وصمودًا، فلا يقف إنسان في وجهه كل أيام حياته. يسقط عن يساره ألوف، وعن يمينه ربوات. الفخ ينكسر، وهو ينجو… ليس فقط في معركة واحدة أو اثنتين أو ثلاث، وإنما “كل أيام حياته”.
إنه نفس الوعد الذي أعطاه الله للكنيسة، قائلًا لها:
“كل آلة صورت ضدك لا تنجح. أبواب الجحيم لن تقوى عليك… ثقوا أنا قد غلبت العالم”…
نفس الوعد الذي شجع به الله عبده يعقوب، وهو ضعيف وخائف، وهارب من أخيه عيسو… وفيما هو هارب في الطريق قابلته وعود الله “ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب… وأردك إلى هذه الأرض” هذا ما سمعته أذناه. أما ما رأته عيناه فكان سلمًا واصلًا بين السماء والأرض، تصعد عليه الصلوات، وتهبط منه محبة الله وعطاياه…
داود أيضًا كان يعيش بوعود الله، لذلك قال للرب:
“اذكر لي كلامك الذي جعلتني عليه أتكل… هذا الذي عزاني في مذلتي” (مز118)
تلاميذ المسيح أيضًا عاشوا معتمدين على وعوده: على قوله لهم “ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” “لا أترككم يتامى” “حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم”، نقشتكم على كفي”، “جميع شعور رؤوسكم محصاة” “أنا ماض لأعد لكم مكانًا”…
حقًا يا رب، أذكر لنا كلامك الذي جعلتنا عليه نتكل.
سعيدة هي النفس التي تستريح في ظل هذه الوعود…
تقول للرب في ثقة: “إن سرت في وادي ظل الموت، لا أخاف شرًا لأنك أنت معي. عصاك وعكازك هما يعزيانني” “إن يحاربني جيش، فلن يخاف قلبي، وإن قام عليَّ قتال، ففي هذا أنا مطمئن”.
لا شك أن هذه الوعود أعطت يشوع قوة وصلابة…
إن قصته هي قصة الإنسان الذي يعمل مع الله. السيف يحارب، واليدان مرفوعتان إلى فوق… الإيمان موجود، والإرادة البشرية تعمل معه… إنها قصة الضعيف القوي، الجبار.
سر قوة يشوع:
أولًا: يد الله العاملة معه: لا أهملك ولا أتركك.
ثانيًا: حياة التلمذة الروحية الطويلة التي عاشها.
ثالثًا: كانت فيه روح الحكمة.
رابعًا: كانت كلمة الله لا تبرح فمه نهارًا وليلًا.
قال له الرب: “لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك”…
“بل تلهج فيه نهارًا وليلًا. لكي تتحفظ للعمل حسب كل ما هو مكتوب فيه، لأنك حينئذ تصلح طريقك، وحينئذ تفلح”.
هذه هي صفة الرجل الناجح “في ناموس الرب مسرته، وفي ناموسه يلهج نهارًا وليلًا” (مز 1). وهكذا قال الرب: “لتكن هذه الكلمات التي أوصيك بها اليوم على قلبك. وقصها على أولادك. وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وحين تمشي في الطريق، وحين تنام، وحين تقوم”(تث 6).
حقًا ما أعجب قول داود: “الرؤساء قاموا عليَّ. أما أنا فكنت أتلو في وصاياك ”
(مز 118). وماذا تفعل بهؤلاء الأعداء إذن؟ إنني أتركهم لله. فهم ليسوا أعدائي، وإنما هم أعداؤه. أنا أتلو في وصاياه، وهو يتولى التصرف معهم. وكما وعدنا قبلًا “الرب يحارب عنكم وأنتم تصمتون”…
حقًا، إن كان كتاب الله في قلبك، تكون أنت في قلب الله. إن كانت كلمة الله على فمك، يكون فمك، مقدسًا بالكلمة الإلهية. إن صادقت الكتاب، يصير الله صديقًا لك…
لا شك إننا أقل كثير من آبائنا الذين كانوا يحفظون الكتاب حفظًا، كلمات الله على ألسنتهم، لا يحتاجون إلى كتاب…
إننا في زمان انتشرت فيه الطباعة، وكثرت الكتب، وقل الحفظ. قديمًا لم تكن الكتب كثيرة، فكانت الذاكرة تشتد لتعوض النقص. وكانت كلمات الله في قلوب الناس، لا في مكتباتهم.
ما أجمل قول داود: “خبأت كلامك في قلبي، لكي لا أخطئ إليك”. وبهذا الشكل عاش يشوع، وأدى رسالته ونجح… الله الذي كان معه، فليكن معنا جميعًا، آمين…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الخامس) 31-1-1975م


